العملات الرقمية: من المنع والتشكيك إلى الاهتمام العالمي

اهتمام البنوك المركزية والبنوك التقليدية والشركات العابرة للقارات المتزايد بشراء واستعمال البتكوين والعملات الرقمية، يشكل نقطةً فارقةً وقطيعةً جديدةً مع مرحلة الشك والريبة التي طبعت العلاقة بين هذه المؤسسات البنكية والتمويلية التقليدية والفاعلين بقطاع العملات الرقمية منذ 2008.

مستقبل الذهب الرقمي

رغم الاتجاه العام لتزايد تجارة بيع وشراء العملات الرقمية عبر العالم، يبقى موقف الغالبية الساحقة من الحكومات والبنوك المركزية في العالم ملتزمًا بالحظر بشكل مباشر أو غير مباشر لكل خدمات التداول والحفظ والإصدار.

هذا الموقف الرسمي الرافض لتجارة العملات الرقمية لم يمنع انتعاش هذه السوق الواعدة، التي تعتبرها الحكومات أموالًا لا تخضع لأي آليات تنظيم أو إشراف من طرف سلطة تنظيمية مركزية، كما هو الحال بالنسبة للعملات الورقية والنقدية من طرف البنوك المركزية.

الدليل على ذلك النمو المطّرد لقيمة أهم العملات الرقمية: فالبتكوين، التي كانت تساوي عند انطلاقها في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2008 ما قيمته 0.001 دولار للعملة الواحدة، تجاوز ثمن هذه العملة الافتراضية في أبريل/نيسان 2021، سقف 60 ألف دولار، أي أن قيمة البتكوين تضاعفت بنسبة 60 مليون مرة خلال 13 سنة.

من المؤكد أيضًا أن ميدان العملات الرقمية يعتمد على المضاربة مع نسبة عالية من المخاطرة، لكن هذا لا يمنع من أن هذا السوق وصل إلى مستوى نضج ومهنية، إلى درجة أن إحدى أهم الشركات الدولية Coinbase تم إدراجها يوم 14 من أبريل/نيسان 2021 في بورصة Nasdaq بقيمة سوقية تقدّر بـ86 مليار دولار، أي أكثر من الرقم القياسي الذي كان بحوزة فيسبوك سنة 2012، الذي بلغ 81 مليار دولار.

من جهة أخرى، كبريات الشركات الأمريكية والمحافظات الاستثمارية أصبحت تستثمر بشكل كبير وعلى نطاق واسع بالعمليات الرقمية، فمثلًا شركة السيارات Tesla استثمرت بداية سنة 2021 أكثر من 1.5 مليار دولار بالبتكوين، بالإضافة إلى قبول الدفع بهذه العملة الرقمية لشراء سياراتها. وذلك قبل أن تعلق البيع “بسبب القلق بشأن تغير المناخ”.

الاهتمام نفسه عبّرت عنه شركة خدمات الدفع الإلكتروني Square وشركة البرمجيات MicroStrategy، وكذا الصندوق الاستثماري BlackRock الذي حوّل جزءًا من أصوله المالية إلى البتكوين.

كما شكل إعلان مجموعة باي بال الأمريكية العملاقة في مجال الدفع الإلكتروني في الفصل الأول من سنة 2021 أنها تقبل المدفوعات بالعملات الرقمية، مبادرة مسرّعة لقبول عمليات الدفع بهذه العملات الافتراضية، خصوصًا بتكوين وإيثريوم، ومكّن هذا القرار ملايين المشتركين في خدمات باي بال من استعمال عملات الذهب الرقمي إلى جانب وسائل دفع أخرى.

رهان الين الرقمي الصيني

رغم الموقف الحذر للبنوك المركزية من عالم العملات الرقمية، فإن البعض منها، خاصة دول سنغافورة وكوريا الجنوبية وأستراليا والولايات المتحدة، ترخّص لعمل الشركات المتخصصة في بيع وشراء هذه العملات، مثل منصات التداول Coinbase وBinance.

من جهة أخرى، بدأت بعض البنوك المركزية التفكير جديًّا في إطلاق عملة وطنية رقمية، أو ما يعرَف بـ Central Bank Digital Currency (CBDC)، كما هو الحال في الصين وليتوانيا، الهدف من هذه المبادرة هو تيسير عمليات الدفع أونلاين والتخفيف من ثقل التعامل بالعملات الورقية.

قطع مشروع العملة الرقمية الصينية Yuan Digital في مجال CBDC، أشواطًا متقدمة في مرحلته التجريبية، بحيث أُجريت أول عملية دفع دولية به مع هونغ كونغ شهر أبريل/نيسان 2021، وذلك بعد نجاح عمليات الدفع محليًّا في ثلاث مدن محلية.

هذه المرحلة المفصلية تشير إلى إرادة الصين تسريع وتيرة استعمال عملتها الرقمية كشكل جديد، لتجاوز احتكار الدولار الأمريكي في المعاملات الدولية، والدليل على ذلك انطلاق مشروع تعاون في هذا المجال مع العديد من البنوك المركزية، خاصة تايلاند والإمارات العربية المتحدة، وذلك لاستعمال هذه العملة الرقمية كوسيلة دفع في المعاملات التجارية الدولية.

هذه المبادرات الخاصة والعمومية للتعامل الحذر مع العملات الرقمية، تبرز مدى التطور في المواقف الذي انتقل من المنع والتشكيك إلى بداية الاهتمام قبل الوصول إلى الاعتراف الكلي، كما هو الحال لدى المشروع الأمريكي الذي سمح منذ يوليو/تموز 2020 للمؤسسات البنكية بشراء العملات الرقمية وحفظها لفائدة عملائها بشكل قانوني، الشيء الذي رفع سقف الثقة لدى المستثمرين للجوء إلى شراء العملات الرقمية، التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على نخبة مالية وتقنية ضيقة تفضّل دائمًا البقاء في الخفاء.

عمليًّا، أصبح بإمكان عملاء هذه البنوك طلب حفظ المفاتيح المشفرة لحسابات البتكوين والعملات الرقمية، كنشاط جديد للمؤسسات البنكية المكلّفة بالمحافظ الاستثمارية، ودور البنك سيكون مفصليًّا لحماية العملاء كي لا يفقدوا هذه المفاتيح المشفرة الضرورية للتصرف في ادخاراتهم من العملات الرقمية.

حذر البنوك لم يمنع تزايد اللجوء المطّرد إلى شراء العملات الرقمية، خاصة بسبب تداعيات جائحة كورونا وأثرها في اضطراب الاقتصاد العالمي، التي شكلت عاملًا غير مباشر في تسريع وتيرة الثقة بالعملات الرقمية أو ما أصبح يعرف بالذهب الرقمي، والدليل على ذلك ارتفاع قيمة البتكوين المطّرد منذ شهر مارس/آذار 2020، مستفيدًا من تراجع قيمة الدولار واستقرار أسعار الذهب.

من جهة أخرى، استمرار تجديد قرارات الحجر الصحي ومنع التجول في العديد من دول العالم، بسبب توالي موجات تحوُّر فيروس كورونا، دفع المواطنين والمستثمرين إلى اللجوء لعملات الذهب الرقمي، خاصة في الدول التي عرفت عملاتها الوطنية تدهورًا ملحوظًا أمام الدولار واليورو، بسبب تزايد القيود على شراء العملات الأجنبية، خاصة الدولار، كما أصبح اللجوء إلى العملات الرقمية خيارًا أسهل وأرخص لتجاوز القرارات التضييقية للبنوك المركزية في هذا المجال.

مسار التغيير في التعامل مع البتكوين والعملات الرقمية يبقى متفاوت السرعة، خاصة أن غالبية الدول، ومن ضمنها الدول العربية، تطبّق عقوبات مالية أو السجن على كل تعامل بهذه العملات الرقمية، بحجّة خطر القرصنة والسرقة أونلاين، أو باعتبارها وسيلة لتهريب الأموال خارج هذه الدول عبر عمليات غسل أموال أو تمويل حركات إرهابية.

هذا المنع العمومي الصريح للذهب الرقمي يضاف إليه موقف العديد من الهيئات الدينية ومراكز الإفتاء، التي في غالبيتها تعتبر التعامل بهذه العملات غير موثوق وغير متوافق مع مبادئ المالية الإسلامية بسبب خطر السرقة والغبن.

على كل حال، المقاربة البراغماتية للمشروع الأمريكي والبنك المركزي الصيني، تفسر أن الرهان الآن ليس المنع والتحريم بقدر ما هو إيجاد منظومة حماية للمتداولين بهذه السوق، والتقليل من مخاطر اللجوء إلى العملات الرقمية كوسيلة سهلة من أجل غسل الأموال وتمويل الحركات الإرهابية، إضافة إلى توفير ضمانات من طرف المنصات الإلكترونية المتخصصة بإنشاء العملات الرقمية على مدى تحكمها في كل المخاطر التقنية والمالية المرتبطة بنشاطاتها.

سيكون لديناميكية السوق الأمريكية والصينية لا محالة أثر على اتساع الاعتراف بالعملات الرقمية عبر العالم، والدليل على ذلك تنامي إطلاق مشاريع خاصة وعمومية في العديد من الدول لاستعمال تقنية الـ”بلوك تشين” (Blockchain)، التي تشكل البنية التقنية لمختلف عملات الذهب الرقمي.

إضاءات تعليمية …. التعليم وأثره في اقتصاد الدول والأفراد

 

يعتبر التعليم محركًا قويًا للتنمية الاقتصادية للدول وأحد أدوات الحد من الفقر، ويساعد التعليم على نشر السلام والاستقرار بين الدول. كذلك يساعد التعليم على توفير فرص توظيف للأفراد وزيادة الدخل المادي للأسر. فحسب دراسة للبنك الدولي حول تأثير التعليم على الدخل فإن دخل الفرد يزيد بنسبة 9% في الأجر بعد التحاقه بسوق العمل مقابل كل عام إضافي من التعليم المدرسي. ولا يقتصر الأمر على المستوى الفردي لكنه يمتد ليشمل المستوى القومي أيضًا، حيث أجرت المؤسسة الدولية دراسة عن العلاقة بين جودة التعليم (والتي تم قياسها باستخدام اختبارات عالمية في الرياضيات والعلوم) ومستوى نمو الدخل القومي، وخلصت الدراسة التي أجريت على بيانات 50 دولة طيلة 40 عامًا إلى تفوق الدول التي تتمتع بتعليم أفضل على تلك التي لا تتمتع به في معدلات النمو بنسبة تبلغ 2% سنويًا خلال تلك الأعوام الأربعين. كذلك يحفز التعليم الابتكار في المؤسسات ويعزز التماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين الجنسين.
وتشير دراسة لـجامعة هارفارد إلى أن أهمية التعليم وتأثيره في النمو الاقتصادي والاجتماعي يرجعان لأكثر من سبب منها أن الاستثمار في رأس المال البشري يزيد من الناتج العالمي بنسبة 62%، وتزيد هذه النسبة في الناتج مع زيادة نسبة الخدمات المقدمة للأفراد كما تشكل زيادة الآلات والموارد الطبيعية النسبة الباقية. وتؤكد هذه البيانات أن الاستثمار في الموارد البشرية أمر مربح أكثر من الاستثمار في الآلات أو في اكتشاف الموارد الطبيعية على الرغم من أهميتهما. كما تؤشر الدراسة إلى أن الدولار الواحد الذي يتم إنفاقه على التعليم في أي دولة، خاصة في الدول النامية، يعود إليها دخلًا سنويًا يتراوح بين 7-10 دولارات بين 15-20 سنة والذي يزيد من الاستثمارات طويلة المدى بالإضافة إلى أن فرص التعليم تساعد على تحسين مهارات وقدرات المتعلمين.
في الوقت الحالي تمر جميع الدول سواء المتقدمة أو النامية بجائحة كورونا والتي أدت إلى إغلاق المدارس منذ أوائل عام 2020، ما أدى إلى خسائر في التعليم وهذه الخسائر لن يتم تعويضها بسهولة حتى لو عادت المدارس إلى مستويات أدائها السابقة قبل الإغلاق. سيكون لهذه الخسائر آثار اقتصادية طويلة المدى على كل من الطلاب المتضررين وعلى مستوى الدول ما لم يتم علاج هذه الخسائر بشكل فعال. وفقدان فرص التعليم سيؤثر في اقتصاد الدول والأفراد خاصة في الدول النامية التي تعاني من تسرب الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة.
إن خسائر التعليم غير معروفة حتى الآن بشكل دقيق، إلا أن الأبحاث الحالية تشير إلى أن الطلاب في الصفوف في المراحل الابتدائية والثانوية المتأثرين بإغلاق المدارس قد يتوقعون دخلًا أقل بنسبة 3% خلال سنوات حياتهم. أما بالنسبة للدول، فإن هذه الخسائر ستؤدي إلى انخفاض متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 1.5% للفترة المتبقية من القرن بسبب انخفاض النمو على مستوى الطلاب. وستزداد هذه الخسائر الاقتصادية إذا كانت المدارس غير قادرة على تعويض هذا الفقدان في التعليم. وبالطبع فإن الخسائر الاقتصادية ستكون أكبر في الدول الفقيرة التي تسرب فيها الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة. حيث يؤكد إريك أ. هانوشيك الخبير في اقتصاد التعليم في جامعة ستانفورد أن الدول ستتكبد خسائر اقتصادية هائلة وإن إعادة المدارس إلى حيث كانت في عام ٢٠١٩ لن يجنبنا مثل هذه الخسائر وربما سيجعل الوضع أفضل.
هناك بعض الأساليب التي يمكن أن تخفف من حدة هذه الخسائر وهي بالتركيز على الاستثمار في جهود المعلم والطالب. إن الاهتمام بالنواحي اللوجستية مهم ولكن لابد أن يتم التركيز على الطالب والمعلم للتخفيف من هذه الخسائر وبالتالي حماية اقتصاد الدول والأفراد. حيث تشير الأبحاث الحالية إلى أن الاهتمام بتطوير مهارات المعلمين لتتماشى مع المهام والأنشطة التي يحتاجها الطالب يمكن أن ينقل المدارس بسرعة إلى أداء عالٍ. بالإضافة إلى أن الاضطرابات التي حدثت لأنظمة التعليم ستؤدي إلى زيادة الاختلافات في مستويات التعلم داخل الفصول الدراسية، لذلك فإن التركيز على المزيد من التدريس الفردي يمكن أن يجعل جميع الطلاب أفضل حالًا.
إضاءة أخيرة: مع استمرار جائحة كورونا واحتمالية إغلاق المدارس مرة أخرى، من الطبيعي تركيز اهتمام كبير على آليات ولوجستيات إعادة الفتح الآمن. لكن الآثار الاقتصادية طويلة الأجل تتطلب أيضًا اهتمامًا جادًا من خلال الاستثمار في رأس المال البشري فهو أساس تقدم الدول.
باحثة في سياسات التعليم
د.أسماء الفضالة

