سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

 

يكاد هذا الكتاب يشكل صيحة تحذير، لا بالنسبة للصين وحدها، ولكن بالنسبة لسائر الدول والكيانات السياسية التي تجتاز مراحل مفصلية من التحول من نظم وأساليب الحكم الشمولية إلى حيث تعتمد وتتبع نظماً تقوم على أساس الديمقراطية الليبرالية بكل ما تنطوي عليه من متطلبات الشفافية والمساءلة وإقرار حقوق القواعد الشعبية.

ويحفل الكتاب بحقائق مزودة بإحصاءات موثوقة لما يشوب المشهد الصيني في الوقت الراهن من آفة سلوكيات رأسمالية المحاسيب كما يصفها المؤلف، وهي ظاهرة سلبية بدأت بالذات مع إصلاحات الزعيم دينغ شياو بينغ التي خففت سطوة الدولة على كبرى المؤسسات الاقتصادية.

لم يكن الاغريق يعرفون أن لفظة كرونوس في لغتهم العريقة سوف تؤول في زماننا الراهن إلى أن تصدق على ظاهرة بالغة السلبية في عالم السياسة ودنيا الحكم وساحات الاقتصاد.

لقد اشتق منها عالمنا مصطلح كروني بمعنى طول الزمن، ومن ثم بمعنى الصديق القديم والصاحب الذي طال الأمد على مصاحبته وصداقته. ومن هذا المعنى جاء تعبير محاباة قدامى الأصدقاء والتحيز لمصالحهم، ولو كان ذلك للأسف على حساب مصالح الاخرين.

ثم تطوّر هذا المصطلح إلى حيث صاغوه في الانجليزية المحدَثة على أنه كروني كابيتاليزم. وحين جهدنا في نقله إلى عربيتنا الشريفة المعاصرة توصلنا إلى المصطلح الذي بات ذائعاً في الآفاق وهو: »رأسمالية المحاسيب«. وهذا هو العنوان الذي اختاره مؤلف الكتاب الذي نعايشه في ما يلي من سطور.

رأسمالية المحاسيب في الصين

الكتاب الصادر مؤخراً عن جامعة هارفارد بقلم البروفيسور الصيني الأصل مكسين بيي، أستاذ أصول الحكم في الجامعات الأميركية.

وعلى الرغم مما قد يعكسه الكتاب من موقف حاد تجاه المشهد الصيني الراهن، إلا أن نهج التحليل الانتقادي الذي يتبعه المؤلف، وهو في أصوله كما ألمحنا من أهل الصين ويجيد لغتها، مازال مفيداً في قراءة سلبيات هذا المشهد، الذي يكاد يقارب نظيره في روسيا الراهنة،.

فيما يمكن أن يفيد هذا العرض التحليلي في تنبيه كل الدول التي ما برحت تجتاز مراحل الانتقال وأطوار التحول من نظم ونظريات ومنظومات تجاوزها الزمن، وباتت تقتضي تطوراً في المسارات والتوجهات والأفكار على السواء.

ولأن رأسمالية المحاسيب تنصرف بداهة إلى سلوكيات مرفوضة تقوم على أساس محاباة المقرّبين وتمييز لحساب الصديق والقريب والمنافق على حساب جموع المواطنين من أصحاب الحقوق المشروعة، فإن المؤلف لا يتورع عن إضافة عنوان فرعي لهذا الكتاب في عبارة تقول: ديناميات اضمحلال النظام الحاكم.

تتمثل انطلاقة هذا الكتاب في اللحظة التي تولّى فيها دينغ شياو بينغ ثاني الزعماء التاريخيين للصين الشعبية مقاليد الحكم في البلد الأسيوي الكبير. كان ذلك بعد وفاة زعيمها رقم واحد وهو ماو تسي تونغ (1893- 1976). أعلن بينغ عن قراره باتباع نهج جديد يكاد يكون مغايراً لسلفه موضحاً أن تطبيق الاشتراكية في حكم الصين لن يلتزم حرفياً بالفكر الماركسي بل سيكون له خصائصه الصينية الأصيلة.

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني2

 

سلبيات

لكن أحوال الصين بعد رحيل دينغ شياو بينغ، آلت إلى سلبيات تمثلت، برأي مؤلف كتابنا، إلى تزايد التوترات الاجتماعية وتفشي آفة الرشوة وتفاقم حالة اللامساواة بين فئات المجتمع وشيوع سلوكيات الفساد مما هيأ أكثر من فرصة سانحة للتكسب لحساب الفئات المحظوظة من الأصدقاء والأقرباء وطبعاً على حساب جموع المواطنين العاديين ولدرجة هيأت المناخ لنشوء طبقة جديدة من المليارديرات التايكونات الذين باتوا يتطلعون إلى أن يخدمهم في مساكنهم الفاخرة فئة السقاة على طريقة أرستقراطية الانجليز على نحو ما نشرته »نيويورك تايمز«.

ويذهب المؤلف أيضاً إلى أن هذه الظاهرة بدأت مع استهلال عقد التسعينات من القرن العشرين حيث بدأ تطبيق تعاليم دينغ في كسر احتكار الدولة وسيطرة الأخيرة الحاكمة على كل مقدرات البلاد.

وكان ذلك في جوهره النظري أمراً إيجابياً. لكن ما لبث أن تحوّل إلى النهج السلبي متمثلا كما يوضح مؤلفنا في تحويل المقدرات المؤسسات، المصالح الاقتصادية من سيطرة البيروقراطية الحكومية إلى حيث تخاطفتها أيادي ومصالح المسؤولين الحكوميين ودوائر البيزنس وبارونات الرأسمالية المستجدة.

وتم ذلك كما يضيف الكتاب أيضاً، بهدف مراكمة الثروات من خلال الاستيلاء بطرق ملتوية على الممتلكات التي كانت في السابق في حوزة الدولة الصينية وضمن ممتلكاتها العمومية، وخاصة في مجالات الأراضي المشاع والموارد الطبيعية والأصول التي كانت تضمها المشاريع التي كانت خاضعة لإدارة الدولة.

تورطوقبل أن يشهر القارئ أو المحلل سيف الانتقاد أو التشكك في نوايا المؤلف، فإن البروفيسور منكسين يبادر على طول الصفحات إلى تجميع ما يزيد على 200 حالة فساد تورّط فيها العديد من مسؤولي الحكومة، بل ومسؤولي إنفاذ القوانين، فضلا عن العديد من رجال الأعمال وأعضاء تشكيلات الجريمة المنظمة.

وفي خضّم هذا الخليط من فساد الذمم وانتهازية السلوك وخلل المعاملات، تجلت ظاهرة رأسمالية المحاسيب بكل تداعياتها السلبية على الدولة والحزب الحاكم والمجتمع الصيني بشكل عام.

ظاهرة سلبية

ثم يعلق المؤلف على هذه الظاهرة السلبية موضحاً أن المسألة ليست مقتصرة على مجرد السلوك غير القويم، ولا حتى على الخلل في توزيع المغانم أو المزايا:

لكن الخطأ الأفدح بنظره، مازال متمثلا في أن استمرار هذه الظاهرة من شأنه أن يجعل من أي محاولة جادة ومخلصة للتحول نحو الديمقراطية أو الحكم الرشيد سوف تصادف صعوبات كأداء، وهي صعوبات يراها المؤلف كامنة تحت سطح الصورة الايجابية التي تتسم بها أحوال الصين الدولة والحزب والنظام في الوقت الراهن.

ثم إن المشكلة لا تقتصر في رأي مؤلفنا على المستويات القيادية العليا في الحزب الشيوعي الحاكم أو في بيروقراطية الدولة الصينية: لقد زادت المشكلة حدّة من واقع امتداد فساد رأسمالية المحاسيب إلى حيث باتت تشمل مستويات شتى، بعيداً عن مستوى القمة أو القيادات العليا، وإلى حيث وصلت إلى المستويات القاعدية التي تضم مسؤولين من المستوى المتوسط وأحياناً المستويات الدنيا.

وكله يتم بالطبع على حساب مصالح أوسع قواعد الجماهير من أصحاب المصلحة الأصليين في إدارة الشأن العام.

المؤلف

البروفيسور منكسين بيي أستاذ وخبير متخصص في دراسة النظام وإدارة شؤون الحكم في جمهورية الصين الشعبية وفي علاقات الولايات المتحدة مع الصين، إضافة إلى قضايا التحول الديمقراطي في الأقطار النامية على وجه الخصوص.

وقد نال درجة الليسانس باللغة الانجليزية من جامعة الدراسات الدولية في شنغهاي، وبعدها نال درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة.

ويُعد المؤلف مرجعاً في قضايا التحولات السياسية والاقتصادية التي ما برحت تطرأ على المشهد العام في جمهورية الصين الشعبية.

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

 

