د.علي فخرو :الشباب العرب والأمل والفعل

دزعلي فخرو

منذ بضعة أيام كان لي لقاء مع مجموعة من الشباب في أحد أقطار الوطن العربي. كان الهدف بحث تحديات الحاضر العربي والاستجابات الممكنة لمواجهتها.

لم يكن اللقاء سهلاً فقد كانت مجموعة شباب متُقدي الذكاء واسعي الثقافة السياسية، وبالتالي لدى أفرادها القدرة على التساؤل والتحليل والنًقد.

بعد ساعتين من الحوار، وليس المحاضرة، انقلبت مشاعر الإحباط عندي إلى تزاحم الأمل والإشفاق والإعجاب والاعتزاز. تذكرت بوعزيز تونس وملايين البشر. في ساحات مدن العرب بلا خوف ولا رأس منكس، والعيون والوجوه تعكس ملامح فجر جديد يبدُد ظلام قرون من اليأس والخوف وقلة الحيلة.

توصلنا جميعاً إلى الحصيلة التالية: هناك ثلاثة تحديات تفرض وجودها وخطرها على الحاضر، وهناك ثلاث منطلقات يجب أن تحكم كل استجابة لمواجهة تلك التحديات، وهناك منهجية عمل لإحباط التحديات ولإعلاء شأن تلك المنطلقات.

أما تحدًيات الحاضر الذي تعيشه الأمة العربية، والتي يجب أن نتعامل معها كأولويات في فكرنا وعملنا السياسي الحالي اليومي فهي:

أولاَ: تحدًي التواجد المذهل للاستعمارين الصهيوني والغربي في حاضر حياة العرب. أما التحدًي الاستعماري الصهيوني فيتمثًل حالياً في الصعود الغريب لقبوله كظاهرة يمكن التعايش معها من قبل العديد من أنظمة الحكم العربية، بل ومن قبل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني العربي. فما عاد التواجد الصهيوني في فلسطين خطراَ وجودياً واستعمارياً استيطانياً اجتثاثياً يخطط للهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على كل الأرض العربية.

أخطر ما في الأمر تنامي ثقافة التطبيع المتدرج مع هذا العدو، بدءاً بالتنسيق الأمني وانتهاء بالحديث عن الاتفاق على استراتيجية عربية صهيونية، برعاية أميركية، لمواجهة ما يسمى بالأخطار والأعداء المشتركين.

أما التحدي الاستعماري الغربي الكلاسيكي فهو التوجه القوي عند عدد كبير من الأقطار العربية لعقد اتفاقيات ومعاهدات وتفاهمات مع العديد من الدول الأوروبية ومع الولايات المتحدة. وهي تفاهمات تسمح بالتواجد العسكري للجيوش الأجنبية في كثير من الأقطار العربية وتسمح عند البعض بانقلابنا إلى وكلاء لتنفيذ سياسات غربية مشبوهة، ولإشعال الحرائق فيما بين الحكومات والشعوب ولترسيخ الصًراعات الطائفية المذهبية والعرقية.

لقد ضحُى العرب منذ عشرينات القرن الماضي لإخراج الاستعمار وللحصول على الاستقلال الوطني ليفاجئوا الآن بعودة أشكال لاتعدُ ولا تحصى من التواجد الاستعماري في بلادهم.

ثانياً – تحدًي ظاهرة الجنون الجهادي التكفيري العنفي الذي ادخل العرب والمسلمين في مواجهات لا تنتهي مع بقية العالم من جهة، وقاد إلى دمار العديد من مدن ومجتمعات العرب التاريخية المحورية.

إنه تحدً فاشستي مرعب خطر بالغ التعقيد، يستعمل الدين لخدمة السياسة، ويقرأ رسالة الحق والقسط والميزان الإسلامية بصور متخلُفة متزمتة ستؤدي إلى تهميش أتباع هذا الدين في العالم كلٌه.

ثالثاً – تحدُي المآل الذي وصلت إليه حراكات وثورات الربيع العربي. فالربيع العربي بدأ كحراكات جماهيرية هائلة، رفعت شعارات ديموقراطي وإنسانية ابهرت العالم، ليواجه أشكالاً من الانتكاسات الطبيعية والمصطنعة. لكن بدلاً من تصحيح الأخطاء ومعاودة النضال السلمي لتحقيق شعارات ذلك الربيع هناك محاولة إعلامية كبيرة لاجتثاث منطلقات الربيع الشعورية والفكرية وإحلال مكانها مشاعر اليأس والشك في الشعارات التي طرحت، وقبول خرافة بأن العرب غير قابلين للانتقال إلى الديموقراطية أو لدخول العصر.

إنها ثقافة التراجع وإدارة الظهر للمستقبل والشعور بالنًقص النفسي التاريخي، والعودة إلى فهم القضاء والقدر الذي نشره الحكم الأموي وترسًخ في الثقافة العربية حتى يومنا هذا.

التحدي يتمثًل في بقاء الروح الجماهيرية المتمرًدة على الفساد والظلم، المتطلًعة الى عوالم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وفي عدم قبول منطق الذين يريدون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وفي عدم قبول منطق تدمير الأحلام والآمال باسم التباكي على الأخطاء والهفوات وقلُة الخبرة عند شباب هذه الأمة.

اتفقنا على أن تلك التحديات تحتاج إلى إيمان بمنطلقات تتوجُه إلى دحر جحيم تلك التحديات.

اتفقنا بأن المنطلق الأول هو الإيمان التام بأن دحر تلك الأهوال الجديدة يحتاج إلى نوع من وحدة الأمة. وبالتالي فان شعار الوحدة العربية يجب أن لا يموت، وأننا يجب أن لا نستمع إلى صوت النًاعقين بان شعار الوحدة العربية هو خيال واحلام وهلوسات.

اتفقنا بأن المنطلق الثاني هو عدم التراجع عن شعار الانتقال إلى الديموقراطية وعن الإصرار على البدئ بترسيخ الأسس التي تقوم عليها الديموقراطية، من حرية ومواطنة وعدالة ومساواة وغيرها، في حياة العرب.

اتفقنا بأن التحديات الثلاث هي فكرية في جوهرها، ولذا فهناك حاجة لتيار كبير يراجع الثقافة العربية ويحلًلها وينقدها، إذ أن هناك نقاط ضعف كثيرة في تلك الثقافة، سواء الجوانب التراثية أم جوانب فكر العصر الذي نعيش.

اتفقنا أخيراً على أنه بدون تنظيمات ومؤسسات مدنية سياسية واقتصادية وثقافية ومهنية تناضل من أجل تحقيق ما اتفقنا عليه في الواقع، فان مآسي العرب لن تنتهي. وعليه فمهمة الشباب لا تقتصر على الاقتناع والأقوال وإنما ايضاً يجب أن تنتقل إلى الأفعال.

في نهاية الجلسة قلت لنفسي: اية أم عربية عظيمة تلك التي لا تملٌ ولاتتعب من إنجاب جيل عربي بعد جيل، هو ايضاً لا يكل ولايتعب من حمل رسالة التغيير والصعود.

كاتب ومفكر بحريني

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

 

مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باتت صورته الصامدة خلال عقود مهتزة، حيث تخرج تحليلات هنا وهناك تفيد باحتمال خروج دول أخرى منه، ما يضع المستقبل الأوروبي على المحك. ويجد مؤلف هذا العمل أن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، مما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
يأتي كتاب «نهاية أوروبا: ديكتاتوريون، ديماغوجيون وعصر الظلام القادم» (288 صفحة، منشورات جامعة يال، 2017) للكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك في مرحلة شديدة الحساسية فيما يتعلق بالراهن الأوروبي والعلاقات المتشابكة فيما بين الدول الأوروبية ثم علاقة القارة مع العالم. وإذ يحمل عنوان الكتاب رسالة متشائمة حول واقع أوروبا ومستقبلها في ظلّ حالة تبادلية من السياسات التي ترسم علاقاتها والعلاقات التي تضع سياستها في القضايا كافة، فإن الكاتب لا يغفل فرصة التصريح بأن ثمة أملاً في أن تستطيع أوروبا إنقاذ الكيان الذي حافظت عليه لعقود، وحفظ لها بالتالي تماسكها الذي بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى.

أوروبا وغياب الدور الأمريكي

في كتابه، يسجّل جيمس كريتشك، بمزيج من العمل الصحفي والسرد التاريخي، أن أوروبا التي كانت تعدّ معقل القيم الليبرالية والديمقراطية، هي ذاتها التي باتت اليوم تعاني المشاكل التي كانت تعتقد أنها تجاوزتها منذ عقود. إذ إن ظواهر من نوع معاداة السامية، القومية الشعبوية واستخدام العنف والقوة العسكرية في مناطق النزاع باتت تهدد اليوم بتفكيك الكتلة الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. يحدد كريتشك في دراسته نقاطاً أساسية توضح مواضع الضعف في الاتحاد الأوروبي؛ السياسة الضحلة والمخادعة للقادة الذين دفعوا باتجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بالإضافة إلى الدور الذي لعبته موجة الهجرة الكبيرة والعلاقة المتوترة بين المجتمعات الأوروبية والأقليات المسلمة.
وهذا كله يأتي مع تهديد الإدارة الأمريكية الجديدة بتجاهل الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الولايات المتحدة في أوروبا، كمناصر لنظام العالم الليبرالي وضامن لأمن القارة. وبهذا، يزداد التهديد الجدي بأن تصبح أوروبا وحيدة في مواجهة هذه التحديات «غير المسبوقة»، بحسب تعبير كريتشك.
يتألف الكتاب من مقدمة بعنوان «الكابوس الأوروبي»، يليه ثمانية فصول، يشكّل كل واحد منها دراسة حالة لبلد أوروبي محدد. الفصل الأول: «روسيا: على حافة أوروبا». الفصل الثاني: «هنغاريا: ديمقراطية من دون ديمقراطيين». الفصل الثالث: «ألمانيا: عودة رابالو؟» (بالإشارة إلى معاهدة رابالو عام 1922 والتي اتفقت على أساسها كل من ألمانيا وروسيا على تقاسم مناطق النفوذ والمكاسب بعد معاهدة برست ليتوفسك (1918) التي خرجت روسيا إثرها من الحرب العالمية الأولى. ) ثم الفصل الرابع «الاتحاد الأوروبي: أزمة غير متوقعة». يليه الفصل الخامس: «فرنسا بلا يهود»، والسادس «بريكست: من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغيرة». ثم الفصل السابع «اليونان: من الأحزاب السياسية إلى الشعبويين»، والفصل الثامن «أوكرانيا: برلين الغربية الجديدة». ثم تأتي خاتمة بعنوان: «الحلم الأوروبي». وهو يشير في أكثر من مكان لكتاب مهم هو «الحلم الأوروبي» للباحث الأمريكي جيريمي ريفكن (تُرجم إلى العربية عام 2016 وصدر عن دار الفارابي)، وهو دراسة شاملة للتحوّل الذي عاشه المجتمع الأمريكي إبان انهيار مفهوم الحلم الأمريكي والتوجه نحو حلم آخر بديل متمثّل بالحلم الأوروبي، على اعتبار أن أوروبا باتت تشكل كياناً مقابلاً ومنافساً للولايات المتحدة في التأثير العالمي. وحيث إن «الحلم الأوروبي أكثر راحة وأكثر أماناً، ورخاء، ويؤدي إلي إطالة أمد الحياة البشرية». ويشير كريتشك إلى التنظيم الجغرافي والفكري لفصول الكتاب، بغية تقديم سياق متسلسل للأزمات التي باتت تعصف بأوروبا.

