تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة من جيل إلى آخر

تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة

ما زال الوضع الاجتماعي للوالدين مؤثرا في تحديد مستقبل الأبناء حاليا كما كان قبل 50 عاما، وفقا لنتائج أولية من تقرير يصدر قريبا عن البنك الدولي القادم بعنوان التقدم العادل الحراك التعليمي حول العالم. وفي معرض الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لليوم الدولي للقضاء على الفقر، حذر البنك من عدم تحقيق تقدم منذ الستينيات في مجال أساسي للقضاء على الفقر وعدم المساواة وتعزيز النمو.
تساعد الدراسة التمهيدية، التي صدرت على تجميع القطع الأولى من لغز الحراك الاقتصادي، مع التركيز تركيزا مباشرا على كيفية إسهام تعليم جيل واحد في نجاح الجيل التالي أو إفشاله، وهذا يسلط الضوء على الدور المهم الذي تؤديه السياسة العامة في إتاحة تكافؤ الفرص، بحيث يتمكن كل طفل، بغض النظر عن خلفية والديه، من تحقيق إمكاناته كاملة. وسيوسع التقرير الكامل، الذي يصدر في مطلع عام 2018، من نطاق البحث ويدرس العوامل الدافعة إلى الحراك في الدخل، بما في ذلك دور الأسواق وقوى التحول الاقتصادي الأوسع نطاقا.
“إننا نعيش في خضم أزمة من أزمات رأس المال البشري ونحتاج إلى بذل كل ما في وسعنا لإيجاد عالم يتمتع فيه الأطفال بالفرصة كي يصبحوا ما يريدونه… فإمكانيات مئات الملايين من البشر تضيع هباء مع بقاء فرصهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجيل السابق. يجب علينا الاستثمار في أطفالنا كي يرتبطوا بالنجاح، وتشجيع طموحات الشباب وتلبيتها، والعمل على جميع المستويات، خاصة المستوى المحلي، لضمان أن يزدهر الجيل القادم بصرف النظر عن مكان مولده ووالديه”.
فقد توقفت الزيادة في قدر التعليم الذي يحصله جيل بعد جيل خلال نصف القرن الماضي. فنحو نصف الأشخاص المولودين في أحد البلدان النامية العادية خلال الثمانينيات حصلوا على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم – ولم يَظهر بذلك أي تحسّن مقارنة بمن وُلد في الستينيات. وإذا لم يغير العالم الطريقة التي يستثمر بها في أطفاله، ولا سيما من ينحدرون من بيئة أقل حظا، فلا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا التقييم سيكون مختلفا بعد عشر سنوات من الآن، ما يزيد من التحدي المتمثل في إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.
وتَظهر مستويات منخفضة من الحراك الصاعد في العالم النامي بشكل خاص، ولا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء. فعلى سبيل المثال، لم يحصل إلا نحو 12 في المائة من شباب اليوم “المولودين في الثمانينيات” في بعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم مقارنة بأكثر من 80 في المائة من الجيل نفسه في أجزاء من شرق آسيا. وجميع البلدان الـ 15 التي يرتبط فيها مستوى تعليم المواطنين ارتباطا وثيقا بمستوى تعليم آبائهم هي بلدان نامية.