كيف تتشكل الديمقراطيات وما الذي يجعلها تموت؟ في كتابه الجديد هذا يعيد دانيال زيبلات النظر في هذا السؤال الكلاسيكي، من خلال سرد تاريخي يتتبع فيه تطور الديمقراطية السياسية الحديثة في أوروبا منذ بداياتها المتواضعة في بريطانيا في سنوات 1830 إلى استيلاء هتلر في عام 1933 على السلطة في جمهورية فايمر ألمانيا، ودور الأحزاب المحافظة، خاصة في بريطانيا وألمانيا، في ترسيخها لخدمة مصالحها، كما يقدم الكتاب تحليلات وآراء تساعدنا في فهم التطور الديمقراطي الراهن، وكيفية إزاحة الأنظمة الاستبدادية في كل مكان بالعالم.
بالاستناد إلى الأدلة التاريخية النوعية، يقدم زيبلات إعادة تفسير مهمة للتاريخ الأوروبي، ومسألة كيفية تحقيق الديمقراطية السياسية المستقرة في عدد من البلدان، إذ يجد أن الحواجز التي تعترض سبيل الحكم السياسي الشامل، لم يتم التغلب عليها بشكل حتمي عبر حالات المد والجزر التي لا يمكن وقفها جراء التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وهو انتصار بسيط يُحسب للطبقة الوسطى المتنامية، أو حتى من خلال العمل الجماعي للطبقة العاملة. ويشير إلى أن مصير الديمقراطية السياسية كان يتوقف بشكل مفاجئ على كيفية قيام الأحزاب السياسية المحافظة، المدافعين التاريخيين عن السلطة والثروة والامتيازات، بإعادة تشكيل نفسها والتعامل مع صعود اليمين الراديكالي.
ولادة الديمقراطية
يرى الكاتب أن السنوات من 1848 إلى 1950 تمثل فترة حاسمة في تاريخ الديمقراطية، قائلاً «العالم السياسي صامويل هنتنجتون وصف القرن التاسع عشر الطويل بأنه يجسد موجة الديمقراطية الأولى، خاصة عندما بدأت كل من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية بالالتقاء على مجموعة مشتركة من المؤسسات الديمقراطية الحديثة، من بينها حق التصويت، والحريات المدنية»، ويضيف: «في حين أن مبدأ الديمقراطية السياسية نفسه يتطور باستمرار، فإنه خلال هذه الفترة ظهرت هذه المؤسسات التي شغلت اهتمامنا أولاً في العالم الحديث، في بعض الأحيان بالتزامن مع بعضها البعض، وفي أحيانٍ أخرى بشكل منفصل، لكنها دائماً ما تحول بنية الحكم السياسي. وعلى الرغم من حدوث صراع بسهولة على تواريخها الدقيقة وملامحها الأساسية، فإن التجارب والاتصالات المشتركة لهذا العصر، تؤهله بشكل حتمي ليكون عصراً محدداً ليس فقط بإرساء الديمقراطية، بل أيضاً بالحركات المضادة للمحافظين والمنظمة بشكل كبير».
ويرى زيبلات أنه اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر، قدمت البواخر، وأسلاك التلغراف عبر مياه المحيطات، والسكك الحديدية «خطوط القوة» الجديدة التي ربطت أوروبا، مع أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية في فضاء اقتصادي اجتماعي ملتحم إلى حد كبير. وضمن العالم الأطلسي، تقاطعت بشكل كبير طرق التجارة وخطوط الاتصالات الجديدة، ما دفع بمجموعة من المبادئ والأفكار السياسية التقدمية، من بينها صعود السياسة الاجتماعية الحديثة، والتشريعات الاقتصادية، وتخطيط المدن، وفرض النظام الضريبي المتقدم على الدخل، والديمقراطية، إلى جعل «المعابر الأطلسية» تعيد تشكيل السياسة المحلية على نحو عميق.
ويقول أيضاً «على العموم، هذه الفترة لم تكن محددة فقط بصعود الديمقراطية أحادية الجانب على نحو وحيد. لم يكن هناك من خط مستقيم، ولا موجة وحيدة من الديمقراطية بل بالأحرى كانت هناك موجتان؛ واحدة منها الديمقراطية، والثانية هي الاستبداد. هاتان الموجتان تتحركان في اتجاهين متعاكسين، وكثيراً ما تصطدمان. كما أن تعايش هذين الاتجاهين المتناقضين يجعل هذا العصر حقلاً غنياً للعلماء المعاصرين. وفي يومنا هذا، نجد أن العالم تعرّض لسلسلة من انفجارات الانفتاح الديمقراطي التي كانت سياسية ونشطة وعابرة للدول، لكنه أيضاً تعرّض إلى انحدار رجعي عادت فيه الأنظمة الاستبدادية إلى تأدية وظيفتها السابقة، وظهرت أشكال جديدة من القمع والاضطهاد، وتعرضت الجهود الرامية إلى إرساء الديمقراطية للهزيمة. العديد من الأنظمة السياسية اختبر حالات من الانفتاح والانكماش، وغالباً في فترة قصيرة».
ويضيف: «على سبيل المثال، بداية العقدين قبل 1848، انتشرت سلسلة متواضعة من الديمقراطية عبر العالم الكائن في شمالي الأطلسي. فالولايات الأمريكية حينها بدأت تخطو بهدوء في عملية إلغاء متطلبات الملكية لأجل التصويت للرجال البيض في أماكن مثل ماساتشوستس في 1821، في مواجهة معارضة شخصيات بارزة مثل جون آدامز ودانييل ويبستر، ومع ذلك فقد امتدت إلى كل الولايات تقريباً في سنوات 1850. في فرنسا، في صيف 1830، بعد قرارات شارل العاشر القاسية عمت الاحتجاجات والحواجز شوارع باريس، وأطيح به، وطالب الديمقراطيون الفرنسيون بإجراء انتخابات عامة. وفي بريطانيا، قانون الإصلاح في 1832 كان بشكل جزئي استجابة للفوضى الاجتماعية، في حين بدأت حركة تشارتيست الراديكالية في أواخر 1830 بالدفع إلى إجراء حق التصويت العام لجميع الرجال».
انعطافة في تاريخ الديمقراطية
يشير الكاتب إلى أنه في اضطراب عنيف آخر، لكن على نحو أكبر، سرعان ما ترددت أصداؤه عبر العالم الأطلسي، أثارته الفوضى الاقتصادية العالمية، إذ إن ثورات 1848 أنهت حكم الملك لويس فيليب، في فرنسا، ما دفع الأمر إلى إنهاء الأنظمة الاستبدادية لفترة قصيرة في قلب وجنوب أوروبا، وكان لذلك تأثير كبير في تعزيز الإصلاحات الأساسية في بلجيكا، والدول الإسكندنافية، وعبر الأطلسي، ما دفع إلى حالات تمرد في شمال شرقي البرازيل وتشيلي. لكن على العموم بعد آمال بإرساء الديمقراطية، سرعان ما بدأت في 1849 و1850 العديد من الأنظمة القمعية تعيد تشكيل نفسها، ونشأ عن ذلك ولادة استبداد عنيف استمر لعدة عقود.
في أواخر 1860 وأوائل 1870 وجدت انعطافة جديدة في تاريخ الديمقراطية عبر الأطلسي. وخاصة مع نشوب الحروب الأهلية التي قادت إلى بناء الدول – الأمم الحديثة، حيث أعاد السياسيون تشكيل مجتمعاتهم. أما في القرن العشرين، فيشير الكاتب إلى ظهور حركة جديدة قادت إلى تقييد الديمقراطية، إلّا أنه كان هناك إصلاحيون يمضون قدماً مع إصلاحاتهم الديمقراطية المحدودة في الأيام التي تسبق الحرب العالمية الأولى. على سبيل المثال، وصل الاقتراع العام إلى السويد في 1907 و1909، لكن برلمانها مع ذلك لم يكن بالقوة المطلوبة، وكذلك سلطة الفيتو لمجلس اللوردات البريطاني كانت ضعيفة في 1911، لكن كان الاقتراع العام لا يزال مقيداً، وفي الأرجنتين في 1912 سُمح حينها قانون بحق الاقتراع، لكن للرجال فقط.
ويشير إلى أنه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى والانهيار المتزامن للإمبراطوريات العثمانية والروسية والألمانية، والنمساوية – المجرية، شهدت بلدانها بالكامل تقدماً هائلاً في الديمقراطية الجماعية. قبل 1918 كانت هناك ثلاث جمهوريات في أوروبا، لكن بعد الحرب أصبحت 13 جمهورية. وفي 1922 قال المراقب البريطاني المؤثر، جيمس برايس، إنه كان يشاهد «قبول الديمقراطية على المستوى العالمي كشكل الحكومة الطبيعي والنموذجي». لكن عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم، وانحلت الديمقراطيات بشكل سريع، وأصبحت البرلمانات موضع سخرة وانتقاد لاذع من قبل اليمن واليسار بشكل كبير، سقطت الديمقراطيات، أولاً في بولندا، البرتغال، إيطاليا وإسبانيا، وبعد 1928، حتى في واحدة من أغنى دول العالم وهي، ألمانيا، وعبر الكرة الأرضية.
عالم مترابط
على الرغم من أن الديمقراطية كانت موضوع العصر، إلّا أن عصرنا هذا يجذب انتباهنا أكثر كما يذكر الكاتب، لأنه جاء بعد سلسلة من التوسعات والتقلصات السريعة التي حددت كل العصور الديمقراطية، من بينها الأمريكية. ويرى أنه مع تحول العالم إلى شكل أكثر ترابطاً في المجال الاقتصادي، لم تكن السياسة بمعزل عنها، بل أيضاً أصبحت متصلة. فتقلبات أسعار القمح في أسواق شيكاغو استطاعت أن تؤثر بشكل كبير على إقطاعيي شرق بوروسيا الأكثر ثراء، الذين كان لهم نفوذ في جمهورية فايمر، ألمانيا، واستهلاك الطبقة الوسطى في مناطق مثل تشيلي ورومانيا تضاهي الطبقة الوسطى في فرنسا وبريطانيا، ويقول عن ذلك «السياسة أيضاً أصبحت الآن أكثر ترابطاً وتشابكاً والقوى المزدوجة لإرساء الديمقراطية والمناهضة لها تسيران جنباً إلى جنب، ما يجعل هذه الفترة حاسمة، ليس فقط لفهم ولادة الديمقراطية الحديثة في أوروبا، بل أيضاً لتحليل محاولة استيعاب أسباب التطور الديمقراطي طويل المدى على نحو عام أكثر».
يركز الكاتب في عمله على التجربتين البريطانية والألمانية لإرساء الديمقراطية، حيث كانتا محور قصة عامة على نحو أكثر عن كيفية استقرار وثبات المسارات التي تقود إلى الديمقراطية المتحققة في أوروبا، ويقف عند كل بلد على حدة، وكيفية تطور الأحزاب المحافظة فيه، ويقارن بين التجربتين في القسم العاشر من العمل، مشيراً إلى أن «ألمانيا وبريطانيا نموذجان من الأنظمة التي أرست الديمقراطية في أوروبا، حيث النخب القديمة فيهما اندمجت مع نظام جديد بطرق مختلفة مع عواقب مهمة بشكل عميق. وعكس الحق الانتخابي الضعيف والممزق في البرتغال وإيطاليا التجربتين الألمانية والإسبانية قبل 1914 والديمقراطيات الناشئة كلها كانت هشة للغاية في سنوات ما بين الحربين العالميتين. وبالنسبة للدنمارك وبلجيكا وهولندا، فهي حالات كان فيها إما يتسلم وسط اليمين زمام السلطة، أو كان منافساً حيوياً خلال السنوات من 1920 إلى 1930، وهي تعكس التجربة البريطانية والسويدية. في الحالات اللاحقة، فإن أحفاد معارضي الديمقراطية من «النظام القديم» أصبحوا مشاركين متحمسين في العملية السياسية الديمقراطية. وبينما كانت فرنسا تلائم بشكل غير مريح بين هذين النمطين، فإن الطبيعة الضعيفة للسياسة المحافظة، أسهمت في تشكيل حالة متزعزعة من الديمقراطية في فرنسا أواخر 1930.
ونضيف على كلامه السابق، مما يقوله في خاتمته، إن التجارب التاريخية لألمانيا وبريطانيا توضح أن المعارضين السابقين للديمقراطية، وأصحاب الثروات والنفوذ، يمكن جعلهم يتعايشون مع الديمقراطية المستقرة، مؤكداً أن «قدرة نخب النظام القديم على تشكيل حزب سياسي محافظ قوي ونشيط يمثل مصالحهم في النظام الجديد، هو عامل أساسي في التطور الديمقراطي».
الكتاب صادر حديثاً ضمن سلسلة دراسات كامبريدج في السياسة المقارنة في 448 صفحة عن مطبعة جامعة كامبريدج باللغة الإنجليزية، ويأتي في 11 قسماً:
1 نمطان من إرساء الديمقراطية. 2 النظام القديم ومحنة المحافظين. 3 من 1688 إلى السياسة الجماهيرية: إرساء الديمقراطية البريطانية. 4 دورة فاضلة؟ قوة المحافظين وطريق بريطانيا المستقر 1884- 1906. 5 تجنب كارثة ديمقراطية في بريطانيا 1906- 1922. 6 السياسة المحافظة للأحزاب الضعيفة وحالة ألمانيا. 7 الديمقراطية المتوقفة في ألمانيا قبل 1914. 8 المسار غير المستقر: ضعف المحافظين في ألمانيا فايمر 1918- 1928. 9 الطوفان: ضعف المحافظين والانهيار الديمقراطي في ألمانيا. 10 كيف يتم إرساء الديمقراطية في الدول: أوروبا وما بعدها.11 الخاتمة. وتأتي ثلاثة ملاحق في الكتاب.
نبذة عن الكاتب
دانيال زيبلات، هو أستاذ الحكومة في جامعة هارفارد. وتشمل اهتماماته البحثية والتدريسية الديمقراطية، وبناء الدولة، والسياسة المقارنة، والاقتصاد السياسي التاريخي، مع اهتمام خاص بالتنمية السياسية الأوروبية. لزيبلات مؤلفات عديدة منها كتابه الأول «هيكلة الدولة: تشكيل إيطاليا وألمانيا ولغز الفيدرالية» (2006، مطبعة جامعة برينستون) الذي نال العديد من الجوائز من رابطة العلوم السياسية الأمريكية.

