السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقمي

السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقمي

من سيكون في السلطة في القرن الواحد والعشرين؟ الحكومات؟ أصحاب الأعمال الكبيرة؟ عمالقة الإنترنت؟ وكيف يمكننا التأثير في المستقبل؟ يتطرق هذا العمل الذي وضعه توم فليتشر إلى مسألة مهمة، وهي «الدبلوماسية»، متناولاً تاريخها من القرون الوسطى إلى التاريخ الحديث، وصولاً إلى العصر الرقمي الذي فرض أساليب جديدة في اللعبة السياسية على المستوى الدولي، وتأثيرها في الشعوب، ثم يحدد سمات الدبلوماسي الجيد، ومتى يكون العمل الدبلوماسي صعباً ومتى يصبح سهلاً.
يقدم فليتشر في عمله «الدبلوماسيّة العارية: السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقميّ»، الصادر عن دار «هاربر كولينز» للنشر والذي يقع في 320 صفحة من القطع المتوسط، أمثلة واقعية لكيفية استمرار الدبلوماسية في إيجاد تأثير كبير في حياة الناس، والسبب في مواصلتها القيام بذلك، ويسأل القادة: من تمثل؟ وكيف يمكنك أن تقوم بعملك على نحو أفضل؟
ينقسم الكتاب بعد التمهيد بعنوان «الدبلوماسي الذي وصل في وقت متأخر للغاية»، والمقدمة بعنوان «هنا ترقد الدبلوماسية»، إلى ثلاثة أجزاء: الأول، تاريخ قصير عن الدبلوماسية ويأتي في ستة فصول هي: 1- الدبلوماسية الأولى: من رجال الكهوف إلى القناصل. 2- دبلوماسية عن طريق البحر: من كولومبوس إلى كوبيبويز. 3- أفضل قرن للدبلوماسية. 4- من البريد الإلكتروني إلى المبعوثين. 5- ما الذي يصنع دبلوماسياً جيداً؟
أما الجزء الثاني فهو بعنوان «الحنكة السياسية وحرفة الشارع: القوة والدبلوماسية في عالم متصل». والجزء الأخير: ماذا بعد؟
يستكشف توم فليتشر، السفير البريطاني السابق في لبنان، والذي يعدّ أصغر سفير عين لبريطانيا على مدى 200 عام – المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية المتقدمة في القرن الواحد والعشرين: كيفية تحقيق التوازن بين التدخل والمصلحة الوطنية، واستخدام الحوكمة العالمية من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، ووضع برنامج للأنظمة الدولية التمثيلية. ويطرح سؤالاً: هل سيحتاج العالم في السنوات ال 100 المقبلة، إلى التعامل مجدداً مع نفس الكمية من التنمية الاجتماعية في القرون الماضية، من إعادة الولادة للدولة المدينة، والصراع للحصول على الطاقة الجديدة، واختفاء الحدود، إلى رغبة العالم في الانتقال إلى الدول المتقدمة؟
ويستند في ذلك إلى تناول تجربة عدد من القادة الأكثر نفوذاً في عالم السياسة والدبلوماسية، ومن بين من يتطرق إلى تجاربهم: الدبلوماسي الفرنسي شارل موريس تاليران (1754 -1838)، والسياسي الأمريكي هنري كيسنجر، والراحل نيلسون مانديلا، والسياسيان الأمريكيان جون وروبرت كينيدي، حيث يحلل صعود القوة الذكية، والقوة الناعمة، والتدخل الجديد.

تجربة شخصية

يتحدث عن تجربته الشخصية في الدبلوماسية قائلاً: «خلال فترتي كسكرتير خاص، رأيت أن التكنولوجيا تغيّر الحنكة السياسية. تعاملت مع الورقة والقلم مع رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، وأرسلت البريد الإلكتروني الأول مع رئيس الوزراء غوردون براون، وبدأت باستخدام المراسلات على جهاز الآيباد مع رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون». كما يشير إلى أنه في البداية شعرنا بارتباك في التعامل مع الشريط الإخباري على شاشة «سكاي نيوز» التي تتسع ل 140 حرفاً، ثم انتقلنا إلى التغريدات على موقع «تويتر»، والتي أيضاً لا تتسع إلا ل 140 حرفاً، فكان لا بد من الإيجاز وانتقاء الكلمات بعناية، والتأكد من تأثير الكلمات.
ويقول عن ذلك أيضاً: «هذا التغيّر يمثّل تغيرات بنائية أوسع في الاتصالات، وبالتالي المجتمع على العموم. ولدى جيل الإنترنت فرصة أكبر من أي جيل سبقه في مسألة فهم عالمهم، من ناحية الانغماس فيه وتشكيله»، مضيفاً أنه «في السنوات التي تلت الأحداث الإرهابية في نيويورك 11 سبتمبر/أيلول 2001، شهد العالم تحولاً على نحو أكثر من قبل المهووسين الأمريكيين بالحواسيب في مساكن الطلبة أكثر من نشطاء القاعدة في الكهوف. والعالم سوف يتذكر مارك زوكربيرغ لفترة أطول من أسامة بن لادن».
ويشير إلى أن المواطنين من تونس إلى كييف استخدموا هذه الوسائل في تحركاتهم السياسية والاجتماعية وجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي أداة استثنائية. ويقول: «في السنوات القادمة، ربما يقول الناس إن أكثر الأسلحة قوة لم تكن غاز السارين أو القنبلة النووية، بل الهواتف الذكية».

تاريخ الدبلوماسية

كما يقدم موجزاً عن تاريخ الدبلوماسية، بدءاً من شين ويغين، مستشار أحد الأباطرة الصينيين في القرن الثالث، إذ بعد أن خيّب أمل سيده في مساعيه السياسية، انتهى مصيره إلى قطع لحم صغيرة. ويقول الكاتب: «لحسن الحظ، هذا المصير لا ينتظر الدبلوماسيين اليوم، مهما كانت أوجه القصور لديهم».
كما يتوقف عند السفراء الإسبان والفرنسيين في لندن، الذين سعوا إلى التقليل من شأن بعضهما البعض، ويشير إلى أن النقطة البارزة في الدبلوماسية الأوروبية عموماً تعتبر انطلاقاً من مؤتمر فيينا في عام 1815، والتي أرست الأساس لقرن من السلام في أوروبا، ما أتاح نمو الإمبراطورية. كما أدى مؤتمر فيينا إلى ولادة السلك الدبلوماسي على نحو مهني.
ويذكر أنه عندما وصلت الملكة فيكتوريا (1819 – 1902) إلى العرش، كان لبريطانيا ثلاثة سفراء دائمين فقط؛ وعندما توفيت، كان هناك 100 سفير في أرجاء العالم، وانتهى كل هذا الأمر في ألم وبكاء على الصعيد العالمي، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى معاهدة فرساي، والتي بدورها زرعت بذور الحرب العالمية الثانية.
وعن مسألة الثقة بين السياسيين والعامة، اشتكى دبلوماسي فرنسي في 1931 من نشاطات الصحافة التي لا توفّر جواً ملائماً لتنفيذ المخططات السياسية، حيث تخبر الناس بالحقيقة، وهذا ما يصعب مهمتهم، وهذا الأمر يسير بالطبع عكس قيم الحكومات الديمقراطية والمنفتحة على شعوبها، إلا أنه رغم ذلك فالعديد من شعوب العالم المتقدم تجد أن السياسيين يمارسون تضليلاً وخداعاً معهم.
وفليتشر حين يتحدث عن انحدار الثقة في الطبقة السياسية، لا يجدها أزمة، أو على الأقل لم تصبح أزمة حقيقية بعد، خاصة أنه حينما يحدد السمات الأساسية لكل دبلوماسي جيد والتي نلخصها في: البراعة، الشجاعة، الفضول، وامتلاكه القدرة على التواصل مع الجميع. من دون أن يحدد الصدق والنزاهة على القائمة كما علق أحد النقاد عليه لاحقاً.

الدور المتغير للدبلوماسي

ويتناول فليتشر في الجزء الثاني من عمله الدور المتغير للدبلوماسي في عالم شهد تحولاً سريعاً عن طريق صعود السوق العالمية وولادة الإنترنت. ويبين كيفية تعاطي وزارة الخارجية البريطانية مع الدبلوماسيين، ومسألة التطور الدبلوماسي، إذ إنه حتى وقت متأخر من عام 1970، كانت الوزارة تلجأ إلى «دليل الدبلوماسي»، الذي كان يقدم النصيحة للدبلوماسيين، وعن تصرف زوجاتهم، والمرأة الدبلوماسية كان ينبغي عليها أن تقدم استقالتها إذا تزوجت.
كما يوضح أن الدبلوماسيين البريطانيين كانوا يتسمون بالأناقة، ويحصّلون تعليمهم من مجموعة معروفة من الجامعات والمدارس، وأوساطهم كانت نخبوية بامتياز، كما أن مهارة السفير في كتابة برقية أنيقة كانت تزيد من رصيده في عمله. إلا أن ذلك كله تغير في العصر الرقمي الذي فرض تعاملاً جديداً مع الدبلوماسية والسياسية، إذا بات على الدبلوماسي الحديث أن يوسع من قاعدة جمهوره، وأدوات العصر الرقمي من مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وغيرها تساعده في القيام بذلك. ومن المتوقع أن يكون الدبلوماسي في الخط الأمامي عندما يتعلق الأمر بتعزيز المصالح التجارية والثقافية والسياسية لبلاده، بالتالي عليه إدراك أسلوب التخاطب مع جمهوره من الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، وجميع الأديان والمذاهب والطوائف.
يؤكد الكاتب أنه على السياسيين والدبلوماسيين التحلي بالمرونة والشجاعة في خوض غمار عالم جديد من العولمة والثورة الرقمية، حيث وتيرة التغييرات متسارعة، ولا شيء يبقى سرياً لفترة طويلة في عصر الشفافية و«ويكيليكس».
ويبين أن الجماعات الإرهابية نفسها لجأت إلى التكنولوجيا الرقمية للترويج لأفكارها، واستقطاب مجندين جدد لها، حيث اتخذتها سلاحاً موجهاً ضدنا. وبالتالي، سواء أحببنا ذلك أو لا، فإن البقاء في هذا العالم الرقمي بات أشبه بمهمة، علينا التحرك فيه بحكمة، وجعل أدواته قوة للخير في وجه الجماعات الظلامية التي تريد أن تفرض سواداً قاتماً على عالمنا.

أدوات الدبلوماسية الحديثة

يوضح الكاتب أن الدبلوماسية تصبح صعبة عندما تكون أمتك أو دولتك أو دينك في انحدار ملموس أو فعلي، إذ يصبح الذهاب إلى البيت الأبيض أكثر صعوبة، والتخطيط للاتصالات الهاتفية أيضاً. وكذلك تصبح صعبة عندما تكون قوتك العسكرية في هبوط أو أن التقشف سائد، أو أن المواطنين أقل رغبة في التضحية لأجل مصالح الدولة. وتصبح الدبلوماسية صعبة أيضاً عندما يفقد المواطنون حس الابتكار والإبداع بسبب العوز والفقر، والتضوّر جوعاً، فالدبلوماسية القوية لا تظهر في أجواء الفساد السياسي والجوع وانعدام القوانين.
ويشير الكاتب إلى أن الدبلوماسية تصبح سهلة عندما تكون القواعد والقوانين واضحة للمواطنين، وعندما يلعب جميع مواطني الدولة على طاولة الشطرنج ذاتها. وتصبح سهلة عندما تكون البلاد في حالة من الصعود، حينها تجد مكالماتك مردود عليها بالسرعة الممكنة، وتجد سهولة في التوسع على صعيد السفارات والوفود الاقتصادية.
وهنا يؤكد الكاتب أنه يترتب على الدبلوماسيين أن يتبنوا الذهنية التي تلائم أدوات العصر الرقمي الجديد الذي يشكل استثناء وثورة. ويقول: «العديد منا ارتكب أخطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الخطأ الأكبر هو عدم التواجد عليها. وكذلك نحن بحاجة إلى السيطرة على هواتفنا الذكية».
وعموماًَ، يقدم الكتاب العديد من المناقشات والحجج والقصص السياسية، كما يظهر تعاطفه مع لبنان وشعبه، والجهد الهائل الذي بذله للتواصل مع هذا البلد الذي يشهد تعقيدات كبيرة على الساحة السياسية.
وفي الختام، يحدد ثلاثة تحديات كبيرة للدبلوماسي في القرن الواحد والعشرين وهي: متى وكيف ينبغي لنا أن نتدخل في حروب الآخرين؟ كيف نبني المؤسسات الدولية التي تصلح لتحقيق أهدافنا البشرية، أبرزها الأمم المتحدة، والتي غالباً ما تصبح عاجزة أمام التنافس بين مصالح الدول الكبرى؟ وكيف يمكننا الحد من عدم المساواة في العالم دون ترك دمار؟
يشكل هذا العمل نداء لنا كشعوب ودول لإعادة التفكير بمكاننا في المجتمع وفي عالمنا المترابط. كما يحثنا على التحلي بالشجاعة والإبداع والاتصال مع الآخرين في عالم يفتقد إلى الدبلوماسية في أجزاء كبيرة منه.