وتشير الدراسة إلى ثلاثة مسارات عريضة نحو زيادة الحراك الاقتصادي من جيل إلى جيل.
ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال: إن الاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة، وإمكانية الحصول على التعليم وجودته، وصحة الأم والطفل، ومستوى التغذية، والبنية التحتية، والمياه والصرف الصحي، والخدمات الرئيسية الأخرى في السنوات المبكرة، هي عوامل بالغة الأهمية لتحسين الحراك وبناء رأس المال البشري. فعلى سبيل المثال، البلدان التي تسجل مستويات أدنى من التقزم “انخفاض الطول بالنسبة إلى السن، وهو علامة على سوء التغذية المزمن” بين الأطفال في سن الخامسة، والبلدان التي تستثمر قدرا أكبر من مواردها العامة في التعليم، تشهد مستوى أعلى من الحراك.
ويقدم تقرير عن التنمية في العالم الذي صدر أخيرا عن التعليم حجة قوية للاستثمار في التعلّم والتعليم الجيد بوصفهما مسارا للخروج من دائرة الفقر، وأعلنت مجموعة البنك الدولي أخيرا مشروع رأس المال البشري – وهو جهد متسارع الوتيرة لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار في مواطنيها وبمزيد من الفعالية، وذلك كخطوة حاسمة لتعزيز النمو الاقتصادي الشامل وإنهاء الفقر المدقع.
ـ الطموحات: عندما يدرك الناس أنهم لا يستطيعون الهرب من دائرة الفقر، يقل احتمال أن يتخذوا الخطوات اللازمة للقيام بذلك – تصوراتهم تعوق طموحاتهم، ما يبقيهم مُحاصرين. ومن الأهمية بمكان إدراج رؤى سلوكية في السياسات والبرامج من أجل الوصول بشكل أفضل إلى من تخلّفوا عن عملية التنمية.
ـ التدابير المحلية: للبيئة التي يولد فيها الشخص أهمية بالغة، إلى جانب الوضع الاجتماعي للوالدين. وتُعتبر التدابير التي يجري اتخاذها على الصعيد المحلي، من المناطق إلى الأحياء، حاسمة لكسر حلقة الفقر. فمن المرجح أن يعيش الفقراء في المناطق الأكثر فقرا التي تضم المدارس الأكثر سوءا، والبنية التحتية المتدهورة، مع قلة إمكانية الحصول على الخدمات وجودتها، وارتفاع معدلات الجريمة، الأمر الذي قد يؤثر في قدرة الطفل على التعلّم والنمو والازدهار.
يحقق العالم تقدما نحو تحقيق هدفي إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030 وتعزيز الرخاء المشترك في كل مكان. وبتركيز مواردنا على ثلاثة مجالات، هي تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات، وبقياس مدى التقدم، يمكننا أن نقطع بقية الشوط. ويتيح اليوم العالمي لإنهاء الفقر للمجتمع الدولي فرصة كل عام للتركيز على هدفينا والعمل مع الحكومة والمواطنين والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الإنمائية من أجل بناء الدعم للتدابير اللازمة لتحقيق هذين الهدفين.