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

شكّلت الديمقراطية في عدد من الدول الإفريقية بعد الحرب آلية حاسمة لبناء السلام في المجتمعات المتناحرة من خلال حل الصراع عبر التوجّه إلى صناديق الاقتراع، إلا أن نتاجاً ثانوياً من التحالف حصل، وغالباً ما يتم تجاهله في الانتخابات، وهو أن القادة العسكريين السابقين غالباً ما يصبحون جزءاً لا يتجزأ من النظام الديمقراطي الجديد، ويستخدمون الموارد والشبكات التي ولدتها الحرب السابقة للسيطرة على المشهد السياسي الناشئ. يحاول هذا العمل الإجابة عن سؤال يتم التغاضي عنه وهو: ما مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب؟
قام بإعداد وتحرير هذا العمل أندرس ثيمنير، وهو باحث بارز في معهد شمال إفريقيا وأستاذ مساعد في دراسات السلام والنزاعات في إدارة أبحاث السلام والنزاعات بجامعة أوبسالا السويدية، إذ جمع مجموعة من الباحثين لمناقشة مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب، وما إذا كان من الممكن لأمراء الحرب السابقين أن يساهموا بشكل إيجابي في حماية ورعاية دوائرهم الانتخابية زمن الحرب لدعم بناء السلام والديمقراطية، أو ما إذا كانوا أكثر عرضة لاستخدام منصاتهم الانتخابية لرعاية العنف السياسي وإبقاء المجتمعات المتضررة من الحرب في حالة تعبئة عبر الخطابات العدوانية.
يحتوي الكتاب الصادر حديثاً ضمن سلسلة «إفريقيا الآن» عن دار «زيد بوكس» البريطانية باللغة الإنجليزية في 272 صفحة من القطع المتوسط، على مجموعة غنية من التفاصيل التجريبية الجديدة والرؤى النظرية، من خلال التركيز على بعض الشخصيات السياسية رفيعة المستوى في إفريقيا، كانوا عسكريين سابقين، ومن هذه الشخصيات: (أنتيباس مبوسا نيامويسي) من جمهورية الكونغو الديمقراطية، و(جواو برناردو فييرا) من جمهورية غينيا بيساو، ومن ليبيريا (سيكو كونيه وبرينس جونسون)، ومن موزمبيق (أفونسو دلاكاما)، ومن رواندا (بول كاغمي)، ومن سيراليون ( يوليوس مادا بيو، وألدريد كولينز، وصامويل هينجا نورمان)، ومن جنوب السودان (رياك مشار).
ويشير المحرر ثيمنير إلى أن «الهدف من هذا الكتاب ليس فقط تأسيس ما إذا كان العسكريون السابقون الذين يسعون إلى استلام زمام الحكم يروجون أو يقوضون الأمن، لكن أيضاً ليتتبع بشكل حثيث المسارات التي عبرها يقومون بذلك. نحن بالتالي نأمل أيضاً أن نقول شيئاً ما حول أي العوامل – على سبيل المثال: العوائق الانتخابية، القدرة على سوء التصرف، تكاليف إساءة السلوك وسمات الشخصية – تؤثر على خيارات العسكريين السابقين ليصبحوا إما أمراء السلام أو المحرضين على عدم الاستقرار. والهدف النهائي من هذا العمل كذلك هو القيام بمساهمة في أدب بناء السلام وديمقراطية ما بعد الحرب، إذ أنه حتى الآن تم التغاضي عن هذا الموضوع المهم الذي يمكن أن يقول الكثير عن الاستراتيجيات التي يمكن لصنّاع السلام توظيفها عند المواجهة مع أنواع مختلفة من الديمقراطيين أمراء الحرب».

الاستثمارات زمن الحرب

يذكر المحرر أندرس ثيمنير في مقدمة الكتاب بعنوان: «ديمقراطيون أمراء حرب: الاستثمارات زمن الحرب، عودة الديمقراطية؟» أن «استخدام مصطلح (Warlord Democrat
) التي تعني «ديمقراطي أمير أو سيد حرب» ينبثق من قرار واع بهدف الاستفزاز. إذ يثير من خلاله أسئلة فورية حول ما إذا أمكن للفرد أن يكون في الوقت ذاته ديمقراطياً وأمير حرب، ويتحدى الميول الطبيعية لتصنيف الفاعلين والممارسات في ثنائيات منمقة: الحرب / السلام – الديمقراطية / الأوتوقراطية – فاسد / عرضة للمساءلة. ويضيف: «على أية حال، في العديد من البلدان النامية بشكل عام، والمجتمعات الإفريقية ما بعد الحرب الأهلية بشكل خاص، تعيين صفات ونسبها للفاعلين السياسيين سرعان ما تصبح علاقة فوضوية. وهذا بشكل عام نتيجة ديناميات تشكيل النخبة المحلية». ويجد أنه: «بالنظر إلى التأثير السياسي للديمقراطيين أمراء الحرب، فمن المشكوك فيه ما إذا كنا نفهم حقاً ديناميات سياسات ما بعد الحرب ونقيّم قدرة الأنظمة «الديمقراطية» على تعزيز السلام والأمن من دون الإقرار بقوتهم كأفراد. وهذا صحيح بشكل خاص عند اعتبار القادة العسكريين السابقين هم من صنف الأفراد الذين يمتلكون قدرة كبيرة على دعم عدم الاستقرار وإضعاف قدرة الديمقراطية على أداء آلية حل الصراع»، ويرى أن نقص إيلاء الاهتمام بالديمقراطيين أمراء الحرب هو جزء من ثغرة بحثية أكبر غالباً ما تشوش دور ومسؤولية النخب الأفراد في دراسة الحرب والسلم، مضيفاً أن دمقرطة ما بعد الحرب ربما – على المدى القصير على الأقل – لديها ارتباط قليل مع بناء المؤسسات والأحزاب السياسية، بل يقع على عاتقها أكثر تحويل «أمراء الحرب» إلى «أمراء السلام».
ويتساءل أندرس ثيمنير: «ما الذي نراه عندما نبدأ في تحليل أفعال وخيارات الديمقراطيين أمراء الحرب وهم يناورون ضمن سياق السياسة الانتخابية؟ هل نرى القادة السابقين يحتضنون الأنماط الديمقراطية، ويمتنعون عن دعم العنف ويعملون كوكلاء للتغيير؟» ويضيف أنه «وفقاً لوجهة النظر هذه، يصبح السلام ممكناً فقط عندما يصل القادة العسكريون السابقون إلى خلاصة أن الحرب لم تعد لمصلحتهم أو لمصلحة حركتهم. وليس فقط هذا الإدراك يدفع قادة الحرب السابقين إلى القبول بالسلام، بل عليهم أيضاً أن يلزموا أنفسهم ببناء المؤسسات الديمقراطية وإجراء الانتخابات المنتظمة».

الديمقراطية الهشة

وعن العملية الديمقراطية ومدى تماسكها، يوضح ثيمنير أن ذهنية القادة السابقين لا تزال أسيرة الحرب في الوقت الذي لديهم حوافز لتعبئة الدعم لعملية السلام وإقناع مناصريهم لوضع حد للصراعات المستقبلية عبر صناديق الاقتراع. ويعلق على ذلك: «يتساءل العديد من المراقبين والباحثين، على العموم، على نحو متزايد عن الحكمة من استخدام الفاعلين والهياكل التي كانت موجودة زمن الحرب وجعلها كقاعدة لإرساء السلام والديمقراطية. ووفقاً لوجهة النظر هذه، فإن التماسك الديمقراطي من المرجح كثيراً أن يحدث عندما «تظهر قيادة جديدة، تسعى إلى تنظيم السياسة بطريقة مختلفة عن أولئك الذين تبنوها عبر القادة والأحزاب التي فقدت مصداقيتها في الماضي»، وإلا فإن هناك خطرا وشيكا من أن عمليات الدمقرطة تكون مغلقة قبل أوانها. وهذا يبدو أنه يشير إلى أن هؤلاء القادة السابقين يمكن رؤيتهم سياسيين ميكافيليين والذين لأسباب استراتيجية يحتضنون السمات الديمقراطية، وعندما تعطى لهم الفرصة، يظهرون ألوانهم الحقيقية من خلال الانخراط في سلوك عدواني وهدام أكثر.

يأتي الكتاب في سبعة أقسام، في الأول منه يتناول الباحث جوديث فيرويجن فيه مسارات القائد السابق للتجمع الكونغولي للديمقراطية أنتيباس مبوسا نيامويسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الحرب. كان حزبه يحظى بتأييد حكومة رواندا، وكان فصيلاً مسلحاً أساسياً في حرب الكونغو الثانية (1998-2003). لكن جهود نيامويسي حولته إلى حزب سياسي ليبرالي اجتماعي في عام 2003 بعد أن توقفت الحرب في البلاد، وتقدم بدوره إلى ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية في 2006 و2011. في البداية حظي بدعم نظام الرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا لكن لم يستمر هذا الدعم طويلاً، فأصبح نيامويسي من المعارضة، لا بل بات يروّج إشاعات بتأثيره على جماعات مسلحة من المعارضة. بهذا الأسلوب، أراد مبوسا نيامويسي أن يستعيد النفوذ السياسي من خلال نشر روايات الصراع كمورد تعبئة. ويشير الباحث رغم أنه من الصعب التأكيد إلى أي مدى دعم فيه مبوسا نيامويسي الأشكال المختلفة من العنف المنظم، إلا أن استراتيجيته ضمنت كمية معينة من العلاقة السياسية المستمرة.

خطابات السلام والخوف

ويركز الباحث لارس والدورف في الفصل الثاني على جهود الرئيس الرواندي بول كاغامي زعيم حزب الجبهة الوطنية، في تمركز القوة في رواندا ما بعد الإبادة، ويشير إلى أنه حتى لو تحكم كاغامي بحكم الأمر الواقع بمقاليد الحكم بعد الانتصار العسكري لحزب الجبهة الوطنية في 1994، لكنه لم يصبح رئيس رواندا حتى عام 2000. في فترتين انتخابيتين متتاليتين في 2003 و2010 أعاد كاغامي وحزبه تأكيد التمسك بزمام السلطة. ويضيف أن فترة كاغامي في الحكم تسلط الضوء على مأزق كبير لإعادة البناء ما بعد الحرب، فأنماط القيادة العسكرية يمكن من جهة أن تسهل الإنجازات التنموية والاقتصادية المدهشة (التي بشكل مفترض كان لها تأثير مستقر على مسألة الأمن في رواندا ما بعد الحرب)، ومن جهة أخرى يمكن أن تولد انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. ويشير والدورف إلى أن خيار النظام باستهداف المعارضين السياسيين الفعليين والمشكوك بأمرهم كان وظيفة من وظائف شخصية كاغامي، والحقيقة أن جماعة توتسي المناصرين الرئيسيين لكاغامي لا يشكلون سوى 15% من سكان رواندا.
ويحلل كل من الباحثين كاري مانينج وأندرس ثيمنير في الفصل الثالث الانتخابات في ليبيريا، وخطابات السلام والخوف في سياقها، وخاصة في حالة القادة العسكريين السابقين في ليبيريا، وأبرزهم سيكو كونيه وبرنس جونسون، إذ يبين الباحثان أن كونيه فشل في إقناع الناخبين في جعله رئيساً في 2005، بينما نجح جونسون في الوصول خلال الانتخابات ليصبح عضواً في مجلس الشيوخ في 2005 و2014 (وفي كلتا الحالتين كشخصية مستقلة) وفي 2011 شارك في الانتخابات الرئاسية كزعيم حزب سياسي للاتحاد الوطني للتقدم الديمقراطي، ويتوقف الباحثان عن كيفية فرض هذين الشخصين اللذين كانا قائدين عسكريين سابقين في بث الخوف في سياق العملية الديمقراطية.

استخدام العنف

ويسلط الباحث أليكس فينس في الفصل الرابع الضوء على السياسي الموزمبيقي أفونسو دلاكاما القائد السابق للمقاومة الوطنية الموزمبيقية المعروف اختصاراً باسم «رينامو»، ويتناول كيفية عودة «رينامو» إلى النزاع المسلح منذ عام 2013، كما يتعقب الجهود المبذولة في العلاقة السياسية المستمرة خلال فترة الانتقال من الحرب إلى السلم في موزمبيق، وعن مشاركة دلاكاما في الانتخابات أواخر التسعينات والتطورات الحاصلة، ثم عن العنف الذي تصاعد في السنوات الأخيرة، ويعلق الكاتب هنا: في الديمقراطيات المعطوبة، الديمقراطيون أمراء الحرب يمكن لهم أن يكسبوا المزيد ويجروا صفقات سياسية واقتصادية، تسمح لهم باستدامة شبكات الرعاية والحماية لديهم، وذلك من خلال السعي إلى إجبار النظام الحاكم عبر التهديدات، التظاهرات والعنف لتلبية طلباتهم.