نبذة عن الكاتب:

توم فليتشر هو أستاذ زائر في العلاقات الدولية في جامعة نيويورك، ومستشار لتحالف الأعمال العالمي للتعليم ولأكاديمية الإمارات الدبلوماسية. شغل موقع السفير البريطاني في لبنان من 2011 إلى 2015، ومستشار السياسة الخارجية ل«داوننغ ستريت» لثلاثة رؤساء وزراء من 2007 إلى 2011.
كما يعد فليتشر زميلاً فخرياً في جامعة أكسفورد، يدوّن باسم «الدبلوماسي المجرّد»، ويترأس المجلس الاستشاري الدولي لاتحاد الصناعات الإبداعية، حيث يقوم بالترويج لهذا القطاع الأكثر ديناميكية وجاذبية لبريطانيا في الخارج. وقاد توم فليتشر مؤخراً استعراضاً للدبلوماسية البريطانية لأجل وزارة الخارجية في المملكة المتحدة، ويعمل حالياً على تقرير حول مستقبل الأمم المتحدة للأمين العام الجديد للأمم المتحدة. وهو متزوج من الدكتورة لويز فليتشر، طبيبة نفسانية، ولهما ابنان.

الرقميون الرحّل

الرقميون الرحّل

على شاكلة البدو الرحّل، أطلّ علينا مؤخراً في الساحة الرقمية مصطلح الرقميون الرحّل digital nomads كدلالة مباشرة للتحولات التي تحدث في قطاع الأعمال ونتيجة لتأثير تقنية المعلومات والاتصالات، الرقميون الرحل هم عمّال معرفة knowledge workers هائمون يأنفون من ممارسة أعمال تقليدية ترتبط بالمكان والحضور والإنصراف، ويفضلون العمل الحرّ المتنقل، دائم الحركة، والقائم على الابداع والابتكار، إنهم أشخاص عاديون ولكنهم يملكون صفات شخصية تجعلهم قادرين على العمل بحرية مطلقة أثناء ترحالهم وتنقلهم بواسطة حواسيبهم المتنقلة، أو ألواحهم وهواتفهم الذكية، بتنا اليوم نراهم يعملون وينجزون أعمالهم ووظائفهم في المقاهي، والمكتبات العامة، وردهات الفنادق، والمتنزهات والشواطئ الجميلة، أو أينما يحلوا لهم ذلك .. كما أنهم يتنقلون ويسافرون خارج حدود البلد الواحد وتراهم يعشقون الترحال والتنقل من مكان إلى آخر أو من دولة إلى أخرى.
تشير التوقعات أن الرقميّون الرحّل سيستحوذون على نسبة عالية من قطاعات الأعمال في المستقبل المنظور، وسيمثلون كتلة كبيرة من القوى العاملة، وخصوصاً في مشاريع الشركات المتوسطة والصغيرة التي توظف التقنية بصورة فاعلة في أعمالها، لقد ساعدت شبكات التواصل الاجتماعي وهيّأت للرقميين الرحّل تسويق أعمالهم وأنشطتهم، انهم يتكاثرون ويمثلون مستقبل العمل الجديد، كل ما تحتاجه هذه الفئة من عمال المعرفة هو أجهزتهم المحمولة وخدمات انترنت فائقة السرعة.
بعضهم ينتسبون لشركات قائمة، ولكن أغلبهم مستقلون freelancers يعملون وفق استراتيجيات وأهداف خاصة وضعوها بأنفسهم، وتتنوع أعمالهم لتشتمل على التسويق والتجارة الرقمية، والخدمات الاستشارية، بالإضافة إلى تقديم الدروس وورش العمل عن بعد، وإدارة صفحات الشبكات الاجتماعية لمؤسسات أو منظمات حكومية أو خاصة، والتصميم والابتكار، وتصميم الشعارات والقوائم والاستمارات، وكذلك تصميم وإدارة تطبيقات حاسوبية، وإدارة العلاقات العامة، وتطوير وتحسين صفحات الانترنت وخدماتها، وخدمات الزبائن والعملاء، والمتابعة والتنسيق، وتصدير واستيراد، وإدارة أنشطة خدمات لوجستية، وتسويق الأغذية ووجبات المطاعم، وتطوير النظم الحاسوبية، وتقديم خدمات محاماة واستشارات قانونية … وغيرها الكثير من الأعمال القائمة حالياً، والتي تلاقي اهتماماً ورواجاً كبيراً في بيئة الأعمال الرقمية.
إن هذا القطاع من الأعمال أصبح يلاقي اهتماماً كبيراً من قبل الأنظمة الاقتصادية في بلدان مختلفة من العالم، كما صار يجذب اهتمامات الباحثين، ورواد الأعمال، والمستثمرين، وما أحوجنا نحن اليوم في بلادنا لتعزيز الفرص القائمة على هذا النوع من الأعمال وخصوصاً في ظل تزايد أعداد مخرجات التعليم العالي التي تبحث عمن يرشدها إلى عمل أو وظيفة ويشد بيدها ويشجعها، ويسهل لها الوصول إلى الأعمال الحرة والمستقلة القائمة على تطويع التقنية واستثمار إمكاناتها العالية، لهذه المخرجات همم عالية، وحوافز متوقدة، ورغبة جادة للعمل والعطاء، ولكن قد ينقصها الوعي بحجم ونوع الفرص الوظيفية المتوفرة في غير القطاع الحكومي، ومن هنا ندعو الباحثين عن عمل البحث والاطلاع عما يناسب اهتماماتهم وميولهم وقدراتهم الذاتية في الابداع والابتكار، وتعزيز الثقة بالذات ومحاولة الالتحاق ببيئة الأعمال الرقمية.

 

التليجراف العلماء قد يتمكَّنون قريبًا من تخليق أجنة بشرية في المختبر

التليجراف العلماء قد يتمكَّنون قريبًا من تخليق أجنة بشرية في المختبر 1

يُمكن أن تزرع أجنة بشرية اصطناعية من الصفر في المختبر، وذلك بعدما نجح العلماء في تخليق جنين لحيوان ثديي فقط باستخدام الخلايا الجذعية.

تقرير نشرته صحيفة «التليجراف» البريطانية ذكر أنَّ باحثين بجامعة كامبريدج قاموا بخلط نوعين من الخلايا الجذعية لفأر ووضعوهما على حاملة ثلاثية الأبعاد. بعد أربعة أيام من النمو في خزان للمواد الكيميائية، والذي تم تصميمه لمحاكاة الأوضاع داخل الرحم، شكلت الخلايا هيكلًا لجنين لفأر حي.

وقد وصفت النتائج الناجحة بأنها «إنجاز» في الهندسة الحيوية، والذي يمكن أن يسمح في نهاية المطاف للعلماء بتخليق أجنة بشرية اصطناعية في المختبر دون الحاجة إلى وجود حيوانات منوية أو بويضة.

سوف تساعد الأجنة المزروعة الباحثين على دراسة المراحل المبكرة جدًا من حياة الإنسان حتى يتمكنوا من فهم سبب فشل العديد من حالات الحمل، ولكن من المرجح أن تكون هذه الخطوة مثيرة للجدل وتثير تساؤلات أخلاقية حول ماهية أو ما يشكل الحياة البشرية.

 

خلايا جذعية معدلة

 

التليجراف العلماء قد يتمكَّنون قريبًا من تخليق أجنة بشرية في المختبر 2

 

حاليًا يمكن للعلماء إجراء التجارب على الأجنة المتبقية من تجارب التلقيح الاصطناعي، ولكنها ليست كافية، ويجب أن يتم تدميرها بعد 14 يومًا. يقول العلماء: إن القدرة على خلق عدد غير محدود من الأجنة الاصطناعية في المختبر يمكن أن يسرع من وتيرة الأبحاث، في حين قد يزيل بعض الحواجز الأخلاقية.

«نعتقد أنه سيكون من الممكن تقليد الكثير من صور وأشكال التطور التي حدثت قبل 14 يومًا باستخدام الخلايا الجذعية البشرية التي تستخدم نهجًا مماثلًا لتقنياتنا من خلال الاعتماد على خلايا الفأر الجذعية»، هكذا تقول البروفيسور «ماجدالينا جوتيز» من قسم علم وظائف الأعضاء والتطور وعلم الأعصاب في جامعة كامبريدج، والتي قادت فريق البحث.

وأضافت، بحسب ما نقل عنها تقرير الصحيفة البريطانية «إننا متفائلون جدًا بأن هذا سيسمح لنا بدراسة الأحداث الرئيسة في هذه المرحلة الحرجة من التطور البشري دون الحاجة فعلًا إلى العمل على تجارب التلقيح الاصطناعي للأجنة. معرفة كيفية حدوث التطور الطبيعي سوف تسمح لنا أن نفهم لماذا تمضي الأمور كثيرًا على نحو خاطئ».

تم تخليق الأجنة باستخدام الخلايا الجذعية المعدلة وراثيًا إلى جانب خلايا الأرومة الغاذية الجذعية (TSCs) التي تشكل المشيمة في الحمل الطبيعي.

المحاولات السابقة لنمو الأجنة باستخدام نوع واحد فقط من الخلايا الجذعية لم تنجح لأن الخلايا لم تتجمع في مواقعها الصحيحة.

ولكن العلماء اكتشفوا أنه عندما أضافوا الخلايا الجذعية «المشيمية» الثانية، بدأ النوعان في التحدث إلى بعضهما البعض، مُوجِّهين بعضهما البعض إلى الوجهة الصحيحة.

بشكل تعاوني، فقد خُلطوا معًا في نهاية المطاف لتشكيل هيكل جنيني، مع مجموعتين متميزتين من الخلايا، وتجويف في المنتصف، وهو التجويف الذي سيستمر الجنين فيه بالتطور. الجنين لن ينمو ليصبح فأرًا؛ لأنه يفتقد الخلايا الجذعية التي تصنع كيس الصفار أو الكيس الحملي.

 

تساؤلات أخلاقية

 

التليجراف العلماء قد يتمكَّنون قريبًا من تخليق أجنة بشرية في المختبر 3

 

تعتبر بريطانيا حاليًا دولة رائدة في العالم في مجال أبحاث الخصوبة، والعام الماضي تم منح الإذن لمجموعة في معهد «فرانسيس كريك» لتعديل الأجنة البشرية وراثيًا، وهي المرة الأولى في العالم التي يوافق فيها على مثل هذا الإجراء من قبل المشرعين.

لكن مثل هذا العمل يثير تساؤلات أخلاقية مهمة حول قدسية الحياة البشرية، وما إذا كان ينبغي التلاعب بها أو تخليقها في المختبر.

النقاد يحذرون من أن السماح للأجنة للنمو للعلوم، يفتح الباب لأطفال مصنعين أو مبتكرين وبشر معدلين وراثيًا.

وقال الدكتور «ديفيد كينغ»، مدير مجموعة Human Genetics Alert: «ما يقلقني حول إمكانية وجود أجنة اصطناعية هو أن هذا قد يصبح طريقًا لخلق أجنة معدلة وراثيًا أو حتى أطفالًا مستنسخين».

وأضاف «كينغ»: «حتى يكون هناك حظر عالمي واجب النفاذ على تلك الاحتمالات، كما رأينا مع استبدال الميتوكندريا أو الطفل ثلاثي الأباء، فإن هذا النوع من الأبحاث ينطوي على مخاطر توفير الأساس العلمي لرواد الأعمال، الذين سيستخدمون التكنولوجيا في البلدان التي ليس فيها أي قوانين مشرعة».

يحتاج العلماء إلى الحصول على إذن من هيئة «الخصوبة البشرية وعلم الأجنة» البريطانية، قبل محاولة خلق أجنة بشرية باستخدام هذه التقنية، ودعا الخبراء إلى خلق حوار دولي قبل المضي قدمًا في استخدام هذه التقنية.

وقال البروفيسور «جيمس أدجاي»، رئيس أبحاث الخلايا الجذعية والطب التجديدي في جامعة هاينريش هاينه بألمانيا «إن الهيئة القانونية سوف تقرر في نهاية المطاف ما إذا كان يمكن توليد أجنة الخلايا الجذعية البشرية، وإلى متى يمكن أن تترك في طبق بتري لمزيد من التطور».

واضاف «أدجاي» «بالطبع، يجب أن يكون هناك حوار دولي بشأن تنظيم مثل هذه التجارب».

ولكن الدراسة قوبلت بترحيب من قبل المجتمع العلمي الذي وصفها بأنها انجاز هام.

وقد نشرت نتائج الدراسة في مجلة Science ومولت من قبل مؤسسة ويلكوم ترست والمجلس الأوروبي للبحوث.

 

مترجم: 8 طرق لتقرأ كتبًا أكثر هذا العام

8 ways to read books -01

نشر موقع «هارفارد بزنس ريفيو» مقالًا كتبه «نيل باس ريتشا» يعرض لك ثمانية طرق ستساعدك في زيادة معدل قراءتك. ولعلك تحتاج الإجابة على هذا السؤال أولًا: كم كتابًا تقرأ في العام؟

يقول «نيل» إنه منذ البلوغ كان يقرأ تقريبًا خمسة كتب سنويًّا، وذلك في أفضل حالاته. فقد كان يقرأ كتابين في الإجازة السنوية، كما كانت تقبع عدة كتب على الطاولة بجوار سريره طوال شهور.

إلا أنه تفوق على نفسه، وفوجئ أنه أنهى العام الماضي قراءة 50 كتابًا؛ فكان ذلك دافعًا له ليزيد معدل قراءته ليصل إلى 100 كتاب.

فماذا عن شعوره بعد هذا الكم من الكتب؟ يقول إنه لم يشعر مطلقًا طوال حياته بهذا القدر من الحيوية والإبداع في جميع نواحي حياته، يشعر أنه كشخص صار أكثر تشويقًا، وصار أبًا أفضل، كما تحسنت كتاباته بشكل غير مسبوق.