مفاتيح لتنمية ذاكرة الأطفال

لا يمكن التحدث عن التعلم دون الحديث عن الذاكرة المسؤولة عن تخزين كل المعرفة التراكمية التي اكتسبناها حتى نتمكن من استخدامها لاحقًا. لذلك، من المهم تقوية ذاكرة الطفل منذ نعومة أظفاره.
يمكن تقوية ذاكرة الطفل مع مراعاة ما يحفزه ومدى اهتمامه بالمحتوى الذي يتعين عليه تذكره. إن الذاكرة مهمة جدا في حياتنا أكثر مما نتصوّره. تحتفظ أدمغتنا بالمعلومات بشكل لا إرادي فيمات يسمى بـ “الذاكرة التلقائية” في حين أن نسبة ضئيلة من المعلومات نحتفظ بها بصفة طوعية. لهذا السبب، يعتبر الاهتمام عاملا أساسيا في عملية التعلم.

أنواع الذاكرة لدى الأطفال

يمكن تعريف ذاكرة الرضيع خلال الأشهر الأولى من ولادته بأنها الطريقة التي يتعرف بها الأطفال على مواقف معينة مروا بها سابقًا. قبل بلوغ السادسة، تكون الذاكرة أشبه بسيرة ذاتية، أي أن الطفل في هذه المرحلة يتذكر الأحداث الماضية لكن ليس لديه القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات طواعية. وحين يبلغ الطفل السادسة، تصبح الذاكرة ناضجة ويكون دماغ الطفل قادرا على تخزين المعلومات طواعية. وهذا يعني أن هناك أنواعا مختلفة من الذاكرة التي تصنف حسب معايير معينة.

حسب نوع المعلومات

– الذاكرة الدلالية: مسؤولة عن تخزين المعلومات المتعلقة بالمعرفة والحقائق العامة للعالم.
– الذاكرة العرضية: تتمثّل وظيفتها في تخزين الأحداث واللحظات والأماكن والعواطف من أحداث الحياة الماضية.
– الذاكرة الإجرائية: تشير إلى القدرات أو المهارات التي تم اكتسابها والتي نقوم بتنشيطها دون وعي وتلقائيا من خلال الحركات أو الاستراتيجيات المعرفية مثل التزلج وركوب الدراجة والقيادة، من بين أنشطة أخرى.
– الذاكرة اللفظية: تجعل المعلومات تأتي إلينا عبر القناة السمعية حيث علينا أن نتذكر الكلمات وعنصرا لفظيا آخر بعد فترة قصيرة من الزمن.
– الذاكرة غير اللفظية أو المرئية: يكون الحافز الذي يجب أن نتذكره في شكل صورة بصرية.

حسب كيفية احتفاظنا بالمعلومات التي حصلنا عليها

– الذاكرة العاملة أو التشغيلية: تتعلق بالقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والتفاصيل التي ستكون ضرورية للنشاط الذي نقوم به.
 – الذاكرة طويلة المدى: حين نقوم بتخزين المعلومات، سنحتاج إلى استرجاعها على مدى فترة زمنية طويلة.

أفكار لتنمية ذاكرة الأطفال

بعد تسليط الضوء على أنواع الذاكرة، فيما يلي بعض الأفكار لتطوير ذاكرة الطفل وتعزيز اهتمامه بما يتعلمه لأن الاهتمام يلعب دورا ضروريا في تقوية الذاكرة. خلال عملية التعلم، من المهم أن يكون الأطفال سعداء ويستمتعوا بذلك لتحقيق نتائج أفضل.

احكي له قصة ثم أطرح عليه أسئلة عنها

تعتبر قراءة القصص من بين الأدوات المفيدة في تنمية ذاكرة الأطفال. احكي لطفلك قصة ثم اطرح عليه أسئلة بسيطة حولها، لتعرف ما يتذكره من أحداث وتفاصيل.

استخدام التكنولوجيا بشكل متقطع وفي الوقت المناسب

تتوفر العديد من تطبيقات الألعاب لتعزيز الذاكرة المرئية والسمعية، لكن يبنغي الحرص على عدم إساءة استخدام الشاشات.

اصنع ألغازا أو أحجية صور مقطوعة لتنمية ذاكرة الأطفال

تعد محاولة صنع الألغاز والأحجيات بعد رؤية الصورة المراد تشكيلها نشاطا رائعا لتنشيط الذاكرة وتحفيز الانتباه. كما يساعد هذا النشاط على تحسين التنسيق بين اليدين والعينين والمهارات الحركية الدقيقة.

الموسيقى

يمكن استخدام الموسيقى لتخمين الأغاني المفضلة لدى طفلك أو الكلمات، خاصة مع الأطفال الأكبر سنا.

تركيب جمل متفاوتة التعقيد

اطلب من طفلك القيام بشيء ما من خلال جملة بسيطة، ثم أضف المزيد من التفاصيل بشكل تدريجي. فعلى سبيل المثال، اطلب منه “إخراج البيجامة”، ثم “إخراج البيجامة الموجودة في الدرج” ثم “إخراج البيجامة الزرقاء من الدرج السفلي من الخزانة”. من خلال إضافة الكلمات إلى الجملة تزيد من عدد التفاصيل التي يجب عليه تذكرها للعثور على ما تطلبه منه وبالتالي تعزيز ذاكرته.

ألعاب الذاكرة

هناك أنواع مختلفة من ألعاب الذاكرة التي تقوم بشكل أساسي على نشر بعض البطاقات المقلوبة على الطاولة وتحديد مكان المتشابهة من بينها. تكمن الصعوبة في أنه عليه تذكر مكان بعض هذه البطاقات ليتمكن من مطابقتها. يمكن أيضا ممارسة لعبة “سيمون يقول”، حيث عليه تذكر تسلسل الألوان لإعادة قولها بنفس الترتيب.

تحسين ذاكرة السيرة الذاتية

يمكننا أن نطرح على الطفل أسئلة حول الأحداث الماضية وعيد ميلاده وعطلات الصيف وكيف كان يومه، وما إلى ذلك. بالإضافة إلى تمرين الذاكرة، سيكون هذا الأمر مفيدا أيضًا لمعرفة ما يفكر به أطفالنا ويشعرون به.
ليس من الصعب تطوير ذاكرة الطفولة. إذا قمنا بذلك منذ سن مبكرة، ستكون قدرة الطفل على تذكر المعلومات أكثر تطورا في المستقبل. كما تمنحك جميع النصائح المذكورة آنفا فرصة لقضاء بعض الوقت مع أطفالك ولمعرفة ما يفكرون ويشعرون به. لا تتردد في ممارسة هذه الألعاب واتباع هذه الأفكار لتحسين ذاكرة أطفالك الصغار، لأنك بذلك ستجعلهم يستمتعون بوقتهم وستتمكن من تنشيط ذاكرتهم بشكل فعال.

المصدر: مادريس إي ماس

منطق الحرب

يتواجد الجيش الأمريكي، عسكرياً أو استخباراتياً، في معظم الحروب العالمية منذ ما يقارب القرن. ولم يكن الأسلوب في كل حرب، وفي كل فترة، مشابهاً، بل اختلف وفق رؤية بعض المنظّرين العسكريين. ويتساءل هذا الكتاب عن أشكال التفكير الاستراتيجي الأمريكي وطريقة هذه القوة الساحقة على المستوى العالمي في الحرب.
 يكشف المؤرخ أنتوليو جوزيف إتشيفاريا في هذا العمل كيف فكرت الأجيال المتعاقبة من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين في الحرب. ويحلل أعمال عدد من المفكرين، متناولاً المفاهيم النقدية والمبادئ الأساسية والافتراضات الرئيسية حول طبيعة الحرب، محدداً أربعة نماذج لطبيعة الحرب: تقليدية، وحديثة، وسياسية، ومادية، شكّلت الفكر الاستراتيجي الأمريكي.
 ويقدّم الكتاب منظوراً جديداً للفكر الاستراتيجي الأمريكي في القرن العشرين. والأهم من ذلك، أنه يقدم رؤى فريدة حول كيفية تصور العديد من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين البارزين للنزاع المسلح. ويرمز العنوان «منطق الحرب» إلى طريقة عامة للتفكير في الحرب، فهو يشير إلى المنطق الذي يكمن وراء المفاهيم النقدية، والمبادئ الأساسية، والافتراضات المتعلقة بطبيعة الحرب وشخصيتها. ويستشهد الكاتب بكارل فون كلاوزفيتز، الذي يرى أن منطق الحرب دائماً سياسي بطبيعته. وبالمثل، فإن الطريقة الأمريكية في التفكير في الحرب كانت في كثير من الأحيان ذات طبيعة سياسية على حد قوله.

 سبعة أجيال من التفكير الاستراتيجي

 يعاين الكتاب على وجه التحديد، أفكار اثني عشر من كبار المنظّريين الاستراتيجيين الأمريكيين، هم: ألفريد ثاير ماهان، وويليام (بيلي) ميتشل، وبيمارد برودي، وروبرت إي أوسجود، وتوماس سي شيلينج، وهيرمان كان، وهنري إي إيكلس، وجوزيف سي ويلي، هاري جي سامرز جونيور، وجون بويد، وويليام س.ليند، وجون واردن الثالث.
 ويقول الكاتب: «في حين أن مفاهيمهم ونظرياتهم لا يمكن أن تعبّر عن الحصيلة الكاملة للطريقة الأمريكية في التفكير بشأن الحرب، إلا أنهم يمثلون جانباً معقولاً من وجهات النظر العسكرية وغير العسكرية: اثنان من الجيش الأمريكي، بما في ذلك ميتشل؛ وثلاثة من البحرية الأمريكية؛ واثنان من القوات الجوية الأمريكية، أحدهما (بويد) أصبح عضواً فخرياً في سلاح مشاة البحرية الأمريكية؛ وخمسة مدنيين، تغطي أفكارهم في مجملها أكثر من سبعة أجيال من التفكير الاستراتيجي الأمريكي. ومن المسلّم به أنه ليس كل مؤلف مذكور هنا مؤهل ليكون منظّراً استراتيجياً. فقد كان ميتشل وسامرز من النقاد والمعلقين العسكريين أكثر من كونهما منظّرين. واهتم بويد وليند وواردين بتحسين فن العمليات بدلاً من التنظير حول الاستراتيجية العسكرية. ومع ذلك، حاول كل مفكر منهم تغيير النهج الأمريكي للحرب، ونجح كل منهم على الأقل جزئياً».
 ولأغراض هذه الدراسة، تشير طبيعة الحرب إلى إحساس المؤلف بما كان عليه النزاع المسلح، من حيث الجذور؛ في حين أن طبيعة الحرب تشير إلى الجوانب الإجرائية للنزاع المسلح، أو طريقة للقتال يشمل أنواعاً من النزاعات، مثل الحرب الثورية أو الأهلية، إضافة إلى أنواع الحرب، مثل الحرب البحرية أو الحرب الجوية.
 وقدم السياق دليلاً بشكل معقول حول ما إذا كان المؤلف يعني طبيعة الحرب أو طابعها، كما هو محدد في هذه الدراسة. على سبيل المثال، يكشف في الفصول الأولى من الكتاب نقاش ماهان مع نورمان أنجيل حول ما إذا كان القتل في الحرب يمكن تبريره أخلاقياً، فقد اعتقد الاستراتيجي البحري أن الصراع المسلح أساساً هو امتداد عنيف للجانب التنافسي للطبيعة البشرية.علاوة على ذلك، من الممكن أن يكون لدى اثنين من المنظرين فهمٌ مشابه لطبيعة الحرب، ولكن هناك إحساس مختلف تماماً بطابعها. ورأى ماهان «أن القوة البحرية هي عامل حاسم». بينما اعتبر ميتشل أن «القوة البحرية طغت عليها القوة الجوية».
 ويضيف: «بالمقارنة، يستخدم المهنيون العسكريون في القرن الحادي والعشرين مصطلح طبيعة الحرب، للإشارة إلى تلك الخصائص التي تشترك فيها جميع النزاعات المسلحة.. وكل الحروب تتضمن «صراع إرادات متعارضة»، على سبيل المثال، إضافة إلى عناصر الصدفة وعدم اليقين التي تجعل من المستحيل اختزال الحرب إلى علم يمكن التنبؤ به.. ويُنظر إلى طبيعة الحرب على أنها غير متغيرة لأن تلك القوى، على الرغم من ديناميكيتها ومتغيراتها، موجودة دائماً، حتى لو كانت في حدها الأدنى. في المقابل، تشير عبارة طابع أو شخصية الحرب إلى العديد من أنواع النزاعات المسلحة، بما في ذلك أنواع المشاركين وطرقهم القتالية، والتي تختلف بشكل طبيعي عبر الزمن والثقافات.