أما الفصل الخامس فيتناول فيه الباحث هنريك فيج سيرة العسكري والسياسي جواو برناردو فييرا من غينيا بيساو، والذي يعد أحد أكثر الديمقراطيين من أمراء الحرب المبتكرين والمرنين في إفريقيا، استطاع خلال مسيرته السياسية أن يقدم نفسه بشكل ذكي كمقاتل لأجل الحرية محتفى به، لكنه في الواقع كان ديكتاتوراً ماركسياً خلال فترتين رئاسيتين من 1980 إلى 1984 ومن 1984 إلى 1999، حيث أسقطت الحرب الأهلية حكمه، ولكنه عاد إلى الحكم في 2005 وبقي حتى اغتياله في 2009.
وفي الفصل السادس يتوقف الباحثان ميمي سوديربيرج كوفاس وإبراهيم بانجورا على سياسة ما بعد الحرب في سيراليون، ويناقشان ثلاثة من الديمقراطيين الذين كانوا عسكريين متنفذين هم يوليوس مادا بيو وإلدرير كوينز، وصامويل هينجا نورمان. ويتطرق الفصل السابع للباحثين – يوهان بروشه وكريستين هوجلوند إلى شخصية السياسي رياك مشار النائب السابق لرئيس جنوب السودان ودوره في فرض هيمنة الحزب على الحياة الاقتصادية والسياسية في جنوب السودان بعد اتفاقية السلام الشاملة في 2005. ويختم المحرر أندرس ثيمنير عمله بالخاتمة المعنونة «أمراء السلام الغامضون: العوائد المتناقصة لديمقراطية ما بعد الحرب».

 

سياسة أوروبا اليومية

سياسة أوروبا اليومية

كيف تبني السلطات السياسية الدعم لنفسها، وحكمها؟ في الحقيقة، القيام بذلك أمر مهم لإحقاق السلطة على أرض الواقع، لكنه لا يخلو من الصعوبات والتعقيدات، خاصة في اتحاد أوروبي يضم العديد من الدول المتنوعة بلغاتها، وأعراقها، وأفكارها. تقف المؤلفة كاثلين ر. ماكنمارا في عملها الجديد هذا، على تفاصيل السياسة اليومية في أوروبا، وكيفية بناء السلطة الفعلية في الاتحاد الأوروبي، التي يمكن أن يكتب لها العمر الطويل وسط التحديات الكبرى.
يوضح هذا الكتاب (الصادر في 224 صفحة باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد)، كيف يمكن للعمليات الاجتماعية أن تشرعن حكاماً جدداً، وتجعل ممارسة سلطتهم تبدو طبيعية. تاريخياً، استخدمت السلطات السياسية الرموز والممارسات بعناية لخلق بنية تحتية ثقافية للحكم، وعلى الأخص عبر القومية وبناء الدولة.
اليوم، يواجه الاتحاد الأوروبي، بوصفه شكلاً جديداً من أشكال الحكم، مجموعة من التحديات الحادة. ومع ذلك، فإن التحول البطيء في رموز وممارسات الحياة اليومية، جعل الاتحاد الأوروبي السلطة السياسية «التي تمت الموافقة عليها»، فأوجدت نوعاً معيناً من الهوية الأوروبية المشتركة. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد دولة قومية. وبدلاً من ذلك، نجد أن البنية التحتية الثقافية للاتحاد الأوروبي متجذرة في نوع معين من السلطة «العادية» التي تتنقل إلى الولاءات الوطنية، في الوقت الذي يتم تصوير الاتحاد الأوروبي فيه على أنه مكمل للهويات المحلية، وليس في صدد منافستها. وتشير الكاتبة إلى أنه كثيراً ما يتم تهميش الملصقات والخرائط الذهنية والروايات التي تولدها سياسات الاتحاد الأوروبي، ويتم تطهير ارتباطاتها بسلطات الدولة القومية، وتوحيدها في حالة من الغموض التي لا تبدو موضع اعتراض.
ومن خلال الأخذ بنهج تنمية سياسية جديدة، يساعدنا هذا الكتاب على فهم كل من شرعية الاتحاد الأوروبي، كممثل ناشئ جديد، والحدود المحتملة للعمليات الثقافية التي أرساها. يأتي الكتاب في ثمانية أقسام موزعة كالتالي: 1- المقدمة. 2- بناء الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية. 3- تقنيات البناء الثقافي. 4- المباني والأغاني. 5- المواطنة والتنقل. 6- اليورو والسوق الموحد. 7- السياسة الخارجية الأوروبية. 8- الخاتمة.

الثقافة السياسية الأوروبية

تتحدث الكاتبة في مقدمة العمل عن الأدبيات المتعلقة بالتنمية السياسية المقارنة، ودور الرموز والممارسات في خلق الثقافة السياسية الأوروبية، التي يمكن أن تساعد في الكشف عن العمليات الاجتماعية اليومية التي تضفي الشرعية على الاتحاد الأوروبي. كما تلقي المقدمة الضوء على الحجج الرئيسية للكتاب، وتحديداً فكرة إنشاء بنية تحتية ثقافية للحكم عند الضرورة لتجنيس السلطات السياسية الجديدة، وتوليد الهوية السياسية، وتوضح الكاتبة كيف نشأ هذا في حالة الاتحاد الأوروبي. وتخلص المقدمة إلى مناقشة الاستراتيجيات المنهجية لدراسة الثقافة.
ومما تقوله الكاتبة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في بقية الدول في الاتحاد: «استفتاء التصويت الذي حدث في 23 يونيو/حزيران 2016 من قبل المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، يمثل رحيلاً مذهلاً من طريق لا مفر منه على ما يبدو للاتحاد، حيث يظهر أقرب من أي وقت مضى. أغلبية المصوتين في المملكة المتحدة فضلت الخروج من الاتحاد على الالتزام بالعضوية المستمرة في الاتحاد الأوروبي، وهذا الاختيار أطلق فترة لا مثيل لها من الشك والمجهول بالنسبة لمستقبل واتجاه المشروع الأوروبي، في الوقت الذي تستمر فيه الملامح الدقيقة للخروج بالتطور. ومع ذلك، فإن الخروج البريطاني هو أبعد ما يكون عن التحدي الأساسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم. فأمواج اللاجئين التي تجرفها البحار إلى شواطئ إيطاليا واليونان تصاعدت في صيف 2015، منتجة بذلك أزمة إنسانية، مع تقديم القليل من الحلول في الأفق.
في تلك الأثناء، تستمر التوترات ضمن منطقة اليورو، مع برامج التقشف، وتخفيض الإنفاق التي تنتج أزمة طاحنة في اليونان، ونمواً مشوهاً بشكل ضار عبر أغلب أوروبا الجنوبية. «ويبقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي بظلاله ليهدد أوروبا، مع خوف العديد من توغل أكثر للقوات الروسية إلى ما وراء منطقة أوكرانيا. وفي النهاية، شهد الاتحاد الأوروبي صعود الأنظمة الأوتوقراطية ضمن حدوده، حيث تبدو التطورات الأخيرة في هنغاريا وبولندا أنها تقلص التماسك الديمقراطي في النطاق السوفييتي السابق، خالقة بذلك تحدياً أساسياً للاتحاد الأوروبي كنظام ديمقراطي ليبرالي».
وتضيف: «كل هذه الأزمات التقت مع ما يبدو أنها استجابات غير فعالة من قبل الاتحاد الأوروبي، وقادته القوميين، والإحباط والغضب الذي اعترى الجمهور الأوروبي. وبشكل غير مفاجئ، نمت الأحزاب المشككة في اليورو أضعافاً مضاعفة، وطالبت بإعادة فرض السيادة الوطنية على كل من الحدود والأسواق. وفي الوقت الذي تعثر فيه الاتحاد الأوروبي بشكل سيئ في العديد من النقاط خلال فترة وجوده في نصف قرن من الزمن، وخطورة وتعدد التحديات التي يواجهها اليوم لم يسبق لها مثيل».

البناء الاجتماعي والثقافي

يوضح الفصل الأول من الكتاب أهمية «البنية التحتية الثقافية» في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية. ويوضح أن علينا فهم الثقافة كعملية دينامية مكونة من معنى تشكّل بين مجموعة محددة من الناس الذين يشتركون في الهويات الجماعية المستمدة من هذه الثقافات والتفاعل معها. ثم يربط الفصل بين الثقافة والهوية بالسياسة، استناداً إلى المفاهيم بما في ذلك المجتمعات المتخيلة لوصف التأثير السلبي للقومية وغيرها من مساعي صنع الأساطير، ويشير إلى أننا بحاجة إلى النظر في الاتحاد الأوروبي في ضوء ذلك. كما يوضح الفصل الآليات المحددة التي تخلق الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية، وتحدد آليات أساسية للبناء الاجتماعي في مجال الرموز (كتمثيل جماعي) والممارسات مثل (التجارب المعيشة، والإنجازات، والتفاعل مع العالم المادي).
على مر التاريخ، نشرت الجهات الفاعلة السياسية الماهرة مجموعة متنوعة من التقنيات السياسية المجربة والحقيقية التي غالباً ما كانت تنطوي على التصنيف والفئوية، لتوليد سلطة شرعية للحكم.
ويتساءل هذا الفصل ما هو المحور المحدد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي على هذه العمليات الاجتماعية؟ ثم يحدد التقنيات الخاصة للبناء الثقافي التي تؤسس الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية وطبيعية مسلم بها، حتى إن كان من الممكن الاعتراض على أفعالها وسياساتها. فالعمليات المنتشرة لوضع العلامات ورسم الخرائط والروايات العامة تصنع المعاني وتشكّل تفسير التجارب اليومية لأوروبا بطرق مترابطة منطقياً على الصعيد السياسي. إلا أن الاتحاد الأوروبي ينشر ثقافته الخاصة في مجال الحوكمة مع تحقيق توازن دقيق بين الرموز والممارسات الأوروبية والوطنية، والتخلي عن المشروع نفسه كسلطة سياسية محظورة.
ويعرض الفصل الرابع البرامج الثقافية للاتحاد الأوروبي، ويستخدم أمثلة عن العمل الذي تقوم به السياسات الثقافية من أجل إظهار كيف أن هذه الأنشطة تساعد على تجنيس وتشريع السلطة السياسية الأوروبية. غير أنه يحذر على العموم من أن معنى المنتجات والخبرات الثقافية المحددة لم يخضع لأي سيطرة على الإطلاق من قبل أي فرد، أو بيروقراطية، أو شركة، ما يجعل المنتجات والخبرات الثقافية مجالاً محتملاً ينطوي على مخاطر بالنسبة للأنشطة الرمزية. ويتم فحص جغرافية الحوكمة من خلال العمارة العامة للاتحاد الأوروبي، وبناء المساحات ونماذج من بروكسل. كما يتطرق إلى الساحة الثقافية الثانية في مسابقة الأغنية الأوروبية وخلق الأوروبيين. ويركز الجزء الأخير منه على تبني الاتحاد الأوروبي وجهوده لإعادة اختراع الرموز القومية، خاصة في النشيد الأوروبي «نشيد الفرح».