روسيا وانتهاك القانون الدولي

في الفصل الأول من الكتاب، «روسيا: على حافة أوروبا»، يبدأ جيمس كريتشك بتقديم رؤية يحاول أن تكون قريبة ودقيقة للأزمة متعددة الأوجه التي تواجهها أوروبا، من روسيا شرقاً وصولاً لأزمة المهاجرين في الجنوب. وهي من ضمن أزمات ما فتئت تتفاقم لا سيما مع عدم قيام الولايات المتحدة، متمثلةً بإدارة الرئيس ترامب، بتحقيق دورها التقليدي والاكتفاء بالتعبير دائماً عن نظرة قلقة ومقلقة بشأن العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي وروسيا. وبالتالي، يحاول الكاتب عبر خبرته التي اكتسبها من سنوات التنقل في الدول الأوروبية والاطلاع على أزماتها عن قرب تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتحديات الحاضرة. وهو يبدأ بروسيا التي خصّها بالفصل الأول، انطلاقاً مما يراه رغبة روسية في «تدمير» الاتحاد الأوروبي. وهو في هذا لا يتردد في استخدام لغة قاسية لوصف الإجراءات الروسية تجاه أوكرانيا أولاً وضمّ شبه جزيرة القرم تالياً. فهو يصف التصرف الروسي ب «الانتهاك الواضح للقانون الدولي، وخرق القواعد السياسية الدولية».
ويشير إلى أن هذه الحالة من ضمّ مناطق جغرافية بقوة السلاح تعدّ الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدفع المراقبين للتساؤل حول جدوى الوثائق الدولية والمعاهدات إن لم تتخذ الإجراءات الرادعة المطلوبة. على اعتبار أن روسيا تقدم رسالة مضمونها أنها غير معنية بالالتزام بالبند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو ببيان بودابست (1994). وهو ما ينذر بخطر تكرار هذه الخروقات لاحقاً من دول كبيرة تجاه دول أصغر وأقلّ إمكانية وقدرة. وفي هذه المسألة، يمكن ربط هذا الفصل بالفصل الثامن الذي يسمّي فيه الكاتب أوكرانيا «برلين الغربية الجديدة». ويوجه اللوم للدول الأوروبية التي فضّلت علاقاتها مع روسيا على محاسبة هذه الأخيرة على انتهاكاتها للقانون الدولي. وهذا عائد، جزئياً، إلى عدم إدراك تلك الدول لحقيقة ما تقوم به روسيا فعلياً، وأهدافها غير المعلنة، وهو ما سيحمّل إدارة الرئيس ترامب في الجانب الآخر من المحيط مسؤولية إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ويقول إنه «إذا لم تستمر قيم أمريكا وأوروبا بتشكيل المستقبل كما فعلتا في الماضي، فإن هذا سيتيح المجال لقوى متسلطة لفعل ذلك.

ألمانيا: تحديات السياسة والصدمة الثقافية

في تناوله لحالة ألمانيا، يحذّر كريتشك مما يسميه «تقاطع مخاطر البوتينية والإسلاموفوبيا» الذي سيكون عائقاً أمام إعادة انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه منافسة شرسة من مارتن شولتز، رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس البرلمان الأوروبي «العاجز»، وفق توصيف الكاتب، منذ عام 2012. ومع موقف ميركل من التعددية الثقافية، إلا أن قبولها بوجود مليون لاجئ مسلم في ألمانيا سيكون عاملاً رئيسياً في إضعاف وضعها السياسي عموماً وفرصها في الفوز بالانتخابات خاصة.
تقوم السياسة الألمانية على تقبّل حذر للتعددية الثقافية، مع خلق توازن في العلاقة مع روسيا من جهة، والولايات المتحدة في الجهة الأخرى. ومع هذا، فإن العلاقة الألمانية-الأمريكية تبدو مملوءة بالتناقضات، وهو ما لا يمكن أن تخفيه صورة الدولة الصديقة والحليفة التي تبدو بها حالياً تجاه أمريكا. كما أن ألمانيا مسؤولة عن سياسة استقبال هذا المدّ الكبير من المهاجرين الشرق أوسطيين، على الرغم من المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية أخرى مراراً حول عدم القدرة على استيعاب هذا التدفق الكبير من المهاجرين واحتوائهم ودمجهم.
وصل هذا التدفق غير المسبوق إلى ذروته في فترة الهجرة الكبرى بين 2015-2016، وأدى إلى حصول توتر كبير بين الأوروبيين والأقليات المسلمة. وكان من مسببات هذا التوتر وصوره، على وجه الخصوص، التباين الجذري للمهاجرين من الدول التي تحمل نظرة خاصة ومواقف محددة تجاه المرأة، بما يختلف كلياً مع ما هو متبع في الغرب. وتعدّ هذه من النقاط الإشكالية للغاية، وتسببت بمشاكل كبيرة. وبحسب الأرقام، فإنه من بين 1.5 مليون طالب لجوء ممن وصلوا إلى أوروبا عام 2015، كانت نسبة الذكور 73 في المئة.
في البداية، كان هناك توجّه لعدم الإبلاغ عن بعض حالات التحرش الجنسي بدافع خلق حسّ عام لنفي صفة الإسلاموفوبيا عن المجتمع. لكن نقطة التحول كانت في ليلة رأس السنة الميلادية عام 2015، يوم حصلت حادثة التحرش بنساء ألمانيات خارج محطة القطار الرئيسية في كولونيا. يومذاك، قدّمت أكثر من 650 امرأة شكاوى جنائية تتراوح بين تعرضهن للتحرش وصولاً إلى محاولات الاغتصاب.
ونتيجة لهذه الصدامات الثقافية والزيادة في عدد الضربات الإرهابية في أنحاء القارة، أعيدت مرة أخرى إجراءات التحقق من الهوية في المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة في السابق، وأخذت دول مثل ألمانيا والسويد، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية بتخفيض أعداد المهاجرين المقبولين.

مستقبل الحلم الأوروبي

يعود الكاتب إلى فكرة الحلم الأوروبي، وهو وإن حمل عنوان كتابه رؤية متشائمة عبر تعبير «عصر الظلام»، فإنه يصرّ على أن ثمة ما يمكن عمله؛ وهو تذكر التاريخ والقيم والاستعادة الواعية للمفاهيم التي وحدت أوروبا وخلقت ذلك الكيان الذي حافظ على استقرار القارة لعقود. وهو يركز على قيم الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة. ويصرح أن على الديمقراطيات الأوروبية (والأمريكية) تخصيص المزيد من الموازنات ورفع الإنفاق على الجانب العسكري بغية الدفاع عن هذه القيم التي تسعى دول أخرى لتحطيمها. إذ إن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، ما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
في خاتمة الكتاب يقول: «يجب أن ينتهي وقت التخبط. فمن أجل أن نضمن أن العقود السبعة الماضية مما يشبه اليوتوبيا كانت هي القاعدة، لا مجرد استثناء تاريخي، فإن أوروبا بحاجة ماسة لتجديد مراكز قوتها الليبرالية من جهة، والاستعداد لاستخدام القوة للدفاع عن نفسها من جهة أخرى». ويتطرق إلى استقبال أوروبا للمهاجرين واللاجئين المسلمين، ويطالب بأن تكون إجراءات دمجهم في المجتمعات الأوروبية مشروطة بإنتاجيتهم، مع التزام هذه الدول بمبادئ الرفاه الاجتماعي وقطاع الأعمال الخاصة. ويقول إنه هناك الكثير مما هو على المحك، كالسفر من فرنسا إلى ألمانيا من دون جواز سفر، أو وجود تلك الإجراءات البيروقراطية المكثفة في بروكسل. ويكرر مطالبته بأوروبا تحمل قيم وأفكار عصر التنوير، تعزز دورها العالمي في إنتاج المنجزات الحضارية والقدرة على حمايتها، وإلا فإن الديماغوجيات والديكتاتوريات ستحوّل هذه الحضارة إلى فوضى، وسيتم تغليب المصلحة الفردية على مصلحة الدولة والخير العام، وستنتفي مميزات الهوية الأوروبية وسيختفي دورها. وأقل ما يقال عن هذه الحالة أنها انهيار، وبالتالي، فإن المستقبل -إذا تحققت هذه المخاوف لأي سبب من الأسباب- لن يكون سوى عصر ظلام جديد.

نبذه عن المؤلف

ولد الكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك عام 1983. يعمل مراسلاً لموقع «ذا دايلي بيست» الإلكتروني، وهو زميل باحث في مبادرة السياسة الخارجية في واشنطن. له مقالات صحفية في العديد من وسائل الإعلام مثل «واشنطن بوست» و«ذا ويكلي ستاندرد»، «وول ستريت جورنال» و«فورين بوليسي». يعيش في العاصمة الأمريكية واشنطن. نال كتابه «نهاية أوروبا» ترحيباً ملحوظاً في وسائل إعلام أوروبية، وهو نتاج ست سنوات من البحث والمتابعة والتنقل بين العديد من الدول الأوروبية لجمع مادة الكتاب. ظهر في العديد من منصات التواصل والمحطات التلفزيونية لمناقشة أفكار الكتاب ورؤيته لمستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

ترجمة: نضال إبراهيم

 

دراسة تحذر من فعالية أجهزة قياس ضغط الدم المنزلية

blood pressure 1
يعتبر ضغط الدم السبب الأول للوفاة في العالم. ويحاول الأطباء تشخيص حالة المرضى باستعمال الأجهزة المنزلية لقياس ضغط الدم. غير أن هذه الأجهزة لا تخلو من عيوب تكون لها عواقب، كما يشرح هذا المقال.رغم اعتماد الأطباء المتزايد على أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل للتعامل مع مرضى ضغط الدم المرتفع، خلصت دراسة حديثة إلى أن الكثير من هذه الأجهزة غير دقيق بما يكفي.

ويقول الباحثون إن أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لم تكن دقيقة في نحو 70 بالمائة من الحالات التي درسوها. وكان الفارق بين نتائجها والمعدل الصحيح في نطاق 5 ملليمترات زئبقية، فيما وصل الفارق في 30 بالمائة من الحالات إلى 10 ملليمترات زئبقية.

وقالت جنيفر رينغروز ـ كبيرة الباحثين في الدراسة من جامعة ألبرتا بكندا ـ إن ارتفاع ضغط الدم “هو السبب الأول للوفاة والعجز في العالم”. وأضافت أن “الإرشادات توصي بأن يعزز الأطباء اعتمادهم على نتائج الأجهزة الأوتوماتيكية والمنزلية لقياس ضغط الدم لتشخيص ومتابعة ضغط الدم المرتفع. لهذا نحتاج إلى التأكد من أن هذه النتائج المنزلية دقيقة”.