إلا أنه ندم أنه لم يبدأ بذلك مبكرًا في حياته، لماذا انتظر «نيل» 20 عامًا؟

حسنًا، يقول إن عالمنا اليوم مصممٌ لنمط القراءة السريعة «الكاشطة»، وليس القراءة المتعمقة، لذا تطلب الأمر منه بعض الوقت لتحديد التغيرات بعينها التي زادت من معدل قراءته بتلك السرعة الصاروخية. ويضيف أن أيًّا من التغيرات لم تكن لها علاقة بمعدل سرعة قراءته، فهو في الحقيقية قارئ بطيء إلى حد ما.

ثم يعرض مجموعة من النصائح لتعرف كيف تُأقلِم قراءتك مع حياتك اعتمادًا على السلوكيات التي غيّرها:

 

اجعل القراءة في بيتك «متمركزة»

 

8 ways to read books -02

 

في عام 1998، أدى «روي باوميستر» وزملاؤه تجربتهم الشهيرة بعنوان «كعكة رقائق الشوكولاتة والفجل»، إذ قَسَّموا الأشخاص عناصر الدراسة إلى مجموعاتٍ، وطلبوا منهم ألا يأكلوا أي شيء خلال الثلاث ساعات قبل التجربة. أعطوا المجموعة الأولى كعكة رقائق الشوكولاتة والفجل، لكن غير مسموح لهم بتناول الكعكة، إنما الفجل فقط. وأعطوا المجموعة الثانية أيضًا كعكة رقائق الشوكولاتة والفجل بحيث يمكنهم تناول أي شيء أرادوه. بينما المجموعة الثالثة لم تعطَ أي أكل على الإطلاق، وبعد ذلك قدم العلماء القائمون على التجربة للمجموعات الثلاثة أحد الألغاز التي من المستحيل حلها، وذلك لمعرفة إلى أي مدى سيستمرون. لم يكن مثيرًا للدهشة أن المجموعة الأولى التي استنفذت جُل طاقتها في محاولة البقاء بعيدًا عن كعكة رقائق الشوكولاتة، استسلمت أولاً.

فما علاقة ذلك بالقراءة؟

فلتفكر قليلاً في وضعك جهاز التلفاز في الصالة الرئيسية بالمنزل، وهو في تلك الحالة يشبه طبق كعكة رقائق الشوكولاتة، إذ تغويك العديد من المغريات التليفزيونية، مما يقلل قوة إرادتك للتعامل مع الكتب.

لذا يرجوك بإجراء تعديل فتضع جهاز التلفاز بعيدًا قليلًا، على أن تثبت مكانه رف كتب على الحائط يكون من اختيارك.

ويروي في ذلك تجربته الشخصية، فقد نقل العام الماضي جهاز التلفزيون الوحيد في منزله إلى الدور التحتي المظلم، وبدلاً منه وضع بالتعاون مع زوجته رفًا للكتب مكانه بجوار الباب الرئيسي للمنزل. يقول إنهم صاروا الآن يمرون بجوار الكتب، يلمسونها عشرات المرات خلال اليوم الواحد، بينما يقبع التليفزيون في سبات عميق في الدور التحتي، لا يتذكره أحد إلا في أوقات بث الموسم الجديد من مسلسلهم المفضل.

 

أعلن التزامك على الملأ

 

8 ways to read books -03

في كتابه المؤثر بعنوان «التأثير: علم نفس الاقناع»، يشارك «روبرت سيالديني» دراسة في علم النفس تظهر أنه بمجرد أن يضع الناس رهاناتهم في حلبة السباق، يكونون واثقين أكثر في فرص فوز أحصنتهم، أكثر من لحظات ما قبل وضع الرهان، ويفسر ذلك بأن الالتزام هو أحد الأسلحة الستة للتأثير الاجتماعي.

لذا.. لماذا لا نفكر في أنفسنا مثل تفكيرنا في أحصنة السباق؟

يقول «نيل» ضع الرهان على القراءة، بفتح حساب على جودريدز أو ريكو، وقم بدعوة عدد من أصدقائك أو زملائك في العمل، وقم بتحديث حسابك كل مرة تقرأ كتابًا، أو قم بتجميع قائمة بريد إلكتروني ترسل عليها استعراضاتك ونقدك للكتب التي قرأتها. ويقول إنه يفعل ذلك كل شهر من خلال نادي الكتاب الخاص به على البريد الإلكتروني.

يذكر أنه سرق هذه الفكرة من الكاتب «رايان هوليداي» الذي حقق كتابه أعلى المبيعات، والذي يمتلك قائمة كتب للقراءة رائعة.

 

جد قوائم جديدة للقراءة موثوقة ومنسقة

8 ways to read books -04

 

تعرض صناعة النشر أكثر من 5000 كتاب سنويًّا، هل لديك الوقت لتتنقل بين 1000 كتاب أسبوعيًّا؟

بالطبع لا يقدر أحد على ذلك، لذلك نستعين بالوكلاء، مثل استعراضات الكتب على موقع أمازون. لكن هل يجب علينا الحصول على قوائم القراءة من موزعي الكتب؟

يقول «نيل» إنك إذا كنت تشبهه، وتحب حائط «المختارات» في المكتبات المستقلة، إذ لا يوجد ما هو أمتع من اقتناء الكتاب المفضل لدى شخصٍ ما.

وهكذا، فإن إيجاد عدد قليل من القوائم الموثوقة والمنسقة بشكل بسيط كالقوائم البريدية التي ذكرها من قبل، المصحوبة بقليل من التمحيص، يمكنها أن تساعدك في العثور على قائمة تتماشى تمامًا مع أذواقك. ويذكر بعض القوائم التي يفضلها شخصيًّا: قائمة بيل جيتس، وديريك شيفرز، وقائمة تيم فيريس، إذ جمع العديد من التوصيات من ضيوف التدوين الصوتي.

تغيير عقليتك بشأن التراجع أو الاستسلام

 

8 ways to read books -05

 

أن تُقلِعَ عن قراءة كتاب وينتابك شعور سيء هي نقرة، لكن أن تقلع عن قراءة كتاب شاعرًا بالفخر نقرة أخرى. كل ما عليك فعله هو أن تغير عقليتك. كل ما عليك فعله هو أن تقول: «أووف! أخيرًا تركت تلك العثرة لافساح المجال للجوهرة التي سأقرأها تاليًا». ولعل أحد المقالات التي تساعدك في الوصول لتلك العقلية مقال لـ«تيم أوربان» بعنوان «ذا تيل إند»، والذي يرسم صورة صادمة عن عدد الكتب التي ما زالت أمامك لتقرأها طوال حياتك.

وبمجرد أن تستوعب العدد، ستود لو تمحو العثرات والحُجُب، كي تصل لواحة القراءات التي تستهويك فعلًا.

فمقابل كل كتاب أنهى «نيل» قراءته، تخلى عن حوالي 3 أو 4 كتب قبله. فهو يقرأ أولاً، أول خمس صفحات قبل شراء الكتاب، يحاول من خلالها اختبار نبرته وسلاسته ولغته، ثم يقرر أن يتركه إذا ما شعر بالحاجة للتوقف في منتصف تلك الصفحات.

صم عن الأخبار.. ووجه أموالك للقراءة الحقيقية

 

8 ways to read books -06

يقول «نيل» إنه قام بتسجيل اشتراك في جريدة نيويورك تايمز وخمس مجلات أخرى، ويقوم بتحديث الاشتراكات دائمًا، كما رغب دائمًا في الحصول على بريد إخباري جديد على البريد الإلكتروني، لكن بعد عودته من رحلة إجازة طويلة، انغمس فيها مع الكتب، بدأ يدرك أن طبيعة ذلك النوع من القراءة المختصرة القصيرة كانت تمنعه من القراءة العميقة، لذا ألغى جميع تلك الاشتراكات.

فماذا فعله إلغاء هذا الكم الخبري من المدخلات إلى عقله غير إفراغ جزء من عقله؟

يقول «نيل» إن إلغاء الاشتراكات وَفَّر له أكثر من 500$ سنويًّا. أي ما يعادل 50 كتابًا للعام الواحد.

لربما عليك أن تسأل نفسك: بعد عشرين عامًا من الآن، ماذا تفضل أكثر أن تمتلك مجموعات من كتب قرأتها وتعلمت منها، أم دزينات من أوراق الصحف القديمة!

ضاعِف معدل استفادتك من القراءة ثلاثًا

 

8 ways to read books -07

 

درك «نيل» أنه على مدى سنوات طويلة أعتقد أن مكتبته الخاصة لم تكن سوى قطعة فنية تتناغم وسط المزهريات! أما الآن يعتبرها كائنًا ديناميكيًّا دائم التحرك والتغير. إذ صار بإمكانه إضافة ما يقرب من خمسة كتب جديدة إلى المكتبة في غضون أسبوع واحد، والتخلص من ثلاثة أو أربعة كتب.
يقول إنه يأتي بالكتب أحيانًا عن طريق مكتبات الاستعارة في الحي الذي يسكن فيه، أو من محل رائع لبيع الكتب المستعملة، أو من المكتبات المستقلة، أو حتى السلاسل، أو بالطبع من خلال منافذ البيع عن طريق الإنترنت.

بينما عملية خروج الكتب من أرفف مكتبته يكون عن طريق تمريرها لأصدقائه، أو بيعها لمحلات الكتب المستعملة، أو تركهم في المكتبة العامة للاستعارة، تلك الحركة الديناميكية تعني أنه دائم التردد على مكتبته، وليس فقط المرور بجانبها. وبفضل ذلك صار يقرأ أكثر.

 

اقرأ الكتب الورقية

 

8 ways to read books -08

 

ربما تتعجب لماذا لا تقرأ ببساطة الكتب الإلكترونية على هاتفك الذكي، موفرًا الوقت والجهد المطلوب في الإتيان بكتب والتخلص من غيرها كما ذكر سابقًا! ففي عالم صار كل شيء رقميًّا: الأفلام والفيديو ومجموعات الصور الفوتوغرافية، هناك شيء أساسي يتعلق بامتلاك مجموعة كتب ورقية تنمو ديناميكيًّا في منزلك؛ إذا أردت أن تتعمق، ربما من الجيد أن يكون لديك تمثيل متجسد للتطور والتغير في عقلك بينما تقرأ. فضلًا عن أن معظمنا ينظر إلى الشاشات طوال اليوم، لذا قد يكون البعد عن الشاشات والنظر إلى كتاب حقيقي ورقي في يديك تغييرًا.

 

أعد تطبيق قاعدة الـ10000 خطوة

 

8 ways to read books -09

ذات مرة أخبره صديق قصة لطالما علقت في ذاكرته. يقول إن «ستيفن كينج» نصح الناس بأن يقرأوا حوالي خمس ساعات يوميًّا، وأضاف: «ليس ذلك إلا هراء. فمن الذي يستطيع قراءة خمس ساعات يوميًّا؟» وبعد سنوات، أثناء قضاء عطلته في ماين بصحبة صديقته، كان ذاك الصديق ينتظر دوره في طابور السينما، ولحسن حظه كان في الطابور أمامه «ستيفن كينج» واقفًا يقرأ كتابًا، حتى إنه عندما انتهى الفيلم وأنارت القاعة، سحب كتابه وبدأ يقرأ، حتى أثناء خروجه من القاعة. ربما لم يتحقق الكاتب من صحة هذه الحادثة من «ستيفن كينج» نفسه، إلا أن الشاهد منها أنك يمكنك القراءة أكثر؛ هناك دقائق مخفية مهدرة في ثنايا اليوم الواحد، والتي إجمالًا تساوي دقائق كثيرة، اغتنمها.

بطريقة أو أخرى، يشبه الأمر قاعدة الـ10000 خطوة، كأن تمشي حول السوق، وأن تركن سيارتك في آخر موقف السيارات، وأن تطارد ابنك في المنزل، وفجأة تجد نفسك بلغت الـ10000 خطوة.

وبالمثل القراءة، من قبل كان «نيل» يقرأ خمسة كتب على مدار العام، في أوقات العطلات.

بينما الآن يقرأ طوال الوقت، بضع صفحات هنا وأخرى هناك، يحتفظ دائمًا بكتاب في حقيبته، في الأغلب يقرأ الكتب الواقعية البعيدة عن الخيال في الصباح عندما يكون عقله متيقظًا في حالة استعداد للتعلم، ويحتفظ بالخيال قبل النوم، عندما يتلهف عقله للفرار من الواقع، كما حرص على إنهاء بضع صفات خلال اليوم.

 

هل تراقبك شركتك ؟ | (الجاردين ) إليك كيف تحمي خصوصيتك في العمل

SPY-ON-YOU-IN-WORK-01

دوام عمل يمتد من التاسعة إلى الخامسة أو يزيد، بالطبع لا نعمل طوال الوقت، ربما نسترق بعض النظرات لحساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي وسط العمل مستخدمين حاسب الشركة. قد يكون أمرًا عاديًا قمت به مرارًا وتكرارًا، لكن تحذرك «الجارديان» في تقرير نشرته من تلك الخطوة التي قد تعرض حسابك الشخصي أو أمن الشركة التي تعمل بها للخطر.

 يذكر التقرير أن كل ما تقوم به على أجهزة العمل قد يكون مُراقبًا من صاحب عملك؛ لذا إليك بعض النصائح التي قد تساعدك لحماية بياناتك.

تقول «جيسيكا باركر» – استشاري أمن الحاسبات والمعلومات – إن العمل تسلل تدريجيًا إلى أوقاتنا الخاصة، وتسللت حياتنا الشخصية إلى عملنا، وذلك بتشجيع من التكنولوجيا، ففي كثير من الوظائف هناك احتمالات أن يعمل الناس ساعاتٍ طويلةً، ويردون على الرسائل الإلكترونية خارج أوقات العمل الرسمية؛ فأدى ذلك الاختلاط إلى زيادة تعقيد مسألة الخصوصية والأمن في العمل.

