سياسة أوروبا اليومية

سياسة أوروبا اليومية

كيف تبني السلطات السياسية الدعم لنفسها، وحكمها؟ في الحقيقة، القيام بذلك أمر مهم لإحقاق السلطة على أرض الواقع، لكنه لا يخلو من الصعوبات والتعقيدات، خاصة في اتحاد أوروبي يضم العديد من الدول المتنوعة بلغاتها، وأعراقها، وأفكارها. تقف المؤلفة كاثلين ر. ماكنمارا في عملها الجديد هذا، على تفاصيل السياسة اليومية في أوروبا، وكيفية بناء السلطة الفعلية في الاتحاد الأوروبي، التي يمكن أن يكتب لها العمر الطويل وسط التحديات الكبرى.
يوضح هذا الكتاب (الصادر في 224 صفحة باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد)، كيف يمكن للعمليات الاجتماعية أن تشرعن حكاماً جدداً، وتجعل ممارسة سلطتهم تبدو طبيعية. تاريخياً، استخدمت السلطات السياسية الرموز والممارسات بعناية لخلق بنية تحتية ثقافية للحكم، وعلى الأخص عبر القومية وبناء الدولة.
اليوم، يواجه الاتحاد الأوروبي، بوصفه شكلاً جديداً من أشكال الحكم، مجموعة من التحديات الحادة. ومع ذلك، فإن التحول البطيء في رموز وممارسات الحياة اليومية، جعل الاتحاد الأوروبي السلطة السياسية «التي تمت الموافقة عليها»، فأوجدت نوعاً معيناً من الهوية الأوروبية المشتركة. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد دولة قومية. وبدلاً من ذلك، نجد أن البنية التحتية الثقافية للاتحاد الأوروبي متجذرة في نوع معين من السلطة «العادية» التي تتنقل إلى الولاءات الوطنية، في الوقت الذي يتم تصوير الاتحاد الأوروبي فيه على أنه مكمل للهويات المحلية، وليس في صدد منافستها. وتشير الكاتبة إلى أنه كثيراً ما يتم تهميش الملصقات والخرائط الذهنية والروايات التي تولدها سياسات الاتحاد الأوروبي، ويتم تطهير ارتباطاتها بسلطات الدولة القومية، وتوحيدها في حالة من الغموض التي لا تبدو موضع اعتراض.
ومن خلال الأخذ بنهج تنمية سياسية جديدة، يساعدنا هذا الكتاب على فهم كل من شرعية الاتحاد الأوروبي، كممثل ناشئ جديد، والحدود المحتملة للعمليات الثقافية التي أرساها. يأتي الكتاب في ثمانية أقسام موزعة كالتالي: 1- المقدمة. 2- بناء الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية. 3- تقنيات البناء الثقافي. 4- المباني والأغاني. 5- المواطنة والتنقل. 6- اليورو والسوق الموحد. 7- السياسة الخارجية الأوروبية. 8- الخاتمة.

الثقافة السياسية الأوروبية

تتحدث الكاتبة في مقدمة العمل عن الأدبيات المتعلقة بالتنمية السياسية المقارنة، ودور الرموز والممارسات في خلق الثقافة السياسية الأوروبية، التي يمكن أن تساعد في الكشف عن العمليات الاجتماعية اليومية التي تضفي الشرعية على الاتحاد الأوروبي. كما تلقي المقدمة الضوء على الحجج الرئيسية للكتاب، وتحديداً فكرة إنشاء بنية تحتية ثقافية للحكم عند الضرورة لتجنيس السلطات السياسية الجديدة، وتوليد الهوية السياسية، وتوضح الكاتبة كيف نشأ هذا في حالة الاتحاد الأوروبي. وتخلص المقدمة إلى مناقشة الاستراتيجيات المنهجية لدراسة الثقافة.
ومما تقوله الكاتبة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في بقية الدول في الاتحاد: «استفتاء التصويت الذي حدث في 23 يونيو/حزيران 2016 من قبل المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، يمثل رحيلاً مذهلاً من طريق لا مفر منه على ما يبدو للاتحاد، حيث يظهر أقرب من أي وقت مضى. أغلبية المصوتين في المملكة المتحدة فضلت الخروج من الاتحاد على الالتزام بالعضوية المستمرة في الاتحاد الأوروبي، وهذا الاختيار أطلق فترة لا مثيل لها من الشك والمجهول بالنسبة لمستقبل واتجاه المشروع الأوروبي، في الوقت الذي تستمر فيه الملامح الدقيقة للخروج بالتطور. ومع ذلك، فإن الخروج البريطاني هو أبعد ما يكون عن التحدي الأساسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم. فأمواج اللاجئين التي تجرفها البحار إلى شواطئ إيطاليا واليونان تصاعدت في صيف 2015، منتجة بذلك أزمة إنسانية، مع تقديم القليل من الحلول في الأفق.
في تلك الأثناء، تستمر التوترات ضمن منطقة اليورو، مع برامج التقشف، وتخفيض الإنفاق التي تنتج أزمة طاحنة في اليونان، ونمواً مشوهاً بشكل ضار عبر أغلب أوروبا الجنوبية. «ويبقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي بظلاله ليهدد أوروبا، مع خوف العديد من توغل أكثر للقوات الروسية إلى ما وراء منطقة أوكرانيا. وفي النهاية، شهد الاتحاد الأوروبي صعود الأنظمة الأوتوقراطية ضمن حدوده، حيث تبدو التطورات الأخيرة في هنغاريا وبولندا أنها تقلص التماسك الديمقراطي في النطاق السوفييتي السابق، خالقة بذلك تحدياً أساسياً للاتحاد الأوروبي كنظام ديمقراطي ليبرالي».
وتضيف: «كل هذه الأزمات التقت مع ما يبدو أنها استجابات غير فعالة من قبل الاتحاد الأوروبي، وقادته القوميين، والإحباط والغضب الذي اعترى الجمهور الأوروبي. وبشكل غير مفاجئ، نمت الأحزاب المشككة في اليورو أضعافاً مضاعفة، وطالبت بإعادة فرض السيادة الوطنية على كل من الحدود والأسواق. وفي الوقت الذي تعثر فيه الاتحاد الأوروبي بشكل سيئ في العديد من النقاط خلال فترة وجوده في نصف قرن من الزمن، وخطورة وتعدد التحديات التي يواجهها اليوم لم يسبق لها مثيل».

البناء الاجتماعي والثقافي

يوضح الفصل الأول من الكتاب أهمية «البنية التحتية الثقافية» في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية. ويوضح أن علينا فهم الثقافة كعملية دينامية مكونة من معنى تشكّل بين مجموعة محددة من الناس الذين يشتركون في الهويات الجماعية المستمدة من هذه الثقافات والتفاعل معها. ثم يربط الفصل بين الثقافة والهوية بالسياسة، استناداً إلى المفاهيم بما في ذلك المجتمعات المتخيلة لوصف التأثير السلبي للقومية وغيرها من مساعي صنع الأساطير، ويشير إلى أننا بحاجة إلى النظر في الاتحاد الأوروبي في ضوء ذلك. كما يوضح الفصل الآليات المحددة التي تخلق الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية، وتحدد آليات أساسية للبناء الاجتماعي في مجال الرموز (كتمثيل جماعي) والممارسات مثل (التجارب المعيشة، والإنجازات، والتفاعل مع العالم المادي).
على مر التاريخ، نشرت الجهات الفاعلة السياسية الماهرة مجموعة متنوعة من التقنيات السياسية المجربة والحقيقية التي غالباً ما كانت تنطوي على التصنيف والفئوية، لتوليد سلطة شرعية للحكم.
ويتساءل هذا الفصل ما هو المحور المحدد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي على هذه العمليات الاجتماعية؟ ثم يحدد التقنيات الخاصة للبناء الثقافي التي تؤسس الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية وطبيعية مسلم بها، حتى إن كان من الممكن الاعتراض على أفعالها وسياساتها. فالعمليات المنتشرة لوضع العلامات ورسم الخرائط والروايات العامة تصنع المعاني وتشكّل تفسير التجارب اليومية لأوروبا بطرق مترابطة منطقياً على الصعيد السياسي. إلا أن الاتحاد الأوروبي ينشر ثقافته الخاصة في مجال الحوكمة مع تحقيق توازن دقيق بين الرموز والممارسات الأوروبية والوطنية، والتخلي عن المشروع نفسه كسلطة سياسية محظورة.
ويعرض الفصل الرابع البرامج الثقافية للاتحاد الأوروبي، ويستخدم أمثلة عن العمل الذي تقوم به السياسات الثقافية من أجل إظهار كيف أن هذه الأنشطة تساعد على تجنيس وتشريع السلطة السياسية الأوروبية. غير أنه يحذر على العموم من أن معنى المنتجات والخبرات الثقافية المحددة لم يخضع لأي سيطرة على الإطلاق من قبل أي فرد، أو بيروقراطية، أو شركة، ما يجعل المنتجات والخبرات الثقافية مجالاً محتملاً ينطوي على مخاطر بالنسبة للأنشطة الرمزية. ويتم فحص جغرافية الحوكمة من خلال العمارة العامة للاتحاد الأوروبي، وبناء المساحات ونماذج من بروكسل. كما يتطرق إلى الساحة الثقافية الثانية في مسابقة الأغنية الأوروبية وخلق الأوروبيين. ويركز الجزء الأخير منه على تبني الاتحاد الأوروبي وجهوده لإعادة اختراع الرموز القومية، خاصة في النشيد الأوروبي «نشيد الفرح».