الطبيعة على حافة الإفلاس

باهر كمال
الضغوط الواقعة على موارد العالم من الأراضي الآن، أكبر من أي وقت مضى، حيث يترتّب على التزايد السريع في أعداد السكان، وارتفاع مستويات الاستهلاك، مطالب أكبر على رأس المال الطبيعي، القائم على الأراضي في العالم، كما يحذر تقرير جديد للأمم المتحدة.
تضاعف استهلاك المحميات الطبيعية على كوكب الأرض خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، مع التدهور الشديد لثلث أراضي الكوكب الآن، كما يضيف التقرير الجديد لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي صدر في 12 سبتمبر/أيلول في مدينة اوردوس في الصين، أثناء القمة الثالثة عشرة الخاصة بالاتفاقية 6- 16 سبتمبر 2017.

يقول تقرير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي يحمل عنوان: توقعات الأراضي في العالم: «في كل عام نفقد 15 مليار شجرة، و24 مليار طن من التربة الخصبة»، ويضيف أن نسبة كبيرة من النظم الإيكولوجية المدارة والطبيعية تتآكل، وتتعرض لخطر إضافي جرّاء تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي.
ومن ناحية أساسية، هنالك تنافس متزايد بين الطلب على السلع والخدمات التي تنفع الناس، مثل الغذاء والماء والطاقة، وبين الحاجة إلى حماية خدمات النظم الإيكولوجية الأخرى التي تنظم وتدعم كل الحياة على الأرض، وفقاً للنشرة الجديدة.
وفي الوقت نفسه يدعم التنوع البيولوجي الأرضي جميع هذه الخدمات، ويكفل التمتع التام بسلسلة واسعة من حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة الصحية، والأغذية المغذية، والمياه النظيفة والهوية الثقافية، كما يضيف التقرير.
ويعرض التقرير بعض الحقائق الرئيسية، ففي الفترة ما بين 1998 إلى 2013، أظهر نحو 20% من سطح الأرض النباتي، اتجاهات هبوط مستمر في الإنتاجية، تظهر في 20% من الأراضي الزراعية، و16% من أراضي الغابات، و19% من الأراضي العشبية، و27% من أراضي المراعي.
وقال التقرير، إن أكثر من 1.3 مليار شخص معظمهم في الدول النامية، عالقون في شرك أراض زراعية تتآكل، وتتعرض للضغوط المناخية، وبالتالي فإنهم مستبعدون من البنية التحتية الأوسع والتنمية الاقتصادية. ويثير تدهور الأراضي أيضاً المنافسة على الموارد الشحيحة؛ الأمر الذي يمكن أن يقود إلى الهجرة وانعدام الأمن، ويفاقم من عدم المساواة في فرص الوصول إلى تلك الموارد، وفي الدخل، كما يحذر التقرير.
وتآكل التربة والتصحّر وشحّ المياه، كلها تسهم في الإجهاد المجتمعي والانهيار. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار تدهور الأراضي «مضخّماً للتهديد»، ولا سيما عندما يقلل ببطء قدرة الناس على استخدام الأرض، لإنتاج الأغذية وتخزين المياه، أو يقوّض خدمات النظم الإيكولوجية الحيوية الأخرى.
وفي الوقت نفسه فإن ارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر أنماط سقوط الأمطار، وزيادة شح المياه بسبب تغير المناخ، سيغير ملاءمة مناطق شاسعة لإنتاج الغذاء والإقامة البشرية، وفقاً للتقرير.
«إن الانقراض الجماعي للنباتات والحيوانات، بما في ذلك فقدان النباتات البرية التي تعتبر من المحاصيل، والأنواع الرئيسية التي تجمع النظم الإيكولوجية معاً، يزيد من تعريض المرونة والقدرة على التكيف للخطر، ولا سيما بالنسبة إلى فقراء الريف الذين يعتمد معظمهم على الأرض لتلبية احتياجاتهم وكسب معاشهم».
ومن منظور إقليمي، تتنبأ هذه السيناريوهات بأن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ستواجه أكبر التحديات، بسبب مزيج من العوامل، التي تشمل ارتفاع النمو السكاني، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة إلى الفرد، والخيارات المحدودة أمام التوسع الزراعي، وزيادة الإجهاد المائي، وارتفاع خسائر التنوع البيولوجي.
وهذه حقائق ثابتة. والسؤال الكبير هو: هل يمكن عكس هذا الاتجاه المدمر للذات؟ والجواب هو نعم، أو على الأقل، إنه يمكن تقليل الخسائر إلى أدنى حدّ ممكن.
وهل يمكن أن تستعيد الطبيعة الأم عافيتها؟ والجواب، هو نعم، صريحة وواضحة. ولعله يكفي أن يولي السياسيون مزيداً من الاهتمام للاحتياجات البشرية الحقيقية، وأن تساعد الشركات والأعمال التجارية الكبيرة على تجديد رأس المال الطبيعي للعالم.

* مستشار رفيع لوكالة انتر برس سيرفس، إسباني مصري المولد. موقع: انتر برس سيرفيس نيوز

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

 