وكان لابد للمنظمات أن تكرس جهودها لمقاومة الهجمات الخبيثة، ليس فقط ضد المتسللين الخارجين، بل والداخليين أيضًا، الذين قد يسيئون استعمال المعلومات أو سرقتها.

مع تزايد تولد المعلومات سواء المُشَارَكة أو المُخَزَّنَةُ أكثر من أي وقت مضى، صارت الحاجة للحماية من التهديدات الداخلية والخارجية أكثر إلحاحًا. لذلك، ما هي الطريقة المثلى لحماية خصوصيتك وأمنك داخل العمل؟

افصل بين أجهزة العمل والأجهزة الشخصية

SPY-ON-YOU-IN-WORK-02

من الحكمة أن تتجنب استخدام أنظمة العمل وأجهزته – كجهاز الكمبيوتر المحمول أو الهاتف أو البريد الإلكتروني الخاص بالعمل – لأي غرض شخصي. ففي معظم الحالات، هناك توقعات معتدلة للخصوصية داخل العمل. إذ يتغاضى أصحاب الأعمال عن قدر معين من الاستخدام الشخصي، خاصة إذا قمت بتلك الأمور أثناء أوقاتك الخاصة، وطالما لا تؤثر على عملك، وفي نفس الوقت ليست غير لائقة. إلا أنه عندما تحفظ البيانات الشخصية على أجهزة العمل، تصبح ملكية هذه المعلومات مشوشة، على سبيل المثال، في حالة فقدانك وظيفتك، قد تُستبعد الأجهزة التي كنت تستخدمها، دون إمهالك الوقت اللازم لاسترجاع أي من بياناتك.

تأكد ما إذا كانت شركتك تراقبك أم لا

SPY-ON-YOU-IN-WORK-03

 

يجب الأخذ في الاعتبار أيضًا أن أي شيء تقوم به على كمبيوتر العمل، مثل فتح حساب البريد الإلكتروني الشخصي، قد يكون مُراقبًا وأخذت نسخة احتياطية منه. إذ يراقب أصحاب الأعمال البنية المعلوماتية لمنع إفشاء المعلومات السرية، ومنع الأنشطة الإجرامية، ومتابعة عدم الكفاءة. التكنولوجيا التي تسهل عملية المراقبة، مثل البرامج التي تستطيع أن تلتقط صور الشاشة لكل ما يقوم به الموظفون، تتطور طوال الوقت.

(  لا يوجد شيء آمن 100% على الإنترنت، تمامًا كما لا يوجد شيء آمن في «الواقع».)

يجب أن يكون مفهوم الرقابة مدرجًا ومحددًا في لائحة السياسات العامة، لذلك، اقرأ سياسة شركتك، وإن لم تجد أي شيء يتعلق بالخصوصية، فاسأل عنه.

فكر في تواجدك على مواقع التواصل الاجتماعي

SPY-ON-YOU-IN-WORK-04

 

غالبًا ما يختلط الخط الفاصل بين هويتنا الشخصية وهويتنا المهنية عندما يتعلق الأمر باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ليست هناك بالضرورة مشكلة في ذلك، لكن يجب أن تكون حريصًا على التفكير مليًا قبل أن تقول أي شيء على الإنترنت قد يوقع بك أو بصاحب عملك في المتاعب.

قد لا يكون موقع فيسبوك هو المكان الأمثل الذي تنفس فيه عن غضبك من زملائك الذين ضايقوك أثناء الاجتماع، خاصةً لو كان زملاؤك الآخرون في العمل أو رئيسك ضمن أصدقائك على الفيسبوك. وحتى لو حددت خصوصية حسابك على فيسبوك أو تويتر لكي لا يرى ما تقوم بنشره إلا بعض الحسابات، تذكر أن أي شيء تقوله على الإنترنت يمكن أن تؤخذ منه صورة شاشة، ومن ثم يُنشر على نطاق أوسع مما كنت ترغب.

يجب أن نضع في اعتبارنا أيضًا أن مجرمي الإنترنت يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لجمع المعلومات عن أهدافهم. أي إن المعلومات التي تنشرها على سبيل المثال في موقع لينكد إن، قد تستخدم في صياغة حساب بريد إلكتروني متصيد مقنع، لشن هجوم على صاحب عملك من خلالك.

تقوية كلمات السر

SPY-ON-YOU-IN-WORK-05

 

ستخدم كلمات سر قوية ومعقدة وفريدة، لكي لا يتمكن أحد من اختراقها بسهولة. تعد كلمات السر التي تتكون من جمل وتحتوي على مسافات بين الكلمات، أكثر أمنًا. جرِّب استخدام جملة من أغنيتك المفضلة لكل حسابٍ على حدة، وارفع مستوى التعقيد بوضع بعض الرموز الخاصة، والأحرف الكبيرة والصغيرة، والأرقام. حاول ألا تستخدم الأغاني المعروفة.

لا تستخدم كلمة مرور واحدة لكل حساباتك، فإذا ما اخترق أحدَها أحد مجرمي الإنترنت، سيتمكن بالطبع من اختراق  جميع حساباتك. قد تحتاج لمساعدة أحد برامج إدارة كلمات المرور، مثل LastPass أو Dashlane أو Keeper. إذ يقوم برنامج مدير كلمات المرور بتخزين تفاصيل دخولك على المواقع التي تستخدمها في قاعدة بيانات مشفرة، كل ما عليك تذكره، كلمة مرور واحدة رئيسية فقط. يقول بعض الناس إن هذه الطريقة غير آمنة، لأنها قد تخلق نقطة ضعف وحيدة، فإذا ما كسرت كلمة السر الرئيسية، اُختُرِقَت كافة كلمات السر الباقية. لكنك إذا أنشأت كلمة سر رئيسية قوية ومعقدة، فسيوفر لك مدير كلمات السر أمنًا أكثر بكثير مما إذا استخدمت كلمات سر بسيطة لحسابات كثيرة. لا يوجد شيء آمن 100% على الإنترنت، تمامًا كما لا يوجد شيء آمن في «الواقع»، فالحماية هي القيام بما هو ملائم للحد من المخاطر.

بمجرد انتهائك من وضع كلمات سر فريدة، لا تلقي بالًا لتغييرها إلا إذا ارتبت من شيء ما، أو علمت أن أحد حساباتك صار مستهدفًا. إذا أصر صاحب العمل على تغيير كلمات المرور بصفة دورية، قد ترغب في معرفة سبب عدم اتباعه آخر الإرشادات الحكومية في المملكة المتحدة، والتي تقول إن التغيير المتكرر لكلمات المرور يضع حملًا كبيرًا جدًا على عاتق المستخدمين، ويمكن أن يؤدي إلى وضع كلمات سر أكثر ضعفًا.

 

ضاعفْ إجراءات الأمان

SPY-ON-YOU-IN-WORK-06

أسس عنصرين للتأكد أو ما يعرف بـ(2FA)، والتي تعمل بمثابة طبقة مزدوجة لحماية حساباتك، وبالتالي لا تعتمد الحماية فقط على كلمات السر. يمكنك التعرف على الإرشادات المبسطة، خطوة بخطوة لإعداد 2FA على موقع

turnon2fa

احذر من الروابط والمرفقات، إذا ساورك الشك حول صحة بريد إلكتروني أو رسالة ما، استخدم وسيلة بديلة للتواصل مع المرسل، مثل الاتصال به عن طريق رقم تعرف مسبقًا أنه صحيح.

ليس هناك حل سريع لمسألة الحماية، لكن استثمار قدر ضئيل من الوقت والجهد باتباع تلك الخطوات، قد يوفر عليك الكثير من التوتر والمال.

 

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

تأليف: بيرني ساندرز

في كتابه حديث الصدور، يحرص السياسي الأميركي المخضرم بيرني ساندرز على عرض وبلورة تجربته الحافلة التي امتدت مؤخراً على مدار الفترة 2015 2016، حين كان مرشحاً في سباق الرئاسة الأميركية.

وفيما يتابع مع قارئ الكتاب مراحل حملته الانتخابية التي استندت إلى طروحاته ومقترحاته، ومن ثم رؤيته كمرشح وسياسي، فقد ركز في الباب الثاني من الكتاب على الحديث عن تفاصيل رؤاه السياسية وتوجهاته الفكرية.

عندما أعلنوا عن اسمه، أثار الإعلان شبه عاصفة من الاستغراب مشوبة بالاستخفاف إن لم يكن الاستهجان: بيرني ساندرز مرشح الحزب الديمقراطي المنافس للمرشحة هيلاري كلينتون في سباق رئاسة الجمهورية الأميركية خلال السباق الرئاسي في موسم 2015 2016.

دارت التساؤلات أولا حول تأثير سن ساندرز الذي قارب الخامسة والسبعين، ودارت ثانياً حول تواضع شهرته كسياسي قادم من أرجاء ولاية فيرمونت شبه المجهولة، ثم دارت ثالثاً، وهذا هو الأهم، حول مضامين ونوعية الشعارات التي طرحها المرشح الذي اشتعل رأسه بشيب التجارب والسنين.

22مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

 

طروحات اشتراكية

سارع المراقبون السياسيون إلى وصف شعارات بيرني ساندرز بأنها طروحات اشتراكية وأفكار ودعوات لم يألفها المسرح السياسي من قبل في الولايات المتحدة، لا على ألْسنة الديمقراطيين بطبيعة الأحوال، ولا على ألسنة الجمهوريين.

لكن ساندرز خاض غمار المنافسة الانتخابية ضد هيلاري واستطاع أن يحوّل حملته الانتخابية ودعوته السياسية من خانة الهامشية على حد وصف ميديا الإعلام، إلى حيث ترسخت جذورها في أرضية الواقع الأميركي من الآن وحتى مراحل مقبلة من السنوات.

ثم ها هو يتحدث عن خلاصة هذه التجارب في كتابه الصادر في الأيام الختامية من العام الماضي وقد اختار له العنوان التالي: ثورتنا، كما اختار في تصدير الكتاب الشعار نفسه الذي كان معتمداً طوال حملته الانتخابية وهو: نحو مستقبل نؤمن به.

سحابات الانزواء

والحاصل أنه فيما تغلبت عليه هيلاري، ثم ما لبثت أن واجهت هزيمتها المعروفة على يد الرئيس (المستجّد) دونالد ترامب، ولدرجة باتت تؤذن في حالة كلينتون بسحابات الانزواء والغروب، إلا أن بيرني ساندرز مازال يمثل نموذجاً جديداً في مضمار الفكر والعمل السياسي في بلاده، بل يجسد،، قطباً جاذباً لأجيال الشباب الأميركي جيل الألفية أو الألفيين كما يسمونهم ممن لم تعد تجذبهم أو تقنعهم شعارات الساسة في بلادهم بما في ذلك رموز الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السواء.

• كتاب ثورتنا يتألف من 16 فصلا يضمها بابان محوريان:

• الباب الأول (6 فصول) يسرد فيه مؤلفنا وقائع تجربته كمرشح رئاسي ثان كما قد نصفه عن الحزب الديمقراطي، ويحرص على تقصي جذور اهتماماته السياسية ما بين نشأته المتواضعة في بروكلين – نيويورك، وصولا إلى تنصيبه نائباً عن فيرمونت، الولاية المتواضعة، عضواً في الكونغرس ما بين مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ.

وهنا أيضاً يؤكد الكتاب على أن مؤلفنا ظل متمسكاً على مدار هذه الصفات البرلمانية التي بدأت في عام 1990 ومازالت مستمرة حتى الآن بصفته كسياسي مستقل فكراً ومبادئ وتوجهات.

أما الباب الثاني من هذا الكتاب (10 فصول) فيبسط فيه بيرني ساندرز تفاصيل منهجه العقائدي ورؤاه السياسية ما بين تأكيده على ضرورة التصدي للأقلية (الاليغاركية) المسيطرة على الحياة السياسية في أميركا، وهو ما أدى في تصوره إلى تراجع موقع الطبقة الوسطى، إلى ضرورات إصلاح أوجه الخلل في الاقتصاد، وتعميم خدمات الرعاية الصحية لصالح الجميع.

ومكافحة تغيرات المناخ (الكوكبي) والمبادرة من الآن فصاعداً كما يؤكد المؤلف إلى إصلاح قوانين الهجرة فضلا عن وقوف الدولة المؤسسة السياسية ودوائر النظام الحاكم في واشنطن إلى جانب أشد طبقات المجتمع الاميركي تواضعاً واستضعافاً.

قناعة

نلاحظ في السياق نفسه، أن المؤلف يُولي أهمية خاصة لقضية إصلاح التعليم العالي، ومن ثم جعله متاحاً لجميع مستحقيه من أفراد الشعب الأميركي. وهو يصدر في هذا الإطار بالذات عن قناعته العميقة التي يعبر عنها على النحو التالي: في القرن 21 لم يعُد نظام التعليم العام من الروضة إلى المدرسة الثانوية صالحاً بما فيه الكفاية.

فالعالم يتغير والتكنولوجيا تتغير وكذلك الاقتصاد. وإذا ما كان لنا (الأميركيون طبعاً) أن ننجح في غمار الاقتصاد العولمي التنافسي وبحيث تتوافر لدينا أفضل قوة عمل في العالم، فلابد أن يصبح التعليم مجانياً على مستوى الكليات والجامعات الحكومية.