المواطنة والتنقل

يبدأ الفصل الخامس بمناقشة موجزة عن السبب الذي يجعل الحدود والتنقل والمواطنة تنطوي على ديناميات ثقافية، ثم يقدم لمحة عامة عن تاريخ السياسة في هذا المجال. ويعاين الفصل عن قرب الآثار الرمزية والعملية للمواطنة الأوروبية كتصنيف قانوني، وجواز السفر الأوروبي، وإعادة تأطير تعليم التاريخ عبر الاتحاد الأوروبي من الدولة القومية إلى رؤية مناصرة لأوروبا. كما يتوقف عند أهمية ممارسة التنقل في منطقة شينغن الحرة، وبرنامج إيراسموس، والتغيرات الأخرى في الرموز اليومية، وتجارب التنقل الأوروبي التي ترتبط أيضاً بالسلطة السياسية للاتحاد الأوروبي. وتقول الكاتبة: «النمط العام الذي يبرز هو بناء نوع معين من المجتمع المتخيل من الأوروبيين، يميل بخجل نحو الدولة القومية، في حين يستعين بشكل متحرر من تقنيات مجرّبة وحقيقية لبناء الأمة».
ويرى الفصل السادس أن الأسواق هي مواقع ثقافية، وليس أكثر من أي مكان آخر، خاصة على اليورو ومشروع السوق الواحدة. وبعد إبراز التطور التاريخي بإيجاز، تبرز الكاتبة مختلف الرموز والممارسات الكامنة في هذه المشاريع. ويصف الفصل كيف أن اليورو والسوق الواحدة -بعيداً عن التأثيرات المادية المهمة – يخلقان «أوروبا الخيالية» للمواطنين من خلال العمليات الاجتماعية لوضع العلامات، ورسم الخرائط، والروايات العامة، على سبيل المثال مع صور أيقونية لليورو، أو إنشاء «سي»، أو فئة «سوسيتاس يوروبايا» للشركات الأوروبية. وكما هو الحال مع التجربة التاريخية للدول القومية، فإن هذه العمليات تعمل على شرعية نقل السيادة بشكل كبير، على الرغم من أنها تفعل ذلك باستخدام استراتيجيات توطين أوروبا في محاولة لجعل أنشطة السوق في الاتحاد الأوروبي تبدو أقل تنافسية من الناحية السياسية.

السياسة الخارجية

يبدأ الفصل السابع بمناقشة دور الثقافة في السياسة الخارجية، كما يستعرض التطور التاريخي المدهش للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ويسلط الضوء على بطء إضفاء الطابع المؤسسي على القدرات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي وكذلك على التنسيق الأمني له. وتشير الكاتبة إلى فهرسة الرموز والممارسات التي تصنف السياسة الخارجية الأوروبية، وترسم خريطة لها وترويها، وهي: البناء القانوني للاتحاد الأوروبي ككيان سيادي، وتعيين دبلوماسيين أوروبيين في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، ووضع استراتيجية أوروبية كبرى، (وإن كان متداخلاً دائماً ضمن بعثات الناتو وبعثات الأمم المتحدة). وتشير المؤلفة إلى أن المعاني الناتجة عن السياسة الخارجية الأوروبية تشكل جزءاً أساسياً من إنشاء مجتمع أوروبي متخيّل بشكل أوسع، لكنها تظهر أيضاً أنه مجتمع يعاني قيوداً ونواقص مضمنة بشكل كبير.
وفي ختام العمل تلقي الكاتبة نظرة عامة على محتوى الكتاب، وتنظر في نتائج ما تطرحه على مستقبل أوروبا. وتقول إنه «على الرغم من أن رموز وممارسات الحياة اليومية قد خلقت نوعاً من الشرعية للاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتم التعامل مع سلطتها بشكل متسامح، وليس بدافع حب الأوروبيين له. وقد أظهر فشل الدستور الأوروبي في عام 2005 قيود السلطة الضعيفة للاتحاد الأوروبي، وهشاشة المظهر الزائف للتكامل لديها مع الدولة القومية. كما أن أزمة منطقة اليورو ومشاعر الإقصاء الاجتماعي الأوسع، تفرضان تسييساً جديداً للاتحاد الأوروبي». ويخلص الكتاب إلى أن التنافس الأكثر انفتاحاً وشفافية وتوجيهاً بشكل فعّال، هو الذي يكون مدعوماً ببنية تحتية ثقافية من شأنه أن يسمح بالصراع العلني للقيم السياسية التي حدّدت حلقات تاريخية سابقة من التطور السياسي، وهو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية الدائمة على الاتحاد الأوروبي.

نبذة عن المؤلفة

كاثلين ر. منمارا، أستاذ مشارك في الخدمة الحكومية والخارجية، ومديرة مركز مورتارا للدراسات الدولية بجامعة جورج تاون. وهي كاتبة «عملة الأفكار: السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي» (كورنيل ونيفرزيتي بريس، 1998)، وشاركت في تحرير كتاب «صنع التاريخ: التكامل الأوروبي وتغيير المؤسسات في الخمسينات» (مطبعة جامعة أكسفورد، 2007)، ونشرت العديد من المقالات عن سوسيولوجية الاتحاد الأوروبي، والاقتصاد السياسي الدولي، والخدمات المصرفية المركزية، ودور الأفكار والثقافة في صنع السياسات. حاضرت ماكنمارا في جامعة برينستون وساينس بو (باريس)، وكانت باحثة زائرة في مؤسسة راسل ساجا، وزميلاً في صندوق مارشال الألماني، وزميلاً فولبرايت. وهي مشاركة في مجموعة متنوعة من مجموعات السياسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وهي عضو في مجلس العلاقات الخارجية. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، وبكالوريوس من جامعة مكغيل الكندية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

 

إن تطوير مشاريع بنى تحتية مجدية أمر صعب ومضن في أفضل الظروف. لقد علمتني الحياة خلال السنوات القليلة الماضية أن تطوير هذه المشاريع في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ربما يكون أشد صعوبة. ولهذا السبب بصورة رئيسة التحقت بفريق العمل الصغير والمتفاني التابع للبرنامج العالمي للبنية التحتية.
يتطلع البرنامج العالمي للبنية التحتية، الذي أنشئ قبل عامين فقط إلى اجتذاب التمويل الخاص لمشاريع البنية التحتية في تلك البلدان التي تكون في أمس الحاجة إليه. وهو يشكل منبرا يمكن للحكومات من خلاله التعاون مع المؤسسات المالية الدولية ومستثمري القطاع الخاص في تصميم هذه المشاريع المعقدة وتنفيذها. وهذه المشاريع تتمتع بإمكانات كبيرة إذ يمكن للتمويل المقدم من البرنامج العالمي أن يسفر في نهاية المطاف عن مشاريع بملايين الدولارات.

أكثر فاعلية
لقد تعلمت بضعة أمور بعد عامين تقريبا من عمليات البرنامج. أولا، أن هذه المشاريع ليست عملا تجاريا سريع الحركة. فالمشاريع التي قيد الإعداد في الاقتصادات الصاعدة غالبا ما تكون ضعيفة وذات مخاطر مرتفعة، الأمر الذي يجعل المستثمرين المحتملين لأسباب مفهومة أكثر حذرا. علاوة على ذلك، لا يتوافر للمستثمرين المحتملين إطار موثوق لتقييم مشاريع البنية التحتية المحتملة.
وقد ركز البرنامج حتى الآن على إعداد مجموعة قوية من المشاريع بدعم من مستشاريه وشركائه. لكن، هل هناك مزيد يمكن أن نفعله لمواجهة التحديات الأخرى؟ في الاجتماع الرابع للمجلس الاستشاري للبرنامج العالمي للبنية التحتية الذي عُقد في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في واشنطن العاصمة، ركزنا تحديدا على هذا السؤال. ونتيجة لذلك، تم طرح عدة مبادرات جديدة:
– إدخال تحسينات واسعة على عملية إعداد المشاريع باستخدام أداة جديدة لتقييم المشاريع.
– تقليص المخاطر من خلال التمويل التكميلي وأدوات التعزيز الائتماني.
– التشجيع على بيع الأصول القائمة للبنية التحتية “المهملة والمهجورة”، واستخدام حصيلة بيعها في تمويل مشاريع جديدة للبنية التحتية.
– العمل بصورة أكثر دقة على تعريف مرافق البنية التحتية باعتبارها فئة من الأصول في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية من خلال مؤشر ديون البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.
ويرد وصف مبررات هذه المقترحات في تقرير موجز من 35 صفحة بعنوان “زيادة مردود مشاريع البنية التحتية.

ثم ماذا بعد؟
يواصل البرنامج العالمي للبنية التحتية العمل على تطوير بعض هذه الأدوات المقترحة بناء على مدخلات المجلس الاستشاري، الذي يتألف من ممثلي الحكومات المانحة وبنوك التنمية متعددة الأطراف والقطاع الخاص. وهناك عديد من التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى بحث، مثل آليات التسعير ومدة الأدوات المقترحة.
ونحن في البرنامج العالمي نرغب في القيام بمزيد لتذليل العقبات التي تعوق الاستثمار في البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.

 

 

«بيتكوين» عملة «مذهلة» مشكوك فيها

بيتكوين

 