 أربعة نماذج متميزة

 وكما يوضح هذا الكتاب، فإن ما لا يقل عن أربعة نماذج أو نماذج متميزة لطبيعة الحرب دعمت التفكير الاستراتيجي الأمريكي في القرن العشرين: التقليدية، والحديثة، والمادية، والسياسية. ويقول المؤلف: «صنف ماهان وميتشل النموذج التقليدي الذي رأى الصراع المسلح نتيجة طبيعية للغرائز التنافسية للطبيعة البشرية. ونشأ ماهان وفقاً للقيم الأسقفية وكان يعتقد أن الطبيعة البشرية لها صفة «ساقطة»، أو فاسدة. وعلى الرغم من أن ميتشل نشأ في مدرسة داخلية أسقفية، إلا أنه كان، بالمقارنة معه، أكثر حيادية. ومع ذلك، يعتقد كلاهما أن السلوك السلبي لا ينفصل عن الحالة الإنسانية، التي بدورها جعلت الحرب حتمية، ولكنها مؤسفة. والنموذج التقليدي، الذي ساد خلال الحرب العالمية الثانية، طبّق بشكل جيد على النزاعات النظامية، وغير النظامية. كما أنه لم يكن أمريكياً بشكل فريد، حيث يمكن العثور على محاولات لشرح الصراع المسلح باعتباره ثمرة للطبيعة البشرية في الكتابات العسكرية الأوروبية الكلاسيكية، مثل تأملات ماركوس أوريليوس».
أما النموذج الثاني، أو الحديث، فيرى الكاتب أنه قد توسع وصقل النموذج التقليدي بمساعدة الترجمة الإنجليزية لكتاب كلاوزفيتز عن الحرب لمايكل هوارد وبيتر باريت. ويرى الكاتب أن هذا النص الذي ساهم أيضاً في نهضة كلاوزويتز نوعاً ما، زوّد الممارسين العسكريين والسياسيين الأمريكيين بإطار عمل جاهز لتوضيح الدور المركزي للصدفة، وعدم اليقين في الحرب. وكانت الحرب لا تزال امتداداً عنيفاً للطبيعة البشرية، لكن عوامل الصدفة وعدم اليقين المنهكة حظيت باهتمام إضافي. وبحلول الخمسينات من القرن الماضي، بدأ إيكلز وويلي بدمج هذه العناصر في نظرياتهما. وساعد هذان الضابطان البحريان، إلى جانب العقيد بالجيش الأمريكي هاري سمرز، في تهيئة الظروف للتحول إلى النموذج الحديث لطبيعة الحرب.
 ويذكر الكاتب أنه تم تبني هذا النموذج بحماس من قبل ليند وبويد، ومجموعة من منظّري المناورة الآخرين خلال الثمانينات، قائلاً: «جسدت أفكار بويد أيضاً التحول العلماني المتزايد للنموذج. ورغم أنه وُلِد في عائلة كاثوليكية رومانية، لكنه أصبح يعتقد أن الطبيعة التنافسية للطبيعة البشرية محددة بيولوجياً، وهو دافع أساسي وليس عيباً روحياً».
 ويعتبر النموذج الثالث، أو المادي، لطبيعة الحرب، نزاعاً مسلحاً إلى حد كبير من خلال عدسة تكنولوجية. وقد بدأ هذا النموذج بالتشكل في أوائل التسعينات في أعقاب عملية درع الصحراء/ عاصفة الصحراء التي ظهرت فيها لأول مرة بعض قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وإن كان ذلك بأعداد محدودة. واعتبرت التأثيرات المنهكة للصدفة وعدم اليقين على أنها قابلة للتخفيف إلى حد كبير من خلال تكنولوجيا المعلومات، وانتقدت النموذج الحديث لكونه ضيق الأفق ومعادياً للابتكار.
 يقول الكاتب، إن «الجودة المادية للنموذج جاءت من الافتراض المزدوج بأن تدمير القدرة المادية المقاومة لطرف ما سيكون كافياً لتدمير استعداده للقتال، وإنه يمكن إيجاد حلول ملموسة لمعظم معضلات الحرب، على وجه التحديد، إذ إن تكنولوجيا المعلومات يمكن أن «ترفع الضباب عن حرب ما». باختصار، سعى النموذج المادي إلى تجاهل الطبيعة غير الملموسة للحرب لمصلحة طابعها الملموس. وبعد كل شيء، كان من المفترض أن يتعامل الممارسون العسكريون مع العالم المادي، وليس نظيره الميتافيزيقي. وأرست نظريات واردن الأساس لهذا النموذج، بينما طورها منظّرو القوة الجوية والمتخصصون في الضربات الدقيقة. والجدير بالذكر أن «ثالوث كلاوزفيتز» أغفل تأثيرات التكنولوجيا والقوة الاقتصادية. ومع ذلك، اقترح المؤرخ مايكل هاندل «تربيع» «الثالوث» من خلال إضافة بعد مادي عليه. وكان من الممكن أن يخلق هذا الاقتراح المساحة المفاهيمية المطلوبة لدمج النماذج الحديثة والمادية. ومع ذلك، رأى معظم مؤدي كلاوزفيتز أن الإضافة غير ضرورية، ولم يدعموها أبداً بما يكفي لاكتساب الزخم».
 النموذج الرابع، أو السياسي، كما يتحدث عنه الكاتب، يشبّه طبيعة الحرب بنابض ملفوف، ويقول عنه: «يعتبر الهدف السياسي هو المحدد الرئيسي لطبيعة الحرب، والعنصر الوحيد ذا المعنى لدى كلاوزفيتز. فهو يعتقد أن وقوع حادث صغير، أو خطأ في التقدير يمكن أن يؤدي إلى تصعيد عنيف بشكل مدمّر، ليس بسبب الطابع الآلي للحرب النووية فقط، ولكن أيضاً لأن الغرائز العسكرية والعواطف العامة كانت تُعتبر متفجرة. وحقق هذا النموذج أوضح تعبير له مع ظهور نظرية الحرب المحدودة في الخمسينات من القرن الماضي، على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يجد دليلاً على ذلك قبل ذلك بفترة طويلة، ولا يزال يؤثر في الكثير من الاستراتيجية الأمريكية، كما يتضح من حقيقة أن القرارات المعاصرة للحد من الأعمال العسكرية هي انعكاسية إلى حد كبير، وليست محسوبة. وروّج برودي وأوسجود وشيلنج وكان – مثقفو استراتيجية ويجلي – بنشاط لهذا النموذج، بحجة أن السياسة فقط هي التي تتمتع بالمنظور الواسع اللازم لضمان إدارة غرائز الجيش وعواطف الجماهير بشكل صحي».
 ويعلق الكاتب على هذا النموذج بالقول: «إن الخلل المتأصل في هذا النموذج، بالطبع، هو افتراضه أن السياسة نفسها هي عقلانية استباقية، بينما يقدم التاريخ حالات عدة يكون فيها العكس صحيحاً». ويقول في النهاية: «تظهر هذه النماذج الأربعة أدلة قليلة على «التحول» بالمعنى الذي أشاعه مؤرخ العلوم توماس كون في عمله عام 1962، «هيكل الثورات العلمية». وعرّف كون النماذج العلمية على أنها: «الإنجازات العلمية المعترف بها عالمياً، والتي توفر لبعض الوقت مشكلات وحلولاً نموذجية لمجتمع من الممارسين»، والتي تؤثر في القواعد والتوقعات والتعليم لتشكيل «الأساس لممارسة العلم»».

 الاستراتيجية وفق التحولات

 يرى المؤلف أنه في سياق مماثل، تم اشتقاق النماذج الاستراتيجية التي تمت مناقشتها من الإنجازات العسكرية المعترف بها (الاستخدامات الناجحة للقوة) التي قدمت لبعض الوقت مشاكل وحلولاً نموذجية (المفاهيم والإجراءات العقائدية) للمجتمعات العسكرية والسياسية، والتي بدورها شكلت القواعد والتوقعات، والتعليم المهني لتشكيل الأساس للممارسة الاستراتيجية الحالية. وعلاوة على ذلك، تستمر النماذج الحديثة والمادية والسياسية في المساهمة في تشكيل وتعزيز المنظر الاستراتيجي، كما يتضح من المعارك التي لا نهاية لها على ما يبدو حول ميزانية الدفاع الأمريكية والاستراتيجية العسكرية الوطنية للبلاد. وبالتالي، فإن مفاهيم طبيعة الحرب لها أهمية مركزية، على عكس ما جادل به بعض الأكاديميين أو الممارسين. فكل مجتمع يفضّل نموذجه، وإن كان غير كامل، على النماذج الأخرى، على الرغم من تقديم بعض التنازلات من أجل المصلحة المشتركة.

 أمريكا تحارب نفسها

يقول الكاتب: «يجب أن يتضمن أي تحليل للطريقة الأمريكية في التفكير بشأن الحرب خلال القرن العشرين، السؤال: كيف تغيرت أمريكا نفسها خلال هذا الإطار الزمني؟ مع استثناءات قليلة. أمريكا ماهان، على سبيل المثال، كانت «في حالة حرب مع نفسها» من الناحية الاجتماعية والثقافية، وهي حقيقة تلقي مزيداً من الضوء على قناعته بأن القوة البحرية يمكن أن توحد وتقوي شعباً ثقافياً واجتماعياً. وبالمقارنة، كانت أمريكا ميتشيل «غير مرتبكة وحساسة» كما كان حلّه للتحديات الدفاعية المستقبلية للبلاد هو إنشاء خدمة جوية وطنية تحت قيادة رئيس واحد. وبالتالي، كان حلّه أقل شذوذاً في طبيعته وأكثر تناغماً».
يجدر الذكر أن الكتاب صادر حديثاً عن مطبعة جامعة كامبريدج ضمن 300 صفحة.

سياسات بيئية جديدة في ظلال الوباء

 

خلّف وباء فيروس كورونا تأثيراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في جميع أنحاء العالم بشكل لم يسبق له مثيل. تحدثت الحكومات عن كونها في حالة حرب، ووجدت نفسها مجبرة على البحث عن طرق جديدة من أجل الحفاظ على النظام العام ومنع انتشار الفيروس. لكن ماذا يخبرنا كوفيد-19 عن انهيار المناخ، وماذا يجب أن نفعل حيال ذلك؟
يطالب أندرياس مالم، المفكر البيئي الرائد، في كتابه هذا بعنوان «كورونا، المناخ، حالة الطوارئ المزمنة» الصادر عن دار فيرسو للنشر في 224 صفحة في سبتمبر 2020، بتطبيق حالة التأهب للحرب هذه على أساس دائم على خط المواجهة المناخي المستمر، ويقدم مقترحات حول كيفية استخدام حركة المناخ حالة الطوارئ الحالية لإثبات هذه الحالة، ويرى أنه لم يعد هناك عذر للتقاعس عن العمل.
مالم ناشط سياسي منذ فترة طويلة، وهو كتب هذا العمل أثناء احتجازه خلال الوباء في برلين، حيث كان زميلاً باحثاً في جامعة هومبولت. بعد عودته إلى مالمو مع عائلته، تعاطف مع سياسة مكافحة الإغلاق في السويد قائلاً: لا يجب أن تحرم جيلاً كاملاً من الأطفال من حياة طبيعية نسبياً. وشدد على أن نهج الدولة لم يولد من الفردية النيوليبرالية ولكن من تقليد معين لسياسة الصحة العامة.
وهو يشير في العنوان الفرعي من الكتاب وهو «شيوعية الحرب في القرن الحادي والعشرين» إلى التأميم الجماعي الذي فرضه البلاشفة خلال الحرب الأهلية الروسية بين عامي 1918 و1921، وهو خيار اعترف بأنه استفزاز متعمد. لكن استدعاء البلاشفة في سياق تغير المناخ يخدم غرضاً إيديولوجياً. يقول: ما يميز شيوعية الحرب عن الحرب العالمية الثانية هي أنها بدأت بهزيمة الطبقات المهيمنة.
من خلال الإشارة إلى الندرة الشديدة التي واجهتها روسيا بعد الحرب العالمية الأولى، يهدف مالم إلى تمييز مقاربته عن نهج الديمقراطيين الاجتماعيين، فضلاً عن شيوعيي الرفاهية. يقول: أمام فكرة أننا ننتقل إلى عصر الوفرة المادية، والسيطرة على الطبيعة بشكل لا متناه، ونذهب إلى الكويكبات وننقبها… أعتقد أننا نواجه العكس.. حالة من الندرة العميقة للكثير من الموارد الفيزيائية الحيوية. يجب التفكير في الشيوعية في ما يتعلق بذلك.
يدعو مالم إلى تأميم شركات النفط والغاز وتحويلها إلى منظمات لإزالة ثاني أكسيد الكربون من خلال تقنية التقاط الهواء وحظر استهلاك لحوم الأحياء البرية والتخلص التدريجي من جميع اللحوم ووضع حد لمعظم السفر الجوي. بعد الحرمان الذي فرضه كوفيد-19، لم تعد هذه القيود تبدو غير واردة. يقول: يجب أن نقول إن بعض أشكال الاستهلاك غير ضرورية ومدمرة تماماً، وتؤدي إلى تفاقم مخاطر الأوبئة في المستقبل، ويجب تنظيم هذه الأشكال. لا أعتقد أن النتيجة الجيدة أمر محتمل. الشيء المحتمل هو الكارثة المتصاعدة لكنك لا تختار أبداً سياستك بناءً على تقييم الاحتمالية. وإذا كنت تعتقد أن نتيجة كارثية محتملة، فهذا سبب للخروج والمواجهة.