عن التعليم والمساواة

ثم يعاود المؤلف التأكيد على الربط بين عنصر التعليم (ومجانيته)، وبين سبل تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة بين طبقات وفئات المجتمع، ويضيف قائلا: المشكلة أنه مع ارتفاع نفقات التعليم إلى حد لم تعد تطيقه الأسر العاملة بكل ما تحمله على كاهلها من ديون، إذا بالتعليم العالي (بالجامعات والمعاهد الاختصاصية العليا) وقد أدى إلى تفاقم حالة اللامساواة الاجتماعية بدلا من تخفيف وطأتها.

وقبل أن يصل مؤلفنا إلى خاتمة هذا الكتاب يطالب في الفصل الثامن بإصلاح نظام هجرة الوافدين إلى أرض الولايات المتحدة.

 

عرض ومناقشة: محمد الخولي

 

 

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

العملية الديمقراطية تواجه خطراً كبيراً في العالم

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

 

 

تأليف: فولفغانغ ستريك – 
بعد سنوات من اعتلال صحة الرأسمالية، تعيش الآن في حالة حرجة جداً، وتسبب إشكاليات كبرى في النظام السياسي العالمي، الذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن أي أزمات اقتصادية حاصلة، وحروب تخاص باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا النظام الرأسمالي خلق الحروب، والمجاعات، وفرض حالة كبيرة من عدم المساواة، وعدم الاستقرار الاجتماعي، لخدمة مصالح فئة قليلة متحكمة. الشعوب لم تعد تثق بهذا النظام، لكن متى سينتهي؟ وما هو البديل له؟
يحاول المحلل الألماني البارز فولفغانغ ستريك في عمله الجديد «كيف ستنتهي الرأسمالية؟ مقالات حول نظام فاشل» (صادر أواخر 2016 عن دار «فيرسو» البريطانية في 259 صفحة من القطع المتوسط)، أن يوضح أن العالم على وشك أن يتغير. فالزواج بين الديمقراطية والرأسمالية يقترب من نهايته، بسبب دفعه إلى لم شمل شركاء غير ملائمين معاً في ظل الحرب العالمية الثانية. فالمؤسسات التنظيمية التي قيدت ذات مرة تجاوزات القطاع المالي قد انهارت، وبعد الانتصار النهائي للرأسمالية في نهاية الحرب الباردة، ليس هناك من قوة سياسية قادرة على دحر تحرير الأسواق.
ويشير إلى أن عالمنا أصبح عالماً يعيش تحت رحمة انخفاض النمو، وحكم القلة، وتقلص القطاع العام، والفساد المؤسسي، والفوضى الدولية، وليس من علاج شافٍ في متناول اليد لهذه الأمراض الخطيرة التي تخلف الحروب بين الشعوب والدول، وتترك كوارث بيئية وسياسية واقتصادية واجتماعية في كافة الأرجاء.
وقد أوضح هذا في العام 2014، عند نشره لمقال مهم في عام 2014 في مجلة «نيو ليفت»، حيث أوضح فيه كيف أن الرأسمالية وصلت إلى نهايتها، وذلك من خلال مناقشة العديد من العوامل التي دفعت إلى ذلك. وذكر فيه أن الرأسمالية المعاصرة وصلت لهذه النقطة بسبب خمسة عوامل هي: انخفاض النمو، حكم الأوليغارشية، وتجويع الجمهور العام، والفساد السياسي، والفوضى الدولية. وأكد في مقاله، أنه في الوقت الحاضر لا توجد قوة سياسة فعلية لمواجهتها، وسوف تستمر في التراجع والضمور حتى تصل إلى نقطة الانتهاء. ووسع أفكاره حول هذا الموضوع في هذا العمل الذي بين يدينا.
يأتي العمل في 11 فصلاً بعد المقدمة هي بالترتيب: كيف ستنتهي الرأسمالية؟، أزمات الرأسمالية الديمقراطية، المواطنون كعملاء: آراء حول السياسة الجديدة للاستهلاك، صعود حالة التماسك الأوروبية، الأسواق والناس: الرأسمالية الديمقراطية والتلاحم الأوروبي، هيلر وشميت واليورو، لماذا يقسم اليورو أوروبا؟ تعليقات على البروفسور وولفغانغ ميركل: هل الرأسمالية متوافقة مع الديمقراطية؟، كيف تدرس الرأسمالية المعاصرة؟، عن البروفسور الأمريكي فريد بلوك: مجموعة منوعة من ماذا؟ هل ينبغي علينا اللجوء إلى استخدام مبدأ الرسمالية؟، والفصل الحادي عشر: مهمة علم الاجتماع العامة.

صراعات وتناقضات

سبق للكاتب أن نشر بعض فصول العمل، خمسة منها في مجلة «نيوليفت» بين 2011 و2015، وكتب فصلين أساساً باللغة الألمانية، والباقي باللغة الإنجليزية. وعمله هذا يدخل في التحليل السياسي الاقتصادي، الذي يجدهما مترابطين في تناول مسألة كبيرة مثل الرأسمالية، خاصة عند تناول عواقب الأزمة المالية في 2008 على العلوم الاجتماعية والنظرية السوسيولوجية، والسوسيولوجيا السياسية وعلاقتها مع الاقتصاد السياسي. ويعلق الكاتب في تمهيده على ما بذله من جهد: «هدف الكتاب هو إثارة المزيد من التفكير حول كيف سيصل النظام الرأسمالي إلى نهايته في المستقبل، حتى وإن لم يكن له من دون بديل في الأفق».
يبدأ الكاتب مقدمته بالقول إن الرأسمالية كانت على الدوام تكويناً اجتماعياً غير محتمل، فهي مليئة بالتناقضات والصراعات، بالتالي فهي بشكل دائم غير مستقرة، وفي حالة تغير مستمر، وتقوم بالدعم على أسس مشروطة وغير ثابتة، بالإضافة إلى فرضها تقييدات على المؤسسات والأنشطة.
ويشير إلى أن الرأسمالية تقدم وعوداً بنمو غير محدود للثروة المادية السلعية في عالم محدود، وذلك من خلال ضم نفسها إلى عالم التكنولوجيا والعلوم الحديثة، لتجعل من المجتمع الرأسمالي المجتمع الصناعي الأول، ومن خلال التوسع اللانهائي للأسواق الحرة الخطرة.
ويتطرق إلى التوترات والتناقضات ضمن الترتيب الاقتصادي السياسي الرأسمالي، والتي تؤدي منذ الآن إلى احتمالية الانهيار الهيكلي والأزمة الاجتماعية. ويقول: «إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي تحت الرأسمالية الحديثة يجب أن يكون مؤمناً على خلفية قلق منتظم تنتجه التنافسية والتوسع، وهو سلوك توازني صعب مع نتيجة غير مؤكدة على الدوام».

الافتقاد إلى المركز

يشير الكاتب إلى أن الرأسمالية العالمية تحتاج إلى مركز لتأمين المنطقة المحيطة بها وتزويدها بنظام نقدي موثوق. فحتى سنوات 1920، كانت بريطانيا تقوم بهذا الدور، ومنذ العام 1945 وحتى 1970 تكفلت به الولايات المتحدة؛ وشهدت السنوات بين هذين الانتقالين، التي كان فيها المركز في عداد المفقودين، وكانت قوى مختلفة تتطلع لتضطلع بهذا الدور، فترة من الفوضى السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. ويؤكد أن العلاقات المستقرة بين عملات الدول المشاركة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي ضرورية لتدفقات التجارة ورأس المال عبر الحدود الوطنية، والتي هي بدورها أساسية لتراكم رأس المال؛ وهي تحتاج إلى ضامن مصرفي على المستوى العالمي يعتبر ملاذاً أخيراً. كما أن مركزاً فعالاً أيضاً مطلوب لدعم الأنظمة في المحيط الراغبة في التغاضي عن استخراج المواد الخام بكلفة منخفضة. وعلاوة على ذلك، هناك حاجة إلى التعاون المحلي لكبح جماح المعارضة التقليدية للاستعمار الرأسمالي خارج العالم المتقدم.

فوضى عالمية

ويذكر الكاتب أن الرأسمالية المعاصرة تعاني على نحو متزايد الفوضى العالمية، حيث إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على القيام بدورها الذي أدته بعد الحرب العالمية الثانية، وليس هناك من نظام عالمي متعدد الأقطاب يلوح في الأفق. ورغم أنه لم تقع اشتباكات بين القوى العظمى، ولكن يتم التنازع على وظيفة الدولار كعملة احتياط دولية، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، نظراً لتدهور أداء الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع مستويات الدين العام والخاص، والتجربة الأخيرة للعديد من الأزمات المالية المدمرة للغاية.
أما مسألة البحث عن بديل دولي، وربما في شكل سلة عملات، أمر صعب لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تثقل كاهلها بالديون عبر عملتها. وعلاوة على ذلك، قامت منظمات دولية باتخاذ تدابير لتحقيق الاستقرار بناء على طلب واشنطن على نحو متزايد، لكنها خلفت آثاراً زعزعت استقرار الدول التي على هامش النظام، كما هو الحال بالنسبة للفقاعات التضخمية في دول مثل البرازيل وتركيا.
عسكرياً، الولايات المتحدة خاضت حتى الآن ثلاث حروب برية واسعة إما هزمت فيها أو وصلت إلى طريق مسدود منذ 1970، وربما تكون في المستقبل أكثر تردداً في التدخل في الصراعات المحلية مع «قوات على الأرض»، إذ يتوقع الكاتب أن تقدم على نشر وسائل متطورة جديدة من العنف لطمأنة الحكومات المتعاونة معها، وخلق حالة من إرساء الثقة في الولايات المتحدة باعتبارها التي تفرض القوانين العالمية المتعلقة بحقوق ملكية القلة، وكملاذ آمن للعائلات الأوليغارشية وثرواتهم.

ويقول الكاتب أيضاً: «ربما تلجأ من ضمن ما تلجأ إليه الولايات المتحدة إلى استخدام «القوات الخاصة» السرية للغاية للبحث عن أعداء محتملين. واستخدام طائرات من دون طيار أكثر تطوراً قادرة على قتل أي شخص في أي مكان تقريباً في العالم. والقيام بحبس وتعذيب عدد غير معروف من الناس في جميع أنحاء العالم عبر نظام معسكرات اعتقال سرية. وتقوم بمراقبة شاملة لأية معارضة محتملة في كل مكان بمساعدة تكنولوجيا «البيانات الكبيرة». وإذا كان هذا كافياً لاستعادة النظام العالمي، خاصة في ظل صعود الصين باعتبارها قوة اقتصادية مؤثرة، وإلى حد أقل، منافساً عسكرياً للولايات المتحدة، لكن مع ذلك، ينطوي الأمر على شك.

مشكلة مع الديمقراطية

يشير الكاتب إلى أنه عند مناقشة الأزمة ومستقبل الرأسمالية الحديثة، يجب أن نتحول إلى تناول السياسة الديمقراطية. إذ كانت الرأسمالية والديمقراطية على خصومة لفترة طويلة، حتى بدا أن تسوية ما بعد الحرب قد قامت بالمصالحة بينهما. في القرن العشرين، كان أصحاب رؤوس الأموال مذعورين من أن تلغي القوانين الديمقراطية الملكية الخاصة، في حين توقع العمال ومنظماتهم من الرأسماليين أن يمولوا العودة إلى الحكم الاستبدادي للدفاع عن امتيازاتهم.
ويذكر أنه فقط في فترة ما بعد الحرب الباردة أصبحت الرأسمالية والديمقراطية متماشيين مع بعضهما بعضا، والتقدم الاقتصادي جعل أغلبية الطبقة العاملة تقبل بالسوق الحرة، ونظام الملكية الخاصة، وهذا بدوره جعل هذه الحرية الديمقراطية تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من حرية الأسواق والربح، وتعتمد في الواقع عليها. لكنه يؤكد أنه «اليوم، مع ذلك، فقد عادت الشكوك بقوة حول مدى التوافق بين الاقتصاد الرأسمالي مع نظام الحكم الديمقراطي. إذ إن هناك شعورا سائدا بين الناس العاديين، بأن السياسة لم تعد قادرة على أن تحدث فرقاً يذكر في حياتهم، خاصة أمام حالة الجمود وعدم الكفاءة والفساد المتزايد بين الطبقة السياسية التي تقوم بخدمة مصالحها، وتتحد في ادعائها بأنه «ليس هناك بديل» لها ولسياساتها. وإحدى النتائج التي نراها هي انخفاض الإقبال الانتخابي إلى جانب تقلب الناخبين العالي، وإنتاج أكبر قدر من التجزئة الانتخابية، وذلك بسبب صعود الأحزاب «الشعبوية»، وعدم استقرار الحكومات السائدة».
ويقول الكاتب أن شرعية الديمقراطية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت على أساس فرضية أن الدول لديها القدرة على التدخل في الأسواق وتصحيح نتائجها في مصلحة المواطنين, لكن عقودا من تزايد عدم المساواة ألقى ظلالاً من الشك على هذا، وكذلك عجز الحكومات قبل وأثناء وبعد أزمة عام 2008.
ويعلق: «الموضوع الرئيسي من الخطاب المعادي للديمقراطية الحالي هو الأزمة المالية للدولة المعاصرة، كما يتجلى في الزيادة المذهلة في الدين العام منذ سنوات السبعينات من القرن الماضي»، ويضيف: «يتم زيادة المديونية العامة بهدف الوصول إلى الأغلبية الانتخابية، ونجد السياسيين الانتهازيين يشترون تأييد الناخبين قصيري النظر بالأموال التي لم تكن لهم يوماً من الأيام».
يجد الكاتب في خاتمة عمله أن العملية الديمقراطية تواجه خطرا كبيرا في العالم، بسبب الفوضى السياسية التي ترتبط ارتباط وثيقاً بالأزمات الاقتصادية التي تخلفها الرأسمالية على حساب الفقراء والبسطاء في العالم، ومما يقوله: «عند هذه النقطة، يبدو واضحاً أن الإدارة السياسية للرأسمالية الديمقراطية قد تراجعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، وفي بعض البلدان أكثر من غيرها، ولكن بشكل عام أيضاً، في النظام السياسي والاقتصادي العالمي الناشئ. ونتيجة لذلك يبدو أن المخاطر في تزايد مستمر، سواء على صعيد الديمقراطية أو الاقتصاد».