لا تزال الرموز الشعبية للجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، تمثل شخصيات من عهد الكساد الكبير، مثل آل كابوني، ولاكي لوتشيانو، وماير لانسكي، الذين يعتقد أنهم رؤساء لمافيات عملاقة هرمية التنظيم. يحاول مايكل وودويس في هذا العمل الكشف عن حقيقة مثيرة للقلق متعلقة بالجريمة المنظمة، وهي تواطؤ وتورط المسؤولين الحكوميين والمؤسسات في الولايات المتحدة على نطاق واسع وعميق مع شبكات العصابات الإجرامية، خاصة في القطاع المالي والتجاري.
من خلال التعمق في محاولات تنفيذ سياسات مكافحة الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة وإيطاليا والمملكة المتحدة، يكشف وودويس في هذا الكتاب الصادر حديثاً في 272 صفحة من القطع المتوسط عن دار «بلوتو برس» باللغة الإنجليزية، عن مظاهر غير معروفة من الجريمة المنظمة بين المؤسسات السياسية والشركات. ويوسّع نطاق مناقشته إلى الوقت الحاضر من خلال دراسة أولئك الذين بنوا الأسطورة، ومن ثم استفادوا من صنعها. ومن بين هؤلاء الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، والسياسيون والمسؤولون الأمريكيون الانتهازيون، ومؤخراً أكثر، البيروقراطيات المكلفة بتطبيق القانون، بقيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