الرأسمالية والوباء

الكتاب الجديد هذا هو عن كيفية حل أزمة المناخ، والمؤلف لا يشعر بالحرج من تسمية الرأسمالية الأحفورية على وجه التحديد على أنها خصم الإنسانية. يوضح مالم كيف أن الاحتباس الحراري، وهو أحد منتجات الرأسمالية، يجعل النظام مدمراً بشكل فريد وشامل. يستخدم مالم جائحة كوفيد-19 للتفكير في التعبئة الطارئة لقدرات الدولة استجابة لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية المنشأ. لكن تشبيهه التاريخي المفضل هو شيوعية الحرب، وسياسة لينين من العقد الثاني من القرن العشرين للتعامل مع الأزمات المتشابكة من الغزو والجوع والفقر والدفاع عن النفس بعد الثورة الروسية.
يبدأ مالم بعلم الاجتماع المقارن للاستجابات على مستوى الدولة لكوفيد-19 والسياسة المتعلقة بالمناخ. يتساءل لماذا كانت الدولة (أو دول القلب الرأسمالي) سريعة وفعالة جداً في احتواء كوفيد-19 وبطيئة جداً وغير كفؤة في التعامل مع تغير المناخ؟ الجواب بسيط: كان ضحايا كوفيد-19، أو كان من المقرر أن يكونوا من كبار السن والأثرياء من البيض، في حين أن الضحايا الأوائل للعصر الرأسمالي هم أشخاص ملونون في العالم الثالث. قررت الحكومات في العالم الأول التضحية برفاهية الاقتصاد الرأسمالي من أجل المسنين والفئات الأصغر سناً: يمكن للمرء أن يعتبر هذه اللحظة بمثابة إخراج أفضل ما في الديمقراطية البرجوازية الحديثة. أظهر رد الفعل هذا استعداد الناس لقبول إجراءات الطوارئ، حتى في الوقت الذي أظهر فيه أيضاً عدم قدرة الدولة الرأسمالية على التوجه بشكل فعال إلى جذور حالة الطوارئ الصحية: إزالة الغابات، وانتشار الأمراض الحيوانية المنشأ، والاحتضان المتسارع للفيروسات، وانتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان، ومسببات أخرى.
يناقش مالم أن انتشار الفيروسات الوبائية نتاج للقوى الرأسمالية. وتشمل عوامل ناجمة عن الزراعة الصناعية، وإزالة الغابات، والتجارة الفاخرة في الحيوانات البرية، والطيران. معظم هذه العوامل هي أيضاً من دوافع الانهيار المناخي. ويرى أن الفيروسات تنشأ من تجريف الغابات التي تخلّف جرثومات بشكل خاص. مع زحف الجرافات والحرائق المتعمدة، يتم حشر الحيوانات في جزر أصغر. ومع ازدياد مناطق التلامس، تصبح الكائنات المنعزلة على اتصال وثيق مع حيوانات المزرعة والبشر، ما يؤدي إلى انتشار المسارات التي تتجمع على طولها مسببات الأمراض وتنتشر.
يعزو مالم ثلث التهديدات الوجودية للأنواع الحيوانية بشكل مباشر إلى طلب الدول الغنية على سلع مثل البن ولحم البقر والشاي والسكر وزيت النخيل. يبدو الأمر كما لو أن المجتمع الرأسمالي قد قرر رفع حاوية فيروسات كورونا ومسببات الأمراض الأخرى وإلقاء العبء على نفسه. ويجد أنه يمكننا أن نرى كوفيد-19 على أنه أول طفرة من الانقراض الجماعي السادس تضرب البشرية في الجبهة.

كورونا والمناخ

يرى مالم أنه في الأيام الأولى من إبريل 2020، كان العدد الإجمالي للحالات المسجلة في جائحة الفيروس التاجي على وشك تجاوز عتبة المليون وعدد الضحايا يتجاوز 50000، ولا أحد يعرف كيف سينتهي هذا. لإعادة صياغة ما قاله لينين، يبدو الأمر كما لو أن عقوداً قد حُشرت في أسابيع، والعالم يدور في سرعة أعلى، ما يترك كل التوقعات مفتوحة. يمكننا أن نتخيل كوكباً محموماً يسكنه أشخاص يعانون من الحمى: سيكون هناك احتباس حراري على المستوى العالمي، بالإضافة إلى الأوبئة، وغرق الأحياء الفقيرة في البحر مع وفاة الناس من الالتهاب الرئوي، على سبيل المثال، مومباي، حيث أبلغ حي دارافي الفقير في هذه المدينة عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا. ويعيش مليون شخص في أحياء قريبة من دارافي، مع الحد الأدنى من الوصول إلى المرافق الصحية، وفي كل عام، تغزو العواصف العشوائية بمياه أعلى. ستكون هناك مخيمات للاجئين، حيث تأكل مسببات الأمراض طريقها عبر الجثث المزدحمة مثل الصمامات عبر الأسلاك. سيكون الجو حاراً جداً، وسيكون هناك الكثير من العدوى، بحيث لا يمكن الخروج منها. ستتصدع الحقول تحت أشعة الشمس مع عدم وجود من يعتني بها. ولكن من ناحية أخرى، جاءت أزمة كورونا من البداية بوعد العودة إلى الحالة الطبيعية، وكان هذا الوعد كبيراً بشكل غير عادي وذا مصداقية، لأن المرض بدا أكثر من مجرّد انهيار بنك استثماري، على سبيل المثال.
كان الفيروس مثالاً لصدمة خارجية، وشعر الجميع أنه سوف يتلاشى خلال شهر أو في اليوم التالي. قد تكون هناك موجة أخرى ولكن لا يزال قوياً على العموم. ربما ظهور لقاح يمكن أن يخنق الوباء. تم الإعلان عن كل إجراء تم اتخاذه لاحتوائه على أنه مؤقت، مثل شريط الشرطة الذي يشير إلى الشارع، وبالتالي يمكننا بسهولة أن نحسد كوكباً عاد إلى الوضع السابق. سوف تمتلئ الشوارع مرة أخرى. سيرمي المتسوقون كمامات الوجه بارتياح ويحتشدون في مراكز التسوق. سيكون هناك دافع مكبوت للجميع لكي ينتقلوا من حيث توقفوا عندما ضرب الفيروس، وسيتم إطلاقه بحماسة: عودة الطائرات إلى السماء، وتبرعم مظلة من النفاثات البيضاء. قد يكون الاستهلاك الخاص أكثر جاذبية من أي وقت مضى. لكن من يريد الوقوف في حافلة أو قطار مكتظ بعد ذلك؟

تغيير ظلال التطرف

يرى الكاتب أن «كورونا» والمناخ يشتركان في صفة هيكلية واحدة تدعو إلى المقارنة: مقدار الوفاة هو دليل على مقدار الفعل أو التقاعس من جانب الدول. إذا تُركا دون علاج، فإن كلا المرضين يتضخمان ذاتياً، وكلما زاد عدد المصابين وأصبح الكوكب أكثر سخونة، كلما زادت آليات التغذية المرتدة من تسخينه، وبمجرد أن يتم البدء، فإن الطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الحروق المتصاعدة هي قطع الصمامات. قدمت دول في شمال الكرة الأرضية الآن دليلاً على أن هذا ممكن. عندما طالب نشطاء المناخ والمدافعون والعلماء بخفض الانبعاثات، قيل لهم إن ذلك سيكون مكلفاً للغاية: فقد يقلل من عُشر في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.. «لا تبرر أزمة المناخ السياسات التي تكلف أكثر من 0.1 نقطة مئوية من النمو».. هذا ما قالته صحيفة وول ستريت جورنال في عام 2017. قد يفقد البعض وظائفهم. يمكن أن يكون هناك حالات إفلاس. لن يقبل الناس أبداً الاضطرابات في الحياة التي اعتادوا عليها، وعلى أي حال، إذا كان البعض سيخفض انبعاثاته، فسيكون هناك دائماً آخرون الفرسان الأحرار الذين ينغمسون في ملذات الكربون.
ويضيف: «كما اتضح في ما بعد، خرج كل هذا وأكثر من النافذة في مارس 2020. لم تتضمن أي خطة للانتقال من الوقود الأحفوري على الإطلاق التفكك الذي تم إطلاقه عن قصد في ذلك الشهر: لم يقترح أحد أن الرأسمالية العالمية يجب أن تتوقف بين عشية وضحاها لإنقاذ المناخ. لم يقترح أحد خفض الانبعاثات بمقدار الربع في ثلاثين يوماً، فقد تم تجاهل الطلب بنسبة 5 أو 10 في المائة سنوياً باعتباره تطرفاً يتجاوز الحدود. لم يجادل أحد في أنه يجب وضع الإنسانية تحت حظر التجول. لا توجد خريطة طريق، ولا بيان، ولا رؤية من حركة المناخ – ولديها نصيبها من المتطرفين – رسمت أي شيء مثل عاصفة نيزكية لتدخلات الدولة التي ضربت الكوكب في مارس 2020، ومع ذلك قيل لنا دائماً إننا كنا غير واقعيين، غير براغماتيين، حالمين أو مذعورين. لا ينبغي الاستماع إلى مثل هذه الأكاذيب مرة أخرى».
ويبين أنه «يمكن تأطير كل من «كورونا» والمناخ على أنهما مشاكل العمل الجماعي التي يحبها منظرو اللعبة: سيستمتع الجميع بثمار التعاون – جائحة مهزومة، ومناخ مستقر – ولكن يمكن لأي فرد أن يهرب ويذهب في إجازة في بقعة ساخنة، الامتناع عن غسل يديه والتحدث على بعد خمسة سنتيمترات من وجه محاوره أو الانغماس في انبعاثات باهظة. لن يضطر إلى التخلي عن أي عادة عزيزة مع الاستفادة من الجهود الإجمالية مثل أي شخص آخر. ولكن إذا تصرف الجميع بهذه الطريقة، فسيذهب كل شيء سدى. سينهار العمل الجماعي، كما توقع أولئك المترددون بشأن التخفيف من آثار تغير المناخ. ومن ثم يجب على المرء أن يتذكر، مرة أخرى، أنه لم يطلب أي من مناصري التخفيضات الجذرية للانبعاثات من الناس أن يخضعوا لشيء مزعج مثل الإغلاق. لن يتطلب التخفيف من حدة المناخ أن يصبح الناس نسّاكاً في منازلهم. في الواقع، ستكون الحياة اللطيفة مواتية لهذا المشروع: ركوب حافلة، أو مشاركة وجبة، أو إقامة حفلة مخنوقة في الشارع، أو قضاء الوقت مع أحبائك في منازل التقاعد، أو دفع ثمن حفلة موسيقية. بما يتماشى مع السعي إلى العيش بدون وقود أحفوري. لا يقتصر الأمر على قدرة برنامج الطوارئ المناخية على تخطي التداخلات مع التنقل البدائي في الفضاء، بل يمكن أن يقدم تحسينات في نوعية الحياة، كما أثبتت الحركة من خلال سنوات من الدعاية والتطبيق العملي على المستويات خارج الحدود الوطنية».
ويقول في النهاية: «يجب التغلب على العدو ذي المستوى الأعلى، وليس لمدة شهر أو عام أو عامين.. يجب أن يكون إغلاق رأس المال الأحفوري دائماً. إن حالة الطوارئ نفسها، بالطبع، لن تكون أبدية؛ ستكون هناك فترة انتقالية تدوم آثارها أو تفشل. قد تكون الفترة أطول مما كانت عليه بالنسبة لكوفيد-19 على الرغم من أنه حتى كتابة هذه السطور، لا يمكن لأحد معرفة المدة التي سيستغرقها هذا، ولكن يجب أن تكون أقل إيلاماً إلى حد كبير. سوف يستلزم المزيد من الانهيار الشامل للملكية الخاصة. سوف تدفن أشكال من رأس المال من أجل الخير. سيكون شيئاً أقرب إلى شيوعية الحرب».
ترجمة : نضال ابراهيم

 

الرأسمالية والبحار

لعبت الملاحة البحرية منذ القدم دوراً كبيراً في التجارة والحرب، وشكلت عاملاً مهماً في صناعة العالم الحديث الذي نعيشه، لكن يرى مؤلفا هذا الكتاب أن القوى الرأسمالية استغلت البحر لتحقيق مصالحها الخاصة، وأحدث إشكاليات على المدى الطويل في السياسة والاقتصاد العالمي.
كانت المحيطات والبحار طيلة قرون بمثابة طريق تجاري ومساحة استراتيجية، وبنك للأسماك، وسلسلة إمداد للاقتصاد الرأسمالي الحديث. وفي الوقت الذي نجده في عمليات التنقيب في قاع البحار والمحيطات لأجل الحصول على الوقود الأحفوري والمعادن، وتطوير الخطوط الساحلية للاستفادة منها في العقارات والترفيه، تستمر المحيطات في امتصاص التصريفات السامة لحضارة الكربون لدينا، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه على الكوكب، وتحمضها بطرق تؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها، ولكن لا رجعة فيها لبقية الفضاء الحيوي.
يحلل الكاتبان هذه الظواهر المتعلقة بالبحر من خلال عدسة تاريخية وجغرافية. ويتناولان في العمل الاقتصاد السياسي والإيكولوجيا والجغرافيا السياسية للبحر، ويجادلان بأن الفصل الجغرافي للأرض بين البر والبحر له عواقب وخيمة على التطور الرأسمالي. ويشيران إلى أنه تسعى الخصائص المميزة لهذا النمط من الإنتاج باستمرار إلى تجاوز ثنائية البر والبحر بغرض ديمومة الربح، وإحداث تحالفات جديدة للسيادة والاستغلال والتملك في الاستيلاء على الفضاءات والموارد البحرية. ويتساءل الكاتبان: «ما الذي يبقي الرأسمالية واقفة على قدميها؟».