نبذة عن المؤلف

فولفغانغ ستريك أستاذ جامعي ومحلل سياسي واقتصادي ألماني من مواليد 1946. مدير معهد «ماكس بلانك للبحوث الاجتماعية في كولونيا، وأستاذ علم الاجتماع» في جامعة كولونيا. وهو عضو فخري في جمعية تقدم الاقتصادات الاجتماعية، وعضو في أكاديمية برلين براندنبورغ للعلوم، فضلاً عن أكاديمية يوروبايا. تركز أبحاثه على تحليل الاقتصاد السياسي للرأسمالية. وقد كتب على نطاق واسع في الاقتصاد السياسي الألماني، ومؤخراً كتب عن سياسة التقشف وتأثيرها في سياسات الاتحاد الأوروبي، وصعود ما أسماه بدولة الديون نتيجة الثورة الليبرالية الجديدة من سنوات الثمانينات، ومستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يشهد تخبطاً في سياساته، وله العديد من المؤلفات منها: «شراء الوقت: تأخر أزمة الرأسمالية الديمقراطية».

عرض وترجمة:نضال إبراهيم

 

الذكاء الاصطناعي… وتغيير الحكومات سياساتها

الذكاء الاصطناعي… وتغيير الحكومات سياساتها

| أندرو كين* |

أندرو كين

 

في وقت بدأت الروبوتات تستولي على المزيد من وظائفنا، وتتصاعد المخاوف من أن يتحول الواقع الافتراضي إلى «مخدّر عالمي» للبشر، يتوجب على السياسيين تحسين سياساتهم في شكلٍ عاجل. هذه وجهة نظر أندرو كين، الذي يشرح كلفة «القلق من الذكاء الاصطناعي» في مقابلة مع بين فلاناغان…

«عصر القلق» يحدق بنا! وهو عصر تهددنا فيه الروبوتات القائمة على الذكاء الاصطناعي بحرماننا من وظائفنا، وعصر يبدو فيه البشر الذين يزدادون كسلًا وقد انسحبوا إلى عوالم الواقع الافتراضي. فمن أين يأتي خلاصنا؟ على الحكومات وليس «غوغل» أن تتدخل.

هذا هو رأي كين، أحد أشهر المعلقين على الثورة الرقمية في العالم وأكثرهم إثارةً للجدل، وقد ألّف ثلاثة كتب من ضمنها كتاب «الإنترنت ليس الحل».

ويحذر كين من ارتفاع احتمال نشوب الاضطرابات الاجتماعية مع استمرار استبدال الآلات الذكية للبشر في وظائفهم، بدءاً بخدمات دعم التعليم القائمة على الذكاء الاصطناعي وحتى سيارات «أوبر» المستقبلية ذاتية القيادة.

ويشرح كين في ما يلي كيف يتوجب على الحكومات الاستجابة إلى مجتمع في طور التغيّر، وربما إلى مجتمع يزداد كسلاً.

• حسب دراسة أجراها باحثون في جامعة أكسفورد، من المحتمل أن تتم حوسبة 47 في المئة من كل الوظائف في الولايات المتحدة. هل هذا الأمر مرجّح حقًا؟

– هذا الاحتمال واقعي فعلاً، سواء كانت النسبة 40 أو 45 أو 50 في المئة. وسيصبح المزيد والمزيد من المهن فائضاً عن الحاجة. فعلى سبيل المثال، مع ارتفاع عدد السيارات ذاتية القيادة لن تكون ثمة حاجة إلى مهنة سائقي السيارات. وماذا سيحل بالمدرسين عندما يصبح التعليم مجانياً ويمتلك كل واحد منا روبوتاً قائماً على الذكاء الاصطناعي يعطينا تجربة تعليم مخصصة لنا؟ بالطبع لا غنى عن الناس الذين سيعملون في شركات التعليم هذه لكن سيفقد أغلب المدرسين وظائفهم. لذلك، على الحكومات مواجهة هذا الخطر لأن دور الحكومة هو حماية الشعب.

• هل سيتحول العرق البشري إلى عرق كسول؟ يقضون وقتهم أمام التلفاز؟

– قد لا تكون مصادفة أنه في الوقت الذي تزداد إمكانية الاستغناء عن الوظائف وتتقلص نسبة العمل الكافي لنا، نقوم بتطوير تكنولوجيا الواقع الافتراضي التي تسمح لنا بالعيش في عالم آخر. وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة فلسفية: هل هذا ما نريده لأطفالنا فعلاً؟ هل نريدهم أن يعيشوا في عوالم افتراضية وأن يجوبوا في الواقع المضخّم (عدم القدرة على التمييز بين الواقع ومحاكاة الواقع)؟ وبغض الطرف عن المشكلة الاقتصادية المتمثلة في: من سيصنع القيمة وكيف سنكسب رزقنا ونكسي أنفسنا؟ ثمة هنا سؤال وجودي: ماذا سيعني وجودنا كبشر. وهل يضفي العمل علينا نوعًا من الإنسانية؟

أخشى أن يصبح الواقع الافتراضي بمثابة مخدّر عالمي يبدو وكأنه يحلّ مشكلة عدم إلزامية العمل. إلا أنّ هذا المخدر سيؤدي بدوره إلى عواقب وخيمة. وفي حال وصلنا إلى أسوأ سيناريو حيث تحكمنا الآلات وتستعبدنا، فسنكون عندها قد تحولنا إلى عرق ضعيف جدًا لأننا سنعيش جميعاً في ذاك العالم من الواقع الافتراضي. ولا أدعو هنا الحكومات إلى حظر الواقع الافتراضي لأن ذلك يجافي المنطق، لكن ربما علينا التقليص من درجة تغلغله. ولا يمكننا أن نعتمد في ذلك على أولياء الأمور أو المدرسين أو شركات التكنولوجيا فحسب. يشكل هؤلاء جزءاً من الحل بالطبع لكن على الحكومات أن تؤدي دوراً في هذا الحل أيضًا وإلا لن يوجد نفع للحكومات!

يرى الكثيرون أنه لا غنى عن الوظائف التي تتطلب الابتكار البشري كالمصممين والفلاسفة مثلاً. ولكن إذا تقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة جداً، ألن يفقد هؤلاء أيضاً وظائفهم؟

لا أرى أن الوضع سيكون مأساويا إلى هذا الحد. سيلعب المبتكرون دوراً في المستقبل لكن مشكلة الثورة التكنولوجية الرقمية التي نشهدها منذ 25 عاما هي أنها وعدت بإمكانية تحول أي شخص إلى مبتكر أو إلى كاتب مدونة أو إلى مساهم بتحميل محتوى الموسيقى أو الأفلام على يوتيوب. وهذا بالفعل ما يفعله الجميع، لكن لا يتمتع الكل بما يكفي من المواهب وبالتالي لا يصل الجميع إلى مستوى من النجاح يكفل لهم كسب المال. بل ما نشهده الآن هو بروز اقتصاد الطفرات، اقتصاد يخلق ثقافة تعزز من عدم المساواة الجامحة في العالم؛ فنجد من جهة مجموعة صغيرة من النجوم اللامعين العالميين ومن جهة أخرى بقية الناس. الأزمة الفعلية هي اختفاء «الوسط»، أي المهندس متوسط المهارات والمسؤول الحكومي العادي، فهؤلاء سيفقدون وظائفهم شيئًا فشيئا. وهذه أيضا مسألة على الحكومات معالجتها.

• لكن إن كنا جميعنا قد فقدنا الثقة بالحكومات في حين أنه يتوجب على الحكومات قيادتنا في غمار ثورة الروبوتات القائمة على الذكاء الاصطناعي، فإننا نواجه مشكلة كبيرة أليس كذلك؟

– نعم، إننا في وضع لا نحسد عليه. ما نحتاجه هو أن تعيد الحكومات ابتكار أنفسها، ولا أعني هنا «الحكومات الذكية» أو التصويت على الإنترنت، فهذه التغييرات ليست كافية وهي سطحية ليس إلا. ربما نحتاج إلى نوع جديد من الساسة الذين ينتهجون سياسة الصدق والتعاطي مع الناس عن كثب. غير أن المشكلة هنا مجددًا هي صعود أمثال ترامب، أي نجوم الواقع الافتراضي.

والحل معقّد أيضا، سيما أن الأحزاب السياسية التي سيطرت على العالم على مدى القرن الماضي – الحزبين الديموقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة والمحافظين والاشتراكيين في المملكة المتحدة مثلًا – هي منظمات وأحزاب خرجت من رحم الثورة الصناعية مثَّل أحدها طبقة العمال في حين مثل الآخر طبقة المهنيين. غير أن الطبقة العاملة شبه معدومة في عالمنا اليوم وطبقة المهنيين مهددة.

لا أنذر بمستقبل مشؤوم ولا أقول أن العالم يوشك أن يتداعى لكنني أسلّط الضوء وحسب على عالمٍ يسير في الاتجاه الخاطئ بطرق عدة. وإن كنا نريد إصلاح الأمور فعلاً، علينا التصرف عوضًا عن الاعتماد على التكنولوجيا، وهذه العملية بحاجة إلى إطار وسياق سياسي. لا يستطيع أمثال «غوغل» تدبير شؤون هذا العالم.

* مؤلف وأشهر المعلقين على الثورة الرقمية في العالم

 

«سي آي إيه» تتآمر على البشر!

«سي آي إيه» تتآمر على البشر!

سي آي إيه تتآمر على البشر

 

تأليف: ديفيد إتش برايس

استخدمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية طوال الحرب الباردة (1947-1991) العلوم الاجتماعية في سبيل تحقيق أهدافها، فكان للعديد من العلماء مساهمة في إراقة الدماء والتسبب في معاناة شعوب بريئة. يلقي هذا الكتاب الضوء على العلاقة بين علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والمخابرات الأمريكية والبنتاغون وكيفية الاستخدام المزدوج للمشاريع البحثية الصادرة عن العلماء والمتخصصين في هذا الحقل طوال الحرب الباردة.
يتطرق هذا العمل البحثي إلى العلاقات السرية والعلنية بين وكالات الجيش / المخابرات وعلماء الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام. ويبدأ الكاتب عمله بمقولة لعميل سابق لوكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة المعروفة اختصاراً ب«سي آي إيه» وهي: «بعد كل ذلك، لا تعتبر وكالة المخابرات المركزية سوى أنها الشرطة السرية للرأسمالية الأمريكية، التي تقوم ليل نهار بسد التسريبات التي تحدث في السدّ السياسي، لكي يستمتع أصحاب الشركات الأمريكية العاملون في الدول الفقيرة بنهب مقدرات شعوبها».

ضدّ حقوق الإنسان

يشير الكاتب برايس إلى أن نهاية الحرب العالمية الثانية تركت الولايات المتحدة في موقف نادر بين المنتصرين، إذ لم تكن أمريكا الدولة الوحيدة على الأرض التي تمتلك سلاحاً جديداً قادراً على تسوية مدن بالأرض على نحو فوري وبشكل كامل، لكن عدم إلحاق الضرر بجبهتها الصناعية أعطاها الفرص الاقتصادية الحصرية التي جعلتها تمتد عالمياً.
ويرى أن الولايات المتحدة دخلت حينها عصراً من الازدهار الاقتصادي لم يشهده العالم من قبل، معلقاً: «مع نظام اقتصادي عالمي متمدد، وبطء في تعافي الكثير من دول العالم من أضرار الحرب، وجدت أمريكا نفسها مع ما وصفها سراً في 1948 جورج كينان مهندس الحرب الباردة، والذي كان يدعو إلى احتواء الاتحاد السوفييتي: «دولة بيدها حوالي 50 في المئة من ثروة العالم، لكن فقط 6.3 في المئة من سكانها يتمتعون بها.. في هذا الوضع، نكون مثار حسد واستياء. مهمتنا الحقيقية في الفترة المقبلة هي ابتكار نمط من العلاقات التي من شأنها أن تسمح لنا بإبقاء هذا الوضع من التفاوت… للقيام بذلك، علينا أن نتخلى عن العاطفية وأحلام اليقظة، واهتمامنا سوف يكون منصباً في كل مكان على أهدافنا القومية الآنية… يجب أن نتوقف عن الحديث عن الغموض والأهداف غير الواقعية مثل حقوق الإنسان ورفع معايير مستوى المعيشة والديمقراطيات».
ويعلق البروفيسور ديفيد برايس على ما قاله كينان مخطط السياسات الخارجية الأمريكية في سنوات الأربعينات والخمسينات قائلاً:»فهمَ كينان أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا يمكنها بشكل جدي أن تدعم الجهود لتحسين حقوق الإنسان، ورفع معايير مستوى المعيشة، وإدخال إصلاحات ديمقراطية فعلية. ومع ذلك، فقد قلل من أهمية الحاجة «للحديث عن» هذه الأهداف غير المنطقية والغامضة كأدوات البروباغندا الدولية والمحلية. استهزاء كينان كان مرتبطاً بعدم قدرة العديد من علماء الاجتماع الأمريكيين حينها على الاعتراف بأن مثل هذه التحفيزات التي تكون في خدمة مصالح ذاتية تتموضع في قاعدة العديد من البرامج والسياسات الخارجية الأمريكية في فترة الحرب الباردة المرتبطة بالأكاديميين الأمريكيين».
ويتحدث عن نهاية الحرب التي جلبت الشك لوكالات المخابرات الأمريكية، إذ إنه بموجب قانون تنفيذي أصدره الرئيس ترومان، تم حل مكتب الخدمات الاستراتيجية المعروف اختصاراً ب«OSS» في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1945، وأوكلت مهام المخابرات إلى وزارتي الخارجية والحرب، ويتناول الفترة التي سبقت تأسيس وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه» فكانت حوالي 664 يوماً، قامت المخابرات خلالها ببعض وظائفها إلا أنها شهدت خللاً مؤسساتياً في أدائها.