ودرست رينغروز وزملاؤها دقة أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لدى 85 مريضاً، واختبرت الفروق بين قياس المعدل من أعلى الذراع مقارنة بالرسغ والأنواع المختلفة للأجهزة. كما اختبر مراقبان كل مريض في وقت واحد، وجمعا إجمالي تسعة قياسات لضغط الدم بالتبديل بين الجهاز الذي يستخدم في المنزل والجهاز التقليدي الذي يُستخدم في عيادة الطبيب.

blood pressure 2

 

ويتم قياس ضغط الدم بواقع رقمين: ضغط الدم الانقباضي عندما يضخ القلب الدم والضغط الانبساطي عندما يرتاح القلب بين الضربات. وضغط الدم أقل من 120 ملليمترات زئبقية انقباضي/80 ملليمترات زئبقية انبساطي يعد صحيا. وضغط الدم فوق 140/ 90 يعد ضغطا مرتفعاً.

وخلص الباحثون إلى أن أجهزة قياس ضغط الدم التي تستخدم في المنزل كثيرا ما تخطئ في قياس ضغط الدم الانقباضي. بالنسبة لأربعة وخمسين بالمئة من المرضى اختلف القياس بواقع 5 ملليمترات زئبقية عن الجهاز التقليدي وأخطأ بواقع عشرة ملليمترات زئبقية لدى 20 بالمائة من المرضى وبواقع 15 ملليمترات زئبقية لدى سبعة بالمئة من المرضى. أما بالنسبة لضغط الدم الانبساطي حدث ذلك بالنسبة إلى 31 بالمائة و12 بالمائة وواحد بالمئة من المرضى.

وتوصل الباحثون إلى أن حجم الذراع وجنس المريض كانا أهم أسباب الاختلاف بالنسبة لضغط الدم الانقباضي إذ أن الاختلافات كانت أكبر لدى الرجال. وأيضا كان السن ومحيط الذراع الأكبر ونماذج الأجهزة الأقدم من عوامل الاختلافات فيما يتعلق بضغط الدم الانبساطي.

وكتب الباحثون في الدورية الأمريكية لارتفاع ضغط الدم أن عمر وتصلب الأوعية الدموية على سبيل المثال يمكن أن يحدثا فارقا إذا لم يجر ضبط جهاز قياس الضغط بشكل يناسب المريض الذي يستخدمه.

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

 

سميون كير |

أثارت زيارة مؤسس شركة أمازون، جيف بيزوس، إلى دبي مول، في شهر نوفمبر الماضي، مع قطب العقارات محمد العبار، تكهنات محمومة حول تعاون بين الاثنين، يحدث تحولا في سوق التجارة الإلكترونية الوليدة في المنطقة.
لكن بعد بضعة أشهر فقط، قامت أمازون بدلا من ذلك بخطوة خاصة بها، حيث اختتمت  الأسبوع الماضي خمسة أشهر من المفاوضات بالموافقة على الاستحواذ على موقع سوق دوت كوم، البالغ من العمر 12 عاما. عملية الشراء هذه ستشعل معركة في سوق المبيعات الرقمية السريعة النمو في المنطقة مع الشخصيات التجارية الأكثر تأثيرا في الخليج.
يقول أحد رواد الأعمال الإقليميين في مجال الإنترنت: «يأتي بيزوس وأمازون إلى الشرق الأوسط، لتقوم  أم المعارك مع سكان البلاد المحليين». «السوق غير متطورة تماما، الشرق الأوسط وأفريقيا هما الجبهة الرقمية الأخيرة». المنافسة في السوق أصبحت فجأة شرسة.
وكان العبار، رئيس مجلس إدارة شركة التطوير العقاري إعمار في دبي، قد قام بزيارة مع بيزوس لأكبر مركز للتسوق في المنطقة، الذي يقع في ظل برج خليفة، أطول مبنى في العالم.
الاجتماع الذي استغرق ساعتين، قُرئ على نحو خاطئ من قبل الكثيرين في المنطقة، على اعتبار أنه مزيج لا مثيل له بين أكبر مالك لمتاجر التجزئة على الإنترنت في العالم، وملك العقارات في دبي، الذي تحول إلى رائد في مجال الإنترنت.
بعد أيام من الاجتماع، كشف رجل الأعمال في دبي عن خطط لإطلاق شركة نون، وهي شركة للتجارة الإلكترونية بقيمة مليار دولار، مع استثمار من صندوق الاستثمار العام السعودي.
ومن المتوقع إطلاق نون، وهي الآن في المراحل النهائية من الاختبار، «في غضون أسابيع». وتهدف خطة العبار إلى بناء عملاق تكنولوجي محلي، وهو مشروع يدعمه ولي لي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يعتبر الاستثمار في التكنولوجيا مفتاحا لإصلاحات المملكة الطموحة التي تعتمد على النفط.
ولكن بعد أن تظهر الشركة أخيرا بعد شهرين من التأخير، سوف تجد أن السوق قد تغيرت بالفعل. موافقة أمازون الاستحواذ على سوق دوت كوم مقابل 650 مليون دولار على الأقل، ستجعل من الموقع على الفور أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في المنطقة. عدد قليل من المحللين يراهنون على عملاق الإنترنت الأميركي بأن يتسبب بنفس نوع الاضطراب في قطاع التجزئة، الذي تسبب به في أماكن أخرى من العالم.
الشرق الأوسط يتخلف عن المناطق الأخرى، عندما يتعلق الأمر بتقبل الإقبال على التجارة الرقمية. إذ بلغت المبيعات عبر الإنترنت 5.3 مليارات دولار فقط في عام 2015، لكن من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2020، مع نمو سنوي قدره %30، وفقا لبحث أجرته شركة الاستشارات ايه تي كيرني.
وحتى الآن، شملت العقبات التي تعترض هذا القطاع سوء الخدمات اللوجستية والحواجز العابرة للحدود، إلى جانب نظم الدفع الرقمي غير المتطورة وانتشار المعاملات النقدية. وقد أدى ذلك إلى انخفاض المبيعات الرقمية إلى %2 في سوق التجزئة، مقارنة بنسبة تصل إلى %15 في الأسواق الغربية الأكثر تطورا.
يقول عادل بلقايد، مدير قسم الاستشارات في شركة ايه تي كيرني، إن الاستثمار في البنية التحتية للدفع والتسليم يظهر أن «الأمور تتحرك في الاتجاه الصحيح». ويضيف «أنه أمر مثير أن تبدأ هذه المعركة، فهي سترفع مستوى التجارة الإلكترونية إلى مستويات جديدة. أمازون تأتي، وهي القائد بلا منازع في هذا الفضاء، لكن نون مدعومة من قبل مستثمرين كبار يعرفون سوق التجزئة بشكل جيد جدا».
وينظر إلى دخول أمازون على أنه تأكيد على أمكانات النمو في الشرق الأوسط من قبل الشركات المحلية. وكانت آخر عملية استحواذ على الإنترنت بهذا الحجم والأهمية والشهرة شراء ياهو لبوابة مكتوب في عام 2009.
وقد قامت أمازون بخطواتها الأولى في السوق. إذ افتتحت أمازون ويب سيرفيسز، إدارة الحوسبة السحابية التابع للمجموعة الأميركية، مكاتب لها في دبي والبحرين في يناير.
لكن شراء سوق دوت كوم، الذي يوظف إلى جانب الشركاء وجهات التوصيل حوالي 6000 موظف، سيسمح للشركة الأميركية العملاقة بتسريع دخول أعمالها الأساسية إلى الشرق الأوسط، وتجنب مشاكل النمو العضوي (زيادة الإنتاج وتعزيز المبيعات). وتقف هذه الاستراتيجية على النقيض من الأسواق الكبيرة الأخرى، مثل الهند والصين، حيث اختارت أمازون أن توسع منصتها الخاصة.
وصول أمازون إلى دول الخليج سيسمح للعملاء بالاستفادة من  ميزة الوفاء، وإنجاز الطلب في اليوم نفسه، أو في اليوم التالي، الذي يشيع استخدامه في معظم أنحاء العالم الغربي، وذلك باستخدام شبكة سوق دوت كوم القائمة أصلا، بما في ذلك مراكز الوفاء شبه المستقلة والمكاتب التقنية في الأردن والهند.
ومع ذلك، فان تفاصيل كيفية دمج أمازون عملياتها مع سوق دوت كوم لم تظهر بعد، حيث لا تزال الأسئلة عالقة حول ما إذا كانت ستحتفظ بما أصبح واحدا من العلامات التجارية على الإنترنت الأكثر شهرة في الشرق الأوسط، منذ أن تأسست في عام 2005، من قبل رجل الأعمال السوري رونالدو مشاور.
ومن المتوقع أن تحتفظ أمازون بالموظفين الرئيسيين، والاستثمار بكثافة للتوسع في منصة سوق دوت كوم القائمة، بحسب مصادر مطلعة على خطط الشركة.
وتسيطر أمازون بالفعل على شريحة كبيرة من سوق التوصيل وتسليم البضائع عبر الإنترنت من خارج المنطقة، وذلك باستخدام مجموعة الخدمات اللوجستية، التي تتخذ من دبي مقرا لها أرامكس كشريك، بحسب ما يقول أشخاص على بينة من هذه المسألة.
لكن تجار التجزئة المحليين ومستثمري الإنترنت غير مقتنعين بأن حجم أمازون سيعني نجاحا فوريا في السوق، حيث التواصل المحلي يعتبر أمرا حاسما لكسب دعم الموردين.
مع نون، التي لديها بالفعل ما يقرب من 500 موظف، تواجه أمازون منافسا محليا يتسم بالذكاء والتمويل الجيد، وشركة تملكت العام الماضي حصة في أرامكس، شريكها في التوصيل وتسليم البضائع، التي تعتبر العبار من بين المستثمرين الأكثر أهمية بالنسبة لها.
وكان العبار قال في مؤتمر مصرفي، عقد في وقت سابق من هذا الشهر، «إن الاستثمار في أرامكس يعكس الإيمان بأن التجارة الإلكترونية تتعلق بالخدمات اللوجستية». وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تأخرت في اعتمادها للتجارة الإلكترونية، لا سيما مع انتشار الهواتف الذكية بين الشباب الذين يستمون بالمهارة الرقمية.
وتدير الشركة المبتدئة تدشينا مبكرا غير رسمي لمركز «الوفاء»، بالقرب من مطار آل مكتوم الدولي في المدينة، ووعد بتقديم 20 مليون منتج مع مرور الوقت.
وفي معرض إظهار نفوذه في السوق، اتهم النقاد العبار بالضغط على تجار التجزئة في دبي مول لوضع منتجاتهم على منصته. وقد نفى التهمة قائلا إن لديه علاقات طويلة الأمد مع العلامات التجارية، التي هي سعيدة بالانضمام إلى نون.
ويقول المديرون التنفيذيون المحليون أيضا أن أمازون، التي تستغل ثقلها العالمي الضخم لخفض التكاليف، قد تواجه مقاومة من تجار التجزئة المحليين. وتغطي العديد من المنتجات، التي تقدمها أمازون في أماكن أخرى، اتفاقات وكالات حصرية أبرمتها العائلات المحلية القوية، التي قد تتصرف ضد أي محاولة لتقويض أرباحها.
كما تعمل شركات التجزئة الكبيرة، مثل مجموعة الفطيم وماجد الفطيم ولاندمارك والشايع، على استراتيجيات التجارة الإلكترونية الخاصة بها للاستعداد للمنافسة القادمة من أمازون ونون.
يقول سافيتار جاغتياني، رئيس قسم التجارة الإلكترونية في شركة لاندمارك: «في حين أن أمازون هي الرائد في مجال تجارة التجزئة الالكترونية، لكنها لا تملك فرصة كبيرة لدى شبكة متاجرنا التي تضم 2000 متجر».
ولا يزال تجار التجزئة المحليون يخشون من أن وجود أمازون سوف يشكل تحديا للعمليات، التي تعاني بالفعل من ضعف سوق التجزئة، حيث يؤثر انخفاض أسعار النفط وقوة الدولار سلبا على المشاعر والأجواء.
لكن هذا الوضع أدى ببعض متاجر التجزئة الأكثر طموحا إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها. في الخليج، حيث تعمل مراكز التسوق المكيفة أيضا كملاذات من درجات الحرارة المرتفعة، ينفذ المشغلون تنوعا بعيدا عن البيع بالتجزئة، لتقديم المزيد من العروض «التجريبية» مثل الطعام والترفيه.
وكما يقول مسؤول تنفيذي في واحد من متاجر التجزئة الكبيرة «سوف تشكل أمازون تحولا كبيرا، لعبة جديدة كليا، لذلك سيكون على مشغلي مراكز التسوق أن يحدثوا تحولا وتغييرا، ونحن نقوم بذلك بالفعل. لكن دخول أمازون سيعجل الأمور بالتأكيد».