عولمة الملاحة البحرية

يناقش هذا الكتاب، الصادر حديثاً عن «دار فيرسو» للنشر في بريطانيا، القصة التقليدية للقانون البحري الحديث بالتناقض بين الأطروحة المجهولة التي كتبها الهولندي هوجو جروتيوس عام 1609 بعنوان «ماري ليبروم» (البحر الحر) والرسالة الإنجليزية البارزة لجون سيلدين عام 1618 (البحر المغلق). وبينما دافع الأول عن حرية الملاحة عبر مناطق العالم، بحجة أنه يُسمح لجميع الرجال بالإبحار في البحار على الرغم من عدم الحصول على إجازة من أي جهة، أكد الأخير أن البحر، بموجب قانون الطبيعة أو الأمم، ليس شائعاً أمام جميع الرجال، لكنهم قادرون على السيطرة الخاصة أو التملك، إضافة إلى البر.
يقول المؤلفان: «لكن رغم كل الآراء، عزز النظام العالمي الذي نشأ عن تسوية فيينا 1814-1815 سياسة المياه الزرقاء البريطانية في فترة «السلام البريطاني» المعروفة باسم (باكس بريتانيكا) الذي اتخذت فيه بريطانيا دور شرطي العالم من 1815 حتى 1914. وفي حين أن السيطرة الكاملة للبحرية البريطانية على جميع البحار جعلت من غير المهم ما إذا كانت أي منطقة تحت العلم البريطاني أم لا، قال إريك هوبسباوم عن هذه الفترة «في أوروبا لم تواجه المصالح البريطانية أي قوة مؤثرة. فقد أدت الحروب الثورية في الداخل والهزيمة البحرية في الخارج إلى إضعاف أعتى منافس إمبريالي معاصر لها، وهو فرنسا، وعززت بشكل كبير من التثليث بين المستعمرات والتجارة والملاحة البحرية التي أثبتت أنها مركزية للغاية لإطلاق ثورة بريطانيا الصناعية».
ويضيفان: «كما حلت مكافحة العبودية محل مكافحة القرصنة كمهمة عالمية للبحرية الملكية لفرض الحرية في أعالي البحار، في حين اكتسب مبدأ التجارة الحرة العالمية مكانة خلال ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر، ما أدى في النهاية إلى إلغاء قوانين الذُرة في عام 1846 وقوانين الملاحة في عام 1849 – وهما قانونان رمزيان من التشريعات التجارية. ولم يمنع هذا البحرية الملكية البريطانية من ممارسة دبلوماسية الزوارق الحربية لإبقاء الصين مفتوحة أمام تجارة الأفيون، ولا فرض الهيمنة البريطانية على بحر إيجه (التي دفعتها حادثة دون باسيفيكو في اليونان عام 1850)».
ويبينان أن هذه الهيمنة المطلقة للبحرية الملكية (في عام 1859 كان الأسطول البريطاني يحتوي على خمسة وتسعين سفينة مقابل واحد وخمسين فرنسية)، فضلاً عن البحرية التجارية البريطانية، تحالفت مع مركزية لندن المستمرة باعتبارها مركز الملاحة البحرية التجارية والمالية. فلم تترك عاصمة الاقتصاد العالمي خلال الجزء الأكبر من العصر الفيكتوري، أي قوة أخرى في وضع يمكنها من السيطرة على محيطات العالم. وكانت الدول الرأسمالية الناشئة الأخرى في ذلك الوقت منغمسة إما في الاضطرابات الثورية (فرنسا)، وإما الحروب الأهلية (الولايات المتحدة)، أو كليهما (جزء كبير من أمريكا اللاتينية). وكانت أجزاء كبيرة من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط تشهد تجارب الاستعمار الرأسمالي الأوروبي، بينما كانت ألمانيا واليابان تبدآن فقط عمليات التوحيد الوطني والتنمية الرأسمالية التي تقودها الدولة والتي من شأنها تحويلهما إلى منافسَين اقتصاديين وعسكريين رئيسيين في النهاية. وفي هذا السياق، سخّرت «باكس بريتانيكا» حرية البحار لمصلحتها الخاصة بصفتها الدولة الصناعية الرائدة في العالم في الفترة من 1815 إلى 1870، حيث كانت بريطانيا وحدها في وضع يمكنها من استغلال المشاعات المحيطية بالكامل.

تفاعل معقد بين الرأسمالية والبحار

يتناول المؤلفان في الكتاب جوانب من التفاعل المعقد بين الرأسمالية والبحر، ويقولان: «الرأسمالية العالمية ظاهرة محمولة بحراً. تعطينا هذه الحقيقة البسيطة أسباباً متعددة للتفكير في العلاقة بين الرأسمالية والبحر اليوم. ولا يزال المحيط العالمي يعمل كطريق تجاري ومساحة استراتيجية وبنك للأسماك وسلسلة إمداد، كما كان منذ ظهور الرأسمالية، (وفي الواقع قبل ذلك بوقت طويل). ويستمر حفر قيعان البحار بحثاً عن الوقود الأحفوري والمعادن، كما يتم تطوير الخطوط الساحلية للاستثمار في العقارات والترفيه. وتعمل موانئ الحاويات الآن كمراكز إقليمية لشبكات التجارة العالمية المعقدة، حيث تقوم بنقل روابط السلع وتوليد القيمة عبر مختلف القطاعات التي تعتمد على البحر في الاقتصاد العالمي/ بدءاً من بناء السفن إلى التأمين ونقل البضائع إلى الرحلات البحرية».
ويضيفان: «يظل إرث العبودية المنقولة بحراً، فضلاً عن أنماط المقاومة والتدويل التي ولّدتها، أساس السياسات التحررية في جميع أنحاء العالم. وقد أدى التنقيب البيولوجي إلى توسيع نطاق وصول رأس المال إلى أعمق الحدود تحت الماء، في حين أن العالم الخارجي يتراكم ويعرض، ويعيد تدوير الثروة والفائض من السكان فاحشي الثراء على كوكب الأرض، وشركائهم المجرمين الذين لا يمكن تمييزهم في كثير من الأحيان. وتمتص المحيطات التصريفات السامة لحضارتنا الكربونية منذ قرون، ما أدى إلى توسيع وتسخين وتحمض جزء المياه الزرقاء من الكوكب بطرق تؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها ولكن لا رجعة فيها لبقية محيطنا الحيوي».
ويهتم المؤلفان في الكتاب بالتدمير الخلاق الذي يصاحب إعادة إنتاج نظام اجتماعي مثل الرأسمالية في تفاعله مع قوة طبيعية مثل البحر، ويعلقان: «اجتمعت رياح المحيطات والتيارات وأنماط المد والجزر والطقس مع الخصائص البيوكيميائية والجيوفيزيائية مثل الملوحة والحموضة والكثافة ودرجة الحرارة أو السمات الطبيعية، مثل الضفاف الرملية والشعاب المرجانية والبحيرات الضحلة والخلجان، لإنتاج مخاطر محددة وصعوبات لوجستية فريدة وعقبات جغرافية واحدة في طريق التراكم الرأسمالي. وعلى الرغم من كل قوتها على استيعاب معظم الحياة الكوكبية في إطار منطق تبادل السلع، فإن الرأسمالية تواجه بانتظام حواجز جيوفيزيائية أمام توسعها الذاتي، ما يمثل تحدياً خاصاً في حالة البحر. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن أعالي البحار لا يمكن احتلالها واستيطانها بشكل دائم، كما هو الحال على البر، ما يعقد حاجة رأس المال إلى تقسيم دورانه المستمر بالإصلاحات المكانية التي تضمن خلق الفائض. وعلى المنوال نفسه، منذ نشأتها في القرن السادس عشر، وجدت الرأسمالية في البحر قناة حيوية للتجارة بعيدة المدى – بما في ذلك التجارة بين البشر – والمكان الذي تنطلق منه المشاريع الاستعمارية المهمة بالنسبة إليها. وبالنسبة إلى رأس المال، يمثل البحر بالتالي مخاطر وفرصاً. لقد عملت بشكل دائم كموقع ومصدر للابتكار والتجربة التنافسية في التمويل والتكنولوجيا والتأمين وأنظمة العمل والحوكمة المكانية، فضلاً عن عقبة جيوفيزيائية رئيسية في الاستيلاء على الطبيعة من خلال تطويق وتسليع البحر».
ويشيران إلى أنه «في المقابل، أدى التكاثر الكبير لرأس المال إلى تغيير جذري في طبيعة المحيطات، خاصة منذ زمن التصنيع الذي أعاد تشكيل السواحل، والنظم البيئية البحرية من خلال التجريف والإغراق والنضوب والتفريغ. كما أنه إلى جانب الاحترار العالمي، يؤدي تركيز الغازات الدفيئة في المحيطات إلى تغيير جذري في الخصائص الكيميائية الحيوية للبحار، ويؤدي إلى إحداث تغييرات في الجيوفيزياء البحرية تتجلى في التقسيم الطبقي للمحيطات، وزيادة تواتر واشتداد الظواهر الجوية القاسية، وتبييض المرجان، وغيرها من الظواهر الضارة الأخرى».

مفاصل جديدة في الهيمنة

يرى الكاتبان أن نقطة البداية في هذا الكتاب هي الحقيقة الأساسية، ولكن غالباً ما يتم تجاهلها، وهي أن الفصل الجغرافي للأرض بين البر والبحر له عواقب وخيمة على التطور الرأسمالي. ويعقبان بالقول: «لكن الخصوصية التاريخية للتكوينات الاجتماعية الرأسمالية، بدافعها المتأصل في التراكم التنافسي لفائض القيمة، قد منحتها علاقة خاصة بالمحيطات. وتسعى السمات المميزة للرأسمالية كطريقة إنتاج باستمرار إلى تجاوز ثنائية البحر-البر في سعي دائم للربح، وبالتالي خلق مفاصل جديدة لإقليمية مكونة من البر والبحر، أي الاصطفافات الرأسمالية الفريدة للسيادة والاستغلال والتملك في الاستيلاء وترميز المساحات والموارد البحرية».
ويضيفان: «على الرغم من أن المجتمعات البشرية المختلفة قد انخرطت عبر الزمن في مفاهيم وممارسات مختلفة للمساحات البرية-البحرية، إلا أن الرأسمالية – لا سيما في شكلها الصناعي – هي التي كثفت العلاقة بين البر والبحر، ودمجت المحيطات في قانون القيمة، ووسعت حدود السلع البحرية. وحاولت تسطيح الانقسام الجيوفيزيائي بين الأرض الصلبة والمياه السائلة».
ويعاين المؤلفان العلاقة الاجتماعية-الطبيعية بين البر والبحر التي سعى رأس المال إلى توجيهها والتغلب عليها في سياقات مكانية وزمنية مختلفة. علاوة على ذلك، يتشكل هذا التفاعل من خلال الخلاف الاجتماعي والسياسي والتعاون (الذي يشمل وكالات الدولة والنقابات العمالية والشركات والمنظمات الدولية، وغيرها من الهيئات) حول تقسيم البحر – ولكن نادراً ما يكون في ظل ظروف جغرافية من اختيارهم.
وتأتي مساهمتهما في التبادل الطويل الأمد والمثري بشكل متبادل بين المادية التاريخية والجغرافيا السياسية والاقتصادية في قبولها على أوسع نطاق، (بما في ذلك استغلال الصيادين والبحارة، والاستيلاء على الحياة البحرية وترتيب الفضاء البحري). ويشيران إلى أنه يتم تنظيمها حول ثلاث ظواهر مكانية واسعة (النظام، الاستيلاء، النطاق البحري)، وثلاث عمليات زمنية بشكل أساسي (الانتشار، الاستغلال، الخدمات اللوجستية)، على الرغم من أن هذا التقسيم هو بوضوح مسألة تركيز نسبي، وليس تبايناً مطلقاً.
ويهدف المؤلفان إلى تقديم إطار تحليلي يمكن من خلاله فهم هذه الإعدادات المختلفة حيث يتفاعل رأس المال مع البحر. وتكمن وراء هذا الهدف حجة تتعلق بمركزية «العامل البحري» في أصول الرأسمالية وتطورها، وفي الوقت نفسه تقديم قضية للتأثير المتبادل لقانون القيمة على عالم المياه المالحة. يقولان: «يلعب هنا الاستخدام المزدوج ل«عامل» كقوة اجتماعية وطبيعية لها خصائصها المادية وتأثيراتها (في حالتنا، البحر)، والأصل الأكثر تحديداً المرتبط بالشخصية البشرية للوكيل التجاري، أو إرسال ممثل الشركة إلى «المصانع» الخارجية (الموانئ التجارية).
ويتصور الكتاب الرأسمالية أنها نمط إنتاج له منطقه المميز الخاص بالإنتاج التنافسي وتراكم القيمة من خلال الاستيلاء على الطبيعة، والتي مع ذلك تجد تعبيراً متنوعاً في تشكيلات اجتماعية ملموسة عبر سياقات جغرافية وتاريخية مختلفة. كما يحتوي على المزيد من التفاصيل المتعلقة بالمنازعات والتسويات السياسية بشأن المحيطات والبحار، ودور القوى الكبرى في استغلال الثروات البحرية، وفرض سيطرتها أيضاً.