علاقة ملتبسة

يتناول هذا العمل في سرد دقيق ومفصل العلاقات المتنوعة بين علماء الأنثروبولوجيا (الدراسة العلمية للإنسان وسلوكه وأعماله) الأمريكية ووكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام. وقد سبق للمؤلف أن ناقش في أعماله السابقة علماء الأنثروبولوجيا الذين كانوا يعملون للدولة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، واضطهاد علماء الأنثروبولوجيا تحت المكارثية.
لجأ الكاتب خلال بحثه إلى مجموعة ضخمة من المواد الأرشيفية من مذكرات ووثائق غير منشورة طلبها من وكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة ووزارة الدفاع «البنتاغون»، وهياكل الدولة الأخرى.
ويقدم فيه تحليلاً دقيقاً لتواطؤ علماء الأنثروبولوجيا مع أجهزة الدولة الأمريكية خلال الحرب الباردة، مقسماً عمله إلى قسمين، يتناول فيهما بشكل عام التغيرات في موقف أغلبية أشكال الانضباط والسلوك بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث تغيرت من موقف الانحياز إلى الاعتراض.
يأتي القسم الأول بعنوان «البنية الانضباطية السياسية والاقتصادية في الحرب الباردة»، يركز فيه الكاتب على تطور علاقات الانضباط والسلوك مع أجهزة الاستخبارات بعد الحرب العالمية الثانية.
ويؤطر برايس حجته في سياق تغير السياسة الخارجية للولايات المتحدة حينها من مكافحة الفاشية والشمولية إلى تبني سياسات التحديث والتطوير الاستعمارية الجديدة.
ويناقش فيه الروابط بين أجهزة الاستخبارات الفيدرالية ما بعد الحرب العالمية الثانية وعلماء الأنثروبولوجيا، بالإضافة إلى هياكل التمويل الكبيرة مثل وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية ( USAID). ويتناول على نطاق واسع تأثير البيئة السياسية في تطور أي شكل من أشكال العلوم.
ويتألف هذا القسم من خمسة فصول هي: أولاً، الاقتصاد السياسي وتاريخ المخابرات الأمريكية في الحرب الباردة. ثانياً، الظل الطويل للحرب العالمية الثانية. ثالثاً، إعادة توظيف الأنثروبولوجيا المهنية في عالم ما بعد الحرب. ثالثاً، بعد الحرب: المراكز واللجان والندوات، ومشاريع الحرب الباردة الأخرى. رابعاً، علماء الأنثروبولوجيا والدولة: المساعدات، والديون، وأسلحة الحرب الباردة الأخرى للأقوياء. خامساً، اللحن الفاصل.

عسكرة الأبحاث الاجتماعية

وفي القسم الثاني من الكتاب بعنوان «ارتباط علماء الأنثروبولوجيا مع حالة الأمن القومي» يركز فيه برايس عبر تحليل دقيق على علماء أنثروبولوجيا ومؤسسات معينة، بما فيها الهياكل الأكاديمية مثل»مؤسسة آسيا وعلماء الأنثروبولوجيا المستقلون»مثل جيرالد هيكي. ويناقش برايس أيضاً تأثير القلق المتزايد لعلماء الأنثروبولوجيا في كل من التورط العلني والسري مع الدولة التي غلبت عليها العسكرة، وبلغت ذروتها في أواخر ستينات القرن الماضي، حيث تغلغلت فصائل راديكالية في اتحاد الأنثروبولوجيا الأمريكية من خلال مدونة قواعد السلوك.
ويدعو إلى معاينة نقدية ومستمرة للتاريخ والأعمال المعاصرة لعلاقات الاستخدام المزدوج، ويجد أنه مع الأزمات المتكررة والجهود التضليلية التي تجري لا بد من حل المشكلات السياسية باستخدام الأخلاق، وليس السياسة، مركزاً على انعدام الأخلاق لدى الكثير من السياسيين الأمريكيين وحلفائهم في المخابرات والجيش.
ويتكون هذا القسم من تسعة فصول هي: أولاً، أنثروبولوجيو الحرب الباردة في وكالة المخابرات المركزية. ثانياً، كيف تمول وكالة المخابرات المركزية الأمريكية البحوث الأنثروبولوجية؟ ثالثاً، أنثروبولوجيون متعاونون مع وكالة المخابرات المركزية بشكل غير مقصود. رابعاً، العمل الميداني في الحرب الباردة داخل عالم المخابرات. خامساً، أحلام مكافحة التمرد الأنثروبولوجية في الحرب الباردة. سادساً، اتحاد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين يتصدى لاستعمال الجيش والمخابرات للمعرفة التأديبية. سابعاً، مكافحة التمرد المبلغ عنه بشكل أنثروبولوجي في جنوب شرق آسيا. ثامناً، علماء الأنثروبولوجيا لأجل العمل السياسي الراديكالي والثورة داخل اتحاد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين. تاسعاً، فك الأسرار المفتوحة، التواريخ المخفية، الغضب المرفوض، مواضيع الاستخدام المزدوج المتكررة.

الاستخدام المزدوج

يعتمد تحليل ديفيد برايس على إطار الأنثروبولوجيا «ذات الاستخدام المزدوج»، ويذكر أن مصطلح «الاستخدام المزدوج» المعتمد من العلوم الفيزيائية، يشير إلى العلاقات التكافلية، غالباً غير المعترف بها، بين العلوم «التطبيقية» و«النقية»، مع إيلاء أهمية خاصة لاستخدام العلم من قبل الجيش ولأجله.. وفي مسألة وصف العلاقات بين الانضباط السلوكي والأخلاقي والجيش، يجد برايس أنه كان هناك درجات مختلفة من التواطؤ.
ويقول إنه أولئك الأنثروبولوجيون الذين آمنوا بأن عملهم كان محايداً من الناحية السياسية، كان في كثير من الأحيان متهوراً وغير محايد – في بعض الأحيان بشكل مقصود جداً – فيما يتعلق ب«التحالفات غير المفحوصة» مع الدولة المعسكرة. وبالتالي، في تحليله يتم وصف عدد قليل نسبياً من الجهات والمؤسسات التي تعمل بشكل مباشر مع أجهزة الاستخبارات العسكرية، والجزء الأكبر من تحليله يذهب إلى مؤسسات وهياكل التمويل التي فتحت الأبحاث لمناطق مختلفة، دفعت للتدريب على اللغة، وروجت للمنح الدراسية في مجلات معينة.. إلخ.
ويقول برايس إن هذه العلاقات الأخيرة شكلت في النهاية الأنثروبولوجيا من خلال الترويج لمناطق جغرافية معينة تحظى باهتمام أجهزة الاستخبارات، وكذلك من خلال الوسط السياسي العام الذي تم من خلاله إنتاج المنح الدراسية.

انعدام البوصلة الأخلاقية

يشير البروفيسور ديفيد برايس في نهاية عمله إلى الأنثروبولوجي الأمريكي الشهير ابن ال86 عاماً مارشال ساهلينز، الذي استقال في 2013 من الأكاديمية الوطنية للعلوم بسبب اعتراضه على أن الأكاديمية كانت تستخدم أعضاءها الأنثروبولوجيين في السعي إلى العمل لأجل مشاريع بحثية بتمويل من معهد البحوث العسكرية.
وفي رسالة استقالته، وصف ساهلينز إدراكه المتزايد بالطرق التي ساهمت فيها الأكاديمية بشرعنة العلوم الاجتماعية المعسكرة، والتي قادته إلى نقطة لم يتمنَ أن يكون طرفاً في مساعدة ودعم مشاريع بحثية تساهم في بحوث اجتماعية علمية لأجل تحسين الأداء القتالي للجيش الأمريكي، الذي يجده نهب دماء وثروة وسعادة الشعب الأمريكي، وتسبب في فرض معاناة على شعوب كثيرة في حروب لم يكن من داع لها.
يشكل هذا الكتاب مصدراً مهماً للقراء والمتخصصين والأكاديميين على وجه الخصوص في الاطلاع على تأثير تيارات التمويل في صنع القرار العلمي والبوصلة الأخلاقية التي يجد الكاتب أنها وصلت إلى مرحلة خطرة، وتحتاج إلى مراجعة شاملة، نظراً للكوارث التي يعانيها سكان مناطق ودول كثيرة في العالم.

من هو إتش برايس؟

ديفيد إتش برايس بروفيسور أمريكي من مواليد 1960، يعمل حالياً أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة سانت مارتن في لاسي، بواشنطن. أجرى العديد من الأبحاث والمهام الميدانية الأنثروبولوجية والأثرية في الولايات المتحدة وفلسطين ومصر واليمن. وهو عضو مؤسس لشبكة علماء الأنثروبولوجيا المعنيين، ويساهم بكتابته بشكل مستمر في موقع «Counterpunch»، وغيرها من المجلات والمواقع الرصينة. كتب ثلاثية تاريخية صادرة عن جامعة ديوك الأمريكية شمالي كاليفورنيا تناول فيها تفاعلات علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين مع وكالات الاستخبارات. الكتاب الأول بعنوان»الاستخبارات الأنثروبولوجية: استخدام وإهمال الأنثروبولوجيا الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، (2008)، يوثق فيه المساهمات الأنثروبولوجية في الحرب العالمية الثانية. أما الكتاب الثاني فهو بعنوان «تهديد الأنثروبولوجيا: المكارثية واضطهاد مكتب التحقيقات الفيدرالي لعلماء الأنثروبولوجيا الناشطين (2004)، يعاين فيه الآثار المكارثية في علماء الأنثروبولوجيا. أما الكتاب الثالث فهو الذي بين يدينا بعنوان «أنثروبولوجيا الحرب الباردة: سي آي إيه والبنتاغون، ونمو أنثروبولوجيا الاستخدام المزدوج»، صادر في أواخر 2016 في 488 صفحة من القطع المتوسط، ومن كتبه أيضاً «تسليح الأنثروبولوجيا: العلوم الاجتماعية في خدمة الدولة المعسكرة» (2011، كاونتر بونج) يعاين فيه بشكل نقدي الاتجاهات الحالية في عسكرة الأنثروبولوجيا والجامعات الأمريكية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

التعليم مفتاح إتاحة الفرص المتكافئة

التعليم مفتاح إتاحة الفرص المتكافئة

تأليف: فرانسوا بورغينون

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%85%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d8%a5%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%83%d8%a7%d9%81%d8%a6%d8%a9

 

صدر أصل هذا الكتاب بالفرنسية، ونشرت ترجمته الإنجليزية في عام 2015. وما برحت هذه المعلومة مهمة في ضوء اقتران هذا الكتاب بنظير آخر صدر بدوره بالفرنسية للباحث الأكاديمي الفرنسي الشاب توماس بيكيتي تحت عنوانه الشهير «رأس المال».

وبعد صدور كتاب البروفيسور بورغينون عن »عولمة اللامساواة« عمد المحللون إلى التعامل مع الكتابين من منظور مشترك، أولاً لأن كلا المؤلفين أستاذ في كلية باريس للاقتصاد، وثانياً لأنهما لا يزالان مهتميْن بقضايا اللامساواة في المجال الاقتصادي، الاجتماعي، سواء على مستوى المجتمعات القومية القطرية أو على مستوى مجتمع الدول الراهن الذي أصبح محكوماً بظاهرة العولمة.

مع هذا، فمن النقاد مَنْ تعامل مع هذا الكتاب على أنه يصدر عن نَفَس هادئ، بحكم أن مؤلفه، البروفيسور أستاذ جامعي مخضرم، وبالتالي فقد توخى في كتابه اتباع أسلوب يرتبط بالواقع العملي الملموس، فيما جاء كتاب بيكيتي حافلاً بالأفكار الكبيرة والطروحات النظرية.

وفي كل حال يُحسب لكتاب البروفيسور بورغينون أنه يشدد على الاهتمام برفع مستوى التعليم باعتباره المفتاح الأساسي للفرص المتكافئة في أي مجتمع نام أو متقدم، وخاصة أمام المنتمين إلى الطبقات الدنيا وأبناء شرائح الطبقة الوسطى الطامحين إلى حياة أفضل.

في اللغة اللاتينية تنصرف مادة “إكواليس” إلى معنى التوازن والتعادل والتواؤم.. ومنها اشتقت الثقافات الأوروبية مصطلحات تؤدي هذه الأغراض، وفي مقدمتها بطبيعة الحال لفظة إيكوال ثم إيكوالتي التي تفيد بداهة معنى المتساوي وحالة المساواة.

وفي السياق نفسه، ولأداء المعنى ذاته، اشتق الفرنسيون واستخدموا لفظة »إيجالتي« لتفيد حالة المساواة، حيث ذاعت اللفظة الأخيرة حين دوت صيحات المقهورين والمظلومين في كل أرجاء فرنسا، التي شهدت أولى شرارات ثورتها الوطنية الكبرى.