المواطنة والتنقل

يبدأ الفصل الخامس بمناقشة موجزة عن السبب الذي يجعل الحدود والتنقل والمواطنة تنطوي على ديناميات ثقافية، ثم يقدم لمحة عامة عن تاريخ السياسة في هذا المجال. ويعاين الفصل عن قرب الآثار الرمزية والعملية للمواطنة الأوروبية كتصنيف قانوني، وجواز السفر الأوروبي، وإعادة تأطير تعليم التاريخ عبر الاتحاد الأوروبي من الدولة القومية إلى رؤية مناصرة لأوروبا. كما يتوقف عند أهمية ممارسة التنقل في منطقة شينغن الحرة، وبرنامج إيراسموس، والتغيرات الأخرى في الرموز اليومية، وتجارب التنقل الأوروبي التي ترتبط أيضاً بالسلطة السياسية للاتحاد الأوروبي. وتقول الكاتبة: «النمط العام الذي يبرز هو بناء نوع معين من المجتمع المتخيل من الأوروبيين، يميل بخجل نحو الدولة القومية، في حين يستعين بشكل متحرر من تقنيات مجرّبة وحقيقية لبناء الأمة».
ويرى الفصل السادس أن الأسواق هي مواقع ثقافية، وليس أكثر من أي مكان آخر، خاصة على اليورو ومشروع السوق الواحدة. وبعد إبراز التطور التاريخي بإيجاز، تبرز الكاتبة مختلف الرموز والممارسات الكامنة في هذه المشاريع. ويصف الفصل كيف أن اليورو والسوق الواحدة -بعيداً عن التأثيرات المادية المهمة – يخلقان «أوروبا الخيالية» للمواطنين من خلال العمليات الاجتماعية لوضع العلامات، ورسم الخرائط، والروايات العامة، على سبيل المثال مع صور أيقونية لليورو، أو إنشاء «سي»، أو فئة «سوسيتاس يوروبايا» للشركات الأوروبية. وكما هو الحال مع التجربة التاريخية للدول القومية، فإن هذه العمليات تعمل على شرعية نقل السيادة بشكل كبير، على الرغم من أنها تفعل ذلك باستخدام استراتيجيات توطين أوروبا في محاولة لجعل أنشطة السوق في الاتحاد الأوروبي تبدو أقل تنافسية من الناحية السياسية.

السياسة الخارجية

يبدأ الفصل السابع بمناقشة دور الثقافة في السياسة الخارجية، كما يستعرض التطور التاريخي المدهش للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ويسلط الضوء على بطء إضفاء الطابع المؤسسي على القدرات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي وكذلك على التنسيق الأمني له. وتشير الكاتبة إلى فهرسة الرموز والممارسات التي تصنف السياسة الخارجية الأوروبية، وترسم خريطة لها وترويها، وهي: البناء القانوني للاتحاد الأوروبي ككيان سيادي، وتعيين دبلوماسيين أوروبيين في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، ووضع استراتيجية أوروبية كبرى، (وإن كان متداخلاً دائماً ضمن بعثات الناتو وبعثات الأمم المتحدة). وتشير المؤلفة إلى أن المعاني الناتجة عن السياسة الخارجية الأوروبية تشكل جزءاً أساسياً من إنشاء مجتمع أوروبي متخيّل بشكل أوسع، لكنها تظهر أيضاً أنه مجتمع يعاني قيوداً ونواقص مضمنة بشكل كبير.
وفي ختام العمل تلقي الكاتبة نظرة عامة على محتوى الكتاب، وتنظر في نتائج ما تطرحه على مستقبل أوروبا. وتقول إنه «على الرغم من أن رموز وممارسات الحياة اليومية قد خلقت نوعاً من الشرعية للاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتم التعامل مع سلطتها بشكل متسامح، وليس بدافع حب الأوروبيين له. وقد أظهر فشل الدستور الأوروبي في عام 2005 قيود السلطة الضعيفة للاتحاد الأوروبي، وهشاشة المظهر الزائف للتكامل لديها مع الدولة القومية. كما أن أزمة منطقة اليورو ومشاعر الإقصاء الاجتماعي الأوسع، تفرضان تسييساً جديداً للاتحاد الأوروبي». ويخلص الكتاب إلى أن التنافس الأكثر انفتاحاً وشفافية وتوجيهاً بشكل فعّال، هو الذي يكون مدعوماً ببنية تحتية ثقافية من شأنه أن يسمح بالصراع العلني للقيم السياسية التي حدّدت حلقات تاريخية سابقة من التطور السياسي، وهو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية الدائمة على الاتحاد الأوروبي.

نبذة عن المؤلفة

كاثلين ر. منمارا، أستاذ مشارك في الخدمة الحكومية والخارجية، ومديرة مركز مورتارا للدراسات الدولية بجامعة جورج تاون. وهي كاتبة «عملة الأفكار: السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي» (كورنيل ونيفرزيتي بريس، 1998)، وشاركت في تحرير كتاب «صنع التاريخ: التكامل الأوروبي وتغيير المؤسسات في الخمسينات» (مطبعة جامعة أكسفورد، 2007)، ونشرت العديد من المقالات عن سوسيولوجية الاتحاد الأوروبي، والاقتصاد السياسي الدولي، والخدمات المصرفية المركزية، ودور الأفكار والثقافة في صنع السياسات. حاضرت ماكنمارا في جامعة برينستون وساينس بو (باريس)، وكانت باحثة زائرة في مؤسسة راسل ساجا، وزميلاً في صندوق مارشال الألماني، وزميلاً فولبرايت. وهي مشاركة في مجموعة متنوعة من مجموعات السياسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وهي عضو في مجلس العلاقات الخارجية. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، وبكالوريوس من جامعة مكغيل الكندية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

 

إن تطوير مشاريع بنى تحتية مجدية أمر صعب ومضن في أفضل الظروف. لقد علمتني الحياة خلال السنوات القليلة الماضية أن تطوير هذه المشاريع في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ربما يكون أشد صعوبة. ولهذا السبب بصورة رئيسة التحقت بفريق العمل الصغير والمتفاني التابع للبرنامج العالمي للبنية التحتية.
يتطلع البرنامج العالمي للبنية التحتية، الذي أنشئ قبل عامين فقط إلى اجتذاب التمويل الخاص لمشاريع البنية التحتية في تلك البلدان التي تكون في أمس الحاجة إليه. وهو يشكل منبرا يمكن للحكومات من خلاله التعاون مع المؤسسات المالية الدولية ومستثمري القطاع الخاص في تصميم هذه المشاريع المعقدة وتنفيذها. وهذه المشاريع تتمتع بإمكانات كبيرة إذ يمكن للتمويل المقدم من البرنامج العالمي أن يسفر في نهاية المطاف عن مشاريع بملايين الدولارات.

أكثر فاعلية
لقد تعلمت بضعة أمور بعد عامين تقريبا من عمليات البرنامج. أولا، أن هذه المشاريع ليست عملا تجاريا سريع الحركة. فالمشاريع التي قيد الإعداد في الاقتصادات الصاعدة غالبا ما تكون ضعيفة وذات مخاطر مرتفعة، الأمر الذي يجعل المستثمرين المحتملين لأسباب مفهومة أكثر حذرا. علاوة على ذلك، لا يتوافر للمستثمرين المحتملين إطار موثوق لتقييم مشاريع البنية التحتية المحتملة.
وقد ركز البرنامج حتى الآن على إعداد مجموعة قوية من المشاريع بدعم من مستشاريه وشركائه. لكن، هل هناك مزيد يمكن أن نفعله لمواجهة التحديات الأخرى؟ في الاجتماع الرابع للمجلس الاستشاري للبرنامج العالمي للبنية التحتية الذي عُقد في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في واشنطن العاصمة، ركزنا تحديدا على هذا السؤال. ونتيجة لذلك، تم طرح عدة مبادرات جديدة:
– إدخال تحسينات واسعة على عملية إعداد المشاريع باستخدام أداة جديدة لتقييم المشاريع.
– تقليص المخاطر من خلال التمويل التكميلي وأدوات التعزيز الائتماني.
– التشجيع على بيع الأصول القائمة للبنية التحتية “المهملة والمهجورة”، واستخدام حصيلة بيعها في تمويل مشاريع جديدة للبنية التحتية.
– العمل بصورة أكثر دقة على تعريف مرافق البنية التحتية باعتبارها فئة من الأصول في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية من خلال مؤشر ديون البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.
ويرد وصف مبررات هذه المقترحات في تقرير موجز من 35 صفحة بعنوان “زيادة مردود مشاريع البنية التحتية.

ثم ماذا بعد؟
يواصل البرنامج العالمي للبنية التحتية العمل على تطوير بعض هذه الأدوات المقترحة بناء على مدخلات المجلس الاستشاري، الذي يتألف من ممثلي الحكومات المانحة وبنوك التنمية متعددة الأطراف والقطاع الخاص. وهناك عديد من التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى بحث، مثل آليات التسعير ومدة الأدوات المقترحة.
ونحن في البرنامج العالمي نرغب في القيام بمزيد لتذليل العقبات التي تعوق الاستثمار في البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.

 

 

«بيتكوين» عملة «مذهلة» مشكوك فيها

بيتكوين

 

الارتفاع الجنوني في قيمة العملة الإلكترونية “بيتكوين”، يطرح كثيرا من التساؤلات بل والمخاوف لدى شرائح وجهات عديدة، لاسيما مع بلوغ عائد الاستثمار فيها 2.9 مليون لكل دولار. هذه العملة انتقلت عبر عدة محطات مهمة في الآونة الأخيرة، لاسيما مع اعتراف ألمانيا بها، ما قدم لها مزيدا من الدعم، وقيام اليابان بالتعامل بها بمستويات مرتفعة أيضا. فضلا عن أن عملات إلكترونية أخرى لم تتمكن من الاقتراب منها من حيث القيمة أو الحضور أو حتى القبول. وهذه العوامل دفعت قيمة “بيتكوين” إلى هذا المستوى الكبير حيث بلغت 2880 دولارا أخيرا، ارتفاعا من 0.001 دولار في عام 2009. وهي تعادل اليوم 2556 يورو، و2230 جنيها استرلينيا و20 ألف يوان صيني.
ومع ذلك لا تزال المخاوف تحيط بهذه العملة، خصوصا مع تردد البنوك المركزية الكبرى في الاعتراف بها، فضلا عن غموض مبتكرها أو الجهة التي تقف وراءها، على الرغم من تقدم ساتوشي ناكاموتو الياباني العام الماضي بالاعتراف بأنه يقف وراءها، وأنه ماض في الحصول على مزيد من الاعتراف بها. والمشكلة الأكبر التي تواجه “بيتكوين”، وغيرها من العملات الإلكترونية الصغيرة الأخرى، أنها ليست خاضعة لمعايير ومراقبة البنوك المركزية. ومن هنا ترتفع حدة المخاوف، من تعرضها إلى انهيار كبير ربما خلف أزمة كبيرة أيضا، مع تزايد المتعاملين بها حول العالم. يضاف إلى ذلك، أن كثيرا من الجهات التنظيمية الكبرى، تعتقد أن ارتفاع قيمة هذه العملة لا يبدو منطقيا، وأن في مثل هذه الحالة كل شيء وارد لاحقا.
من هنا، فإن ما تسعى له العملة المشار إليها، الحصول على اعتراف عالمي بها، في حين أن إعلان قاض فيدرالي أمريكي بأن “بيتكوين” هي نوع من أنواع النقد، لم يحقق لها الأمان المنشود، لأن الإدارة الأمريكية لم تعترف بها بعد، ولا يبدو في الأفق أنها ستقدم على ذلك. والحق، أن البنوك المركزية العالمية الكبرى، والمؤسسات المالية لم تقدم حتى اليوم أي تبريرات لإبقاء “بيتكوين” في وضعيتها القانونية الراهنة، بينما يعتقد كثيرون أن هذه المؤسسات سترضخ في النهاية إلى حقيقة وجود “بيتكوين” ودورها في الحراك الاقتصادي بصورة عامة، لاسيما مع عدم طرح هذه المؤسسات بدائل ضرورية لها. فعلى الرغم من علامات الاستفهام حولها، إلا أن العملة الإلكترونية تتسيد المشهد الرقمي في هذا المجال، ولا يبدو أن بديلا لها سيظهر قريبا.
ويبدو أن الحقيقة الماثلة على الساحة، تتلخص في أن “بيتكوين” ستحصل على الاعتراف بها في مرحلة لاحقة، خصوصا من منطلق أنه لابد للجهات التنظيمية العالمية أن تمنع حدوث أي انهيار أو ارتباك من جراء تداول “بيتكوين” في مرحلة لاحقة ما. فالذين يرغبون في مثل هذا الاعتراف، يعتقدون أن من واجب المؤسسات المالية المشار إليها أن تتخذ إجراءات وقائية، وهذه الإجراءات تنحصر في الواقع في قبول هذه العملة، بعد أن أثبتت جدارتها بصورة مختلفة في السنوات القليلة الماضية، فضلا عن أنها لم تخرج عن النطاق المالي العام. غير أن هناك نقطة مهمة في هذا المجال، تتعلق بإمكانية وسهولة استخدام العملة في عمليات غير مشروعة، مثل غسل الأموال والتجارة الممنوعة بكل أشكالها. وعلى هذا الأساس يرى الداعمون للعملة، أن تسرع المؤسسات التنظيمية المالية باعتمادها، لأن ذلك لا يوفر آلية مالية إلكترونية شرعية فحسب، بل يضبط العمل بها كغيرها من العملات المعترف بها عالميا، خصوصا أنها أصبحت بالفعل حقيقة نقدية عالية القيمة.