 

عن المؤلف
ليام كامبلينج وأليخاندرو كولاس
* ليام كامبلينج أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة كوين ماري بلندن حيث يعمل بشكل جماعي في مركز العمل والإنتاج العالمي، وهو مؤلف مشارك لكتاب «اتفاقيات التجارة الحرة وإدارة العمل العالمية: العمل خارج الحدود».

** أليخاندرو كولاس أستاذ العلاقات الدولية بكلية بيركبيك بجامعة لندن.له عدد من المؤلفات منها: «المجتمع المدني الدولي: الحركات الاجتماعية في السياسة العالمية والإمبراطورية»، وهو مؤلف مشارك لكتاب «الغذاء والسياسة والمجتمع: النظرية الاجتماعية ونظام الغذاء الحديث».

 

مقدمة مختصرة عن رأسمالية “المساهمين” و”أصحاب المصالح”

عرف العالم حاليًا نظامين اقتصاديين ومتنافسين في الوقت ذاته، وهما: رأسمالية المساهمين (Shareholder Capitalism) السائدة في العديد من الاقتصادات الغربية، ورأسمالية الدولة (State Capitalism) وهي بارزة في عدد من الأسواق الناشئة.
أدى كلاهما إلى تقدم اقتصادي هائل على مدى العقود القليلة الماضية، فقد جعلا عالمنا أكثر ازدهارًا من أي وقت مضى، ومع ذلك تسببا بنفس القدر من الضرر على أصعدة اجتماعية واقتصادية وبيئية، فقد زادت الفجوات الاجتماعية في الدخل والثروة والفرص، وبالتالي تضاعفت التوترات بين من يملكون ومن لا يملكون، ومن جهة أخرى، همشت الجانب الأخلاقي المهتم بالاستدامة وبالصحة والفائدة العامة والبيئة.
ونظرًا لأوجه القصور في كلا الحقلين، سعى العالم لإيجاد نظام عالمي جديد أفضل: رأسمالية أصحاب المصلحة (Stakeholder Capitalism). في هذا النظام، يوضع جميع أصحاب المصلحة في الاقتصاد والمجتمع على رأس قائمة الأولويات، وذلك بدءًا من العملاء والموظفين والشركاء وصولًا إلى المجتمع ككل، وتوسع الشركات أهدافها لما هو أكثر من مجرد أرباح قصيرة الأجل.

أصحاب المصلحة و حملة “أصحاب” الأسهم

ظهر الجدل حول دور ومسؤوليات الشركات الاجتماعية في محطات ونظريات مختلفة على مر العقود، وبدأت الكثير من الشركات وقادة الأعمال يدعون إلى تبني رأسمالية أصحاب المصلحة السائدة حاليًا في أوروبا والتي كانت القاعدة في السابق، حتى في الولايات المتحدة، يعتقد أنصار هذه الرأسمالية من أمثال الخبير الاقتصادي جوزيف ستيغليتز، أن رأسمالية أصحاب المصلحة ينبغي أن تحتل الأولوية بدلًا عن المساهمين كمبدأ لحوكمة الشركات، وهي النظرية التي تناقض الفكرة التقليدية القائلة بأن الهدف النهائي والأسمى المطلوب من أي مدير تنفيذي لشركة ربحية هو تعظيم الربح والعوائد خدمة لمصالح حملة الأسهم، وبمعنى آخر خدمة لأصحاب الشركة.

وهو التوجه الاقتصادي الذي أصبح شائعًا من قبل الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ميلتون فريدمان في السبعينيات، والذي اعتمد في طرحه على أن المدراء التنفيذيين يعملون لصالح الملاك (المساهمين) والمسؤولية الاجتماعية الوحيدة للشركة هي “استخدام مواردها والانخراط في أنشطة تهدف لزيادة أرباحها طالما بقيت ضمن قواعد اللعبة، أي تنخرط في منافسة مفتوحة وحرة بدون خداع أو احتيال” ضمن القانون.
ولكن بحسب مناهضي رأسمالية حملة الأسهم، فإن القطاع الخاص يتجاهل الأطراف الأخرى التي يقوم عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي بالرغم من أنها ذات علاقة مباشرة مع الشركة ونشاطها التجاري، وعلى المدراء التنفيذيين عدم تجاهل هذه الحقيقة والعمل في المقابل على خدمة جميع أصحاب المصالح الرئيسيين مثل العملاء والموردين والموظفين والمجتمعات المحلية وطبعًا المساهمين. وبموجب هذا النظام، يتمثل غرض الشركة في إنشاء قيمة طويلة الأجل وليس زيادة الأرباح إلى أقصى حد أو تعزيز قيمة المساهمين على حساب أصحاب المصلحة الآخرين.
ينحاز إلى هذا الطرح جاك ويلش، الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك (من 1981 إلى 2001)، على الرغم من أنه كان يعتبر في وقت من الأوقات واحد من أبطال الفكر الرأسمالي الهادف لتعظيم ربحية حملة الأسهم، والذي قال في تقرير صحفي عام 2009 بعنوان “أغبى فكرة في العالم”، مبررًا انتقاده بأن “قيمة المساهم هي نتيجة وليست استراتيجية.. جمهورك الأساسي هم موظفوك وعملائك ومنتجاتك. يجب على المديرين والمستثمرين ألا يضعوا زيادات في أسعار الأسهم على أنها هدفهم الشامل.. يجب أن تترافق الأرباح قصيرة الأجل مع زيادة قيمة الشركة على المدى الطويل “.

كلا المعسكرين يتفقان على خمسة مبادئ أساسية

أولًا، يتفق أنصار الرأسماليتين على أن توليد قيمة طويلة الأجل للمساهمين أمر جيد، لأنه إذا كانت الشركات تخدم العملاء جيدًا وتنظم الموظفين بطرق تسمح لهم بالتعبير عن مواهبهم في خدمة العملاء، فستزدهر الشركة والمساهمون وسيكون المجتمع أفضل حالًا. ثانيًا، يتفق كلاهما أيضًا على أن كسب المال هو في النهاية شرط لبقاء الشركة.
ثالثًا، من الأمور المشتركة بين المدرستين أن التركيز على النتائج مهم لحماية المساهمين من تبديد المدراء للنقود على أشكال مختلفة من الإسراف التنفيذي، ورابعًا، يتفق كلاهما على أن قيمة المساهم هي مركزية في مهمة تقييم وضع وأداء الشركات.
أخيرًا، هناك إجماع على أن التركيز على قيمة المساهمين على المدى القصير ينطوي على مخاطر. وهكذا، كتبت مجلة الإيكونوميست أن التفكير في قيمة المساهمين أصبح “ترخيصًا للسلوك السيئ، بما في ذلك التقليل من الاستثمار، والأجور الباهظة للمدراء، واستخدام الروافع المالية العالية، والاستحواذات السخيفة، والخدع المحاسبية، والجنون لإعادة شراء الأسهم، والتي تصل قيمتها إلى 600 مليار دولار أمريكي سنويًا في أمريكا “.
وتقر المجلة البريطانية بأن هذه الأشياء تحدث، “لكن لا شيء له علاقة كبيرة بتعظيم قيمة المساهم”، معتبرةً أن التفكير في قيمة المساهم على المدى الطويل شيء مختلف تمامًا، وبالتالي، هناك بالفعل أرضية مشتركة بين مدرستي الرأسمالية.

 

كيف يمكن تطبيق رأسمالية أصحاب المصلحة على أرض الواقع؟

يمكن أن تكون رأسمالية أصحاب المصلحة إما أيديولوجية يتبناها القادة في الشركات الفردية أو نموذجًا تفرضه الحكومات من خلال القوانين واللوائح، وبشكل عام لا توجد مجموعة محددة من الأمور التي على الشركات أن تتعهد الالتزام بها.
وبحسب دراسة أجرتها منظمة بحثية مستقلة عام 2019 باستطلاع رأي لـ 4000 أمريكي حول القضايا التي يعتقدون أن الشركات الأمريكية يجب أن تعطيها الأولوية، وكانت الأولويات كالآتي:
دفع أجور عادلة.
تخفيض الفرق بين أجر الرئيس التنفيذي والعامل.
ضمان السلامة في مكان العمل.
الضغط من أجل معدلات ضريبية أعلى وتجنب الثغرات الضريبية.
تقديم خدمة عملاء جيدة.
الانخراط في ممارسات تسويقية صادقة.
الاستثمار في المجتمعات المحلية.
منع الضرر البيئي.
رأسمالية أصحاب المصلحة هي تعهد بالقيام بأعمال تجارية في خدمة جميع أصحاب المصلحة، وليس فقط الأرباح والعوائد، وذلك لا يعني أن المساهمون ليسوا مهمين، ولكن يشير إلى ضرورة أخذ الشركات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بالحسبان عند تحديد معايير النجاح الإدارية.
وكما ذكرنا، المفهوم نفسه ليس جديدًا، وهو مطبق إلى حد كبير في الدول الأوروبية التي تضع حكوماتها الكثير من المحددات والضوابط في وجه القطاع الخاص لتحافظ على نوع من أنواع التوازن بين المبادئ الرأسمالية والاشتراكية إن صح القول، ويبقى السؤال الأهم عن الدور الذي ستلعبه أزمة كورونا في توجيه بوصلة الاستثمار نحو المزيد من المسؤولية الاجتماعية والبيئية.

الدافعية المدرسية.. كيف نحفز طلابنا على التعلم؟

الطفل الصغير الذي تريد أن تجعله يحبو لا بد أولًا أن يكون قادرًا بدنيًا على ذلك وجسمه مستعد لهذه العملية، ثم سيدفعه الفضول تجاه العالم الخارجي فيقترب من الأشياء البعيدة ويكتشفها، وحين يجد من يحضر تلك الأشياء المثيرة للاهتمام إليه دون أي جهد منه، فإنه لن يبذل جهدًا في تعلم الحبي أو المشي للوصول إليها، لذلك يكون من الصحي في بعض الأحيان وضع (محفز) للطفل مما يثير انتباهه بعيدًا عنه لتجعله يقترب إليه ويبذل مجهوده في ذلك.
قس على هذه العملية أي عملية تعلم تريد للأطفال أن يتعلموها، ابتداءً من الأحرف الأبجدية وجداول الضرب وصولًا إلى التفاضل والتكامل والفلسفة والكيمياء. يجمع كل تلك العمليات التعليمية أمر واحد هو (الدافعية للتعلم).

فما هي الدافعية؟

كثرت الدراسات والأبحاث والتجارب التعليمية التي حاولت أن تفهم طريقة تعلم التلاميذ، وحاول علم النفس المعرفي والسلوكي، أن يفسر طريقة التفاعل في العملية التعليمية بين المعلم والطالب والمعلومة نفسها، حتى إن علم الأعصاب تدخل في بعض المراحل كي يجد تفسيرًا لطريقة فهم الطلاب وكيفية عمل السيالات العصبية أثناء تلقي المعلومات الجديدة وأثناء عملية إثارة الفضول والدافعية تجاه ما يراه الطالب ويسترعي انتباهه من المناهج.
ودخلت المدرسة في منافسة شديدة مع التلفاز واليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات والألعاب الالكترونية في إثارة انتباه الأطفال وإثارة دافعيتهم للتعلم، ومن هنا صار من المهم أكثر أن نفهم كيف تتكون الدافعية وكيف نحرض على الرغبة في التعلم.

الدافعية داخلية المنشأ والدافعية خارج المنشأ

ما الذي يجعل البعض يقبل على التلفاز أو الجلوس لساعات طويلة على الهاتف متابعًا حسابات أشخاص لا يعرفهم ومشاهدًا فيديوهات كثيرة تهمه ولا تهمه؟..فيما أنه لا يقبل البقاء لساعة متواصلة وهو يدرس مادة ما للجامعة أو يقرأ كتابًا؟..بينما يُقبل كثيرون على الدراسة ويقضون ساعات كثيرة وهم يطالعون ويقرؤون؟
هذا الفارق أثار اهتمام علماء النفس والاجتماع منذ مدة طويلة، ففيما يقبل بعض الطلاب بحماس على الذهاب إلى المدرسة يأبى آخرون ذلك تمامًا، وظهرت نظريات وفرضيات كثيرة عن هذا الأمر، حيث تحدث عالم النفس الأمريكي هوارد غاردنر عن أنواع الذكاء، وجاء من وضع فرضيات لأنواع التعلم (التعلم البصري والسمعي والحسي)، وتحدث علماء النفس عن تعامل المدرس مع الطلاب وغيرها من الأسباب التي لا تجعل الطالب يرغب بالذهاب إلى المدرسة، وهنا وُضع مصطلح الدافعية داخلية المنشأ والدافعية خارجية المنشأ.
ففي حين يقع مصدر الدافعية خارجية المنشأ خارج شخص الطالب متمثلًا في المعلم أو الأهل أو حتى المعلومة التي تثير فضول الطالب لتدفعه للرغبة في التعلم، يقع مصدر الدافعية داخلية المنشأ في الطالب نفسه والذي يتعلم لأنه يحقق شيئًا يعرفه لنفسه، التفوق وشعور النجاح، المعرفة.. تجنب متاعب ما أو الحصول على نتائج ومكافآت.