 
التستر على الفشل
يشير الكاتب إلى أن سياسات مكافحة الجريمة المنظمة تميل الآن إلى إضفاء الشرعية على القمع والتستر على الفشل، مؤكداً أن المسؤولين الأمريكيين يقومون بجهد يكاد لا يذكر لمكافحة الجريمة المنظمة. وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تصدير نموذجها الخاص بمكافحة الجريمة المنظمة إلى بقية العالم، تتسع وتتوالد فرص النشاط الإجرامي الناجح على المستويات المحلية والوطنية والعالمية، مما يجعل الملاحقات القضائية الناجحة غير مرتبطة بالموضوع.
يقول في تمهيده: «الجريمة المنظمة وامتدادها الأحدث (الجريمة المنظمة العابرة للحدود)، تركيبات سياسية واجتماعية صنعت في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه التركيبات ساعدت عدداً من الأفراد على تحقيق التقدم المهني في الإعلام، والسياسة، والأعمال، والبيروقراطيات، لكنها لم تساعد على فهم أو مكافحة نشاط الجريمة المنظمة».
ويحاول عبر عمله هذا أن يتحدى العديد من الافتراضات الأصلية التي لم تجد من يتحداها تقريباً فيما يتعلق بماضي «الجريمة المنظمة». هذه الافتراضات التي تنبثق من هؤلاء الأفراد الذين يتخفون وراء إجماع عالمي حول الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي من شأنها أن تساعد على استدامة مستويات غير محدودة تقريباً من الفرصة الإجرامية.
بدايات المافيا في أمريكا
يجد وودويس أن أكثر الكتّاب يبدؤون بكتابة تواريخهم عن الجريمة المنظمة في أمريكا من نهاية القرن التاسع عشر، عندما هاجر إليها مئات الآلاف من الإيطاليين، حيث جلبوا معهم مجتمعات سرية، أبرزها المافيا. في عهد حظر الكحوليات في الولايات المتحدة من 1920 إلى 1933، كما تقول القصة، أصبحت المافيا -التي كان يعتقد أنها الجريمة المنظمة – أكثر مركزية، وسيطرت على تلك النشاطات التي كانت من فترة الحرب الباردة وما بعدها، إذ كانت مرتبطة على نحو أكثر مع البنية: القمار غير القانوني، تهريب المخدرات، والابتزاز، مشيراً إلى أن رواة القصص بدؤوا في نقل فكرة أن الجريمة المنظمة كانت تهديداً على الأمن القومي، ما تطلب استجابة من الأمن القومي لصدها، متضمنة: قوانين صارمة، الإنفاذ الحاسم للقانون، وإجراءات العدالة الجنائية.
وتستمر الرواية قائلة إنه منذ سنوات السبعينات – يقول الكاتب – استخدمت الحكومة الممثلة في مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وإدارة مكافحة المخدرات سلطات جديدة في مكافحة الجريمة المنظمة بشكل مؤثّر وكسرت القبضة المزعومة للمافيا. لكنهم أضافوا تحذيرات لهذا النجاح. وأزيح هذا النجاح بظهور ما أشارت الحكومة إليه بأنه «مجموعات الجريمة الناشئة»، بشكل رئيسي من أصول أجنبية، لكن من بينهم من نشأ في الداخل الأمريكي، وعصابات الدرّاجين البيض، مثل هيل آنجلس.
ومن نهاية الحرب الباردة – يستمر وودويس في حديثه – ردّد كتّاب «الجريمة الحقيقية» رواية جديدة، مستندة أساساً على مصادر من داخل الحكومة الأمريكية. بحسب اعتقادهم، كانت العولمة نقطة تحوّل تركت عدداً من المنظمات المركزية الهرمية فائقة الإجرام تنضم إلى المافيا وتقوم بالتحكم بتهريب المخدرات، والنشاطات غير الشرعية الأخرى العابرة للحدود. وجهة النظر هذه بقية سائدة حتى حلت محلها وجهة نظر أخرى أكدت على تعدد الشبكات الإجرامية.
ويعكس كتاب صادر في 2007 للمؤلفة ميشا جليني وجهة النظر السائدة الحالية. كما وُضّحت أيضاً من مسؤولين في الحكومة الأمريكية مثل ويليام إف. ويكسلر نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون مكافحة المخدرات والتهديدات العالمية، الذي أشار إلى أن بنية المجموعات الإجرامية قد تغيرت.