ترجمة وإعداد إيمان عطية

 

 

نحو فهم أعمق للنموذج الغربي

نحو فهم أعمق للنموذج الغربي

تأثر الخليجيون بالغرب مثل غيرهم، غير أن الوفرة المالية جعلتهم أكثر احتكاكاً بالمنتج الغربي والمنجز التقني، وربما تزايدت خلال العقود الماضية، حال التعلق بالأزياء والصرعات الغربية بسبب السفر، والتأثر بالأفلام السينمائية.

نموذج الغرب ساحر وآسر، وله مبرراته، ليكون النموذج المحتذى بالعالم، غير أن ذلك كله خيار شخصي متاح، والإعجاب بالحضارة الغربية ليس شتيمة، بل العجب أن ترى ما يبهرك ثم ما لا يبهرك، كما يعبر المفكر السعودي إبراهيم البليهي.

المتأمل للنجاحات التي حققها أولئك، يراها لا تنفصل عن العلم والفلسفة، ودور العلوم البحتة، مثل الرياضيات والفيزياء، بالنجاحات الأممية الغربية، التي بدأت بواكير نهضتها منذ القرن السادس عشر الميلادي، على يد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي تمرّ ذكرى ولادته هذه الأيام، وذلك من خلال عبارته الفلسفية الشهيرة: «أنا أفكر إذاً أنا موجود»… مفهوم غيّر مجرى التاريخ، فهو يضم كلاً من (الذات- الفكر- الوجود)، ثلاثة مفاهيم سيطرت على جميع تاريخ السجالات الفكرية الغربية حتى الآن.

برغم الصراعات، والحروب الأهلية، والحربين العالميتين، إلا أن دولاً نهضت من كبوتها، وذلك لأسباب علمية خالصة، ويمكن اعتبار اليابان ضمن فلك المجتمع الغربي حالياً، لأنها واكبت كل النهوض الغربي.

أما ألمانيا، التي سوّيت مدنها بالأرض، فاستطاعت القيام من كبوتها خلال نصف قرنٍ فقط، ولذلك أسباب علمية واجتماعية، يشرح محمد عابد الجابري في كتابه: (التراث والحداثة)، شيئاً من أسرار ألمانيا، منذ بواكيرها وفتوّتها، وكيف ترى النمو الحضاري، فيقول: «بالجملة، لقد كانت فلسفة التاريخ في ألمانيا إطاراً أيديولوجياً تنعكس فيه بقوة رغبة الألمان بالوحدة والتقدم، وحدة الشعب الألماني المفكك، والتقدم للحاق بركب الدول الأوروبية المتقدمة، وهكذا كانت ألمانيا الإقطاعية تعيش آنذاك على صعيد الحلم.

لقد كانت نظرة فلاسفتها إلى التاريخ مستوحاة، بل موجهة من مشاكلهم في الحاضر، وآمالهم بالمستقبل، لقد نظروا إلى تطور التاريخ بالشكل الذي يمكنهم من تبرير حضارة ألمانية في الماضي، وغياب ألمانيا عن الثورة الصناعية بالحاضر.

لقد جعلوا من الحضارات القديمة طفولة الإنسانية، ومن الحضارة الإغريقية والرومانية شباب الإنسانية، ومن الحضارة الجرمانية كهولة الإنسانية ونضجها، لقد عرّف أحد المفكرين الألمان، التاريخ بأنه (حاصل الممكنات التي تحققت)، وهذا يعني أن هناك ممكنات أخرى بطريق التحقيق، وعلى رأسها ألمانيا المستقبل».

الحضارة الغربية، وإن قيلت هذه الكلمة بالعموم، عن نهوض بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، غير أن لكل دولة طريقة تغذٍ خاصة على المنجز العلمي، لهذا نعثر على تمايزات بين الدول بكل مجال، إذ تتفوق دولة على أخرى بمجال علمي، أو حقل فني، وهذا شائع بسبب تنوع اهتمامات المجتمعات، لكن البذرة والنواة الغربية فيها اشتراك كبير بالخصائص والصيغ والأساليب، التي دفعتها نحو التفوق الحضاري النوعي.

أن التأثر بالحضارة الغربية أمر حيوي، ودليل تفاعل مع الأمم الأخرى، غير أن الأكثر فاعليةً، اكتشاف القيم التي قامت عليها، والفلسفات التي دفعتها، والعلوم الكبرى الرافعة للحضارة الغربية، وبذلك يكون التأثر أكثر فائدة للإنسان ومجتمعه، فالحضارة أعمق من القشرة اللامعة الساحرة بالشريط السينمائي، ومنجزات الموضة، وسحر المدن، تلك أمور يراها الجميع، لكن البحث عن أسرار التقدم، والمقولات التي ساهمت به الشخصيات الأدبية والفكرية والعلمية المؤثرة بصياغة طرق الانعتاق من القرون الوسطى وعصور الظلام، هو ما يغيّر التركيبة الذهنية، ويعزز من الشغف المعرفي، ويفيد المجتمعات العربية والإسلامية المحتاجة فعلاً لاستلهام نماذج النجاح لدى أي أمة، وهي عند الغرب أوضح وأنجح.

نحن غارقون بالتأثير الغربي حتى النخاع، لكن الأهم أن نُغْرق بفهم أسئلته التي أيقظته.

 

من يحكم العالم

من يحكم العالم

أصبح المشهد العالمي قاتماً في ظل الإمبريالية الأمريكية التي زرعت الشقاق والفوضى في بقع عديدة من العالم، وخلفت دولاً مدمرة وشعوباً منهكة بسبب حروبها، هذا لسان حال أكثر المنتقدين لسياساتها الخارجية، البروفيسور نعوم تشومسكي الذي يعاين عن كثب في كتابه هذا تغير القوة الأمريكية، والتهديدات على الديمقراطية في العالم، ومستقبل النظام العالمي، وذلك من خلال تقديم تحليل عن الوضع الدولي الراهن، في ظل صعود أوروبا وآسيا، ويقف عند الكثير من المحطات التاريخية من علاقة الولايات المتحدة بكوبا إلى تطوراتها الأخيرة مع الصين، فضلاً عن مذكرات التعذيب والعقوبات على إيران، ويبين تشومسكي أن الخطاب الأمريكي الداعي إلى العدالة وحقوق الإنسان انحرف عن مساره ليخدم مصالح المؤسسات المالية والشركات الكبرى.

الكتاب صادر عن دار «ميتروبوليتان بوكس» الأمريكية في 307 صفحات من القطع المتوسط، 2016.

يوضح تشومسكي أهم النقاط التي تشكل تحدياً للقوة الأمريكية، ويناقش كذلك تأثير الحرب الأمريكية لمحاربة الإرهاب على العالم الإسلامي، وكيف أن أفغانستان والعراق عانتا من الويلات والجرائم البشعة، ويستعرض ذلك من خلال التطرق إلى مشاريع النخب الأمريكية التي لا تكترث بعواقب الحروب على الشعوب.

يسعى تشومسكي في عمله هذا إلى استكشاف سؤال «من يحكم العالم؟» كيف تقدم هؤلاء في جهودهم؟ وأين وصلت بهم هذه الجهود؟ ويتألف عمله من 23 فصلاً بعد المقدمة وهي: «مسؤولية المثقفين»، «الإرهابيون أرادوا إنهاء العالم»، «مذكرات التعذيب وفقدان الذاكرة التاريخي»، «اليد الخفية للقوة»، «الانحدار الأمريكي: الأسباب والعواقب»، «هل انتهت أمريكا؟»، «الماجنا كارتا (الوثيقة العظمى) مصيرها ومصيرنا»، «الأسبوع الذي وقف فيه العالم صامتاً»، «اتفاقيات أوسلو: سياقاتها ونتائجها»، «عشية الدمار»، «««إسرائيل»» – فلسطين: الخيارات الحقيقية»، «لا شيء للآخرين.. الحرب الطبقية في الولايات المتحدة»، «لمن الأمن؟ كيف تحمي واشنطن نفسها وقطاع الشركات؟»، «غضب»، «كم عدد الدقائق إلى منتصف الليل؟»، «إيقاف النيران التي لم تتوقف انتهاكاتها أبداً»، «هل الولايات المتحدة دولة إرهابية بارزة؟»، «حركة أوباما التاريخية»، «طريقان»، «يوم في حياة قارئ لصحيفة نيويورك تايمز»، «التهديد الإيراني: من الخطر الأكبر للسلام العالمي؟»، «ساعة القيامة»، «أسياد البشرية».
ويشير في مقدمته إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية تقوم الولايات المتحدة بفرض تأثيرها في السياق العالمي، وتلعب دوراً في العديد من الصراعات والدول مثل: ««إسرائيل»»/ فلسطين، إيران، أمريكا اللاتينية، الحرب على الإرهاب، المنظمات الاقتصادية الدولية، حقوق الإنسان ومسائل العدالة، والكثير من القضايا المتعلقة ببقاء الحضارة الإنسانية على صعيد الحرب النووية والدمار البيئي، ويعلق: «قوتها على العموم، بدأت تتلاشى منذ أن وصلت إلى ذروتها التاريخية في عام 1945، ومع الانحدار الحتمي، فإن قوة واشنطن إلى حد ما أصبحت مشتركة مع الحكومة العالمية الفعلية ل «أسياد الكون» في «العصر الإمبريالي الجديد»، في إشارة إلى مجموعة السبع إلى جانب المؤسسات التي يتحكمون بها مثل صندوق النقد الدولي ومنظمات التجارة العالمية.