 

د.علي فخرو :الشباب العرب والأمل والفعل

دزعلي فخرو

منذ بضعة أيام كان لي لقاء مع مجموعة من الشباب في أحد أقطار الوطن العربي. كان الهدف بحث تحديات الحاضر العربي والاستجابات الممكنة لمواجهتها.

لم يكن اللقاء سهلاً فقد كانت مجموعة شباب متُقدي الذكاء واسعي الثقافة السياسية، وبالتالي لدى أفرادها القدرة على التساؤل والتحليل والنًقد.

بعد ساعتين من الحوار، وليس المحاضرة، انقلبت مشاعر الإحباط عندي إلى تزاحم الأمل والإشفاق والإعجاب والاعتزاز. تذكرت بوعزيز تونس وملايين البشر. في ساحات مدن العرب بلا خوف ولا رأس منكس، والعيون والوجوه تعكس ملامح فجر جديد يبدُد ظلام قرون من اليأس والخوف وقلة الحيلة.

توصلنا جميعاً إلى الحصيلة التالية: هناك ثلاثة تحديات تفرض وجودها وخطرها على الحاضر، وهناك ثلاث منطلقات يجب أن تحكم كل استجابة لمواجهة تلك التحديات، وهناك منهجية عمل لإحباط التحديات ولإعلاء شأن تلك المنطلقات.

أما تحدًيات الحاضر الذي تعيشه الأمة العربية، والتي يجب أن نتعامل معها كأولويات في فكرنا وعملنا السياسي الحالي اليومي فهي:

أولاَ: تحدًي التواجد المذهل للاستعمارين الصهيوني والغربي في حاضر حياة العرب. أما التحدًي الاستعماري الصهيوني فيتمثًل حالياً في الصعود الغريب لقبوله كظاهرة يمكن التعايش معها من قبل العديد من أنظمة الحكم العربية، بل ومن قبل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني العربي. فما عاد التواجد الصهيوني في فلسطين خطراَ وجودياً واستعمارياً استيطانياً اجتثاثياً يخطط للهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على كل الأرض العربية.

أخطر ما في الأمر تنامي ثقافة التطبيع المتدرج مع هذا العدو، بدءاً بالتنسيق الأمني وانتهاء بالحديث عن الاتفاق على استراتيجية عربية صهيونية، برعاية أميركية، لمواجهة ما يسمى بالأخطار والأعداء المشتركين.

أما التحدي الاستعماري الغربي الكلاسيكي فهو التوجه القوي عند عدد كبير من الأقطار العربية لعقد اتفاقيات ومعاهدات وتفاهمات مع العديد من الدول الأوروبية ومع الولايات المتحدة. وهي تفاهمات تسمح بالتواجد العسكري للجيوش الأجنبية في كثير من الأقطار العربية وتسمح عند البعض بانقلابنا إلى وكلاء لتنفيذ سياسات غربية مشبوهة، ولإشعال الحرائق فيما بين الحكومات والشعوب ولترسيخ الصًراعات الطائفية المذهبية والعرقية.

لقد ضحُى العرب منذ عشرينات القرن الماضي لإخراج الاستعمار وللحصول على الاستقلال الوطني ليفاجئوا الآن بعودة أشكال لاتعدُ ولا تحصى من التواجد الاستعماري في بلادهم.

ثانياً – تحدًي ظاهرة الجنون الجهادي التكفيري العنفي الذي ادخل العرب والمسلمين في مواجهات لا تنتهي مع بقية العالم من جهة، وقاد إلى دمار العديد من مدن ومجتمعات العرب التاريخية المحورية.

إنه تحدً فاشستي مرعب خطر بالغ التعقيد، يستعمل الدين لخدمة السياسة، ويقرأ رسالة الحق والقسط والميزان الإسلامية بصور متخلُفة متزمتة ستؤدي إلى تهميش أتباع هذا الدين في العالم كلٌه.

ثالثاً – تحدُي المآل الذي وصلت إليه حراكات وثورات الربيع العربي. فالربيع العربي بدأ كحراكات جماهيرية هائلة، رفعت شعارات ديموقراطي وإنسانية ابهرت العالم، ليواجه أشكالاً من الانتكاسات الطبيعية والمصطنعة. لكن بدلاً من تصحيح الأخطاء ومعاودة النضال السلمي لتحقيق شعارات ذلك الربيع هناك محاولة إعلامية كبيرة لاجتثاث منطلقات الربيع الشعورية والفكرية وإحلال مكانها مشاعر اليأس والشك في الشعارات التي طرحت، وقبول خرافة بأن العرب غير قابلين للانتقال إلى الديموقراطية أو لدخول العصر.

إنها ثقافة التراجع وإدارة الظهر للمستقبل والشعور بالنًقص النفسي التاريخي، والعودة إلى فهم القضاء والقدر الذي نشره الحكم الأموي وترسًخ في الثقافة العربية حتى يومنا هذا.

التحدي يتمثًل في بقاء الروح الجماهيرية المتمرًدة على الفساد والظلم، المتطلًعة الى عوالم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وفي عدم قبول منطق الذين يريدون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وفي عدم قبول منطق تدمير الأحلام والآمال باسم التباكي على الأخطاء والهفوات وقلُة الخبرة عند شباب هذه الأمة.

اتفقنا على أن تلك التحديات تحتاج إلى إيمان بمنطلقات تتوجُه إلى دحر جحيم تلك التحديات.

اتفقنا بأن المنطلق الأول هو الإيمان التام بأن دحر تلك الأهوال الجديدة يحتاج إلى نوع من وحدة الأمة. وبالتالي فان شعار الوحدة العربية يجب أن لا يموت، وأننا يجب أن لا نستمع إلى صوت النًاعقين بان شعار الوحدة العربية هو خيال واحلام وهلوسات.

اتفقنا بأن المنطلق الثاني هو عدم التراجع عن شعار الانتقال إلى الديموقراطية وعن الإصرار على البدئ بترسيخ الأسس التي تقوم عليها الديموقراطية، من حرية ومواطنة وعدالة ومساواة وغيرها، في حياة العرب.

اتفقنا بأن التحديات الثلاث هي فكرية في جوهرها، ولذا فهناك حاجة لتيار كبير يراجع الثقافة العربية ويحلًلها وينقدها، إذ أن هناك نقاط ضعف كثيرة في تلك الثقافة، سواء الجوانب التراثية أم جوانب فكر العصر الذي نعيش.

اتفقنا أخيراً على أنه بدون تنظيمات ومؤسسات مدنية سياسية واقتصادية وثقافية ومهنية تناضل من أجل تحقيق ما اتفقنا عليه في الواقع، فان مآسي العرب لن تنتهي. وعليه فمهمة الشباب لا تقتصر على الاقتناع والأقوال وإنما ايضاً يجب أن تنتقل إلى الأفعال.

في نهاية الجلسة قلت لنفسي: اية أم عربية عظيمة تلك التي لا تملٌ ولاتتعب من إنجاب جيل عربي بعد جيل، هو ايضاً لا يكل ولايتعب من حمل رسالة التغيير والصعود.

كاتب ومفكر بحريني

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

 

مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باتت صورته الصامدة خلال عقود مهتزة، حيث تخرج تحليلات هنا وهناك تفيد باحتمال خروج دول أخرى منه، ما يضع المستقبل الأوروبي على المحك. ويجد مؤلف هذا العمل أن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، مما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
يأتي كتاب «نهاية أوروبا: ديكتاتوريون، ديماغوجيون وعصر الظلام القادم» (288 صفحة، منشورات جامعة يال، 2017) للكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك في مرحلة شديدة الحساسية فيما يتعلق بالراهن الأوروبي والعلاقات المتشابكة فيما بين الدول الأوروبية ثم علاقة القارة مع العالم. وإذ يحمل عنوان الكتاب رسالة متشائمة حول واقع أوروبا ومستقبلها في ظلّ حالة تبادلية من السياسات التي ترسم علاقاتها والعلاقات التي تضع سياستها في القضايا كافة، فإن الكاتب لا يغفل فرصة التصريح بأن ثمة أملاً في أن تستطيع أوروبا إنقاذ الكيان الذي حافظت عليه لعقود، وحفظ لها بالتالي تماسكها الذي بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى.

أوروبا وغياب الدور الأمريكي

في كتابه، يسجّل جيمس كريتشك، بمزيج من العمل الصحفي والسرد التاريخي، أن أوروبا التي كانت تعدّ معقل القيم الليبرالية والديمقراطية، هي ذاتها التي باتت اليوم تعاني المشاكل التي كانت تعتقد أنها تجاوزتها منذ عقود. إذ إن ظواهر من نوع معاداة السامية، القومية الشعبوية واستخدام العنف والقوة العسكرية في مناطق النزاع باتت تهدد اليوم بتفكيك الكتلة الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. يحدد كريتشك في دراسته نقاطاً أساسية توضح مواضع الضعف في الاتحاد الأوروبي؛ السياسة الضحلة والمخادعة للقادة الذين دفعوا باتجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بالإضافة إلى الدور الذي لعبته موجة الهجرة الكبيرة والعلاقة المتوترة بين المجتمعات الأوروبية والأقليات المسلمة.
وهذا كله يأتي مع تهديد الإدارة الأمريكية الجديدة بتجاهل الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الولايات المتحدة في أوروبا، كمناصر لنظام العالم الليبرالي وضامن لأمن القارة. وبهذا، يزداد التهديد الجدي بأن تصبح أوروبا وحيدة في مواجهة هذه التحديات «غير المسبوقة»، بحسب تعبير كريتشك.
يتألف الكتاب من مقدمة بعنوان «الكابوس الأوروبي»، يليه ثمانية فصول، يشكّل كل واحد منها دراسة حالة لبلد أوروبي محدد. الفصل الأول: «روسيا: على حافة أوروبا». الفصل الثاني: «هنغاريا: ديمقراطية من دون ديمقراطيين». الفصل الثالث: «ألمانيا: عودة رابالو؟» (بالإشارة إلى معاهدة رابالو عام 1922 والتي اتفقت على أساسها كل من ألمانيا وروسيا على تقاسم مناطق النفوذ والمكاسب بعد معاهدة برست ليتوفسك (1918) التي خرجت روسيا إثرها من الحرب العالمية الأولى. ) ثم الفصل الرابع «الاتحاد الأوروبي: أزمة غير متوقعة». يليه الفصل الخامس: «فرنسا بلا يهود»، والسادس «بريكست: من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغيرة». ثم الفصل السابع «اليونان: من الأحزاب السياسية إلى الشعبويين»، والفصل الثامن «أوكرانيا: برلين الغربية الجديدة». ثم تأتي خاتمة بعنوان: «الحلم الأوروبي». وهو يشير في أكثر من مكان لكتاب مهم هو «الحلم الأوروبي» للباحث الأمريكي جيريمي ريفكن (تُرجم إلى العربية عام 2016 وصدر عن دار الفارابي)، وهو دراسة شاملة للتحوّل الذي عاشه المجتمع الأمريكي إبان انهيار مفهوم الحلم الأمريكي والتوجه نحو حلم آخر بديل متمثّل بالحلم الأوروبي، على اعتبار أن أوروبا باتت تشكل كياناً مقابلاً ومنافساً للولايات المتحدة في التأثير العالمي. وحيث إن «الحلم الأوروبي أكثر راحة وأكثر أماناً، ورخاء، ويؤدي إلي إطالة أمد الحياة البشرية». ويشير كريتشك إلى التنظيم الجغرافي والفكري لفصول الكتاب، بغية تقديم سياق متسلسل للأزمات التي باتت تعصف بأوروبا.