ويرى الكاتب أنه كان هناك القليل من التركيز على مشكلة «الجريمة المنظمة» الداخلية المستمرة في أمريكا منذ نهاية الثمانينات. وتزامن هذا مع حافز شديد لتصدير استراتيجيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية عبر الضغوط البيروقراطية والدبلوماسية. فالعديد من الدول لديها الآن أكاديميات على نمط مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» لأجل التدريب في تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة، كما أن دولاً أخرى لديها الآن نسخ عن «إف بي آي» نفسها. المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كشفت عن «إف بي آي البريطانية» التي كان عمرها 15 عاماً في 2013. لكن نادراً ما يمكن تحدي تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية. إلا أن الكاتب يحاول على عكس هذه الروايات التاريخية أن يروي قصة مختلفة من شأنها أن تساعد على توضيح مأسسة اتجاهات مكافحة كراهية الأجانب وجرائم الاستبداد، وذلك قبل فترة طويلة من تسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
أدبيات الجريمة المنظمة
يأتي مضمون العمل في أربعة أجزاء عناوينها كالتالي: الأول: التخلص من النفايات: بناء فهم مقبول «للجريمة المنظمة»، الثاني: الكذب الدائر عن المجرمين: بناء «تاريخ» مقبول للجريمة المنظمة، الثالث: التستر على الفشل: بناء استجابة مقبولة على «الجريمة المنظمة»، والرابع: الفشل في البيع: وضع جدول الأعمال العالمي بشأن المخدرات والجريمة المنظمة وغسل الأموال.
ويحتوي كل جزء على مجموعة فصول، نبدأ بالجزء الأول الذي يحتوي على مقدمة يشير فيها الكاتب إلى أن كل مناطق تاريخ الجريمة المنظمة الأمريكية لم تكن معروفة وغير معترف بها من قبل الأمريكيين في أوائل القرن العشرين. وأن جرائم الاحتيال والعنف الممنهج ضد الأمريكيين الأفارقة والأصليين إما تم تبريرها كنتيجة قانون عنصري «فوقي» أو تم نسيانها مع بدايات القرن العشرين. وأن المعلقين والأكاديميين الذين فعلوا الكثير لتطوير الأدبيات عن الجريمة المنظمة، لم يعتبروا، على سبيل المثال، النشاط الإجرامي المنظم الموجّه ضد الأمريكيين الأصليين والأمريكيين الأفارقة كجريمة ناهيك عن الجريمة المنظمة، ف«المشكلة الهندية» و«مشكلة الزنوج» لم تكونا بالنسبة لهم جزءاً من مشكلة «الجريمة المنظمة».
وتتكون المقدمة من فصلين هما: أولاً: صعود وسقوط فضح التجاوزات القانونية في الأعمال التجارية، والحملة الأخلاقية في أمريكا وصناعة الأسواق غير الشرعية. كما يحتوي هذا الجزء على ثمانية فصول هي: تشارلز ج. داويس وصياغة الرأي العام بشأن الجريمة المنظمة، آل كابوني عدو عام رقم واحد، آل كابوني وأعمال الجريمة، إضفاء الطابع الأمريكي على حرب موسوليني المزيفة ضد المافيا، الجريمة المنظمة في دولة فاشية، التحقيق في الجريمة المنظمة والدعاية، توماس إي.ديوي وأكبر العصابات في أمريكا، من ضباط يكافحون الجريمة المنظمة إلى شركة للقتل.
ويتضمن الجزء الثاني أربعة فصول هي: تشكّل أسطورة «مؤتمر» أتلانتيك سيتي، دعم أسطورة «المؤتمر»، التطهير الذي لم يكن..، تاريخ الحكومة الأمريكية للجريمة المنظمة، ويتبعه ملحق بعنوان «لوتشيانو والحياة في المنفى».
تجاهل الحقائق
يتعمق الكاتب أكثر في الفصل الثالث حول خطورة التورط في الجريمة المنظمة بأسلوبها الحديث، والذي يؤثر على المجتمع بشكل مباشر. ويتميز بفصوله الكثيرة، إذ يأتي في 14 فصلاً: أساطير المافيا والاستجابة الاتحادية، الرئيس ريتشارد نيكسون ومكافحة الجريمة المنظمة، تحدي الاستقامة، استدامة وتحديث أساطير المافيا، من الحكومة العليا إلى الحكومات العليا: المراجعة التعددية للجريمة المنظمة، أصول نظام مكافحة غسل الأموال، المخبرون الكذابون والمذعورون، الاستيلاء على الأصول لتمويل حرب الجريمة، حظر المخدرات وظاهرة عصابات السجن، جرائم الأعمال المنظمة: حقائق خطيرة يتم تجاهلها، إلغاء القيود التنظيمية وظهور احتيال الشركات، الاحتيال والانهيار المالي، إخفاء فشل مكافحة الجريمة المنظمة، القمع كمكافحة للجريمة المنظمة.