الارتفاع الجنوني في قيمة العملة الإلكترونية “بيتكوين”، يطرح كثيرا من التساؤلات بل والمخاوف لدى شرائح وجهات عديدة، لاسيما مع بلوغ عائد الاستثمار فيها 2.9 مليون لكل دولار. هذه العملة انتقلت عبر عدة محطات مهمة في الآونة الأخيرة، لاسيما مع اعتراف ألمانيا بها، ما قدم لها مزيدا من الدعم، وقيام اليابان بالتعامل بها بمستويات مرتفعة أيضا. فضلا عن أن عملات إلكترونية أخرى لم تتمكن من الاقتراب منها من حيث القيمة أو الحضور أو حتى القبول. وهذه العوامل دفعت قيمة “بيتكوين” إلى هذا المستوى الكبير حيث بلغت 2880 دولارا أخيرا، ارتفاعا من 0.001 دولار في عام 2009. وهي تعادل اليوم 2556 يورو، و2230 جنيها استرلينيا و20 ألف يوان صيني.
ومع ذلك لا تزال المخاوف تحيط بهذه العملة، خصوصا مع تردد البنوك المركزية الكبرى في الاعتراف بها، فضلا عن غموض مبتكرها أو الجهة التي تقف وراءها، على الرغم من تقدم ساتوشي ناكاموتو الياباني العام الماضي بالاعتراف بأنه يقف وراءها، وأنه ماض في الحصول على مزيد من الاعتراف بها. والمشكلة الأكبر التي تواجه “بيتكوين”، وغيرها من العملات الإلكترونية الصغيرة الأخرى، أنها ليست خاضعة لمعايير ومراقبة البنوك المركزية. ومن هنا ترتفع حدة المخاوف، من تعرضها إلى انهيار كبير ربما خلف أزمة كبيرة أيضا، مع تزايد المتعاملين بها حول العالم. يضاف إلى ذلك، أن كثيرا من الجهات التنظيمية الكبرى، تعتقد أن ارتفاع قيمة هذه العملة لا يبدو منطقيا، وأن في مثل هذه الحالة كل شيء وارد لاحقا.
من هنا، فإن ما تسعى له العملة المشار إليها، الحصول على اعتراف عالمي بها، في حين أن إعلان قاض فيدرالي أمريكي بأن “بيتكوين” هي نوع من أنواع النقد، لم يحقق لها الأمان المنشود، لأن الإدارة الأمريكية لم تعترف بها بعد، ولا يبدو في الأفق أنها ستقدم على ذلك. والحق، أن البنوك المركزية العالمية الكبرى، والمؤسسات المالية لم تقدم حتى اليوم أي تبريرات لإبقاء “بيتكوين” في وضعيتها القانونية الراهنة، بينما يعتقد كثيرون أن هذه المؤسسات سترضخ في النهاية إلى حقيقة وجود “بيتكوين” ودورها في الحراك الاقتصادي بصورة عامة، لاسيما مع عدم طرح هذه المؤسسات بدائل ضرورية لها. فعلى الرغم من علامات الاستفهام حولها، إلا أن العملة الإلكترونية تتسيد المشهد الرقمي في هذا المجال، ولا يبدو أن بديلا لها سيظهر قريبا.
ويبدو أن الحقيقة الماثلة على الساحة، تتلخص في أن “بيتكوين” ستحصل على الاعتراف بها في مرحلة لاحقة، خصوصا من منطلق أنه لابد للجهات التنظيمية العالمية أن تمنع حدوث أي انهيار أو ارتباك من جراء تداول “بيتكوين” في مرحلة لاحقة ما. فالذين يرغبون في مثل هذا الاعتراف، يعتقدون أن من واجب المؤسسات المالية المشار إليها أن تتخذ إجراءات وقائية، وهذه الإجراءات تنحصر في الواقع في قبول هذه العملة، بعد أن أثبتت جدارتها بصورة مختلفة في السنوات القليلة الماضية، فضلا عن أنها لم تخرج عن النطاق المالي العام. غير أن هناك نقطة مهمة في هذا المجال، تتعلق بإمكانية وسهولة استخدام العملة في عمليات غير مشروعة، مثل غسل الأموال والتجارة الممنوعة بكل أشكالها. وعلى هذا الأساس يرى الداعمون للعملة، أن تسرع المؤسسات التنظيمية المالية باعتمادها، لأن ذلك لا يوفر آلية مالية إلكترونية شرعية فحسب، بل يضبط العمل بها كغيرها من العملات المعترف بها عالميا، خصوصا أنها أصبحت بالفعل حقيقة نقدية عالية القيمة.

 

د.علي فخرو :الشباب العرب والأمل والفعل

دزعلي فخرو

منذ بضعة أيام كان لي لقاء مع مجموعة من الشباب في أحد أقطار الوطن العربي. كان الهدف بحث تحديات الحاضر العربي والاستجابات الممكنة لمواجهتها.

لم يكن اللقاء سهلاً فقد كانت مجموعة شباب متُقدي الذكاء واسعي الثقافة السياسية، وبالتالي لدى أفرادها القدرة على التساؤل والتحليل والنًقد.

بعد ساعتين من الحوار، وليس المحاضرة، انقلبت مشاعر الإحباط عندي إلى تزاحم الأمل والإشفاق والإعجاب والاعتزاز. تذكرت بوعزيز تونس وملايين البشر. في ساحات مدن العرب بلا خوف ولا رأس منكس، والعيون والوجوه تعكس ملامح فجر جديد يبدُد ظلام قرون من اليأس والخوف وقلة الحيلة.

توصلنا جميعاً إلى الحصيلة التالية: هناك ثلاثة تحديات تفرض وجودها وخطرها على الحاضر، وهناك ثلاث منطلقات يجب أن تحكم كل استجابة لمواجهة تلك التحديات، وهناك منهجية عمل لإحباط التحديات ولإعلاء شأن تلك المنطلقات.

أما تحدًيات الحاضر الذي تعيشه الأمة العربية، والتي يجب أن نتعامل معها كأولويات في فكرنا وعملنا السياسي الحالي اليومي فهي:

أولاَ: تحدًي التواجد المذهل للاستعمارين الصهيوني والغربي في حاضر حياة العرب. أما التحدًي الاستعماري الصهيوني فيتمثًل حالياً في الصعود الغريب لقبوله كظاهرة يمكن التعايش معها من قبل العديد من أنظمة الحكم العربية، بل ومن قبل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني العربي. فما عاد التواجد الصهيوني في فلسطين خطراَ وجودياً واستعمارياً استيطانياً اجتثاثياً يخطط للهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على كل الأرض العربية.

أخطر ما في الأمر تنامي ثقافة التطبيع المتدرج مع هذا العدو، بدءاً بالتنسيق الأمني وانتهاء بالحديث عن الاتفاق على استراتيجية عربية صهيونية، برعاية أميركية، لمواجهة ما يسمى بالأخطار والأعداء المشتركين.

أما التحدي الاستعماري الغربي الكلاسيكي فهو التوجه القوي عند عدد كبير من الأقطار العربية لعقد اتفاقيات ومعاهدات وتفاهمات مع العديد من الدول الأوروبية ومع الولايات المتحدة. وهي تفاهمات تسمح بالتواجد العسكري للجيوش الأجنبية في كثير من الأقطار العربية وتسمح عند البعض بانقلابنا إلى وكلاء لتنفيذ سياسات غربية مشبوهة، ولإشعال الحرائق فيما بين الحكومات والشعوب ولترسيخ الصًراعات الطائفية المذهبية والعرقية.

لقد ضحُى العرب منذ عشرينات القرن الماضي لإخراج الاستعمار وللحصول على الاستقلال الوطني ليفاجئوا الآن بعودة أشكال لاتعدُ ولا تحصى من التواجد الاستعماري في بلادهم.

ثانياً – تحدًي ظاهرة الجنون الجهادي التكفيري العنفي الذي ادخل العرب والمسلمين في مواجهات لا تنتهي مع بقية العالم من جهة، وقاد إلى دمار العديد من مدن ومجتمعات العرب التاريخية المحورية.

إنه تحدً فاشستي مرعب خطر بالغ التعقيد، يستعمل الدين لخدمة السياسة، ويقرأ رسالة الحق والقسط والميزان الإسلامية بصور متخلُفة متزمتة ستؤدي إلى تهميش أتباع هذا الدين في العالم كلٌه.

ثالثاً – تحدُي المآل الذي وصلت إليه حراكات وثورات الربيع العربي. فالربيع العربي بدأ كحراكات جماهيرية هائلة، رفعت شعارات ديموقراطي وإنسانية ابهرت العالم، ليواجه أشكالاً من الانتكاسات الطبيعية والمصطنعة. لكن بدلاً من تصحيح الأخطاء ومعاودة النضال السلمي لتحقيق شعارات ذلك الربيع هناك محاولة إعلامية كبيرة لاجتثاث منطلقات الربيع الشعورية والفكرية وإحلال مكانها مشاعر اليأس والشك في الشعارات التي طرحت، وقبول خرافة بأن العرب غير قابلين للانتقال إلى الديموقراطية أو لدخول العصر.

إنها ثقافة التراجع وإدارة الظهر للمستقبل والشعور بالنًقص النفسي التاريخي، والعودة إلى فهم القضاء والقدر الذي نشره الحكم الأموي وترسًخ في الثقافة العربية حتى يومنا هذا.

التحدي يتمثًل في بقاء الروح الجماهيرية المتمرًدة على الفساد والظلم، المتطلًعة الى عوالم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وفي عدم قبول منطق الذين يريدون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وفي عدم قبول منطق تدمير الأحلام والآمال باسم التباكي على الأخطاء والهفوات وقلُة الخبرة عند شباب هذه الأمة.

اتفقنا على أن تلك التحديات تحتاج إلى إيمان بمنطلقات تتوجُه إلى دحر جحيم تلك التحديات.

اتفقنا بأن المنطلق الأول هو الإيمان التام بأن دحر تلك الأهوال الجديدة يحتاج إلى نوع من وحدة الأمة. وبالتالي فان شعار الوحدة العربية يجب أن لا يموت، وأننا يجب أن لا نستمع إلى صوت النًاعقين بان شعار الوحدة العربية هو خيال واحلام وهلوسات.

اتفقنا بأن المنطلق الثاني هو عدم التراجع عن شعار الانتقال إلى الديموقراطية وعن الإصرار على البدئ بترسيخ الأسس التي تقوم عليها الديموقراطية، من حرية ومواطنة وعدالة ومساواة وغيرها، في حياة العرب.

اتفقنا بأن التحديات الثلاث هي فكرية في جوهرها، ولذا فهناك حاجة لتيار كبير يراجع الثقافة العربية ويحلًلها وينقدها، إذ أن هناك نقاط ضعف كثيرة في تلك الثقافة، سواء الجوانب التراثية أم جوانب فكر العصر الذي نعيش.

اتفقنا أخيراً على أنه بدون تنظيمات ومؤسسات مدنية سياسية واقتصادية وثقافية ومهنية تناضل من أجل تحقيق ما اتفقنا عليه في الواقع، فان مآسي العرب لن تنتهي. وعليه فمهمة الشباب لا تقتصر على الاقتناع والأقوال وإنما ايضاً يجب أن تنتقل إلى الأفعال.

في نهاية الجلسة قلت لنفسي: اية أم عربية عظيمة تلك التي لا تملٌ ولاتتعب من إنجاب جيل عربي بعد جيل، هو ايضاً لا يكل ولايتعب من حمل رسالة التغيير والصعود.