يؤكد تشومسكي أن «أسياد الكون» اليوم، ليسوا بالتأكيد الشعوب، حتى في الدول الديمقراطية ليسوا هم، فتأثيرهم محدود فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بالسياسة والتخطيط، مشيراً إلى أن النخب الاقتصادية والمجموعات المنظمة وحدها تملك التأثير في القرارات الأمريكية، في حين أن المواطنين الأمريكيين لا يملكون إلا القليل من التأثير، وأحياناً لا يملكون بحسب باحثين بارزين يستشهد بهم تشومسكي.

أسياد البشرية؟!

خلال فصول الكتاب التي ذكرناها في الأعلى يحاول تشومسكي الإجابة عن سؤاله «من يحكم العالم؟» ويقول «عندما نسأل هذا السؤال، نتبنى في العادة الإجماع العام أن الأطراف الفاعلة في الشؤون العالمية هي الدول، وعلى رأسها القوى العظمى، ونفكر في قراراتها والعلاقات فيما بينها. هذا ليس أمراً خاطئاً. ولكن سنقوم بعمل جيد لو أخذنا في الاعتبار أن هذا المستوى من التعبير التجريدي يمكن أيضاً أن يكون مضللاً للغاية».
ويضيف: «الدول، بطبيعة الحال، لديها هياكل داخلية معقدة، والخيارات والقرارات الصادرة عن القيادة السياسية تتأثر بشكل كبير بالكتلة الداخلية المركزة في السلطة، في حين يتم تهميش السكان عموماً. هذا صحيح حتى بالنسبة لأكثر المجتمعات الديمقراطية. ولا يمكننا الحصول على فهم واقعي عمن يحكم العالم، بينما نتجاهل «أسياد البشرية»، كما سماهم الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في عصره، حيث قصد التجار والصناعيون من إنجلترا، أما في عصرنا، هؤلاء الأسياد هم التكتلات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الضخمة، إمبراطوريات التجزئة وما شابه ذلك».
ويشير إلى أنه بمتابعة سميث، أيضاً من الحكمة أن نأتي إلى «القول الدنيء» ل «أسياد البشرية» وهو: «كل شيء لنا، ولا شيء للآخرين» – وهو مبدأ معروف بطريقة أو بأخرى كحرب طبقية مريرة ومستمرة، في كثير من الأحيان من جانب واحد، ويكون على حساب الشعوب والعالم على نحو كبير.

ويؤكد أنه في النظام العالمي المعاصر، المؤسسات التي لأسياد البشرية سلطة هائلة عليها، ليس فقط في الساحة الدولية ولكن أيضاً داخل بلدانها الأصلية، يعتمدون عليها لحماية سلطتهم وتقديم الدعم الاقتصادي من خلال مجموعة واسعة من الوسائل.

القوة العظمى الثانية

يبين تشومسكي أهمية قوة الاحتجاجات الشعبية وتأثيرها في القرارات السياسية والتي تعتبر مصيرية لشعوب دول أخرى، قائلاً: «ركزت برامج الليبرالية الجديدة من الجيل الماضي على وضع الثروة والسلطة في أيدي قلة قليلة، في حين أنها أضعفت الديمقراطية الحقيقية، لكنها أثارت المعارضة أيضاً، وأبرزها في أمريكا اللاتينية، وأيضاً في مراكز القوى العالمية. وأصبح الاتحاد الأوروبي، أحد أكثر التطورات الواعدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يترنح بسبب التأثير القاسي لسياسات التقشف خلال الركود، الأمر الذي لقي إدانة حتى من قبل الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي. وقد تم تقويض الديمقراطية، حينما انتقل صنع القرار إلى بيروقراطية بروكسل، مع إلقاء البنوك الشمالية بظلالها على إجراءاتها».

ويوضح: «وأصبحت الأحزاب الرئيسية تخسر بسرعة أعضاء لصالح اليسار واليمين. وعزا المدير التنفيذي لمجموعة أبحاث «يوروبانوفا» ومقرها باريس، الاستياء العام إلى «مزاج العجز الغاضب حيث إن القوة الفعلية لصياغة الأحداث تحولت إلى حد كبير من القادة السياسيين الوطنيين (الذين، من حيث المبدأ على الأقل، كانوا يخضعون للسياسة الديمقراطية) إلى السوق، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي والشركات»، حيث يأتي الأمر تماماً في صيغة اتفاق مع مذهب الليبرالية الجديدة».

ويضيف: «تجد أن عمليات مماثلة جداً جارية في الولايات المتحدة، لأسباب مشابهة إلى حد ما، وهي مسألة ذات أهمية وتثير القلق ليس فقط بالنسبة للبلاد لكن، بسبب قوة الولايات المتحدة في العالم. وتسلط المعارضة الصاعدة في وجه الهجوم النيوليبرالي الضوء على جانب مهم آخر على القول الدارج: إنه يضع الجمهور جانباً، والذي غالباً ما يفشل في قبول الدور المسند له ك «متفرج» (بدلاً من «مشارك») في النظرية الديمقراطية الليبرالية. وكان مثل هذا العصيان دائماً مصدر قلق للطبقات المسيطرة في تاريخ الولايات المتحدة».

جريمة غزو العراق

يشير تشومسكي إلى أنه كثيراً ما يقال إن «المعارضة الشعبية الهائلة لغزو العراق لم يكن لها تأثير. الأمر يبدو غير صحيح بالنسبة لي». ويعلق: «أحياناً تختار الدول اتباع الرأي العام، منتزعة بذلك الكثير من الغضب في مراكز السلطة. وكان الحال كذلك في عام 2003، عندما دعت إدارة بوش تركيا للانضمام إلى غزوها للعراق. حيث عارض 95 في المئة من الأتراك هذا التحرك».

ويشير إلى أن الجمهور التركي لم يكن وحده في هذه المعارضة، فقد كانت المعارضة العالمية للعدوان الذي شنته الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى كاسحة. ويضيف: «بالكاد ما يصل الدعم لخطط حروب واشنطن إلى 10٪ في أي مكان تقريباً، وفقاً لاستطلاعات الرأي الدولية. كما أثارت المعارضة احتجاجات ضخمة في جميع أنحاء العالم، وفي الولايات المتحدة أيضاً، ربما كانت المرة الأولى في التاريخ التي لقي فيها العدوان الإمبريالي احتجاجاً بهذه الشدة حتى قبل إطلاقه رسمياً».
ويذكر: على الصفحة الأولى من صحيفة نيويورك تايمز، قال الصحافي باتريك تايلر إنه «ربما لا يزال هناك قوتان عظيمتان في العالم: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي». ويشير إلى أن الحركة الشعبية المناهضة للحرب أصبحت قوة لا يمكن تجاهلها، الآن، وحتى في السابق عندما جاء رونالد ريغان إلى السلطة مصمماً على شن هجوم على أمريكا الوسطى، حيث قامت إدارته بمحاكاة الخطوات التي اتخذها جون كيندي قبل 20 عاماً عند شن الحرب ضد فيتنام الجنوبية، لكنها اضطرت إلى التراجع بسبب هذا النوع من الاحتجاج الشعبي القوي الذي لم يكن متواجداً بذاك الزخم في سنوات الستينات.

ويجد أن الغزو على العراق كان مرعباً بشكل لا يمكن تصوره، وتداعياته كانت بشعة تماماً. ومع ذلك، كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير، لولا الاحتجاجات الشعبية التي عارضت هذا الشكل من الغزو.

نقاط مهمة في الصراع

إن مسألة «من يحكم العالم؟» – يقول تشومسكي في الفصل الأخير من هذا العمل – يقود على الفور إلى قلاقل مثل صعود نفوذ الصين على المستوى العالمي، وتحديها للولايات المتحدة و«النظام العالمي»، والحرب الباردة الجديدة التي تنضج بهدوء في أوروبا الشرقية، والحرب العالمية على الإرهاب والهيمنة الأمريكية والانحدار الأمريكي، ومجموعة من الاعتبارات المماثلة«. ويتحدث عن ثلاث نقاط تعتبر بالغة الأهمية في الصراع على النفوذ العالمي، وهي: شرق آسيا بدءاً من الباسيفيك والتي يشبهها ك»بحيرة أمريكية»، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت قضية خلافية حول تحليق القاذفات الأمريكية في مهمة فوق بحر الصين الجنوبي.

كما يتحدث تشومسكي عن التطورات الصينية في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم دول آسيا الوسطى وروسيا، ومن المحتمل أن تضم إليها الهند وباكستان وإيران، وهو ما يمكن اعتباره إحياء الصين طريق الحرير القديم، ويمكن لها أن تصل إلى أوروبا، ويتضح ذلك من خلال برامجها التنموية في عدد من الدول.
كما يذكر إقامة الصين في عام 2015، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والتي شاركت في افتتاحها دول كثيرة، إذ يمكن أن يصبح منافساً لمؤسسات «بريتون وودز» (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، الذي تملك الولايات المتحدة حق النقض فيها. وهناك أيضاً بعض التوقعات بأن منظمة شنغهاي قد تصبح في نهاية المطاف النظير لحلف شمال الأطلسي.
أما النقطة الثانية وهي التحدي القادم من أوروبا الشرقية، حيث توجد أزمة على الحدود الأطلسية الروسية، تعود بجذورها إلى سقوط الاتحاد السوفييتي، وهي ليست مسألة صغيرة، إذ إن توسع الأطلسي باتجاه جورجيا وأوكرانيا يعتبره الكثير «خطأ سياسياً قبل أن يكون مأساوياً»، وهو أمر أعلن عنه الحلف بصراحة في 2008 بصيغة لا لبس فيها، حيث أشار إلى أن:»حلف شمال الأطلسي يرحب بتطلعات أوكرانيا وجورجيا الأطلسية للحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». الأمر الذي يعتبر تهديداً لمناطق نفوذ روسيا ومصالحها الأساسية بحسب تشومسكي.
أما النقطة الثالثة فهي «العالم الإسلامي» والتي يقف عندها تشومسكي إذ يجدها من التحديات البارزة، حيث تعد مسرحاً للحرب العالمية على الإرهاب التي أعلن شنها جورج دبليو بوش في ال11 من سبتمبر/أيلول من عام 2001 بعد الهجوم الإرهابي على برجي التجارة في نيويورك، ولا يجده تشومسكي إعلاناً مستقلاً بحد ذاته، بل إعادة إعلان، إذ إن ريغان عندما تولى منصبه، تحدث في خطاب محموم عن الإرهاب وما سماه جورج شولتز وزير خارجيته «عودة إلى البربرية في العصر الحديث»، وما ينتقده تشومسكي هو تحولها بسرعة كبيرة إلى حرب قاتلة ومدمرة عانت منها دول كثيرة، مع تداعيات لها حتى الوقت الحاضر، وتدان عليها الولايات المتحدة.
يتحدث عن الحرب الأمريكية في أفغانستان، التي كلفت الأفغان الكثير من الدماء والمعاناة والدمار، ويتوقف عند الهدف التالي لإدارة بوش وهو العراق، حيث يشير إلى أن الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق جريمة كبرى في القرن ال 21. إذ أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الناس في بلد كان يعاني في السابق دمار المجتمع المدني فيه، بسبب العقوبات الأمريكية والبريطانية التي كانت تعتبر أشبه ما يكون ب «الإبادة الجماعية. فضلاً عن أن الغزو خلف ملايين اللاجئين، وحرض على الصراع الطائفي الذي يعانيه العراق وكذلك المنطقة بأسرها».
ويذكر أن استطلاعات وزارة الدفاع الأمريكية والبريطانية وجدت أن 3٪ فقط من العراقيين اعتبروا الدور الأمني للولايات المتحدة في أحيائهم تتسم بالشرعية، وأقل من 1٪ اعتقدوا أن «التحالف المكون من (الولايات المتحدة وبريطانيا) كان جيداً لأمنهم، في حين أن 80٪ منهم عارضوا وجود قوات التحالف في البلاد، والأغلبية دعمت الهجمات ضد قوات التحالف. ويؤكد أن الولايات المتحدة عانت من هزيمة قاسية في العراق، وتخلت عن الأهداف الرسمية للحرب، وغادرت العراق لتتركه تحت تأثير المنتصر الوحيد، إيران. كما يشير تشومسكي إلى الدور السلبي لكل من (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) في ليبيا، التي أصبحت مرتعاً للإرهاب، بعد أن أصبحت في حالة من الخراب والدمار، تعيث فيها الميليشيات المتحاربة فساداً.