يرى الكاتب أن الجهود الوطنية والدولية في الولايات المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة قد فشلت، وستستمر بالفشل طالما أن السياسيين الانتهازيين والبيروقراطيين المحترفين في الولايات المتحدة وغيرها اختاروا اتباع طريق غير قويم، وهذا الطريق يتكون من الإفراط في مراقبة الفقراء وتطبيق القوانين عليهم، وإهمال الأغنياء والميسورين وعدم إخضاعهم للقوانين بشكل فعلي. والحبس الجماعي في العقود الأخيرة ضاعف من أعداد الشبكات الإجرامية التي على الأرجح تكون جاهزة، ومتلهفة، وقادرة على اللجوء إلى العنف لكي تدير أعمال الابتزاز التي تقوم بها وتمنع من تعرضها للانكشاف. كما أن رفع القيود في العقود الأخيرة كان عاملاً أساسياً مساهماً في الانهيار المالي الذي حدث في 2007 / 2008، لأن ذلك سمح كثيراً لنشاط الجريمة المنظمة بالانتعاش من دون عقاب وبالتالي من دون كشف.
تبسيط الاستجابة
أما الجزء الرابع والأخير فيضم ستة فصول هي: فقدان جريمة الشركات من الجريمة العابرة للحدود، بناء القدرات، أمركة النظام البريطاني لمكافحة المخدرات، تبسيط الاستجابة الدولية للمخدرات و«الجريمة المنظمة»، القمع والأرباح والقتل: الولايات المتحدة في كولومبيا والمكسيك، التحالف الأطلسي كمغسلة للمال.
ويشير الكاتب في ختام عمله إلى أنه عند تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة كانت كلماته وكلمات المسؤولين في إدارته تشير إلى نهج على غرار الرئيسين السابقين نيكسون وريجان في اتباع «نهج قاس ضد الجريمة»، و«ضبط المحتكرين»، بينما غضوا الطرف عن تزايد فرص الجرائم المالية والتجارية المنظمة.
ويضيف أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تبقى القوة العالمية المهيمنة، إيديولوجياً وعسكرياً واقتصادياً، خلال عهد ترامب، وأنه من غير المحتمل أن يتغير فهم الجريمة المنظمة ومكافحتها. والنخب الحاكمة في أغلب البلدان الأخرى، من بينها روسيا والصين، يمكن أن تشهد جذباً إلى سياسات مكافحة الجريمة المنظمة بالاستناد على النموذج الأمريكي. ومثل موسوليني وأنصاره الأمريكيين في سنوات العشرينات والثلاثينات، يعرف الاستبداديون أن قمع الجريمة المنظمة هو سياسة مألوفة للدولة. كما أنهم يعرفون تحديد واختيار المجرمين المنظمين. موضحاً كلامه أكثر: «بين 1929 و1931 اضطلعت لجنة ويكرشام في الولايات المتحدة بالتحقيق الموضوعي والعلمي الأول والأخير المدعوم حكومياً في مشكلة الجريمة المنظمة. وكان من أهم توصياتها «إجراء تحقيق فوري وشامل وعلمي في الجريمة المنظمة في أرجاء الدولة، وذلك بهدف تطوير خطة ذكية لأجل مكافحتها». لكن من المحزن – يقول الكاتب- أنه لم يجرَ أي تحقيق، وسيطر السياسيون والبيروقراطيون والإعلاميون بشكل متناوب على مفهوم الجريمة المنظمة.
ويختم بالقول: الميول الاستبدادية والكراهية ضد الأجانب التي تميز رئاسة ترامب تشكل حافزاً لإجراء التحقيقات الوطنية والدولية التي ينبغي أن تنظر أولاً في الأحداث التي تدعى «الجريمة المنظمة». وهذه التحقيقات ربما تتيح تشكل خطة ذكية لمكافحتها ومنعها من الظهور. في الأثناء، لن تثمر جهود مكافحة الجريمة المنظمة في منع توالد شبكات العصابات الريادية، من بينها ما يتشكل في السجون، وتمتلك سلطة مطلقة في الجريمة المنظمة ضمن الأنظمة المالية والتجارية على وجه الخصوص.
نبذة عن الكاتب:
مايكل وودويس محاضر بارز في التاريخ في جامعة غرب إنجلترا.
وقد كتب على نطاق واسع عن الجريمة المنظمة على صعيد الشركات والدول، وله عدد من المؤلفات منها: «الجريمة المنظمة والسلطة الأمريكية» (مطبعة جامعة تورنتو، 2001)، و«رأسمالية العصابات: الولايات المتحدة والصعود العالمي للجريمة المنظمة» (دار كونستابل، 2005).