كاتب ومفكر بحريني

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

 

مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باتت صورته الصامدة خلال عقود مهتزة، حيث تخرج تحليلات هنا وهناك تفيد باحتمال خروج دول أخرى منه، ما يضع المستقبل الأوروبي على المحك. ويجد مؤلف هذا العمل أن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، مما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
يأتي كتاب «نهاية أوروبا: ديكتاتوريون، ديماغوجيون وعصر الظلام القادم» (288 صفحة، منشورات جامعة يال، 2017) للكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك في مرحلة شديدة الحساسية فيما يتعلق بالراهن الأوروبي والعلاقات المتشابكة فيما بين الدول الأوروبية ثم علاقة القارة مع العالم. وإذ يحمل عنوان الكتاب رسالة متشائمة حول واقع أوروبا ومستقبلها في ظلّ حالة تبادلية من السياسات التي ترسم علاقاتها والعلاقات التي تضع سياستها في القضايا كافة، فإن الكاتب لا يغفل فرصة التصريح بأن ثمة أملاً في أن تستطيع أوروبا إنقاذ الكيان الذي حافظت عليه لعقود، وحفظ لها بالتالي تماسكها الذي بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى.

أوروبا وغياب الدور الأمريكي

في كتابه، يسجّل جيمس كريتشك، بمزيج من العمل الصحفي والسرد التاريخي، أن أوروبا التي كانت تعدّ معقل القيم الليبرالية والديمقراطية، هي ذاتها التي باتت اليوم تعاني المشاكل التي كانت تعتقد أنها تجاوزتها منذ عقود. إذ إن ظواهر من نوع معاداة السامية، القومية الشعبوية واستخدام العنف والقوة العسكرية في مناطق النزاع باتت تهدد اليوم بتفكيك الكتلة الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. يحدد كريتشك في دراسته نقاطاً أساسية توضح مواضع الضعف في الاتحاد الأوروبي؛ السياسة الضحلة والمخادعة للقادة الذين دفعوا باتجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بالإضافة إلى الدور الذي لعبته موجة الهجرة الكبيرة والعلاقة المتوترة بين المجتمعات الأوروبية والأقليات المسلمة.
وهذا كله يأتي مع تهديد الإدارة الأمريكية الجديدة بتجاهل الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الولايات المتحدة في أوروبا، كمناصر لنظام العالم الليبرالي وضامن لأمن القارة. وبهذا، يزداد التهديد الجدي بأن تصبح أوروبا وحيدة في مواجهة هذه التحديات «غير المسبوقة»، بحسب تعبير كريتشك.
يتألف الكتاب من مقدمة بعنوان «الكابوس الأوروبي»، يليه ثمانية فصول، يشكّل كل واحد منها دراسة حالة لبلد أوروبي محدد. الفصل الأول: «روسيا: على حافة أوروبا». الفصل الثاني: «هنغاريا: ديمقراطية من دون ديمقراطيين». الفصل الثالث: «ألمانيا: عودة رابالو؟» (بالإشارة إلى معاهدة رابالو عام 1922 والتي اتفقت على أساسها كل من ألمانيا وروسيا على تقاسم مناطق النفوذ والمكاسب بعد معاهدة برست ليتوفسك (1918) التي خرجت روسيا إثرها من الحرب العالمية الأولى. ) ثم الفصل الرابع «الاتحاد الأوروبي: أزمة غير متوقعة». يليه الفصل الخامس: «فرنسا بلا يهود»، والسادس «بريكست: من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغيرة». ثم الفصل السابع «اليونان: من الأحزاب السياسية إلى الشعبويين»، والفصل الثامن «أوكرانيا: برلين الغربية الجديدة». ثم تأتي خاتمة بعنوان: «الحلم الأوروبي». وهو يشير في أكثر من مكان لكتاب مهم هو «الحلم الأوروبي» للباحث الأمريكي جيريمي ريفكن (تُرجم إلى العربية عام 2016 وصدر عن دار الفارابي)، وهو دراسة شاملة للتحوّل الذي عاشه المجتمع الأمريكي إبان انهيار مفهوم الحلم الأمريكي والتوجه نحو حلم آخر بديل متمثّل بالحلم الأوروبي، على اعتبار أن أوروبا باتت تشكل كياناً مقابلاً ومنافساً للولايات المتحدة في التأثير العالمي. وحيث إن «الحلم الأوروبي أكثر راحة وأكثر أماناً، ورخاء، ويؤدي إلي إطالة أمد الحياة البشرية». ويشير كريتشك إلى التنظيم الجغرافي والفكري لفصول الكتاب، بغية تقديم سياق متسلسل للأزمات التي باتت تعصف بأوروبا.

روسيا وانتهاك القانون الدولي

في الفصل الأول من الكتاب، «روسيا: على حافة أوروبا»، يبدأ جيمس كريتشك بتقديم رؤية يحاول أن تكون قريبة ودقيقة للأزمة متعددة الأوجه التي تواجهها أوروبا، من روسيا شرقاً وصولاً لأزمة المهاجرين في الجنوب. وهي من ضمن أزمات ما فتئت تتفاقم لا سيما مع عدم قيام الولايات المتحدة، متمثلةً بإدارة الرئيس ترامب، بتحقيق دورها التقليدي والاكتفاء بالتعبير دائماً عن نظرة قلقة ومقلقة بشأن العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي وروسيا. وبالتالي، يحاول الكاتب عبر خبرته التي اكتسبها من سنوات التنقل في الدول الأوروبية والاطلاع على أزماتها عن قرب تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتحديات الحاضرة. وهو يبدأ بروسيا التي خصّها بالفصل الأول، انطلاقاً مما يراه رغبة روسية في «تدمير» الاتحاد الأوروبي. وهو في هذا لا يتردد في استخدام لغة قاسية لوصف الإجراءات الروسية تجاه أوكرانيا أولاً وضمّ شبه جزيرة القرم تالياً. فهو يصف التصرف الروسي ب «الانتهاك الواضح للقانون الدولي، وخرق القواعد السياسية الدولية».
ويشير إلى أن هذه الحالة من ضمّ مناطق جغرافية بقوة السلاح تعدّ الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدفع المراقبين للتساؤل حول جدوى الوثائق الدولية والمعاهدات إن لم تتخذ الإجراءات الرادعة المطلوبة. على اعتبار أن روسيا تقدم رسالة مضمونها أنها غير معنية بالالتزام بالبند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو ببيان بودابست (1994). وهو ما ينذر بخطر تكرار هذه الخروقات لاحقاً من دول كبيرة تجاه دول أصغر وأقلّ إمكانية وقدرة. وفي هذه المسألة، يمكن ربط هذا الفصل بالفصل الثامن الذي يسمّي فيه الكاتب أوكرانيا «برلين الغربية الجديدة». ويوجه اللوم للدول الأوروبية التي فضّلت علاقاتها مع روسيا على محاسبة هذه الأخيرة على انتهاكاتها للقانون الدولي. وهذا عائد، جزئياً، إلى عدم إدراك تلك الدول لحقيقة ما تقوم به روسيا فعلياً، وأهدافها غير المعلنة، وهو ما سيحمّل إدارة الرئيس ترامب في الجانب الآخر من المحيط مسؤولية إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ويقول إنه «إذا لم تستمر قيم أمريكا وأوروبا بتشكيل المستقبل كما فعلتا في الماضي، فإن هذا سيتيح المجال لقوى متسلطة لفعل ذلك.

ألمانيا: تحديات السياسة والصدمة الثقافية

في تناوله لحالة ألمانيا، يحذّر كريتشك مما يسميه «تقاطع مخاطر البوتينية والإسلاموفوبيا» الذي سيكون عائقاً أمام إعادة انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه منافسة شرسة من مارتن شولتز، رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس البرلمان الأوروبي «العاجز»، وفق توصيف الكاتب، منذ عام 2012. ومع موقف ميركل من التعددية الثقافية، إلا أن قبولها بوجود مليون لاجئ مسلم في ألمانيا سيكون عاملاً رئيسياً في إضعاف وضعها السياسي عموماً وفرصها في الفوز بالانتخابات خاصة.
تقوم السياسة الألمانية على تقبّل حذر للتعددية الثقافية، مع خلق توازن في العلاقة مع روسيا من جهة، والولايات المتحدة في الجهة الأخرى. ومع هذا، فإن العلاقة الألمانية-الأمريكية تبدو مملوءة بالتناقضات، وهو ما لا يمكن أن تخفيه صورة الدولة الصديقة والحليفة التي تبدو بها حالياً تجاه أمريكا. كما أن ألمانيا مسؤولة عن سياسة استقبال هذا المدّ الكبير من المهاجرين الشرق أوسطيين، على الرغم من المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية أخرى مراراً حول عدم القدرة على استيعاب هذا التدفق الكبير من المهاجرين واحتوائهم ودمجهم.
وصل هذا التدفق غير المسبوق إلى ذروته في فترة الهجرة الكبرى بين 2015-2016، وأدى إلى حصول توتر كبير بين الأوروبيين والأقليات المسلمة. وكان من مسببات هذا التوتر وصوره، على وجه الخصوص، التباين الجذري للمهاجرين من الدول التي تحمل نظرة خاصة ومواقف محددة تجاه المرأة، بما يختلف كلياً مع ما هو متبع في الغرب. وتعدّ هذه من النقاط الإشكالية للغاية، وتسببت بمشاكل كبيرة. وبحسب الأرقام، فإنه من بين 1.5 مليون طالب لجوء ممن وصلوا إلى أوروبا عام 2015، كانت نسبة الذكور 73 في المئة.
في البداية، كان هناك توجّه لعدم الإبلاغ عن بعض حالات التحرش الجنسي بدافع خلق حسّ عام لنفي صفة الإسلاموفوبيا عن المجتمع. لكن نقطة التحول كانت في ليلة رأس السنة الميلادية عام 2015، يوم حصلت حادثة التحرش بنساء ألمانيات خارج محطة القطار الرئيسية في كولونيا. يومذاك، قدّمت أكثر من 650 امرأة شكاوى جنائية تتراوح بين تعرضهن للتحرش وصولاً إلى محاولات الاغتصاب.
ونتيجة لهذه الصدامات الثقافية والزيادة في عدد الضربات الإرهابية في أنحاء القارة، أعيدت مرة أخرى إجراءات التحقق من الهوية في المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة في السابق، وأخذت دول مثل ألمانيا والسويد، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية بتخفيض أعداد المهاجرين المقبولين.