نبذة عن المؤلف

نعوم تشومسكي: عالم في اللغويات واللسانيات، وفيلسوف أمريكي، من بين أبرز المنتقدين للسياسة الخارجية الأمريكية في العالم، وأكثر من يستشهد بآرائه في الكتب آخر مئة عام. نشر عشرات الكتب المؤثرة، والمقالات عن السياسة الدولية والتاريخ واللغويات. ومن بين كتبه الأخيرة: «أسياد البشرية»، و«آمال وتوقعات»، «واشنطن وفاشية العالم الثالث» بالتعاون مع إدوارد س. هيرمان.

 

تأليف: نعوم تشومسكي/عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

هل أصبحت الأجهزة الذكية حقاً أساسياً لأطفالنا؟

الاجهزة الذكية

وضع ضوابط من قبل الأهل يقلل مخاطرها

هل أصبحت الأجهزة الذكية حقاً أساسياً لأطفالنا؟

الهواتف حوّلت الأطفال إلى الجيل الأكثر جرأة في التاريخ
بإمكان الأهل استعادة السيطرة على أبنائهم رغم هيمنتها
التكنولوجيا التي تحتويها سرقت الأبناء من ذويهم
إدمان الشاشات ينشئ أشخاصاً سلبيين وجدليين
الهواتف الذكية منحت الأطفال القوّة لكن لا بدّ من المراقبة
"تانيت كاري" أمٌّ لفتاتين وكاتبة بريطانيّة ألّفت سبعة كتب حقّقت أعلى المبيعات؛ لأنّها تناولت فيها قضايا مُلحّة في مُحيط العائلة. وفي هذا الموضوع الذي نشرته صحيفة الديلي إكسبريس البريطانيّة، تسلّط الضوء كأمٍّ وكاتبة، على مسألة من الأهمية بمكان، وهي كيف يمكن للآباء والأمّهات البدء باستعادة بعض السيطرة على أبنائهم في ظلّ هيمنة واضحة للأجهزة الذكية على حياتنا بشكل عام.

تقول الكاتبة" كاري": كانت ابنتي "كليو"،11 عاماً، تضع يديها على خاصرتها، حينما باغتتني بنظرة تحدٍّ مطلقة، فقلت لنفسي من أكون حتى أوقفها، خصوصاً أنّها أرادت تحميل تطبيق جديد على آيفونها.. وقد حاولت أن أوضّح لها أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ ينطوي على مخاطر كبيرة إلا أنّني لم أجد تجاوباً منها. وحتّى حينما أخبرتها بأنّه يمكن لهذه الأجهزة أن تُستخدم في إرسال صور غير مُحترمة، أو أنّها وسائل غير آمنة، كل ذلك ذهب أدراج الرياح، ولم أستطع الوصول لشيء معها لكي تغيّر موقفها.

من الواضح أنّ الأمّ والكاتبة "كاري" تصرّ على أن تعمل الأسر ما بوسعها لوضع ضوابط على استخدام هذه الأجهزة لكن دون تجاهل خلق أطفال بشخصيات قويّة تستطيع مُمارسة حقوقها في مُجتمع يوجد فيه من لا يرحم.

حقّ أساسيّ

بعد خمس دقائق من الحوار المُحتدم مع كليو، لم تتوقف فيه عن التعبير عن غضبها بأنفاس عالية مسموعة، صرخت "كليو" قائلة إن جميع آباء صديقاتها يسمحون لهن بتحميل البرامج. وحينما كنت أراقب خطبة ابنتي أدهشتني بأجواء الدفاع عن رأيها واستحقاقها المطلق، كان من الواضح أنها توصلت لاعتقاد بأن امتلاكها للهاتف الذكي هو حقّ أساسيّ من حقوق الإنسان.

وبالنسبة لـ"كليو"، فإنّه لو تمّت الإشارة إلى خلاف ذلك فقد تنظر إليه كانتهاك لمُعاملة الأطفال. ولكن الأهمّ من ذلك كله فقد دُهشت، من أنه في الوقت الذي انتبه مجتمعنا إلى تأثيرات هذه الأدوات الذكية على الأطفال في الجوانب الجسدية كالإضرار التي تلحقها ببصرهم، والحد من لعبهم في الهواء الطلق، وأنها سبب رئيسي بزيادة مُعدّلات السمنة، حتى الآن لم نعترف بالتغيير الأكثر وضوحاً على الجميع، وهو أنها تحول أطفالنا ليكونوا الجيل الأكثر جرأة في التاريخ، حيث لا توجد ذرة احترام للكبار.

كلّ شيء بالأجهزة الذكية

ولا ننسى أيضاً أن العمر الذي بات يحصل فيه الأطفال على هذه الأدوات ما زال مُستمراً بالانخفاض، فقبل بضع سنوات كان عدد من يمتلك هاتفاً وهو في العاشرة، قليلاً، ربما الآن يمتلكه كثيرون ممن هم في سنّ الخامسة. كما أصبح أولادنا لا يعرفون أن هناك لحظة لا يكون فيها العالم كله في كفّ أيديهم.

في هذا الكون الافتراضي أصبحوا لا يحتاجون إلى استئذان الوالدين للقيام بأي شيء. ففي الوقت الذي كانوا فيه مجرد أن ينظروا للسماء يلتفتون إلينا، ويتساءلون: "ماما، لماذا السماء زرقاء؟" أصبح الآن يطلبون خدمات المعلومات للإجابة عن أسئلتهم عبر الصوت كما هو الحال مع تطبيق سيري الكثير التداول حالياً. كما أن انتشار بنوك الخدمات على الإنترنت، يجعل الآباء يدفعون مصروف الجيب، وهذا يعني أن الأطفال لم يعد ينتظرون للحصول على ما يريدون، بل يمكنهم شراء ما يريدون على الإنترنت.

منبر للتمرّد

علاوة على ذلك، أصبحت هواتفهم عبارة عن أنظمة ترفيه "كل في واحد"، حيث يمكن أن يحصلوا على ما يريدون من ترفيه عبر لمس زر التحكم في الصوت. كما أصبحت تمنحهم وسائل التواصل الاجتماعيّ منبراً للقيام بالشكوى من أي شيء، مُوضحين مدى صعوبة ما قاموا به.

ومع كل موعد يحين فيه الاحتفال بعيد الميلاد يمتلئ تويتر بشكاوى الألفاظ النابية من المراهقين الناقمين لأنهم لم يحصلوا على جهاز ذكي من اختيارهم تحت شجرة الزينة. وقد اشتكت فتاة لم تحصل على هدية مقنعة، قائلة: يا للعجب، كل ما حصلت عليه بعيد الميلاد كانت بطاقة تهنئة وعطوراً ونعالاً، إن أمي تعاني من مشكلة ما في تقديم الهدايا. وبالتالي فإن وسائل التواصل منبر للتمرّد.

قلة احترام

يقول عالم النفس الدكتور ليونارد ساكس إنه في غضون الـ 15 سنة كان هناك انخفاض ملحوظ باحترام الأطفال للبالغين. ويعتقد أن الآباء والأمهات يواجهون في الوقت الحالي "أزمة السلطة".

وقد ألف كتابه الجديد الذي حمل عنوان "انهيار الأبوة والأمومة" بعد أن شاهد صبياً عمره 10 سنوات يجلس ويلعب لعبة على هاتفه المحمول في غرفة الانتظار، حيث يتهيأ لإجراء جراحة له. وبينما كانت الأم تصف أعراض الصبي المرضية قال لها: اخرسي يا أمي، أنت لا تعرفين ما الذي تتحدثين عنه، لقد كان هذا أمراً غير عادي جداً في عام 1990 أو 2000. ومع ذلك، فإنه من الشائع الآن بالنسبة للأطفال والفتيات والفتيان، أن يكونوا عديمي الاحترام للوالدين، سواء لفظياً أو غير ذلك.

 موقف الآباء

ولكن في الوقت الذي استسلم فيه كثير من الآباء لحتمية الهواتف الذكية كنت (كأمّ) مُصممة على أنّ هذه السفينة لن تبحر في بيتي. لذا اتجهت إلى اختصاصية الأبوة والأمومة نويل جانيس-نورتون، مؤلفة كتاب" أكثر هدوء وسهولة وسعادة مع وقت للشاشة". وتقول الكاتبة نويل أصبح التعامل مع الأطفال والمُراهقين أكثر صعوبة؛ لأن معظمهم الآن لديهم مستوى معين من الإدمان على الشاشة التي يمكن أن تؤدي إلى تحولهم لأشخاص "متجهمين، وغير متعاونين وجدليين".

وقالت إنها مرت عبر أطفال من جميع الخلفيات ركلوا وضربوا آباءهم لإصرارهم على أن الوقت قد حان لإيقاف الأجهزة. وتقول نويل: إنهم يرون الآباء والأمهات أقل من أن يستحقوا الاحترام؛ لأن الإدمان أصبح الشيء المهم، وأن الدماغ يحتاج للمزيد من النشاط الإدماني، لذا فإنّ الأطفال سيجادلون ويلحون ويكذبون للحصول على مُبتغاهم. وتدعو نويل الآباء والأمهات لتولي المسؤولية واستعادة الهواتف، وذلك باستخدام وقت الشاشة كمكافأة يحصل عليها الأولاد. وتضيف نويل: إذا توجب على أطفالنا أن يعملوا للحصول على وقت الشاشة الخاص بهم فأنهم سيحترمون أجهزتهم، كما سيحترمونك.