كيفية نحفّز الدافعية الداخلية عند الطلاب؟

1. إعطاء الطالب مساحة لذاتية القرار

تأتي أهمية الجوائز والتعزيزات في تعزيز الدافعية داخلية المنشأ وتوليدها لدى الطلاب، حيث يمكن تحريضها من خلال الحاجة إلى الإحساس بالكفاءة وذاتية القرار، وهذه الأخيرة تعني امتلاك المقدرة على القيام باختيار أمر ما ضمن أكبر عدد ممكن من المواقف المحتملة، وهذا يشجع شعور الطالب بالكفاءة ويجعله متحمسًا أكثر للحصول على المعلومة.
أيضًا وجود خيارات متعددة أمام الطالب في الواجبات والأبحاث تعطيه دافعًا ليقوم بالعمل الذي اختاره على أكمل وجه.

2. نظرة الطالب لنفسه وفكرته عن الذكاء

بينت بعض الدراسات أن الطلاب الذين يعتقدون أن الذكاء قابل للتطوير والزيادة قادرون على تحسين مستواهم الدراسي أكثر من أولئك الذين يؤمنون أن الذكاء جامد غير قابل للتغير والتطوير، وهذا الأمر يعرقل الدافعية الداخلية لدى الطالب، فهو إن كان يؤمن أنه أقل ذكاء من غيره بسبب تلميحات أو تصريحات من الأهل والمعلمين والمقارنة المستمرة مع أقرانه من زملائه في الصف وأقربائه فهذا سيجعله يصاب بالإحباط ولا يجتهد في الدراسة لأن النتيجة كما يراها بجميع الأحوال لن تكون جيدة.

3. رفع مستوى الأهداف

وهذه عملية يجب أن تكون مدروسة من قبل المدرسين وواضعي المناهج التربوية، فإن وضع تمارين وأهداف قابلة للتحقيق ولكن صعبة المنال وتحتاج إلى بعض المجهود تولد لدى الطالب شعورًا بالتحدي والتحفيز القوي لتحقيقها، بالمقابل وضع أهداف غير قابلة للتحقيق لمجرد تعجيز الطالب وإثبات المدرس أنه هو الأعرف منه، فهذا يجعل الطالب يصاب بالإحباط ولا يفكر أو يبذل مجهودًا لحلها أو حفظها.
يمكن رؤية هذا جليًا في الألعاب الالكترونية حيث تجد المراحل صعبة ولكن يمكن تحقيقها عدا عن ذكر أمثلة لأشخاص فازوا بها وتجاوزوها مما يعزز ثقة اللاعب بأنه قادرعلى تجاوزها ويجعله يعيدها مرارًا وتكرارًا حتى يتجاوزها.

4. الإرجاعات السببية

الطريقة التي يُفسر بها التلميذ نجاحه أو فشله يؤثر كثيرًا في عملية تحفيزه وتفعيل الدافعية في داخله، فهو يمكن أن يعزو النتيجة إلى أسباب داخلية أو أسباب خارجية مثل: الذكاء والجهود المبذولة والطاقة الخاصة به كلها أسباب داخلية، لكن المدرس وطريقة شرحه وظروف الامتحان وأسئلته أسباب خارجية وغالبًا يلجأ الطالب إلى إرجاع فشله إلى الأسباب الخارجية لأنه غير قادر على تغييرها، بينما من يعزو نجاحه أو إخفاقه إلى أسباب داخلية فهذا يساعده على تغييرها ووضع رؤية للتحكم بها قدر المستطاع.
يمكن تلخيص ما سبق بالقول إن التلميذ الذي لديه دافعية داخلية هو أكثر وعيًا بفاعليته الذاتية، والتي تؤثر على:
الإرجاعات السببية: فأولئك الذين لديهم شعور مرتفع بالفاعلية الذاتية يرجعون أسباب النتائج مهما كانت إلى جهودهم وأمور متعلقة بهم ويعملون على تطويرها.
الأهداف والتطلعات: يملكون أهدافًا وتطلعات عالية ويؤمنون بقدرتهم على النجاح والحصول على أعلى النتائج.

دور المعلم في عملية الدافعية وتحفيزها لدى الطلاب

يُعتبر المدرس بالنسبة للطالب مرجع وجداني وليس علمي فقط، فالطفل ينتظر أن يقرأ نظرات الرضا والقبول في ما يقوم به، فالمعرفة بالنسبة له هي رغبة في الإتقان ورغبة في القبول.
لذلك يُعتبر حماس المدرس لما يتعلمه الطفل وينجزه، ونظرته للطفل على أنه شخص مبدع ذكي تلعب دورًا هامًا في نظرة الطفل لنفسه وبالتالي دافعيته نحو التعلم.
أيضًا إن نقص الدافعية لدى المدرس يمكن أن يقتل كليًا الدافعية لدى التلاميذ، كيف يمكن أن ترفع مستوى الدافعية عند الطالب في حين أن المدرس يتثاءب طيلة الدرس أو ينظر في ساعته أويجلس ويعطي التلاميذ واجبًا يكتبونه خلال الفصل بدلًا من مشاركتهم العملية التعليمية أو حين يصرخ عليهم ويُشعرهم أنهم عبء ثقيل عليه؟!
وهناك محور آخر هام في عملية تحفيز الطالب والتي يقوم بها المعلم من خلال شرح الدروس وإعطاء معنى لكل موضوع أو فصل يدرسونه، فالرياضيات مثلًا علم جامد يكرهه أغلب الطلاب لكن إضافة الحديث عن أصل نشوء هذه العلوم سيجعل الأمر أكثر حيوية وجذبًا للطلاب، فالكثيرون لا يعرفون أن علم الهندسة نشأ بين العلماء المصريين لدراسة فيضانات النيل ورسم قطع الأرض الخصبة بعد الفيضانات والتي تتغير باستمرار.

دور الطلاب فيما بينهم في عملية الدافعية

عملية التعلم تدور حول محاور عدة يكون الطلاب أحدها وجزءًا هامًا منها، إذا تحدثنا عن التعلم في الفصول أو التعلم الجماعي فإن التنافس أمر لا بد منه ضمن الفصل، وأحيانًا يكون لهذا التنافس بين الطلاب دور إيجابي في تعزيز الدافعية لديهم فكل منهم يريد أن يثبت أنه الأفضل وأنه الأذكى والأقدر على إحراز نتائج جيدة، مما يعزز رغبتهم في التعلم والحصول على درجات أعلى وهذا أمر جيد إذا ما استطاع المدرس ضبطه ضمن الحدود التي تجعل الدافعية فعالة بين الطلاب، أما إن تجاوز الأمر حده أو استخدم المدرس التنافس كوسيلة للتمييز بين الطلاب فهذا سينعكس سلبًا على الكثير منهم، لأنه كما ذكرنا سيجعل البعض يعتقد أنه غير قادر على الوصول لدرجة زميله أو أنه أقل ذكاء منه.
قد يعتقد البعض أن الدافعية هي أمر متعلق بالطالب نفسه فقط، لكن الحقيقة أنها عبارة عن خليط من مكونات عدة حاولنا أن نجملها في المقال، وهي أمر متشعب ومعقد لارتباطه بالدرجة الأولى بالنفس البشرية والتي مازالت عصية على الفهم تمامًا.

 

طموح الفيزياء خارج الكون

 

هل ستقول إن الفيزيائيين الفلكيين يصابون أحياناً بشطح الخيال؟ هؤلاء الأفذاذ هم خير من يعرف علوم الكون، غير أنهم يعترفون بأنهم لا يعرفون شيئاً عن أهم أسرار الكون. لهذا يذهب بعضهم إلى ضرورة البحث عن فيزياء مختلفة في الطريق المسدود الذي وصلت إليه.

البحوث تشبه الخيال العلمي، الذي يبدو كأنه ناجم عن أزمة نفسية تلجأ إلى التنفيس عن المعاناة بالسفر إلى المجهول، علهم يظفرون في المتاهات بمصباح سحري. عندما تتصفح المجلات والمواقع العلمية الجادة، تذهلك غرائب المقالات، مثلاً: «علماء الفيزياء الفلكية يبحثون عن ثقب أسود عملاق اختفى، يقدّر بعشرة مليارات كتلة الشمس». هل هم يبحثون عنه على طريق المتنبي: «بليتُ بِلى الأطلال إن لم أقف بها.. وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمُهْ»؟ كيف تحسبها؟ الشمس وحدها تتسع لمليون كرة أرضية، فالثقب يتسع لعشرة ملايين مليار كرة أرضية.

الأكبر منه يبلغ أربعين مليار كتلة الشمس. من المستبعد أن يقدر الإنسان على التعامل مع هذه الأجرام العملاقة حتى بعد آلاف السنين، لكن الإحجام عن الارتقاء إلى هذه الذرى من البحث العلمي، هو من أخطر أسباب التخلف؛لأن الغاية ليست أن يصبح ثقب أسود عملاق كهذا، في المتناول، لكنه يوصل إلى السيطرة على طاقات خيالية، وفهم أفضل للكون والحياة.

حين اكتشاف أينشتاين نظرية: الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء، لم يكن أحد يعرف سر الإشعاع العظيم في الشمس، لأن الطاقة النووية كانت مجهولة آنذاك. لكن، حتى اليوم، لا يعرف أكثر الناس أن تلك النظرية هي التي تفسّر كتلة أجسام الإنسان والحيوان والنبات.

جسدنا كله ذرات وهذه كلها فراغات، فمجموع الذرات رأس دبوس، الكتلة نتيجة التفاعلات بين الكواركات. سبعة مليارات آدمي يسعهم كشتبان. علماء الفيزياء النووية يريدون السيطرة على طاقة تحاكي الانفجار العظيم مصغّراً. استثمارات بمليارات اليوروهات يصنعون بها المستقبل المختلف. أغرب من ذلك أن بعض العلماء ضاق به الكون كله، فراح يبحث عن ثقب الدودة، الذي يفضي إلى كون أو أكوان أخرى.
لزوم ما يلزم: النتيجة التنافسية: لم تكن المزايدة متصورة، فشاعرنا أوصانا بألاّ نقنع بما دون النجوم، فجاء الفيزيائيون بعدم القناعة بما دون الأكوان الأخرى.

أرض بريكست

عن المؤلف

ماريا سوبوليوسكا وروبرت فورد
* ماريا سوبوليوسكا أستاذة في العلوم السياسية، ونائبة مدير معهد كاثي مارش للأبحاث الاجتماعية بجامعة مانشستر، ومستشارة متخصصة في لجنة اختيار مجلس اللوردات بشأن التسجيل الانتخابي. شاركت في تأليف كتاب «التكامل السياسي للأقليات العرقية في بريطانيا» (2013).
* روبرت فورد أستاذ العلوم السياسية بجامعة مانشستر، وخبير في الهجرة والرأي العام والسياسة الحزبية في بريطانيا. حصل كتابه الأول «ثورة على اليمين» (2013) على لقب الكتاب السياسي الأبرز في عام 2015، وهو يكتب بانتظام عن السياسة الانتخابية البريطانية لوسائل الإعلام الوطنية والدولية.

فرضت التغييرات الاجتماعية والديموغرافية تأثيراً محورياً على السياسة البريطانية؛ إذ إنه مع التنوع العرقي وزيادة الفرص التعليمية للأجيال المهاجرة؛ ظهرت انقسامات جديدة داخل جمهور الناخبين البريطانيين حول قضايا الهجرة، والهوية، والتنوع، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يوضح هذا الكتاب حجم الاضطرابات وأشكالها وأسبابها في العمق البريطاني أثناء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

يقول المؤلفان ماريا سوبوليوسكا وروبرت فورد في بداية العمل: «مع بزوغ فجر يوم الجمعة، 24 يونيو/ حزيران 2016. سعت الدولة بأكملها إلى فهم الأحداث الدرامية التي وقعت بين عشية وضحاها. من الترحيب ب«ولادة بريطانيا الجديدة» في «التلجراف»، إلى مدح «الديلي ميل» لشعب بريطانيا الهادئ الذي انتفض ضد طبقة سياسية متعجرفة لا علاقة لها بالموضوع، إلى المذعورين الذي يتساءلون: ماذا يحدث بحق الجحيم الآن؟ كما هو منشور في الصفحة الافتتاحية في «الديلي ميرور». كانت وسائل الإعلام منقسمة في ردود أفعالها على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كما كانت في تحالفاتها قبل الاستفتاء. ووصفته صحيفة «التايمز» بأنه «زلزال»، وحذرت من أنه يهدد بتفكك الاتحاد، ومع تعثر الأسواق رداً على ذلك، صورت الصحف الأجنبية بريطانيا على أنها «أضحوكة دولية».