روسيا وانتهاك القانون الدولي

في الفصل الأول من الكتاب، «روسيا: على حافة أوروبا»، يبدأ جيمس كريتشك بتقديم رؤية يحاول أن تكون قريبة ودقيقة للأزمة متعددة الأوجه التي تواجهها أوروبا، من روسيا شرقاً وصولاً لأزمة المهاجرين في الجنوب. وهي من ضمن أزمات ما فتئت تتفاقم لا سيما مع عدم قيام الولايات المتحدة، متمثلةً بإدارة الرئيس ترامب، بتحقيق دورها التقليدي والاكتفاء بالتعبير دائماً عن نظرة قلقة ومقلقة بشأن العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي وروسيا. وبالتالي، يحاول الكاتب عبر خبرته التي اكتسبها من سنوات التنقل في الدول الأوروبية والاطلاع على أزماتها عن قرب تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتحديات الحاضرة. وهو يبدأ بروسيا التي خصّها بالفصل الأول، انطلاقاً مما يراه رغبة روسية في «تدمير» الاتحاد الأوروبي. وهو في هذا لا يتردد في استخدام لغة قاسية لوصف الإجراءات الروسية تجاه أوكرانيا أولاً وضمّ شبه جزيرة القرم تالياً. فهو يصف التصرف الروسي ب «الانتهاك الواضح للقانون الدولي، وخرق القواعد السياسية الدولية».
ويشير إلى أن هذه الحالة من ضمّ مناطق جغرافية بقوة السلاح تعدّ الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدفع المراقبين للتساؤل حول جدوى الوثائق الدولية والمعاهدات إن لم تتخذ الإجراءات الرادعة المطلوبة. على اعتبار أن روسيا تقدم رسالة مضمونها أنها غير معنية بالالتزام بالبند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو ببيان بودابست (1994). وهو ما ينذر بخطر تكرار هذه الخروقات لاحقاً من دول كبيرة تجاه دول أصغر وأقلّ إمكانية وقدرة. وفي هذه المسألة، يمكن ربط هذا الفصل بالفصل الثامن الذي يسمّي فيه الكاتب أوكرانيا «برلين الغربية الجديدة». ويوجه اللوم للدول الأوروبية التي فضّلت علاقاتها مع روسيا على محاسبة هذه الأخيرة على انتهاكاتها للقانون الدولي. وهذا عائد، جزئياً، إلى عدم إدراك تلك الدول لحقيقة ما تقوم به روسيا فعلياً، وأهدافها غير المعلنة، وهو ما سيحمّل إدارة الرئيس ترامب في الجانب الآخر من المحيط مسؤولية إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ويقول إنه «إذا لم تستمر قيم أمريكا وأوروبا بتشكيل المستقبل كما فعلتا في الماضي، فإن هذا سيتيح المجال لقوى متسلطة لفعل ذلك.

ألمانيا: تحديات السياسة والصدمة الثقافية

في تناوله لحالة ألمانيا، يحذّر كريتشك مما يسميه «تقاطع مخاطر البوتينية والإسلاموفوبيا» الذي سيكون عائقاً أمام إعادة انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه منافسة شرسة من مارتن شولتز، رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس البرلمان الأوروبي «العاجز»، وفق توصيف الكاتب، منذ عام 2012. ومع موقف ميركل من التعددية الثقافية، إلا أن قبولها بوجود مليون لاجئ مسلم في ألمانيا سيكون عاملاً رئيسياً في إضعاف وضعها السياسي عموماً وفرصها في الفوز بالانتخابات خاصة.
تقوم السياسة الألمانية على تقبّل حذر للتعددية الثقافية، مع خلق توازن في العلاقة مع روسيا من جهة، والولايات المتحدة في الجهة الأخرى. ومع هذا، فإن العلاقة الألمانية-الأمريكية تبدو مملوءة بالتناقضات، وهو ما لا يمكن أن تخفيه صورة الدولة الصديقة والحليفة التي تبدو بها حالياً تجاه أمريكا. كما أن ألمانيا مسؤولة عن سياسة استقبال هذا المدّ الكبير من المهاجرين الشرق أوسطيين، على الرغم من المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية أخرى مراراً حول عدم القدرة على استيعاب هذا التدفق الكبير من المهاجرين واحتوائهم ودمجهم.
وصل هذا التدفق غير المسبوق إلى ذروته في فترة الهجرة الكبرى بين 2015-2016، وأدى إلى حصول توتر كبير بين الأوروبيين والأقليات المسلمة. وكان من مسببات هذا التوتر وصوره، على وجه الخصوص، التباين الجذري للمهاجرين من الدول التي تحمل نظرة خاصة ومواقف محددة تجاه المرأة، بما يختلف كلياً مع ما هو متبع في الغرب. وتعدّ هذه من النقاط الإشكالية للغاية، وتسببت بمشاكل كبيرة. وبحسب الأرقام، فإنه من بين 1.5 مليون طالب لجوء ممن وصلوا إلى أوروبا عام 2015، كانت نسبة الذكور 73 في المئة.
في البداية، كان هناك توجّه لعدم الإبلاغ عن بعض حالات التحرش الجنسي بدافع خلق حسّ عام لنفي صفة الإسلاموفوبيا عن المجتمع. لكن نقطة التحول كانت في ليلة رأس السنة الميلادية عام 2015، يوم حصلت حادثة التحرش بنساء ألمانيات خارج محطة القطار الرئيسية في كولونيا. يومذاك، قدّمت أكثر من 650 امرأة شكاوى جنائية تتراوح بين تعرضهن للتحرش وصولاً إلى محاولات الاغتصاب.
ونتيجة لهذه الصدامات الثقافية والزيادة في عدد الضربات الإرهابية في أنحاء القارة، أعيدت مرة أخرى إجراءات التحقق من الهوية في المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة في السابق، وأخذت دول مثل ألمانيا والسويد، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية بتخفيض أعداد المهاجرين المقبولين.

مستقبل الحلم الأوروبي

يعود الكاتب إلى فكرة الحلم الأوروبي، وهو وإن حمل عنوان كتابه رؤية متشائمة عبر تعبير «عصر الظلام»، فإنه يصرّ على أن ثمة ما يمكن عمله؛ وهو تذكر التاريخ والقيم والاستعادة الواعية للمفاهيم التي وحدت أوروبا وخلقت ذلك الكيان الذي حافظ على استقرار القارة لعقود. وهو يركز على قيم الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة. ويصرح أن على الديمقراطيات الأوروبية (والأمريكية) تخصيص المزيد من الموازنات ورفع الإنفاق على الجانب العسكري بغية الدفاع عن هذه القيم التي تسعى دول أخرى لتحطيمها. إذ إن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، ما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
في خاتمة الكتاب يقول: «يجب أن ينتهي وقت التخبط. فمن أجل أن نضمن أن العقود السبعة الماضية مما يشبه اليوتوبيا كانت هي القاعدة، لا مجرد استثناء تاريخي، فإن أوروبا بحاجة ماسة لتجديد مراكز قوتها الليبرالية من جهة، والاستعداد لاستخدام القوة للدفاع عن نفسها من جهة أخرى». ويتطرق إلى استقبال أوروبا للمهاجرين واللاجئين المسلمين، ويطالب بأن تكون إجراءات دمجهم في المجتمعات الأوروبية مشروطة بإنتاجيتهم، مع التزام هذه الدول بمبادئ الرفاه الاجتماعي وقطاع الأعمال الخاصة. ويقول إنه هناك الكثير مما هو على المحك، كالسفر من فرنسا إلى ألمانيا من دون جواز سفر، أو وجود تلك الإجراءات البيروقراطية المكثفة في بروكسل. ويكرر مطالبته بأوروبا تحمل قيم وأفكار عصر التنوير، تعزز دورها العالمي في إنتاج المنجزات الحضارية والقدرة على حمايتها، وإلا فإن الديماغوجيات والديكتاتوريات ستحوّل هذه الحضارة إلى فوضى، وسيتم تغليب المصلحة الفردية على مصلحة الدولة والخير العام، وستنتفي مميزات الهوية الأوروبية وسيختفي دورها. وأقل ما يقال عن هذه الحالة أنها انهيار، وبالتالي، فإن المستقبل -إذا تحققت هذه المخاوف لأي سبب من الأسباب- لن يكون سوى عصر ظلام جديد.

نبذه عن المؤلف

ولد الكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك عام 1983. يعمل مراسلاً لموقع «ذا دايلي بيست» الإلكتروني، وهو زميل باحث في مبادرة السياسة الخارجية في واشنطن. له مقالات صحفية في العديد من وسائل الإعلام مثل «واشنطن بوست» و«ذا ويكلي ستاندرد»، «وول ستريت جورنال» و«فورين بوليسي». يعيش في العاصمة الأمريكية واشنطن. نال كتابه «نهاية أوروبا» ترحيباً ملحوظاً في وسائل إعلام أوروبية، وهو نتاج ست سنوات من البحث والمتابعة والتنقل بين العديد من الدول الأوروبية لجمع مادة الكتاب. ظهر في العديد من منصات التواصل والمحطات التلفزيونية لمناقشة أفكار الكتاب ورؤيته لمستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

ترجمة: نضال إبراهيم

 

دراسة تحذر من فعالية أجهزة قياس ضغط الدم المنزلية

blood pressure 1
يعتبر ضغط الدم السبب الأول للوفاة في العالم. ويحاول الأطباء تشخيص حالة المرضى باستعمال الأجهزة المنزلية لقياس ضغط الدم. غير أن هذه الأجهزة لا تخلو من عيوب تكون لها عواقب، كما يشرح هذا المقال.رغم اعتماد الأطباء المتزايد على أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل للتعامل مع مرضى ضغط الدم المرتفع، خلصت دراسة حديثة إلى أن الكثير من هذه الأجهزة غير دقيق بما يكفي.

ويقول الباحثون إن أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لم تكن دقيقة في نحو 70 بالمائة من الحالات التي درسوها. وكان الفارق بين نتائجها والمعدل الصحيح في نطاق 5 ملليمترات زئبقية، فيما وصل الفارق في 30 بالمائة من الحالات إلى 10 ملليمترات زئبقية.

وقالت جنيفر رينغروز ـ كبيرة الباحثين في الدراسة من جامعة ألبرتا بكندا ـ إن ارتفاع ضغط الدم “هو السبب الأول للوفاة والعجز في العالم”. وأضافت أن “الإرشادات توصي بأن يعزز الأطباء اعتمادهم على نتائج الأجهزة الأوتوماتيكية والمنزلية لقياس ضغط الدم لتشخيص ومتابعة ضغط الدم المرتفع. لهذا نحتاج إلى التأكد من أن هذه النتائج المنزلية دقيقة”.

ودرست رينغروز وزملاؤها دقة أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لدى 85 مريضاً، واختبرت الفروق بين قياس المعدل من أعلى الذراع مقارنة بالرسغ والأنواع المختلفة للأجهزة. كما اختبر مراقبان كل مريض في وقت واحد، وجمعا إجمالي تسعة قياسات لضغط الدم بالتبديل بين الجهاز الذي يستخدم في المنزل والجهاز التقليدي الذي يُستخدم في عيادة الطبيب.

blood pressure 2

 

ويتم قياس ضغط الدم بواقع رقمين: ضغط الدم الانقباضي عندما يضخ القلب الدم والضغط الانبساطي عندما يرتاح القلب بين الضربات. وضغط الدم أقل من 120 ملليمترات زئبقية انقباضي/80 ملليمترات زئبقية انبساطي يعد صحيا. وضغط الدم فوق 140/ 90 يعد ضغطا مرتفعاً.