الضوابط تأتي بنتائج كبيرة

في اليوم التالي أخذت ورقة من كتاب نويل وقلت لابنتي كليو، من الآن فصاعداً لن تحصل إلا على ساعة يومياً كوقت شاشة، وأنها ستضطر للعمل لكي تحصل على ذلك. وسيكون لدينا منطقة صمت للأسرة في الردهة، حيث يقوم الجميع، بما في ذلك الكبار، بترك هواتفهم بمجرد أن يدخلوا البيت.

وبعد ذلك قمت باختيار أربعة أنواع من السلوكيات وطلبت من كليو أن تغيرها، بما في ذلك التحدث بأدب وإكمال فروضها بسرعة. وبالتالي يمكنها كسب 15 دقيقة من وقت الفراغ على هاتفها لكل سلوك جيد، أي ما مجموعه 60 دقيقة. وكما توقعت نويل، لقد أغضب ذلك كليو في البداية، واشتكت بأنه لا تعرف أحداً مُورست عليه هذه الحدود الصارمة.

وتمسكت كأمّ بمطالبي لعلمي بأنها تستحق ذلك لأجل استعادة ابنتي إلى السلوك القويم الذي كانت عليه ذات يوم، لاسيما أنني أعرف طبيعتها كطفلة جذابة ومجدة. وفي هذا الصدد تقول نويل: عندما تفرض قيوداً على الأطفال والمراهقين ابتسم أكثر، لأن ذلك يؤمن أفضل اتصال بواسطة العين ويهيئ الانخراط بمحادثات أكثر إثارة للاهتمام. وتضيف: إنهم ينامون أفضل عندما لا يستخدمون أجهزتهم قبل النوم، وسينهضون بسرعة وبحالة مزاجية أفضل صباحاً، وهذا يعني مشاجرات أقلّ.

وفي الواقع، مع بدء سريان الضوابط أصبحت كليو أكثر سعادة وأقل حدّة في تعاملها وأقلّ انزعاجاً مما يقوله أصدقاؤها على وسائل التواصل الاجتماعي. وبدأت أيضاً تفعل أشياء أخرى، مثل النزول من غرفتها وتناول العشاء من تلقاء نفسها بدلاً من اختلاق الحجج. والملاحظ أن ثمة علاقة جديدة أفضل نشأت مما اعتدنا عليه، وهذا دليل على أنه رغم أن الهواتف الذكية وجدت لتبقى، فنحن كآباء وأمهات يجب ألا نستسلم للوقاحة وقلة الانضباط والشقاوة قبل كل شيء.

 

ترجمة – كريم المالكي

إنسانية المصالح!

انسانية المصالح

 

الأيام دول وتدور على الجميع الصغير والكبير وجميع الكائنات، هذه الأيام ودورانها.. تعز من تشاء وتذل من تشاء.. وترسم بحروف القدر أوضاع ومواقف وسيناريوهات لم تخطر على عقل بشر!
يوم يملك الإنسان سلطة ونفوذ ومسؤولية وهي دون شك اختبار وامتحان لكرسي وقلم لا يملكه غيره ممن معه، وبين يوم وليلة تسحب السلطة والنفوذ وملكية اتخاذ القرارات لتذهب لغيره ويكون اسما في سجل التاريخ بخيره وشره!!
يعود ذلك الإنسان، دون مسؤولية اتخاذ القرار والنفوذ والقدرة على الوصول لكافة الأبواب المشرعة!!
تتوارى كل الأصوات والوجوه والابتسامات والمجاملات والأقنعة بعيدا كحلم وسراب.. إلى أن يختفوا تدريجيا ولا يكون لهم وجود ومكان ولا ذكرى إلا ما حملته تلك الأيام من وجودهم ورحيلهم!!
لا يعي الإنسان الدروس والتجارب التي تقع لغيره، لا يعي معنى أنه اليوم موجود ومتحرك على هذه الأرض الدوارة.. وفي الواجهة والإعلام مع الامتيازات والاستثناءات والاهتمام والشهرة وغيره من مزايا.. وبين ليلة وضحاها يصبح تاريخا واسما عبر ذلك الطريق والمكان واسمه يشغل بال البشر ليكون بعدها بدهاليز النسيان!!
لا يعي الإنسان أن الله سبحانه وتعالى عندما يختاره لوظيفة وعمل ومنصب ومكان وكرسي وقلم..فقد اختاره لينفع غيره من الناس لا أن يكون سكينا حادا يؤلم بقراراته وكلماته وتصرفاته!
لا يعي الإنسان حقائق كثيرة تحدث حوله في ظل بهرجة وزينة وصيت منصب وأضواء مكان وضحكات والتفات وحضور بشر بأشكال أقنعة ونفاق!!
تغيب معاني الإنسانية عن بعض العقول والقلوب، ولا تعرف معنى الوفاء ومعنى التواصل ومعنى أثر قول كلمة طيبة.. في موقف أثر الكلمة يفوق كثيرا من المواقف والدواء! يبخلون بمفردات ينطقونها أو يكتبونها أو حتى يرسلونها أو بنيات طيبة يرسلونها للسماء!!
عندما تغيب المصالح تغيب معها الإنسانية ومعنى التواصل في كل أشكال العلاقات.. قرابة، زمالة، عمل وصداقة تقف حدود مفرداتها ومعانيها عند وجود المصلحة!!
عقول بعض البشر تقف عند حدود مصلحتها لا تحاول أن تتجاوز بفكرها وقراراتها لما فيه مصلحة الآخر! للأسف يطغى الحسد والغيرة والحقد والقيل والقال ليصبغ كثيرا من العلاقات والقرارات وتشكيل العلاقات!! تغيب المهنية والإنسانية والبحث الحقيقي والموضوعي بعيدا عن الأهواء والأمزجة في رسم العلاقة وإنصاف الغير!!
وجوه تكون قريبة وبينها ميثاق ثقة وأمانة.. وفجأة تمزق تلك المواثيق وتنثرها بعيدا دون سبب واضح ومنطقي إلا بسبب الفتنه والنميمة ونقل الكلام!!
تمر بالإنسان ظروف ومواقف عديدة.. تتفاوت بين ظروف خارجة عن إرادته قضاء وقدرا ويكون لها التسليم والرضا والصبر لأنها اختبار وابتلاء من الله سبحانه وتعالى، ومواقف وظروف بسبب غيره وتدبيرهم وهو الظلم.. وظلم الإنسان للإنسان!! ينسى ذلك الإنسان المتسلح بقوة هشة زائلة تسمح له بظلم العباد أن رب العباد عينه لا تنام يرى ويسمع ويعلم ما لا نعلم.. وهو شديد الانتقام..
آخر جرة قلم: كل من عليها فان.. ولن نحمل معنا مالا ولا جاها ولا منصبا ولا ذرة من تراب إلا العمل الصالح والخلق الحسن والكلمة الطيبة التي تملأ الميزان وما يسبقنا من كتاب.. سجل فيه صغير وكبير تحركنا وعملنا وقولنا والأهم ما حملته نياتنا.
نسأل الله أن نحمل كتابنا باليمين.. ولا يكون لنا حقوق للغير بظلم بسيط بسلب حرف وقلم لا أن يكون بظلم سلب حقوق وغياب رحمة وخلق وتعامل وغياب معنى الإنسانية وقول كلمة حق وإنصاف الغير.
الإحساس بالغير وتقدير ظروفهم نعمة ومعنى كبير لا يصدر إلا من قلب كبير ورحمة من الله يسكنها قلوب من يشاء من عباده، من غابت الرحمة من قلوبهم والإحساس بالغير عن مشاعرهم ليتفقدوا أين ذهبت قلوبهم ولما ران عليها بقسوة وظلم في زحمة انشغالهم!
ليتفقدوا ضمائرهم أين غابت تحت أسنة الأقلام أو بين الملفات وتراكم الأوراق أو غابت في الأدراج وزحمة الوجوه والناس!.

بقلم : سلوى الملا

المال الأسود

المال الأسود

 

تتكرر الكثير من الأسئلة عن حالات عدم المساواة في الولايات المتحدة، والفئات المتحكمة التي تؤثر في الكثير من القرارات السياسية الأمريكية. يحاول هذا العمل تحليل ذلك عبر تناول الواقع السياسي الأمريكي الفاسد، وكيفية إنفاق المال السياسي وتأثيره في مستقبل الديمقراطية الأمريكية التي باتت على المحك فيما يبدو، ويقف عند ما يحدث من وراء الكواليس في العمليات الانتخابية بالولايات المتحدة، وكيفية تشكل تحالفات اقتصادية سياسية في الخفاء، تهدف إلى الحفاظ على مصالح قلة من المتنفذين، وكيفية دعم صعود اليمين المتطرف على حساب القيم الأمريكية.
لماذا تعيش الولايات المتحدة الأمريكية في عصر من عدم المساواة الاقتصادية العميقة؟ وعلى الرغم من الحاجة الماسة للتصدي لقضية تغير المناخ، لماذا نجد جهود الناشطين البيئيين المتواضعة قد تعرضت لنكسات مراراً وتكراراً؟ لماذا لم يعد هناك من حماية للموظفين؟ لماذا يدفع أصحاب المليارات ضرائب أقل بكثير من العاملين من الطبقة الوسطى؟ الجواب التقليدي هو أن انتفاضة شعبية ضد «الحكومة الكبيرة» أدت إلى صعود حركة محافظة ذات قاعدة عريضة، ولكن تظهر الكاتبة والصحفية الاستقصائية جين ماير في هذا السرد التاريخي، شبكة من الأشخاص بالغي الثراء لهم وجهات نظر تحررية متطرفة يموّلون خطة ممنهجة خطوة بخطوة لإحداث تغيير جذري في النظام السياسي الأمريكي.
تعتقد هذه الشبكة التي تتكون من أغنى الناس على هذا الكوكب، بشكل راسخ أن الضرائب هي شكل من أشكال الاستبداد، وأن الرقابة الحكومية على الأعمال التجارية هي عملية اعتداء على الحريات. وهذا الاعتقاد نشأ عن الدور الحكومي في وجه المصالح الشخصية لهم ومصالح شركاتهم، خاصة أن العديد من هذه الشركات تعمل بشكل يتناقض مع قوانين التلوث الاتحادي، وتخالف القوانين المتعلقة بسلامة العمال، والأوراق المالية، وقوانين الضرائب وغيرها.