ويضيفان: ظهرت الكثير من التحليلات الأكثر رصانة وتأملاً في السنوات التي تلت ردود الفعل الأولى المثيرة، حيث تصارع الصحفيون والسياسيون والأكاديميون في البلاد مع أسباب وعواقب أكثر الممارسات درامية واضطراباً على الإطلاق في الديمقراطية المباشرة التي شهدتها بريطانيا. ففي حين أن هذه الروايات تقدم مجموعة غنية من وجهات نظر مختلفة، إلا أن معظمها تتناول الاستفتاء وفق نظرة ضيقة، وبدأت التحليلات في الفترة التي تسبق الحملة، وانتهت بعد وقت قصير من الإدلاء بالأصوات. لكن بقيت التغييرات الاجتماعية طويلة المدى والصراعات السياسية التي أوصلتنا إلى هذه النقطة في الخلفية

مؤلفا هذا الكتاب ينقلان هذه الصراعات المتوارية إلى مركز الصدارة، ويعلقان: ما حدث في 23 يونيو/ حزيران لم يكن نتاجاً لحملة الاستفتاء فقط، ولن تتم معالجة الانقسامات العميقة التي كشف عنها التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إن خروج بريطانيا هو تعبير عن الصراعات التي كانت تتراكم بين جمهور الناخبين لعقود، وليست قضيتهم. «بريكست» هو الاسم الذي نطلقه على دولتنا المنقسمة، لكن بينما يعطي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اسماً وصوتاً لهذه الانقسامات، فإنها ليست جديدة؛ إذ تكمن جذورها في الاتجاهات التي استمرت لأجيال، وهي التوسع في البرامج والفرص التعليمية، والهجرة الجماعية والتغيير العرقي.

يرى الكاتبان أن استفتاء الاتحاد الأوروبي لم يكن في حد ذاته لحظة خلق، بل كان لحظة يقظة.. لحظة أصبحت فيها العمليات الاجتماعية والسياسية الجارية منذ فترة طويلة واضحة أخيراً، واعترفت مجموعات الناخبين المختلفة في النهاية بأنها مقسمة إلى معسكرين مختلفين ومتعارضين. ويجدان أنه لا يمكننا فهم هذه اللحظة من دون فهم القوى التي أيقظتها، ولذلك يركز المؤلفان على العقود التي سبقت الاستفتاء، ويوضحان كيف أن التغيير الديموغرافي والصراعات المتصاعدة حول الهوية؛ يفرضان ضغوطاً متزايدة على الأحزاب الرئيسية، لكنهما يسعيان إلى توضيح سبب ثبات قدرتها، لفترة من الوقت، على الاستجابة لهذه الضغوط، وذلك من خلال توضيح خطوط التقسيم التقليدية للطبقة والدخل والأيديولوجية.

صراعات حول الهوية

يقارن الكتاب الذي يقع في 408 صفحات باللغة الإنجليزية، والصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020)، أيضاً التأثير المدمر لاستفتاء الاتحاد الأوروبي في إنجلترا وويلز مع الأنماط المختلفة جداً للتغيير السياسي في اسكتلندا، حيث تم وضع تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فوق الاضطرابات الناتجة عن استفتاء الاستقلال لعام 2014. يسلط حشد الناخبين الاسكتلنديين في استفتاء الاستقلال نفسه الضوء أيضاً على قوة الحملات والأحزاب السياسية في توجيه الانقسامات الاجتماعية والهوية المماثلة إلى نتائج مختلفة تماماً. لا تستجيب الأحزاب بشكل سلبي للتغيير الاجتماعي والديموغرافي فحسب؛ بل تساعد في تشكيل معناه السياسي وآثاره الانتخابية. ثم يأخذ المؤلفان في الاعتبار التحولات المضطربة والمتقلبة للناخبين التي شوهدت في الانتخابات العامة مرتين منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويتناولان بعض المسارات التي قد يتخذها التغيير السياسي في السنوات المقبلة.

يتطرق الكتاب إلى الآثار المترتبة على قصة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في التغيير السياسي، ويبين أنه في حين أن حشد صراعات الهوية حول مسألة عضوية الاتحاد الأوروبي، أمر فريد بالنسبة لبريطانيا، فإن الانقسامات حول التعليم والتمركز العرقي والهوية انكشفت بوضوح في بلدان أخرى، ولديها قدرة متزايدة على إحداث اضطرابات انتخابية في أماكن أخرى أيضاً.

في الفصل الأول يتناول المؤلفان كيف أن التغييرات الاجتماعية والسياسية على المدى الطويل قد ولّدت مجموعات جديدة في جمهور الناخبين مع تضارب المصالح. يقولان: لمثل هذه التغييرات تأثيرات طفيفة نسبياً من انتخابات إلى أخرى وهي غير مرئية في ضجيج السياسة اليومية، ولكنها تتراكم على مدى عقود، وتراكم القدرة على إحداث تغيير جذري في ميزان القوى الانتخابية.

اتفاق على مواجهة العنصرية

يتتبع المؤلفان في الفصل الثاني، ثلاثة تطورات أدت إلى صعود ناخبين ليبراليين للهوية الجديدة وتراجع مجموعة المحافظين للهوية المهيمنة سابقاً. ويشيران إلى أن التوسع في البرامج التعليمية ساهم في فتح الجامعات أمام الجماهير، بعد أن كانت في السابق حكراً على نخبة صغيرة. خلال جيلين، أدى هذا إلى تحويل التجربة التعليمية للناخبين البريطانيين من تجربة ترك فيها الناخب العادي المدرسة في منتصف سن المراهقة بمؤهلات قليلة أو معدومة إلى أخرى تظل الأغلبية في المدرسة إلى 18 على الأقل، ويواصل نصفهم تقريباً حضور الجامعة. ثانياً، أدت الهجرة الجماعية وتزايد التنوع العرقي إلى تغيير التجربة النموذجية لشاب ينشأ في بريطانيا. نشأ المتقاعد المولود في الأربعينات في مجتمع أكثر تجانساً عرقياً وثقافياً، وعلى الأرجح كان لديه اتصال ضئيل أو معدوم مع أشخاص من خلفيات عرقية أو دينية مختلفة. نشأت حفيدتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع تجربة مختلفة تماماً، حيث تربت في مجتمع يعتبر فيه التنوع العرقي والديني جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية لمعظم الشباب. إن الهيكل الجيلي لكل من هذه التغييرات، وبالتالي للهويات والقيم المرتبطة بها، يقود إلى الاتجاه الديموغرافي الثالث الذي نحدده: الانفتاح على انقسام جيلي كبير في جمهور الناخبين.

يقول الكاتبان: ظهرت مجموعات متميزة في المجتمع البريطاني كنتيجة تراكمية لهذه التغييرات. فقد أدى توسع الجامعة إلى ظهور الليبراليين. يتمتع خريجو الجامعات بهويات وقيم مميزة، فهم يقدّرون الحريات الفردية بدرجة عالية جداً، ولديهم القليل من الارتباط بهويات أو قيم الأغلبية التقليدية، والأهم من ذلك، فهم عالميون ومؤيدون للهجرة ويحتضنون التنوع. فهم لا يرون فقط التنوع باعتباره منفعة اجتماعية في حد ذاته، بل يرون أيضاً أن الدفاع عن التنوع والأقليات جزء مهم من هويتهم الاجتماعية والسياسية.

هذه التقاليد الاجتماعية المناهضة للعنصرية تعمل على توحيد قناعات الخريجين الليبراليين مع مجموعتنا الليبرالية الثانية: الأقليات العرقية، التي تختلف دوافعها إلى حد ما. بالنسبة للأقليات العرقية، فإن المواقف المناهضة للعنصرية والمؤيدة للتنوع ليست مسألة قيم شخصية؛ بل ضرورة. هناك اتفاق واسع على أن العنصرية غير مقبولة، ويتم تطبيق عقوبات شديدة على أولئك الذين يُعتقد أنهم انتهكوا هذه القاعدة الاجتماعية المناهضة للعنصرية. لكن هناك نزاع عميق ودائم حول المواقف والسلوكات التي يجب معاقبتهم عليها تحت بند العنصرية. حتى بين المحافظين على الهوية، فإن الهويات الاجتماعية ليست ثابتة: إن الإحساس بمن هم «نحن» ومن هم «هم»، وتعبيرات الولاء والشكوكية، يتطور باستمرار؛ استجابة للتغيير الاجتماعي.

بريكست: البداية والنهاية

يلقي المؤلفان في الفصل التاسع، نظرة على قصة استفتاء الاستقلال الاسكتلندي، ويبينان كيف أصبحت القومية والتغيير الدستوري نقاطاً محورية لصراعات الهوية في اسكتلندا في 2014، كما حدث في جميع أنحاء بريطانيا في 2016. في الحالتين، ظهرت انقسامات ديموغرافية وهوياتية مماثلة، وفي كلتا الحالتين برز حزب قومي إلى الصدارة جزئياً من خلال تعبئة هذه الانقسامات وتعزيز التغيير الدستوري. فاز كل من الاستقلال الاسكتلندي وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأقوى دعم مبكر لهما من الناخبين المحافظين الراغبين في استعادة السيطرة، وفي كلتا الحالتين كان النجاح الانتخابي للأحزاب القومية التي تنادي بالانسحاب من اتحاد أكبر عاملاً رئيسياً أدى إلى عقد استفتاء. ومع ذلك، على الرغم من أوجه التشابه العديدة هذه، فإن سياسات استفتاء الاستقلال في اسكتلندا كانت مختلفة تماماً عن سياسات نزاع بريكست في إنجلترا. ففي اسكتلندا، صعدت بالفعل حركة سياسية قومية واسعة وشاملة؛ (الحزب الوطني الاسكتلندي) إلى موقع الهيمنة السياسية المحلية قبل حملة الاستفتاء. ومع ذلك فشل في إقناع الاسكتلنديين بإخراج اسكتلندا من المملكة المتحدة. وفي إنجلترا، فشلت حركة قومية يمنية إقصائية (حزب استقلال المملكة المتحدة) في اختراق السياسة الداخلية، لكنها نجحت في إقناع الإنجليز (والبريطانيين بشكل عام) بإخراج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. تفسر الأنماط المختلفة من ارتباط الهوية النتائج المتباينة، فالتعلق الاسكتلندي بهوية بريطانية شاملة أقوى بكثير من الارتباطات الإنجليزية أو البريطانية بالهوية الأوروبية، في حين أن وجهات النظر السلبية عن إنجلترا وويست مينستر كمجموعات خارجية أضعف بكثير في اسكتلندا من وجهات النظر السلبية المتأصلة في الاتحاد الأوروبي وبروكسل تجاه إنجلترا.

ويرى المؤلفان أن اسكتلندا تقدم أيضاً دروساً حول الآثار السياسية لحملات الاستفتاء المثيرة للانقسام. فقد تم تشكيل أطراف سياسية جديدة أيضاً في حملة الاستقلال الاسكتلندية، وأثبتت هذه الأطراف الجديدة أنها قوية للغاية في الانتخابات العامة لعام 2015، والتي أعادت تنسيق السياسة الاسكتلندية حول مسألة الاستقلال. ومع ذلك، أثبتت إعادة التوافق هذه أنها عابرة؛ حيث اهتزت السياسة الاسكتلندية مرة أخرى في غضون عامين، وهذه المرة بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

يتناول المؤلفان في الفصل العاشر والأخير، تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في إنجلترا وويلز، كما حدث في انتخابات 2017 و2019، والمسارات المحتملة للمضي قدماً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يعلق الكاتبان: إن النمو المطرد للناخبين الليبراليين من الخريجين والأقليات العرقية قد زود حزب العمال بمصدر رئيسي للأصوات الجديدة. لكن هذا التدفق لأنصار الليبراليين الجدد جاء بمخاطر على حزب العمال، وهي مخاطر تجلت في الأداء الضعيف للحزب في انتخابات 2019. دفع الثقل الانتخابي المتزايد لليبراليين داخل الائتلاف العمالي إلى زيادة القوة السياسية لسياسات الهوية لزعزعة ارتباطات الناخبين اليساريين من الناحية الاقتصادية والمحافظين اجتماعياً من «اليسار القديم»، الذين هم على خلاف مع ناخبي حزب العمال الجدد المثقفين والمنحدرين من الأقليات العرقية بشأن قضايا الهوية.

ويضيفان: «إن القدرة على العداء المتبادل والصراع المستقطب موجودة بالفعل، فهي كامنة بين جمهور الناخبين. يزداد خطر حدوث ذلك فقط من خلال وضع رؤوسنا في الرمال والتظاهر بأن هذه الانقسامات المزعزعة للاستقرار هي اختراع سياسيين وليبراليين عديمي الضمير، بدلاً من مواجهتهم على أنها توترات حقيقية لدى الناخبين يجب معالجتها. يمكن أن تتفاقم صراعات الهوية إذا تمت معالجة مشاعر التهديد التي تدفعها إلى أعلى جدول الأعمال بشكل فعّال، ما يفتح المجال أمام تطور الهويات وتطور الأعراف الاجتماعية والسياسية الجديدة. لقد حدث هذا من قبل – العنصرية الملتهبة للسياسيين مثل إينوك باول في السبعينات لا يمكن تصورها في السياسة السائدة اليوم. قد تكون النزاعات المتقلبة والمستقطبة التي أطلق العنان لها في استفتاء عام 2016 الخطوة الأولى الضرورية على الطريق نحو سياسات حزبية أكثر فاعلية واستجابة. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو نهاية وبداية. ما نصنعه من هذا الخروج متروك لنا».

ترجمة : نضال ابراهيم