وقد اشتعلت بعد سقوط وتحطيم سجن الباستيل يوم الرابع عشر من يوليو عام 1789. وبعدها ارتفعت شعارات الثورة الفرنسية الكبرى مرفوعة على لافتاتها المثلثة لتقول بما يلي: الحرية.. الإخاء.. المساواة.

المعذبون في الأرض

ظلت المساواة شعاراً وهدفاً وحلماً على مستوى شعوب العالم كله باعتبارها الأساس القويم لتحقيق العدل والإنصاف، بعيداً عن المجتمعات التي تشهد احتكار القلة (الأوليغاركية) لكل ما يحفل به مجتمعها من إمكانات ومزايا مادية ومعنوية، فيما يتم هذا الاحتكار على حساب الملايين ممن يعيشون في أدنى قاع السلم الاجتماعي، فريسة، كما هو بديهي، لآفة الفقر المدقع والجهل المتفشي والمرض الذي لا يُرجى منه شفاء.

إنهم »المعذبون في الأرض« على نحو ما وصفهم عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه الموجز الشهير الصادر في أواخر أربعينات القرن العشرين حيث صوّر في تصدير الكتاب حالة التباين الصارخ، المرفوض طبعاً، بين »الذين يحّرقهم الشوق إلى العدل«.. والذين يؤرّقهم الخوف من العدل.

صحيح أن مسيرة المجتمع العالمي، وخاصة عبر سنوات وعقود القرنين التاسع عشر والعشرين، ظلت تعلن عن مسيرتها نحو تحقيق المساواة، ولو بقدر متباين من مجتمع هنا إلى مجتمع هناك، إلا أن المتغيرات التي ظلت تستجد على المجتمع البشري ظلت ترتبط بأحوال وأوضاع تميزت بتحيزاتها الاجتماعية الاقتصادية لصالح طرف اقتصادي هنا وفئة اجتماعية هناك..

هكذا شهدت تلك الحقبة الزمنية الحديثة اختلال موازين المساواة بين الطبقات الأرستقراطية وعموم الجماهير، ثم بين فئات الأثرياء من أصحاب المصانع ومالكي رؤوس الأموال وبين الطبقات الدنيا، وخاصة الأفراد الذين لا يملكون سوى بيع جهودهم وساعات حياتهم لقاء أجر لم يكن حتى أواخر القرن 19 يفيد سوى في سد الرمق، على نحو ما تشهد بذلك مثلاً روايات المبدع الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز (1812، 1870).

كتاب من 5 فصول

يتألف كتابنا من خمسة فصول يعرض أولها لظاهرة يمكن وصفها بأنها اللامساواة الكوكبية. ويطرح الثاني سؤالاً يقول بما يلي: هل تتفاقم حالة اللامساواة بين البلدان؟

ويتعامل الفصل الثالث مع العولمة وعلاقتها بالقوى الكامنة خلف تزايد (تفاقم) اللامساواة. أما الفصل الرابع فيحمل العنوان التالي: نحو عولمة عادلة منصفة: الآفاق والمبادئ. ثم تعود نبرة التساؤل مع الفصل الخامس إلى حيث تقول: ما هي السياسات الملائمة لعولمة أكثر إنصافاً؟

وأخيراً ينهي البروفيسور فرانسوا بورجينون كتابه بخاتمة تحفل بنبرة لا تخطئها البديهة من التفاؤل وهي: »عولمة المساواة«.

على مدار فصول الكتاب لا يجد المؤلف بّدا من الاعتراف الواقعي بأن عالمنا الراهن إنما يعيش حالة من التناقض الغريب: بين اقتصاد نابض بالحركة (رغم ما قد يعانيه من أزمات في هذه المرحلة أو تلك) ولكنه أفضى بحكم دينامية حركته إلى رفع مستوى المعيشة لصالح ما يصل كما يقدّره المؤلف إلى نصف مليار إنسان كانوا يعيشون ويعانون في بلدان مختلفة: ما بين الصين إلى الهند إلى البرازيل .

ومع ذلك فثمة تيار متنام وملحوظ للأسف، ويشهد بازدياد حالة اللامساواة داخل البلدان ثم بين البلدان وبعضها البعض على خارطة العالم، تأمل مثلاً حالة أقطار في أوروبا أميركا.

وحالة أقطار في أصقاع العالم الثالث مازالت الأمم المتحدة تصنفها ضمن فئة أقل البلدان نمواً سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي أو من حيث الدخل اليومي للفرد الذي يتدنى في بعض أحراش آسيا أو أغوار أميركا اللاتينية أو أدغال أفريقيا عن دولارين .

عن أثر العولمة

والمعنى الذي يؤكد عليه المؤلف هو أن الوضع العالمي الراهن لم يعد يسمح بالتصنيف الكلاسيكي للدول إلى غنية متقدمة وإلى فقيرة آخذة في النمو. لماذا؟ لأن العولمة أصبحت حقيقة واقعة كمحصلة لما شهده كوكب الأرض من إنجازات في عوالم الاتصال وتكنولوجيا المعلومات..

وأيضاً لما بات يعانيه الكوكب المذكور أعلاه من مشكلات ليس أقلها جائحة تغير المناخ التي لا تستثني طرفاً من عقابيلها، يستوي في ذلك جنوب العالم النامي المتخلف وشماله الثري المتقدم على السواء.

ثم يمضي كتابنا إلى شرح مظاهر أو تجليات اللامساواة حيث يعرضها على النحو التالي: حالات اللامساواة (غياب الإنصاف) في: الأجور والدخول الفردية وفي الإيرادات الشخصية، وفي إنفاق المستهلكين، ورفاه الأفراد.

والمشكلة في تصور مؤلف الكتاب أن هذه التباينات.. هذه الثغرات الفاصلة، سواء كانت بين إيرادات الأفراد في المجتمع الواحد أو كانت بين إمكانات الدول في مجتمع العولمة، مازالت في حال من الاتساع ومن ثم التفاقم بكل ما ينجم عن ذلك من استشراء ظاهرة الفقر المدقع في الدول النامية التي حاولت منظومة الأمم المتحدة توصيلها إلى النصف على مدار الفترة 2000، 2015، ثم اعترفت أخيرا بأن جدول الأهداف الإنمائية للألفية التي سبقت إلى اعتماده المنظومة العولمية لم يُفْضِ إلى تحقيق هذا الهدف المنشود.

لكن يحسن مؤلف الكتاب صنعاً عندما يؤكد على حقيقة أن آفة اللامساواة لا تقتصر على العنصر المادي وحده، بمعنى عنصر النقود أو الدخل أو الإيراد المالي: ان المساواة تمتد في رأي المؤلف إلى المجالات غير النقدية كما تعبر عنها فصول الكتاب وتجسدها أحوال اللامساواة من حيث الحصول على الفرص المتكافئة إنما يتمتع بمزايا العدالة الاجتماعية.

اختصار المسافة بين الأغنياء والفقراء

ومن الطريف أيضاً أن نلاحظ كقارئين، تركيز الكتاب على مقولة تحذيرية كما نتصور ويصوغها الكتاب على النحو التالي: أيها الأثرياء، في ظل تحولات العولمة، لم تعد المسافة طويلة ولا عادت الشقة بعيدة كي تفصل كما كان في عصور انقضت، بين حياة الفقراء المحرومين، وحياة الأثرياء المحظوظين، المقياس نفسه ينطبق على حياة الدول، الشعوب النامية المتخلفة.

. المحرومة وحياة الدول، المجتمعات الموسرة التي ما برحت تنعم بأشهى ثمار التقدم الاقتصادي: كان العالم خلال القرون الماضية كوكباً شاسع الأرجاء، لكنه أصبح في ظل العولمة قرية تقاربت على صعيدها أحياء ومعايش الذين يملكون والذين لا يملكون..

وهو ما يجعل من حالة اللا إنصاف العولمي كما قد نسميه، وضعاً ملموساً ومرصوداً وخاصة من جانب الفقراء والمحرومين والمهمشين والمنبوذين، سواء كانوا يمثلون شرائح أو فئات أو طبقات اجتماعية، أو كانوا يشكلون دولاً تضمها خارطة النظام الدولي، العولمي الراهن.

التعليم: طوق الإنقاذ

في السياق نفسه تحذر فصول الكتاب مما يصفه المؤلف بأنه تراجع حظوظ الطبقات الوسطى بوصفها العناصر الضابطة كما نتصور، لحالة التوازن الاتزان الاجتماعي: إن هذه الطبقات تشهد حالياً انخفاضات بدأت تعتري مستويات معيشتها، فما بالنا بمن هم في قاع المجتمعات الموسرة ممن يرون شبكات الأمان (التأمينات، الضمان تدابير الرفاه.. إلخ) وهي تتبّخر وتكاد تفلت من أياديهم.

أخيراً يعترف المؤلف، محذراً في هذا المجال، بأن المشكلة لم تعد تتمثل في نوعية الإجراءات التي يتدارسها ويوصي باتخاذها أمثاله من الباحثين والدارسين:

المشكلة هي في التنفيذ الصحيح لما قد يصدر من توصيات، ومنها مثلاً التوصية بترقية أداء منظومات التعليم في البلدان النامية وفي الأقطار المتقدمة أيضاً، ومع ذلك يظل مستوى المعارف والمهارات المطلوبة دون المطلوب ودون مقتضيات العصر. لماذا؟.. لأن التنفيذ لم يكن على مستوى التوصية نفسه، وهو ما يتطلب مراجعة ما يتم تنفيذه ومن منطلق الاعتراف بالخطأ، وتوخّي مبدأ الأمانة مع الذات.

كتابات واجتهاد عن اللامساواة

لا عجب إذن أن يتواصل الاهتمام بقضية المساواة في إطارها الإيجابي.. ثم آفة اللامساواة في إطارها السلبي. حتى مع هذه السنوات الاستهلالية التي ما برحنا نعيشها في هذا القرن الحادي والعشرين.

من هنا فلاتزال قضية اللامساواة هي الشغل الشاغل لكوكبة من المفكرين والعلماء الباحثين في قضايا أوضاع الاقتصاد والتحولات الاجتماعية، سواء على المستويات القطرية أو المستويات الإقليمية فضلاً عن المستويات الدولية.

ويشهد بهذا الاتجاه صدور عدد من الكتب المحورية التي انشغلت بهذه المسألة ومن زوايا مختلفة بطبيعة الحال.

في هذا الإطار صدرت في المرحلة القريبة الماضية كتب من قبيل:

»اللامساواة وماذا يمكن أن نفعله حيالها« للمفكر الاقتصادي الإنجليزي أنتوني اتكنسون.

»الخطوط الفاصلة« للمفكر الاقتصادي الأميركي، الهندي الأصل راغورام راجان.

.»الهوة الواسعة« بقلم البروفيسور جوزيف ستغلتز، خبير البنك الدولي الحائز على جائزة نوبل.

وسط هذا السياق الحافل يصدر الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور تحت عنوان ذاتيّ الدلالة كما نراه وهو: عولمة اللامساواة.

والمؤلف هو المفكر الفرنسي، البروفيسور فرانسوا بورغينون الذي اختار أن يطّل على قضية اللامساواة في هذا الكتاب من خلال منظورات ثلاثة هي: الاقتصاد + السياسة + العولمة.

ومن خلال هذا المنظور الثلاثي تتعامل طروحات كتابنا مع مشكلة اللامساواة: أولاً بين طبقات المجتمع البشري الراهن، وثانياً اللامساواة بين الدول المتقدمة والنامية ناهيك عن الدول المتخلفة، فيما تجري متابعة وتدارس هذه الظاهرة المَرضية والمنافية للقيم الإنسانية..

ولكن على صعيد أوسع نطاقاً هو ما يعرف باسم القرية العولمية، الإلكترونية التي بات يجسدها عالم اليوم على نحو ما سبق وأن تنبأ وبشّر به رائد الاتصال الإعلامي الشهير مارشال ماكلوهان منذ عقد الستينات من القرن العشرين.

عواقب اللامساواة داخل المجتمعات

يركز الكتاب كثيراً على عواقب اللامساواة داخل المجتمعات قبل نظيرتها فيما بين دول العالم. ومن الحلول التي يؤكد على طرحها هذا الكتاب ما يتمثل في النهوض بنظم التعليم في المجتمعات الفقيرة، ولكن على أسس تجمع بين إتاحة الفرص المتكافئة أمام أبناء الفقراء وبين توفير الأموال اللازمة في هذا المضمار من واقع نظام ضريبي أكثر فعالية يتم تطبيقه على فئات الموسرين.

وبديهي أن لهذه التطورات والأوضاع المستجدة عواقب فادحة الخطورة وهو ما يعبر عنه مؤلف كتابنا، قائلاً: إن هذه العواقب السلبية الناجمة عن تفاقم اللامساواة سوف تكون من الخطورة بمكان.

المؤلف

البروفيسور فرانسوا بورغينون أكاديمي فرنسي بارز اختصاصي في علوم الاقتصاد. حصل على الماجستير من جامعة مونتريــال الكندية ثم على الدكتوراه من جامعة براون بالولايات المتحدة.

وقد نشر المؤلف مئات المقالات البحثية ، فضلاً عما أصدره من كتب في هذه الموضوعات، ومنها مثلاً كتابه بعنوان أثر السياسات الاقتصادية على الفقر وتوزيع الدخل وكتابه عن ديناميات توزيع الدخل في شرق آسيا وأميركا اللاتينية.