فلسفة سياسية

الشخصيتان الرئيسيتان في الشبكة، هما الأخوان تشارلز وديفيد كوك، ابنا المهندس الكيميائي ورجل الأعمال الأمريكي فريد سي. كوك (1900-1967) مؤسس شركة «صناعات كوك» الذي جمع ثروته بشكل جزئي من بناء مصافي تكرير النفط في روسيا زمن ستالين وألمانيا أثناء حكم هتلر. وكان فريد كوك في وقت لاحق من الأعضاء المؤسسين لجمعية «بيرش جون» التي اتسمت بأنها يمينية راديكالية معادية للشيوعية، لدرجة اعتقادها أن الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور شيوعي في سياساته. وترى الكاتبة أن الأخوين كوك تربيا على فلسفة سياسية أكدت لهما أن الدور الوحيد للحكومة هو توفير الأمن وإنفاذ حقوق الملكية.
وتشير إلى أنه عندما أثبتت الأفكار التحررية التي كانا يناديان بها، أنها لا تحظى بشعبية لدى الناخبين بشكل قطعي، اختار الأخوان كوك وحلفاؤهما مساراً آخر، حيث جمّعوا مواردهم الهائلة، التي يمكنهم من خلالها تمويل مجموعة متشابكة من المنظمات التي يمكن أن تعمل بشكل متناسق للتأثير والسيطرة في نهاية المطاف على المؤسسات الأكاديمية، ومراكز الأبحاث، والمحاكم، المجالس الحكومية، والكونغرس، وكانوا يأملون، في التأثير في الرئاسة.
أجرت جين ماير في كتابها هذا الصادر حديثاً عن دار «دووبلدي» الأمريكية في 464 صفحة من القطع المتوسط، مئات المقابلات خلال خمس سنوات، من بينها عدة مصادر داخل الشبكة، والسجلات العامة، والأوراق الخاصة، وإجراءات المحاكم في الإبلاغ عن هذا الكتاب. وفي سرد مقنع، تتبع الكاتبة كيفية إنفاق مليارات الدولارات من قبل الشبكة، وتقدم صوراً حية من الشخصيات المتلونة وراء الأوليغارشية الأمريكية الجديدة.
ويأتي الكتاب في ثلاثة أقسام أساسية بعد المقدمة وهي: «تسليح العمل الخيري: حرب الأفكار 1970-2008»، وينقسم إلى خمسة فصول، أما القسم الثاني فهو بعنوان «رعاة سريون، عمليات خفية 2009-2010» وينقسم إلى أربعة فصول، ويحتوي القسم الأخير بعنوان «خصخصة السياسة: المعركة الإجمالية 2011-2014» على أربعة فصول.

الاستثمار في الحملات السياسية

تشير الكاتبة إلى أنه كانت سنة 1980 سنة من الأمل للمحافظين في أمريكا، ولكنه تضاءل بعد سنوات من الفشل المستمر على مستوى القاعدة الشعبية. فالجمهوريون لم يحكموا أياً من المجلسين (الشيوخ والنواب) في الكونغرس، أو الأغلبية في المجالس التشريعية للولايات، لمدة ربع قرن. لكن في نهاية ذلك العام حدث شيئان. أحدهما تم انتخاب الجمهوري رونالد ريغان رئيساً للبلاد. والآخر كان حدثاً خاصاً تماماً لم تظهر أهميته على مدى سنوات. إذ قرر الأخوان تشارلز وديفيد كوك، من مقرهما في كانساس، إنفاق مبالغ ضخمة من المال لانتخاب المحافظين في جميع مستويات الحكومة الأمريكية. ترشح ديفيد كوك لمنصب نائب الرئيس الأمريكي عن الحزب الليبرتاري في عام 1980، ولكن عندما انتهت الحملة، قال إنه مصمم على عدم السعي إلى وظيفة عامة مرة أخرى. وهذا لم يكن مهماً، لكن خلص هو وأخوه إلى أنهما يمكن أن يستثمرا في حملات الآخرين، ويشتريا طريقهما إلى السلطة السياسية.
وتشير إلى أنه بعد ثلاثين عاماً، بشّرت الانتخابات النصفية لعام 2010 باقتراب النظام السياسي الذي قضى كوك سنوات عديدة بالتخطيط لجلبه. وبعد التصويت في تلك السنة، سيطر الجمهوريون على المجالس التشريعية للولايات، وكانوا يسيطرون على أغلبية واضحة للحكام، وقد حصلوا على أحد مجلسي الكونغرس وكانوا في طريقهم للفوز بالآخر. ولعل الأهم من ذلك، كان عدداً لا بأس به من الجمهوريين الذين فازوا بهذه المناصب من البراغماتيين الذين لا زالوا في منتصف طريقهم. كانوا ليبرتاريين مناهضين للحكومة من نفس الخط السياسي للأخوين كوك اللذين أنفقا مئات الملايين من الدولارات لجعل الأغلبية على صورتهما التي يريدانها. وقد نجحا في ذلك. ليس فقط في الانتخابات، بل أنهما ساعدا على تمويل وتنظيم شبكة متشابكة من مؤسسات الفكر والرأي والبرامج الأكاديمية ووسائل الإعلام التي تجاوزت بكثير المعارضة الليبرالية.
حاولت الكاتبة خلال إعداد العمل التحدث إلى تشارلز أوديفيد كوك، لكنهما رفضا التحدث إليها، كما لم تستطع الوصول إلى أهم الشخصيات في هذه الشبكة السياسية. ولكنها في الوقت ذاته وصلت إلى مئات من المصادر التي أرادت التحدث، وهم من نشطاء حملات المحافظين لفترة طويلة، وشركاء الأعمال ومعارضين سياسيين وخبراء التمويل السياسي.

خطف الديمقراطية

تعتقد الكاتبة جين ماير أن الأخوين كوك وحلفاء لهما من الطبقة الثرية المتنفذة خطفوا أساساً الديمقراطية الأمريكية، وذلك باستخدام أموالهم ليس فقط للتنافس مع الخصوم السياسيين، بل لإغراقهم. وفي رأيها، خلق الأخوان كوك وحلفاؤهما بنكاً سياسياً خاصاً يستطيع منح وإنفاق كميات غير محدودة من المال على المرشحين المفضلين، ويتم عمل ذلك بشكل عملي من دون الكشف عن هوية المصدر.
وتلقي ماير أيضاً بعض الضوء على المتواطئين مع الأخوين كوك الذين ساعدوا على بناء الحركة التي تنتشر إلى أبعد من السياسة الانتخابية. ومن بينهم ريتشارد ميلون سكيف، وارث ثروة مصرفية هائلة، وكان حضوره المالي وراء مؤسسة التراث. وأيضاً جون. م. أولين، الذي كانت شركة عائلته الكيميائية المستفيد الأكبر من مشتريات الأسلحة الاتحادية، ركز على استحداث وظائف لأعضاء هيئة التدريس للمحافظين في الجامعات العريقة. والأخوان هاري وليند برادلي، اللذان استخدما الإيرادات من اندماج شركتهم العائلية للإلكترونيات مع روكويل الدولية لتمويل مجموعة كاملة من مشاريع النشر والبحوث. ولكن الهدف الرئيسي كما توضح الكاتبة هو الفوز في الانتخابات.
وتشير الكاتبة إلى أن كل هذه المنظمات والجهات المانحة كانت تروج أيضاً لعقيدة السوق الحرة، والسير وفق ما أعلنه تشارلز كوك في التسعينات «مبادئ السوق غيّرت حياتي». وتجد الكاتبة أن هذه الإيديولوجيا تساعد على تفسير واحدة من أهم حملات كوك في السنوات الأخيرة وهي: الكفاح من أجل منع اتخاذ إجراءات ضد تغير المناخ. وكانت مجموعة «أمريكيون لأجل الازدهار» في طليعة الجماعات المعارضة لفرض إجراءات تتعلق بتغير المناخ على مدى العقد الماضي. وعندما تولى الجمهوريون مجلس النواب في عام 2011، ضغطت مجموعة «أمريكيون لأجل الازدهار»، على المشرعين لدعم عدم فرض ضريبة متعلقة بالمناخ.

المال السياسي

توضح الكاتبة أن القصد من وراء دفاع الأخوين كوك الشرس عن أفكار السوق الحرة، هو من منطلق الحفاظ على المصلحة الذاتية، حيث إنهما استثمرا أموالهما في الكربون، وأي ضريبة على الأمر يمكن أن تتسبب في تأثير كبير في تجارتهما، خاصة أن «صناعات كوك» تعد واحدة من أكبر منتجي النفايات السامة في الولايات المتحدة، ودخلت في قضايا قانونية وقضائية متعلقة بنشاطاتها التلوثية، حتى إنها دفعت عشرات الملايين من الغرامات لتسوية هذه الحالات. هنا تبين الكاتبة أن الأخوين كوك وحلفاءهما من خلال تمويل الشبكة السياسية التي تحقق مصالحهما، يحافظون على ثرواتهم، ويضمنون عدم إصدار قوانين ضد مصالحهم الفعلية.
تشير أيضاً إلى أنه مع المال السياسي، لا توجد وسيلة سهلة لتحديد أين تنتهي الأيديولوجية؟ وأين تبدأ المصلحة الذاتية ومسألة الفساد؟ وتقف ماير عند العديد من القضايا في التاريخ الأمريكي لضمان الحفاظ على المصالح وإسكات الخصوم. إلا أنها على العموم بذلت جهداً كبيراً في هذا العمل، التي تتوقف فيه أيضاً عند حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أنفق 66 مليون دولار من ثروته ليتم انتخابه، وسار في خط معاكس ل«وول ستريت»، وهو كسياسي دعم نفسه بأمواله من دون الحاجة إلى أصحاب الثروات.
يحتوي هذا العمل على تفاصيل كثيرة أيضاً تتعلق بالعلاقات الاستخباراتية مع التكتلات الاقتصادية السياسية، وكيفية استخدام المال السياسي بطريقة من شأنها أن تهدد القيم الديمقراطية الأمريكية، وتساهم في التأثير في العديد من القرارات المصيرية في عدد من القضايا التي تهم الأمريكيين أولاً والبشرية بشكل عام.

نبذة عن الكاتبة:

جين ماير كاتبة صحفية استقصائية أمريكية، تعمل لصالح مجلة «نيويوركر»، وهي مؤلفة لثلاثة كتب تعد من الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية وهي: «تدمير الرئيس 1984-1988»، مع دويل مكمانوس، و«العدل الغريب: بيع كلارنس توماس»، مع جيل أبرامسون.
وكتابها «الجانب المظلم: كيف تحوّلت الحرب على الإرهاب إلى حرب على المثُل الأمريكية» حيث منحت زمالة «غوغنهايم» لأجله، كما كان هذا الكتاب من بين عشرة كتب أكثر مبيعاً على قائمة صحيفة «نيويورك تايمز».
وحصلت جين ماير على عدد كبير من الجوائز الصحفية من بينها جائزة «ج.أنتوني لوكاس للكتاب»، وجائزة «غولدسميث للكتاب»، وجائزة «إدوارد وينتال»، جائزة «ريدنهاور»، وجائزة «هيلين بيرنشتاين لمكتبة نيويورك العامة للتميز في الصحافة»، وجائزة «روبرت كينيدي للكتاب». كما كانت من بين المرشحين النهائيين لجائزة الكتاب الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية. تعيش ماير في واشنطن العاصمة.

 

تأليف: جين ماير
عرض وترجمة: نضال إبراهيم