مستقبل الحلم الأوروبي

يعود الكاتب إلى فكرة الحلم الأوروبي، وهو وإن حمل عنوان كتابه رؤية متشائمة عبر تعبير «عصر الظلام»، فإنه يصرّ على أن ثمة ما يمكن عمله؛ وهو تذكر التاريخ والقيم والاستعادة الواعية للمفاهيم التي وحدت أوروبا وخلقت ذلك الكيان الذي حافظ على استقرار القارة لعقود. وهو يركز على قيم الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة. ويصرح أن على الديمقراطيات الأوروبية (والأمريكية) تخصيص المزيد من الموازنات ورفع الإنفاق على الجانب العسكري بغية الدفاع عن هذه القيم التي تسعى دول أخرى لتحطيمها. إذ إن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، ما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
في خاتمة الكتاب يقول: «يجب أن ينتهي وقت التخبط. فمن أجل أن نضمن أن العقود السبعة الماضية مما يشبه اليوتوبيا كانت هي القاعدة، لا مجرد استثناء تاريخي، فإن أوروبا بحاجة ماسة لتجديد مراكز قوتها الليبرالية من جهة، والاستعداد لاستخدام القوة للدفاع عن نفسها من جهة أخرى». ويتطرق إلى استقبال أوروبا للمهاجرين واللاجئين المسلمين، ويطالب بأن تكون إجراءات دمجهم في المجتمعات الأوروبية مشروطة بإنتاجيتهم، مع التزام هذه الدول بمبادئ الرفاه الاجتماعي وقطاع الأعمال الخاصة. ويقول إنه هناك الكثير مما هو على المحك، كالسفر من فرنسا إلى ألمانيا من دون جواز سفر، أو وجود تلك الإجراءات البيروقراطية المكثفة في بروكسل. ويكرر مطالبته بأوروبا تحمل قيم وأفكار عصر التنوير، تعزز دورها العالمي في إنتاج المنجزات الحضارية والقدرة على حمايتها، وإلا فإن الديماغوجيات والديكتاتوريات ستحوّل هذه الحضارة إلى فوضى، وسيتم تغليب المصلحة الفردية على مصلحة الدولة والخير العام، وستنتفي مميزات الهوية الأوروبية وسيختفي دورها. وأقل ما يقال عن هذه الحالة أنها انهيار، وبالتالي، فإن المستقبل -إذا تحققت هذه المخاوف لأي سبب من الأسباب- لن يكون سوى عصر ظلام جديد.

نبذه عن المؤلف

ولد الكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك عام 1983. يعمل مراسلاً لموقع «ذا دايلي بيست» الإلكتروني، وهو زميل باحث في مبادرة السياسة الخارجية في واشنطن. له مقالات صحفية في العديد من وسائل الإعلام مثل «واشنطن بوست» و«ذا ويكلي ستاندرد»، «وول ستريت جورنال» و«فورين بوليسي». يعيش في العاصمة الأمريكية واشنطن. نال كتابه «نهاية أوروبا» ترحيباً ملحوظاً في وسائل إعلام أوروبية، وهو نتاج ست سنوات من البحث والمتابعة والتنقل بين العديد من الدول الأوروبية لجمع مادة الكتاب. ظهر في العديد من منصات التواصل والمحطات التلفزيونية لمناقشة أفكار الكتاب ورؤيته لمستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

ترجمة: نضال إبراهيم

 

دراسة تحذر من فعالية أجهزة قياس ضغط الدم المنزلية

blood pressure 1
يعتبر ضغط الدم السبب الأول للوفاة في العالم. ويحاول الأطباء تشخيص حالة المرضى باستعمال الأجهزة المنزلية لقياس ضغط الدم. غير أن هذه الأجهزة لا تخلو من عيوب تكون لها عواقب، كما يشرح هذا المقال.رغم اعتماد الأطباء المتزايد على أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل للتعامل مع مرضى ضغط الدم المرتفع، خلصت دراسة حديثة إلى أن الكثير من هذه الأجهزة غير دقيق بما يكفي.

ويقول الباحثون إن أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لم تكن دقيقة في نحو 70 بالمائة من الحالات التي درسوها. وكان الفارق بين نتائجها والمعدل الصحيح في نطاق 5 ملليمترات زئبقية، فيما وصل الفارق في 30 بالمائة من الحالات إلى 10 ملليمترات زئبقية.

وقالت جنيفر رينغروز ـ كبيرة الباحثين في الدراسة من جامعة ألبرتا بكندا ـ إن ارتفاع ضغط الدم “هو السبب الأول للوفاة والعجز في العالم”. وأضافت أن “الإرشادات توصي بأن يعزز الأطباء اعتمادهم على نتائج الأجهزة الأوتوماتيكية والمنزلية لقياس ضغط الدم لتشخيص ومتابعة ضغط الدم المرتفع. لهذا نحتاج إلى التأكد من أن هذه النتائج المنزلية دقيقة”.

ودرست رينغروز وزملاؤها دقة أجهزة قياس ضغط الدم في المنزل لدى 85 مريضاً، واختبرت الفروق بين قياس المعدل من أعلى الذراع مقارنة بالرسغ والأنواع المختلفة للأجهزة. كما اختبر مراقبان كل مريض في وقت واحد، وجمعا إجمالي تسعة قياسات لضغط الدم بالتبديل بين الجهاز الذي يستخدم في المنزل والجهاز التقليدي الذي يُستخدم في عيادة الطبيب.

blood pressure 2

 

ويتم قياس ضغط الدم بواقع رقمين: ضغط الدم الانقباضي عندما يضخ القلب الدم والضغط الانبساطي عندما يرتاح القلب بين الضربات. وضغط الدم أقل من 120 ملليمترات زئبقية انقباضي/80 ملليمترات زئبقية انبساطي يعد صحيا. وضغط الدم فوق 140/ 90 يعد ضغطا مرتفعاً.

وخلص الباحثون إلى أن أجهزة قياس ضغط الدم التي تستخدم في المنزل كثيرا ما تخطئ في قياس ضغط الدم الانقباضي. بالنسبة لأربعة وخمسين بالمئة من المرضى اختلف القياس بواقع 5 ملليمترات زئبقية عن الجهاز التقليدي وأخطأ بواقع عشرة ملليمترات زئبقية لدى 20 بالمائة من المرضى وبواقع 15 ملليمترات زئبقية لدى سبعة بالمئة من المرضى. أما بالنسبة لضغط الدم الانبساطي حدث ذلك بالنسبة إلى 31 بالمائة و12 بالمائة وواحد بالمئة من المرضى.

وتوصل الباحثون إلى أن حجم الذراع وجنس المريض كانا أهم أسباب الاختلاف بالنسبة لضغط الدم الانقباضي إذ أن الاختلافات كانت أكبر لدى الرجال. وأيضا كان السن ومحيط الذراع الأكبر ونماذج الأجهزة الأقدم من عوامل الاختلافات فيما يتعلق بضغط الدم الانبساطي.

وكتب الباحثون في الدورية الأمريكية لارتفاع ضغط الدم أن عمر وتصلب الأوعية الدموية على سبيل المثال يمكن أن يحدثا فارقا إذا لم يجر ضبط جهاز قياس الضغط بشكل يناسب المريض الذي يستخدمه.

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

«أمازون» تواجه معركة رقمية صعبة في الخليج

 