وخلص الباحثون إلى أن أجهزة قياس ضغط الدم التي تستخدم في المنزل كثيرا ما تخطئ في قياس ضغط الدم الانقباضي. بالنسبة لأربعة وخمسين بالمئة من المرضى اختلف القياس بواقع 5 ملليمترات زئبقية عن الجهاز التقليدي وأخطأ بواقع عشرة ملليمترات زئبقية لدى 20 بالمائة من المرضى وبواقع 15 ملليمترات زئبقية لدى سبعة بالمئة من المرضى. أما بالنسبة لضغط الدم الانبساطي حدث ذلك بالنسبة إلى 31 بالمائة و12 بالمائة وواحد بالمئة من المرضى.

وتوصل الباحثون إلى أن حجم الذراع وجنس المريض كانا أهم أسباب الاختلاف بالنسبة لضغط الدم الانقباضي إذ أن الاختلافات كانت أكبر لدى الرجال. وأيضا كان السن ومحيط الذراع الأكبر ونماذج الأجهزة الأقدم من عوامل الاختلافات فيما يتعلق بضغط الدم الانبساطي.

وكتب الباحثون في الدورية الأمريكية لارتفاع ضغط الدم أن عمر وتصلب الأوعية الدموية على سبيل المثال يمكن أن يحدثا فارقا إذا لم يجر ضبط جهاز قياس الضغط بشكل يناسب المريض الذي يستخدمه.

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

 

سميون كير |

أثارت زيارة مؤسس شركة أمازون، جيف بيزوس، إلى دبي مول، في شهر نوفمبر الماضي، مع قطب العقارات محمد العبار، تكهنات محمومة حول تعاون بين الاثنين، يحدث تحولا في سوق التجارة الإلكترونية الوليدة في المنطقة.
لكن بعد بضعة أشهر فقط، قامت أمازون بدلا من ذلك بخطوة خاصة بها، حيث اختتمت  الأسبوع الماضي خمسة أشهر من المفاوضات بالموافقة على الاستحواذ على موقع سوق دوت كوم، البالغ من العمر 12 عاما. عملية الشراء هذه ستشعل معركة في سوق المبيعات الرقمية السريعة النمو في المنطقة مع الشخصيات التجارية الأكثر تأثيرا في الخليج.
يقول أحد رواد الأعمال الإقليميين في مجال الإنترنت: «يأتي بيزوس وأمازون إلى الشرق الأوسط، لتقوم  أم المعارك مع سكان البلاد المحليين». «السوق غير متطورة تماما، الشرق الأوسط وأفريقيا هما الجبهة الرقمية الأخيرة». المنافسة في السوق أصبحت فجأة شرسة.
وكان العبار، رئيس مجلس إدارة شركة التطوير العقاري إعمار في دبي، قد قام بزيارة مع بيزوس لأكبر مركز للتسوق في المنطقة، الذي يقع في ظل برج خليفة، أطول مبنى في العالم.
الاجتماع الذي استغرق ساعتين، قُرئ على نحو خاطئ من قبل الكثيرين في المنطقة، على اعتبار أنه مزيج لا مثيل له بين أكبر مالك لمتاجر التجزئة على الإنترنت في العالم، وملك العقارات في دبي، الذي تحول إلى رائد في مجال الإنترنت.
بعد أيام من الاجتماع، كشف رجل الأعمال في دبي عن خطط لإطلاق شركة نون، وهي شركة للتجارة الإلكترونية بقيمة مليار دولار، مع استثمار من صندوق الاستثمار العام السعودي.
ومن المتوقع إطلاق نون، وهي الآن في المراحل النهائية من الاختبار، «في غضون أسابيع». وتهدف خطة العبار إلى بناء عملاق تكنولوجي محلي، وهو مشروع يدعمه ولي لي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يعتبر الاستثمار في التكنولوجيا مفتاحا لإصلاحات المملكة الطموحة التي تعتمد على النفط.
ولكن بعد أن تظهر الشركة أخيرا بعد شهرين من التأخير، سوف تجد أن السوق قد تغيرت بالفعل. موافقة أمازون الاستحواذ على سوق دوت كوم مقابل 650 مليون دولار على الأقل، ستجعل من الموقع على الفور أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في المنطقة. عدد قليل من المحللين يراهنون على عملاق الإنترنت الأميركي بأن يتسبب بنفس نوع الاضطراب في قطاع التجزئة، الذي تسبب به في أماكن أخرى من العالم.
الشرق الأوسط يتخلف عن المناطق الأخرى، عندما يتعلق الأمر بتقبل الإقبال على التجارة الرقمية. إذ بلغت المبيعات عبر الإنترنت 5.3 مليارات دولار فقط في عام 2015، لكن من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2020، مع نمو سنوي قدره %30، وفقا لبحث أجرته شركة الاستشارات ايه تي كيرني.
وحتى الآن، شملت العقبات التي تعترض هذا القطاع سوء الخدمات اللوجستية والحواجز العابرة للحدود، إلى جانب نظم الدفع الرقمي غير المتطورة وانتشار المعاملات النقدية. وقد أدى ذلك إلى انخفاض المبيعات الرقمية إلى %2 في سوق التجزئة، مقارنة بنسبة تصل إلى %15 في الأسواق الغربية الأكثر تطورا.
يقول عادل بلقايد، مدير قسم الاستشارات في شركة ايه تي كيرني، إن الاستثمار في البنية التحتية للدفع والتسليم يظهر أن «الأمور تتحرك في الاتجاه الصحيح». ويضيف «أنه أمر مثير أن تبدأ هذه المعركة، فهي سترفع مستوى التجارة الإلكترونية إلى مستويات جديدة. أمازون تأتي، وهي القائد بلا منازع في هذا الفضاء، لكن نون مدعومة من قبل مستثمرين كبار يعرفون سوق التجزئة بشكل جيد جدا».
وينظر إلى دخول أمازون على أنه تأكيد على أمكانات النمو في الشرق الأوسط من قبل الشركات المحلية. وكانت آخر عملية استحواذ على الإنترنت بهذا الحجم والأهمية والشهرة شراء ياهو لبوابة مكتوب في عام 2009.
وقد قامت أمازون بخطواتها الأولى في السوق. إذ افتتحت أمازون ويب سيرفيسز، إدارة الحوسبة السحابية التابع للمجموعة الأميركية، مكاتب لها في دبي والبحرين في يناير.
لكن شراء سوق دوت كوم، الذي يوظف إلى جانب الشركاء وجهات التوصيل حوالي 6000 موظف، سيسمح للشركة الأميركية العملاقة بتسريع دخول أعمالها الأساسية إلى الشرق الأوسط، وتجنب مشاكل النمو العضوي (زيادة الإنتاج وتعزيز المبيعات). وتقف هذه الاستراتيجية على النقيض من الأسواق الكبيرة الأخرى، مثل الهند والصين، حيث اختارت أمازون أن توسع منصتها الخاصة.
وصول أمازون إلى دول الخليج سيسمح للعملاء بالاستفادة من  ميزة الوفاء، وإنجاز الطلب في اليوم نفسه، أو في اليوم التالي، الذي يشيع استخدامه في معظم أنحاء العالم الغربي، وذلك باستخدام شبكة سوق دوت كوم القائمة أصلا، بما في ذلك مراكز الوفاء شبه المستقلة والمكاتب التقنية في الأردن والهند.
ومع ذلك، فان تفاصيل كيفية دمج أمازون عملياتها مع سوق دوت كوم لم تظهر بعد، حيث لا تزال الأسئلة عالقة حول ما إذا كانت ستحتفظ بما أصبح واحدا من العلامات التجارية على الإنترنت الأكثر شهرة في الشرق الأوسط، منذ أن تأسست في عام 2005، من قبل رجل الأعمال السوري رونالدو مشاور.
ومن المتوقع أن تحتفظ أمازون بالموظفين الرئيسيين، والاستثمار بكثافة للتوسع في منصة سوق دوت كوم القائمة، بحسب مصادر مطلعة على خطط الشركة.
وتسيطر أمازون بالفعل على شريحة كبيرة من سوق التوصيل وتسليم البضائع عبر الإنترنت من خارج المنطقة، وذلك باستخدام مجموعة الخدمات اللوجستية، التي تتخذ من دبي مقرا لها أرامكس كشريك، بحسب ما يقول أشخاص على بينة من هذه المسألة.
لكن تجار التجزئة المحليين ومستثمري الإنترنت غير مقتنعين بأن حجم أمازون سيعني نجاحا فوريا في السوق، حيث التواصل المحلي يعتبر أمرا حاسما لكسب دعم الموردين.
مع نون، التي لديها بالفعل ما يقرب من 500 موظف، تواجه أمازون منافسا محليا يتسم بالذكاء والتمويل الجيد، وشركة تملكت العام الماضي حصة في أرامكس، شريكها في التوصيل وتسليم البضائع، التي تعتبر العبار من بين المستثمرين الأكثر أهمية بالنسبة لها.
وكان العبار قال في مؤتمر مصرفي، عقد في وقت سابق من هذا الشهر، «إن الاستثمار في أرامكس يعكس الإيمان بأن التجارة الإلكترونية تتعلق بالخدمات اللوجستية». وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تأخرت في اعتمادها للتجارة الإلكترونية، لا سيما مع انتشار الهواتف الذكية بين الشباب الذين يستمون بالمهارة الرقمية.
وتدير الشركة المبتدئة تدشينا مبكرا غير رسمي لمركز «الوفاء»، بالقرب من مطار آل مكتوم الدولي في المدينة، ووعد بتقديم 20 مليون منتج مع مرور الوقت.
وفي معرض إظهار نفوذه في السوق، اتهم النقاد العبار بالضغط على تجار التجزئة في دبي مول لوضع منتجاتهم على منصته. وقد نفى التهمة قائلا إن لديه علاقات طويلة الأمد مع العلامات التجارية، التي هي سعيدة بالانضمام إلى نون.
ويقول المديرون التنفيذيون المحليون أيضا أن أمازون، التي تستغل ثقلها العالمي الضخم لخفض التكاليف، قد تواجه مقاومة من تجار التجزئة المحليين. وتغطي العديد من المنتجات، التي تقدمها أمازون في أماكن أخرى، اتفاقات وكالات حصرية أبرمتها العائلات المحلية القوية، التي قد تتصرف ضد أي محاولة لتقويض أرباحها.
كما تعمل شركات التجزئة الكبيرة، مثل مجموعة الفطيم وماجد الفطيم ولاندمارك والشايع، على استراتيجيات التجارة الإلكترونية الخاصة بها للاستعداد للمنافسة القادمة من أمازون ونون.
يقول سافيتار جاغتياني، رئيس قسم التجارة الإلكترونية في شركة لاندمارك: «في حين أن أمازون هي الرائد في مجال تجارة التجزئة الالكترونية، لكنها لا تملك فرصة كبيرة لدى شبكة متاجرنا التي تضم 2000 متجر».
ولا يزال تجار التجزئة المحليون يخشون من أن وجود أمازون سوف يشكل تحديا للعمليات، التي تعاني بالفعل من ضعف سوق التجزئة، حيث يؤثر انخفاض أسعار النفط وقوة الدولار سلبا على المشاعر والأجواء.
لكن هذا الوضع أدى ببعض متاجر التجزئة الأكثر طموحا إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها. في الخليج، حيث تعمل مراكز التسوق المكيفة أيضا كملاذات من درجات الحرارة المرتفعة، ينفذ المشغلون تنوعا بعيدا عن البيع بالتجزئة، لتقديم المزيد من العروض «التجريبية» مثل الطعام والترفيه.
وكما يقول مسؤول تنفيذي في واحد من متاجر التجزئة الكبيرة «سوف تشكل أمازون تحولا كبيرا، لعبة جديدة كليا، لذلك سيكون على مشغلي مراكز التسوق أن يحدثوا تحولا وتغييرا، ونحن نقوم بذلك بالفعل. لكن دخول أمازون سيعجل الأمور بالتأكيد».

ترجمة وإعداد إيمان عطية