سميون كير |

أثارت زيارة مؤسس شركة أمازون، جيف بيزوس، إلى دبي مول، في شهر نوفمبر الماضي، مع قطب العقارات محمد العبار، تكهنات محمومة حول تعاون بين الاثنين، يحدث تحولا في سوق التجارة الإلكترونية الوليدة في المنطقة.
لكن بعد بضعة أشهر فقط، قامت أمازون بدلا من ذلك بخطوة خاصة بها، حيث اختتمت  الأسبوع الماضي خمسة أشهر من المفاوضات بالموافقة على الاستحواذ على موقع سوق دوت كوم، البالغ من العمر 12 عاما. عملية الشراء هذه ستشعل معركة في سوق المبيعات الرقمية السريعة النمو في المنطقة مع الشخصيات التجارية الأكثر تأثيرا في الخليج.
يقول أحد رواد الأعمال الإقليميين في مجال الإنترنت: «يأتي بيزوس وأمازون إلى الشرق الأوسط، لتقوم  أم المعارك مع سكان البلاد المحليين». «السوق غير متطورة تماما، الشرق الأوسط وأفريقيا هما الجبهة الرقمية الأخيرة». المنافسة في السوق أصبحت فجأة شرسة.
وكان العبار، رئيس مجلس إدارة شركة التطوير العقاري إعمار في دبي، قد قام بزيارة مع بيزوس لأكبر مركز للتسوق في المنطقة، الذي يقع في ظل برج خليفة، أطول مبنى في العالم.
الاجتماع الذي استغرق ساعتين، قُرئ على نحو خاطئ من قبل الكثيرين في المنطقة، على اعتبار أنه مزيج لا مثيل له بين أكبر مالك لمتاجر التجزئة على الإنترنت في العالم، وملك العقارات في دبي، الذي تحول إلى رائد في مجال الإنترنت.
بعد أيام من الاجتماع، كشف رجل الأعمال في دبي عن خطط لإطلاق شركة نون، وهي شركة للتجارة الإلكترونية بقيمة مليار دولار، مع استثمار من صندوق الاستثمار العام السعودي.
ومن المتوقع إطلاق نون، وهي الآن في المراحل النهائية من الاختبار، «في غضون أسابيع». وتهدف خطة العبار إلى بناء عملاق تكنولوجي محلي، وهو مشروع يدعمه ولي لي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يعتبر الاستثمار في التكنولوجيا مفتاحا لإصلاحات المملكة الطموحة التي تعتمد على النفط.
ولكن بعد أن تظهر الشركة أخيرا بعد شهرين من التأخير، سوف تجد أن السوق قد تغيرت بالفعل. موافقة أمازون الاستحواذ على سوق دوت كوم مقابل 650 مليون دولار على الأقل، ستجعل من الموقع على الفور أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في المنطقة. عدد قليل من المحللين يراهنون على عملاق الإنترنت الأميركي بأن يتسبب بنفس نوع الاضطراب في قطاع التجزئة، الذي تسبب به في أماكن أخرى من العالم.
الشرق الأوسط يتخلف عن المناطق الأخرى، عندما يتعلق الأمر بتقبل الإقبال على التجارة الرقمية. إذ بلغت المبيعات عبر الإنترنت 5.3 مليارات دولار فقط في عام 2015، لكن من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2020، مع نمو سنوي قدره %30، وفقا لبحث أجرته شركة الاستشارات ايه تي كيرني.
وحتى الآن، شملت العقبات التي تعترض هذا القطاع سوء الخدمات اللوجستية والحواجز العابرة للحدود، إلى جانب نظم الدفع الرقمي غير المتطورة وانتشار المعاملات النقدية. وقد أدى ذلك إلى انخفاض المبيعات الرقمية إلى %2 في سوق التجزئة، مقارنة بنسبة تصل إلى %15 في الأسواق الغربية الأكثر تطورا.
يقول عادل بلقايد، مدير قسم الاستشارات في شركة ايه تي كيرني، إن الاستثمار في البنية التحتية للدفع والتسليم يظهر أن «الأمور تتحرك في الاتجاه الصحيح». ويضيف «أنه أمر مثير أن تبدأ هذه المعركة، فهي سترفع مستوى التجارة الإلكترونية إلى مستويات جديدة. أمازون تأتي، وهي القائد بلا منازع في هذا الفضاء، لكن نون مدعومة من قبل مستثمرين كبار يعرفون سوق التجزئة بشكل جيد جدا».
وينظر إلى دخول أمازون على أنه تأكيد على أمكانات النمو في الشرق الأوسط من قبل الشركات المحلية. وكانت آخر عملية استحواذ على الإنترنت بهذا الحجم والأهمية والشهرة شراء ياهو لبوابة مكتوب في عام 2009.
وقد قامت أمازون بخطواتها الأولى في السوق. إذ افتتحت أمازون ويب سيرفيسز، إدارة الحوسبة السحابية التابع للمجموعة الأميركية، مكاتب لها في دبي والبحرين في يناير.
لكن شراء سوق دوت كوم، الذي يوظف إلى جانب الشركاء وجهات التوصيل حوالي 6000 موظف، سيسمح للشركة الأميركية العملاقة بتسريع دخول أعمالها الأساسية إلى الشرق الأوسط، وتجنب مشاكل النمو العضوي (زيادة الإنتاج وتعزيز المبيعات). وتقف هذه الاستراتيجية على النقيض من الأسواق الكبيرة الأخرى، مثل الهند والصين، حيث اختارت أمازون أن توسع منصتها الخاصة.
وصول أمازون إلى دول الخليج سيسمح للعملاء بالاستفادة من  ميزة الوفاء، وإنجاز الطلب في اليوم نفسه، أو في اليوم التالي، الذي يشيع استخدامه في معظم أنحاء العالم الغربي، وذلك باستخدام شبكة سوق دوت كوم القائمة أصلا، بما في ذلك مراكز الوفاء شبه المستقلة والمكاتب التقنية في الأردن والهند.
ومع ذلك، فان تفاصيل كيفية دمج أمازون عملياتها مع سوق دوت كوم لم تظهر بعد، حيث لا تزال الأسئلة عالقة حول ما إذا كانت ستحتفظ بما أصبح واحدا من العلامات التجارية على الإنترنت الأكثر شهرة في الشرق الأوسط، منذ أن تأسست في عام 2005، من قبل رجل الأعمال السوري رونالدو مشاور.
ومن المتوقع أن تحتفظ أمازون بالموظفين الرئيسيين، والاستثمار بكثافة للتوسع في منصة سوق دوت كوم القائمة، بحسب مصادر مطلعة على خطط الشركة.
وتسيطر أمازون بالفعل على شريحة كبيرة من سوق التوصيل وتسليم البضائع عبر الإنترنت من خارج المنطقة، وذلك باستخدام مجموعة الخدمات اللوجستية، التي تتخذ من دبي مقرا لها أرامكس كشريك، بحسب ما يقول أشخاص على بينة من هذه المسألة.
لكن تجار التجزئة المحليين ومستثمري الإنترنت غير مقتنعين بأن حجم أمازون سيعني نجاحا فوريا في السوق، حيث التواصل المحلي يعتبر أمرا حاسما لكسب دعم الموردين.
مع نون، التي لديها بالفعل ما يقرب من 500 موظف، تواجه أمازون منافسا محليا يتسم بالذكاء والتمويل الجيد، وشركة تملكت العام الماضي حصة في أرامكس، شريكها في التوصيل وتسليم البضائع، التي تعتبر العبار من بين المستثمرين الأكثر أهمية بالنسبة لها.
وكان العبار قال في مؤتمر مصرفي، عقد في وقت سابق من هذا الشهر، «إن الاستثمار في أرامكس يعكس الإيمان بأن التجارة الإلكترونية تتعلق بالخدمات اللوجستية». وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تأخرت في اعتمادها للتجارة الإلكترونية، لا سيما مع انتشار الهواتف الذكية بين الشباب الذين يستمون بالمهارة الرقمية.
وتدير الشركة المبتدئة تدشينا مبكرا غير رسمي لمركز «الوفاء»، بالقرب من مطار آل مكتوم الدولي في المدينة، ووعد بتقديم 20 مليون منتج مع مرور الوقت.
وفي معرض إظهار نفوذه في السوق، اتهم النقاد العبار بالضغط على تجار التجزئة في دبي مول لوضع منتجاتهم على منصته. وقد نفى التهمة قائلا إن لديه علاقات طويلة الأمد مع العلامات التجارية، التي هي سعيدة بالانضمام إلى نون.
ويقول المديرون التنفيذيون المحليون أيضا أن أمازون، التي تستغل ثقلها العالمي الضخم لخفض التكاليف، قد تواجه مقاومة من تجار التجزئة المحليين. وتغطي العديد من المنتجات، التي تقدمها أمازون في أماكن أخرى، اتفاقات وكالات حصرية أبرمتها العائلات المحلية القوية، التي قد تتصرف ضد أي محاولة لتقويض أرباحها.
كما تعمل شركات التجزئة الكبيرة، مثل مجموعة الفطيم وماجد الفطيم ولاندمارك والشايع، على استراتيجيات التجارة الإلكترونية الخاصة بها للاستعداد للمنافسة القادمة من أمازون ونون.
يقول سافيتار جاغتياني، رئيس قسم التجارة الإلكترونية في شركة لاندمارك: «في حين أن أمازون هي الرائد في مجال تجارة التجزئة الالكترونية، لكنها لا تملك فرصة كبيرة لدى شبكة متاجرنا التي تضم 2000 متجر».
ولا يزال تجار التجزئة المحليون يخشون من أن وجود أمازون سوف يشكل تحديا للعمليات، التي تعاني بالفعل من ضعف سوق التجزئة، حيث يؤثر انخفاض أسعار النفط وقوة الدولار سلبا على المشاعر والأجواء.
لكن هذا الوضع أدى ببعض متاجر التجزئة الأكثر طموحا إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها. في الخليج، حيث تعمل مراكز التسوق المكيفة أيضا كملاذات من درجات الحرارة المرتفعة، ينفذ المشغلون تنوعا بعيدا عن البيع بالتجزئة، لتقديم المزيد من العروض «التجريبية» مثل الطعام والترفيه.
وكما يقول مسؤول تنفيذي في واحد من متاجر التجزئة الكبيرة «سوف تشكل أمازون تحولا كبيرا، لعبة جديدة كليا، لذلك سيكون على مشغلي مراكز التسوق أن يحدثوا تحولا وتغييرا، ونحن نقوم بذلك بالفعل. لكن دخول أمازون سيعجل الأمور بالتأكيد».

ترجمة وإعداد إيمان عطية

 

 

نحو فهم أعمق للنموذج الغربي

نحو فهم أعمق للنموذج الغربي

تأثر الخليجيون بالغرب مثل غيرهم، غير أن الوفرة المالية جعلتهم أكثر احتكاكاً بالمنتج الغربي والمنجز التقني، وربما تزايدت خلال العقود الماضية، حال التعلق بالأزياء والصرعات الغربية بسبب السفر، والتأثر بالأفلام السينمائية.

نموذج الغرب ساحر وآسر، وله مبرراته، ليكون النموذج المحتذى بالعالم، غير أن ذلك كله خيار شخصي متاح، والإعجاب بالحضارة الغربية ليس شتيمة، بل العجب أن ترى ما يبهرك ثم ما لا يبهرك، كما يعبر المفكر السعودي إبراهيم البليهي.

المتأمل للنجاحات التي حققها أولئك، يراها لا تنفصل عن العلم والفلسفة، ودور العلوم البحتة، مثل الرياضيات والفيزياء، بالنجاحات الأممية الغربية، التي بدأت بواكير نهضتها منذ القرن السادس عشر الميلادي، على يد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي تمرّ ذكرى ولادته هذه الأيام، وذلك من خلال عبارته الفلسفية الشهيرة: «أنا أفكر إذاً أنا موجود»… مفهوم غيّر مجرى التاريخ، فهو يضم كلاً من (الذات- الفكر- الوجود)، ثلاثة مفاهيم سيطرت على جميع تاريخ السجالات الفكرية الغربية حتى الآن.

برغم الصراعات، والحروب الأهلية، والحربين العالميتين، إلا أن دولاً نهضت من كبوتها، وذلك لأسباب علمية خالصة، ويمكن اعتبار اليابان ضمن فلك المجتمع الغربي حالياً، لأنها واكبت كل النهوض الغربي.

أما ألمانيا، التي سوّيت مدنها بالأرض، فاستطاعت القيام من كبوتها خلال نصف قرنٍ فقط، ولذلك أسباب علمية واجتماعية، يشرح محمد عابد الجابري في كتابه: (التراث والحداثة)، شيئاً من أسرار ألمانيا، منذ بواكيرها وفتوّتها، وكيف ترى النمو الحضاري، فيقول: «بالجملة، لقد كانت فلسفة التاريخ في ألمانيا إطاراً أيديولوجياً تنعكس فيه بقوة رغبة الألمان بالوحدة والتقدم، وحدة الشعب الألماني المفكك، والتقدم للحاق بركب الدول الأوروبية المتقدمة، وهكذا كانت ألمانيا الإقطاعية تعيش آنذاك على صعيد الحلم.

لقد كانت نظرة فلاسفتها إلى التاريخ مستوحاة، بل موجهة من مشاكلهم في الحاضر، وآمالهم بالمستقبل، لقد نظروا إلى تطور التاريخ بالشكل الذي يمكنهم من تبرير حضارة ألمانية في الماضي، وغياب ألمانيا عن الثورة الصناعية بالحاضر.

لقد جعلوا من الحضارات القديمة طفولة الإنسانية، ومن الحضارة الإغريقية والرومانية شباب الإنسانية، ومن الحضارة الجرمانية كهولة الإنسانية ونضجها، لقد عرّف أحد المفكرين الألمان، التاريخ بأنه (حاصل الممكنات التي تحققت)، وهذا يعني أن هناك ممكنات أخرى بطريق التحقيق، وعلى رأسها ألمانيا المستقبل».

الحضارة الغربية، وإن قيلت هذه الكلمة بالعموم، عن نهوض بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، غير أن لكل دولة طريقة تغذٍ خاصة على المنجز العلمي، لهذا نعثر على تمايزات بين الدول بكل مجال، إذ تتفوق دولة على أخرى بمجال علمي، أو حقل فني، وهذا شائع بسبب تنوع اهتمامات المجتمعات، لكن البذرة والنواة الغربية فيها اشتراك كبير بالخصائص والصيغ والأساليب، التي دفعتها نحو التفوق الحضاري النوعي.

أن التأثر بالحضارة الغربية أمر حيوي، ودليل تفاعل مع الأمم الأخرى، غير أن الأكثر فاعليةً، اكتشاف القيم التي قامت عليها، والفلسفات التي دفعتها، والعلوم الكبرى الرافعة للحضارة الغربية، وبذلك يكون التأثر أكثر فائدة للإنسان ومجتمعه، فالحضارة أعمق من القشرة اللامعة الساحرة بالشريط السينمائي، ومنجزات الموضة، وسحر المدن، تلك أمور يراها الجميع، لكن البحث عن أسرار التقدم، والمقولات التي ساهمت به الشخصيات الأدبية والفكرية والعلمية المؤثرة بصياغة طرق الانعتاق من القرون الوسطى وعصور الظلام، هو ما يغيّر التركيبة الذهنية، ويعزز من الشغف المعرفي، ويفيد المجتمعات العربية والإسلامية المحتاجة فعلاً لاستلهام نماذج النجاح لدى أي أمة، وهي عند الغرب أوضح وأنجح.

نحن غارقون بالتأثير الغربي حتى النخاع، لكن الأهم أن نُغْرق بفهم أسئلته التي أيقظته.

 

من يحكم العالم

من يحكم العالم

أصبح المشهد العالمي قاتماً في ظل الإمبريالية الأمريكية التي زرعت الشقاق والفوضى في بقع عديدة من العالم، وخلفت دولاً مدمرة وشعوباً منهكة بسبب حروبها، هذا لسان حال أكثر المنتقدين لسياساتها الخارجية، البروفيسور نعوم تشومسكي الذي يعاين عن كثب في كتابه هذا تغير القوة الأمريكية، والتهديدات على الديمقراطية في العالم، ومستقبل النظام العالمي، وذلك من خلال تقديم تحليل عن الوضع الدولي الراهن، في ظل صعود أوروبا وآسيا، ويقف عند الكثير من المحطات التاريخية من علاقة الولايات المتحدة بكوبا إلى تطوراتها الأخيرة مع الصين، فضلاً عن مذكرات التعذيب والعقوبات على إيران، ويبين تشومسكي أن الخطاب الأمريكي الداعي إلى العدالة وحقوق الإنسان انحرف عن مساره ليخدم مصالح المؤسسات المالية والشركات الكبرى.

الكتاب صادر عن دار «ميتروبوليتان بوكس» الأمريكية في 307 صفحات من القطع المتوسط، 2016.

يوضح تشومسكي أهم النقاط التي تشكل تحدياً للقوة الأمريكية، ويناقش كذلك تأثير الحرب الأمريكية لمحاربة الإرهاب على العالم الإسلامي، وكيف أن أفغانستان والعراق عانتا من الويلات والجرائم البشعة، ويستعرض ذلك من خلال التطرق إلى مشاريع النخب الأمريكية التي لا تكترث بعواقب الحروب على الشعوب.

يسعى تشومسكي في عمله هذا إلى استكشاف سؤال «من يحكم العالم؟» كيف تقدم هؤلاء في جهودهم؟ وأين وصلت بهم هذه الجهود؟ ويتألف عمله من 23 فصلاً بعد المقدمة وهي: «مسؤولية المثقفين»، «الإرهابيون أرادوا إنهاء العالم»، «مذكرات التعذيب وفقدان الذاكرة التاريخي»، «اليد الخفية للقوة»، «الانحدار الأمريكي: الأسباب والعواقب»، «هل انتهت أمريكا؟»، «الماجنا كارتا (الوثيقة العظمى) مصيرها ومصيرنا»، «الأسبوع الذي وقف فيه العالم صامتاً»، «اتفاقيات أوسلو: سياقاتها ونتائجها»، «عشية الدمار»، «««إسرائيل»» – فلسطين: الخيارات الحقيقية»، «لا شيء للآخرين.. الحرب الطبقية في الولايات المتحدة»، «لمن الأمن؟ كيف تحمي واشنطن نفسها وقطاع الشركات؟»، «غضب»، «كم عدد الدقائق إلى منتصف الليل؟»، «إيقاف النيران التي لم تتوقف انتهاكاتها أبداً»، «هل الولايات المتحدة دولة إرهابية بارزة؟»، «حركة أوباما التاريخية»، «طريقان»، «يوم في حياة قارئ لصحيفة نيويورك تايمز»، «التهديد الإيراني: من الخطر الأكبر للسلام العالمي؟»، «ساعة القيامة»، «أسياد البشرية».
ويشير في مقدمته إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية تقوم الولايات المتحدة بفرض تأثيرها في السياق العالمي، وتلعب دوراً في العديد من الصراعات والدول مثل: ««إسرائيل»»/ فلسطين، إيران، أمريكا اللاتينية، الحرب على الإرهاب، المنظمات الاقتصادية الدولية، حقوق الإنسان ومسائل العدالة، والكثير من القضايا المتعلقة ببقاء الحضارة الإنسانية على صعيد الحرب النووية والدمار البيئي، ويعلق: «قوتها على العموم، بدأت تتلاشى منذ أن وصلت إلى ذروتها التاريخية في عام 1945، ومع الانحدار الحتمي، فإن قوة واشنطن إلى حد ما أصبحت مشتركة مع الحكومة العالمية الفعلية ل «أسياد الكون» في «العصر الإمبريالي الجديد»، في إشارة إلى مجموعة السبع إلى جانب المؤسسات التي يتحكمون بها مثل صندوق النقد الدولي ومنظمات التجارة العالمية.

يؤكد تشومسكي أن «أسياد الكون» اليوم، ليسوا بالتأكيد الشعوب، حتى في الدول الديمقراطية ليسوا هم، فتأثيرهم محدود فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بالسياسة والتخطيط، مشيراً إلى أن النخب الاقتصادية والمجموعات المنظمة وحدها تملك التأثير في القرارات الأمريكية، في حين أن المواطنين الأمريكيين لا يملكون إلا القليل من التأثير، وأحياناً لا يملكون بحسب باحثين بارزين يستشهد بهم تشومسكي.

أسياد البشرية؟!

خلال فصول الكتاب التي ذكرناها في الأعلى يحاول تشومسكي الإجابة عن سؤاله «من يحكم العالم؟» ويقول «عندما نسأل هذا السؤال، نتبنى في العادة الإجماع العام أن الأطراف الفاعلة في الشؤون العالمية هي الدول، وعلى رأسها القوى العظمى، ونفكر في قراراتها والعلاقات فيما بينها. هذا ليس أمراً خاطئاً. ولكن سنقوم بعمل جيد لو أخذنا في الاعتبار أن هذا المستوى من التعبير التجريدي يمكن أيضاً أن يكون مضللاً للغاية».
ويضيف: «الدول، بطبيعة الحال، لديها هياكل داخلية معقدة، والخيارات والقرارات الصادرة عن القيادة السياسية تتأثر بشكل كبير بالكتلة الداخلية المركزة في السلطة، في حين يتم تهميش السكان عموماً. هذا صحيح حتى بالنسبة لأكثر المجتمعات الديمقراطية. ولا يمكننا الحصول على فهم واقعي عمن يحكم العالم، بينما نتجاهل «أسياد البشرية»، كما سماهم الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في عصره، حيث قصد التجار والصناعيون من إنجلترا، أما في عصرنا، هؤلاء الأسياد هم التكتلات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الضخمة، إمبراطوريات التجزئة وما شابه ذلك».
ويشير إلى أنه بمتابعة سميث، أيضاً من الحكمة أن نأتي إلى «القول الدنيء» ل «أسياد البشرية» وهو: «كل شيء لنا، ولا شيء للآخرين» – وهو مبدأ معروف بطريقة أو بأخرى كحرب طبقية مريرة ومستمرة، في كثير من الأحيان من جانب واحد، ويكون على حساب الشعوب والعالم على نحو كبير.

ويؤكد أنه في النظام العالمي المعاصر، المؤسسات التي لأسياد البشرية سلطة هائلة عليها، ليس فقط في الساحة الدولية ولكن أيضاً داخل بلدانها الأصلية، يعتمدون عليها لحماية سلطتهم وتقديم الدعم الاقتصادي من خلال مجموعة واسعة من الوسائل.

القوة العظمى الثانية

يبين تشومسكي أهمية قوة الاحتجاجات الشعبية وتأثيرها في القرارات السياسية والتي تعتبر مصيرية لشعوب دول أخرى، قائلاً: «ركزت برامج الليبرالية الجديدة من الجيل الماضي على وضع الثروة والسلطة في أيدي قلة قليلة، في حين أنها أضعفت الديمقراطية الحقيقية، لكنها أثارت المعارضة أيضاً، وأبرزها في أمريكا اللاتينية، وأيضاً في مراكز القوى العالمية. وأصبح الاتحاد الأوروبي، أحد أكثر التطورات الواعدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يترنح بسبب التأثير القاسي لسياسات التقشف خلال الركود، الأمر الذي لقي إدانة حتى من قبل الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي. وقد تم تقويض الديمقراطية، حينما انتقل صنع القرار إلى بيروقراطية بروكسل، مع إلقاء البنوك الشمالية بظلالها على إجراءاتها».

ويوضح: «وأصبحت الأحزاب الرئيسية تخسر بسرعة أعضاء لصالح اليسار واليمين. وعزا المدير التنفيذي لمجموعة أبحاث «يوروبانوفا» ومقرها باريس، الاستياء العام إلى «مزاج العجز الغاضب حيث إن القوة الفعلية لصياغة الأحداث تحولت إلى حد كبير من القادة السياسيين الوطنيين (الذين، من حيث المبدأ على الأقل، كانوا يخضعون للسياسة الديمقراطية) إلى السوق، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي والشركات»، حيث يأتي الأمر تماماً في صيغة اتفاق مع مذهب الليبرالية الجديدة».

ويضيف: «تجد أن عمليات مماثلة جداً جارية في الولايات المتحدة، لأسباب مشابهة إلى حد ما، وهي مسألة ذات أهمية وتثير القلق ليس فقط بالنسبة للبلاد لكن، بسبب قوة الولايات المتحدة في العالم. وتسلط المعارضة الصاعدة في وجه الهجوم النيوليبرالي الضوء على جانب مهم آخر على القول الدارج: إنه يضع الجمهور جانباً، والذي غالباً ما يفشل في قبول الدور المسند له ك «متفرج» (بدلاً من «مشارك») في النظرية الديمقراطية الليبرالية. وكان مثل هذا العصيان دائماً مصدر قلق للطبقات المسيطرة في تاريخ الولايات المتحدة».

جريمة غزو العراق

يشير تشومسكي إلى أنه كثيراً ما يقال إن «المعارضة الشعبية الهائلة لغزو العراق لم يكن لها تأثير. الأمر يبدو غير صحيح بالنسبة لي». ويعلق: «أحياناً تختار الدول اتباع الرأي العام، منتزعة بذلك الكثير من الغضب في مراكز السلطة. وكان الحال كذلك في عام 2003، عندما دعت إدارة بوش تركيا للانضمام إلى غزوها للعراق. حيث عارض 95 في المئة من الأتراك هذا التحرك».

ويشير إلى أن الجمهور التركي لم يكن وحده في هذه المعارضة، فقد كانت المعارضة العالمية للعدوان الذي شنته الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى كاسحة. ويضيف: «بالكاد ما يصل الدعم لخطط حروب واشنطن إلى 10٪ في أي مكان تقريباً، وفقاً لاستطلاعات الرأي الدولية. كما أثارت المعارضة احتجاجات ضخمة في جميع أنحاء العالم، وفي الولايات المتحدة أيضاً، ربما كانت المرة الأولى في التاريخ التي لقي فيها العدوان الإمبريالي احتجاجاً بهذه الشدة حتى قبل إطلاقه رسمياً».
ويذكر: على الصفحة الأولى من صحيفة نيويورك تايمز، قال الصحافي باتريك تايلر إنه «ربما لا يزال هناك قوتان عظيمتان في العالم: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي». ويشير إلى أن الحركة الشعبية المناهضة للحرب أصبحت قوة لا يمكن تجاهلها، الآن، وحتى في السابق عندما جاء رونالد ريغان إلى السلطة مصمماً على شن هجوم على أمريكا الوسطى، حيث قامت إدارته بمحاكاة الخطوات التي اتخذها جون كيندي قبل 20 عاماً عند شن الحرب ضد فيتنام الجنوبية، لكنها اضطرت إلى التراجع بسبب هذا النوع من الاحتجاج الشعبي القوي الذي لم يكن متواجداً بذاك الزخم في سنوات الستينات.

ويجد أن الغزو على العراق كان مرعباً بشكل لا يمكن تصوره، وتداعياته كانت بشعة تماماً. ومع ذلك، كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير، لولا الاحتجاجات الشعبية التي عارضت هذا الشكل من الغزو.

نقاط مهمة في الصراع

إن مسألة «من يحكم العالم؟» – يقول تشومسكي في الفصل الأخير من هذا العمل – يقود على الفور إلى قلاقل مثل صعود نفوذ الصين على المستوى العالمي، وتحديها للولايات المتحدة و«النظام العالمي»، والحرب الباردة الجديدة التي تنضج بهدوء في أوروبا الشرقية، والحرب العالمية على الإرهاب والهيمنة الأمريكية والانحدار الأمريكي، ومجموعة من الاعتبارات المماثلة«. ويتحدث عن ثلاث نقاط تعتبر بالغة الأهمية في الصراع على النفوذ العالمي، وهي: شرق آسيا بدءاً من الباسيفيك والتي يشبهها ك»بحيرة أمريكية»، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت قضية خلافية حول تحليق القاذفات الأمريكية في مهمة فوق بحر الصين الجنوبي.

كما يتحدث تشومسكي عن التطورات الصينية في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم دول آسيا الوسطى وروسيا، ومن المحتمل أن تضم إليها الهند وباكستان وإيران، وهو ما يمكن اعتباره إحياء الصين طريق الحرير القديم، ويمكن لها أن تصل إلى أوروبا، ويتضح ذلك من خلال برامجها التنموية في عدد من الدول.
كما يذكر إقامة الصين في عام 2015، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والتي شاركت في افتتاحها دول كثيرة، إذ يمكن أن يصبح منافساً لمؤسسات «بريتون وودز» (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، الذي تملك الولايات المتحدة حق النقض فيها. وهناك أيضاً بعض التوقعات بأن منظمة شنغهاي قد تصبح في نهاية المطاف النظير لحلف شمال الأطلسي.
أما النقطة الثانية وهي التحدي القادم من أوروبا الشرقية، حيث توجد أزمة على الحدود الأطلسية الروسية، تعود بجذورها إلى سقوط الاتحاد السوفييتي، وهي ليست مسألة صغيرة، إذ إن توسع الأطلسي باتجاه جورجيا وأوكرانيا يعتبره الكثير «خطأ سياسياً قبل أن يكون مأساوياً»، وهو أمر أعلن عنه الحلف بصراحة في 2008 بصيغة لا لبس فيها، حيث أشار إلى أن:»حلف شمال الأطلسي يرحب بتطلعات أوكرانيا وجورجيا الأطلسية للحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». الأمر الذي يعتبر تهديداً لمناطق نفوذ روسيا ومصالحها الأساسية بحسب تشومسكي.
أما النقطة الثالثة فهي «العالم الإسلامي» والتي يقف عندها تشومسكي إذ يجدها من التحديات البارزة، حيث تعد مسرحاً للحرب العالمية على الإرهاب التي أعلن شنها جورج دبليو بوش في ال11 من سبتمبر/أيلول من عام 2001 بعد الهجوم الإرهابي على برجي التجارة في نيويورك، ولا يجده تشومسكي إعلاناً مستقلاً بحد ذاته، بل إعادة إعلان، إذ إن ريغان عندما تولى منصبه، تحدث في خطاب محموم عن الإرهاب وما سماه جورج شولتز وزير خارجيته «عودة إلى البربرية في العصر الحديث»، وما ينتقده تشومسكي هو تحولها بسرعة كبيرة إلى حرب قاتلة ومدمرة عانت منها دول كثيرة، مع تداعيات لها حتى الوقت الحاضر، وتدان عليها الولايات المتحدة.
يتحدث عن الحرب الأمريكية في أفغانستان، التي كلفت الأفغان الكثير من الدماء والمعاناة والدمار، ويتوقف عند الهدف التالي لإدارة بوش وهو العراق، حيث يشير إلى أن الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق جريمة كبرى في القرن ال 21. إذ أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الناس في بلد كان يعاني في السابق دمار المجتمع المدني فيه، بسبب العقوبات الأمريكية والبريطانية التي كانت تعتبر أشبه ما يكون ب «الإبادة الجماعية. فضلاً عن أن الغزو خلف ملايين اللاجئين، وحرض على الصراع الطائفي الذي يعانيه العراق وكذلك المنطقة بأسرها».
ويذكر أن استطلاعات وزارة الدفاع الأمريكية والبريطانية وجدت أن 3٪ فقط من العراقيين اعتبروا الدور الأمني للولايات المتحدة في أحيائهم تتسم بالشرعية، وأقل من 1٪ اعتقدوا أن «التحالف المكون من (الولايات المتحدة وبريطانيا) كان جيداً لأمنهم، في حين أن 80٪ منهم عارضوا وجود قوات التحالف في البلاد، والأغلبية دعمت الهجمات ضد قوات التحالف. ويؤكد أن الولايات المتحدة عانت من هزيمة قاسية في العراق، وتخلت عن الأهداف الرسمية للحرب، وغادرت العراق لتتركه تحت تأثير المنتصر الوحيد، إيران. كما يشير تشومسكي إلى الدور السلبي لكل من (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) في ليبيا، التي أصبحت مرتعاً للإرهاب، بعد أن أصبحت في حالة من الخراب والدمار، تعيث فيها الميليشيات المتحاربة فساداً.

نبذة عن المؤلف

نعوم تشومسكي: عالم في اللغويات واللسانيات، وفيلسوف أمريكي، من بين أبرز المنتقدين للسياسة الخارجية الأمريكية في العالم، وأكثر من يستشهد بآرائه في الكتب آخر مئة عام. نشر عشرات الكتب المؤثرة، والمقالات عن السياسة الدولية والتاريخ واللغويات. ومن بين كتبه الأخيرة: «أسياد البشرية»، و«آمال وتوقعات»، «واشنطن وفاشية العالم الثالث» بالتعاون مع إدوارد س. هيرمان.

 

تأليف: نعوم تشومسكي/عرض وترجمة: نضال إبراهيم