 

سرطان البنكرياس.. العدو الأشرس

سرطان البنكرياس

من منا لم يسمع بسرطان البنكرياس ومن منا لم يسمع عن قريب أو بعيد في عائلته أو معارفه وافته المنية بعد أسابيع قليلة من إعلان إصابته بسرطان البنكرياس، ومن منا من لم يسمع بالآلام الحادة والمعاناة الشديدة والأعراض المهولة التي يصاب بها مريض البنكرياس قبل وفاته.

كل من عايش التجربة من الناس عن قرب أو بعد مع أحد أقربائه أو معارفه يعرف معنى الإصابة بهذا الورم الفتّاك والسرطان الشرس ويعرف تبعاته القاسية وآثاره الهدّامة على المريض وعائلته ومحيطه.

يقع البنكرياس وهو إحدى الغدد الهامة بالجسم في الجزء العلوي من تجويف البطن خلف المعدة عند مستوى الفقرة القطنية الأولى والثانية، ويبلغ طوله 20 سم تقريبا، ووزنه 75-90 جراما. يعتبر البنكرياس أحد أعضاء الجهاز الهضمي الذي يعمل على هضم وتحليل وتحضير الطعام حتى يمكن امتصاصه والاستفادة منه في خلايا الجسم، حيث تتواجد في داخله قناة تسمى القناة البنكرياسية تربط بين البنكرياس والجزء الأول من الأمعاء الدقيقة، كما يوجد فيه نوعان من الغدد: غدد خارجية الإفراز وغدد داخلية الإفراز. تحدث الإصابة بسرطان البنكرياس غالباً في الجزء العلوي منه مما يؤدي إلى انسداد القناة الصفراوية والإصابة باليرقان. وقد ينتشر المرض إلى الأعصاب المجاورة والغدد الليمفاوية مسبباً الألم للمريض.

يعيش 7% فقط من مرضى سرطان البنكرياس لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات، ويتوفى 30% منهم خلال شهرين من التشخيص. وعلى الرغم من أن الجراحة هي الخيار الوحيد للشفاء من المرض، إلا أن المرض غالبا ما يكون قد وصل إلى مرحلة متقدمة للغاية في 80% من الحالات عند التشخيص، ويكون لا داعي لإجراء الجراحة عندئذ.

تتضمن الاختبارات اللازمة للتأكد من الإصابة بسرطان البنكرياس اختبارات الدم، والأشعة بالموجات فوق الصوتية، والأشعة المقطعية، والأشعة بالرنين المغناطيسي، والتنظير الداخلي، ومنظار تلوين قناة الكبد والمرارة وقناة البنكرياس، والتنظير الداخلي بالأشعة فوق الصوتية، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، وإجراء الخزعة على أنسجة من الجزء المصاب، وتنظير البطن. ومما لا شك فيه أن الذي يساعد في تقييم الحالة من الناحية المرضية وله الدور الكبير في التحضير لما يمكن تحضيره من استراتيجيات وسياسات علاجية هو ما يعرف بتصنيف الورم والذي يقسمه إلى مراحل إكلينيكية متصاعدة من مرحلة أولى مبكرة إلى مرحلة أخيرة متقدمة وميؤوس منها وهي موزعة على الشكل التالي:

المرحلة 1

حيث ينحصر وجود الورم في البنكرياس فقط، أي أنه لم ينتقل إلى أي عضو آخر بجانب البنكرياس. ويصنف المرض في هذه المرحلة بأنه في المرحلة المبكرة.

المرحلة 2

حيث ينتقل إلى الغدد الليمفاوية القريبة من البنكرياس أو يزداد حجمه من دون أن ينتقل إلى الأعضاء المجاورة.

المرحلة 3

حيث يجتاح الأعضاء المجاورة مثل البطن، والطحال أو الأمعاء الغليظة. ويمكن أن يجري ذلك مع إصابة الغدد الليمفاوية بذلك أو من دونها.

المرحلة 4

عند انتشار الورم إلى أعضاء أخرى مثل الكبد، أو الرئتين، أو بطانة المعدة. ويطلق الأطباء على هذه الحالة اسم مرحلة المرض المتقدمة.

تعتبر الجراحة أفضل وسيلة متبعة حاليا لحل مشكلة انتشار الورم شرط أن يكون الورم في مرحلته الأولية المبكرة ولم يخرج عن طور السيطرة إلى خارج البنكرياس هذا بالإضافة إلى خلو المريض المصاب من مشكلات صحية صعبة لا تتيح تطور العلاج الجراحي بشكل إيجابي ومن دون مشكلات أو تعقيدات.

وتُعتبر تقنية «ويبل» الجراحية من أشهر أنواع التقنيات الجراحية المعتمدة عالميا لاستئصال سرطان البنكرياس. وفي بعض الحالات المتقدمة يُستخدم أيضاً العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي في دعم العلاج الجراحي في بروتوكولات محددة ومرتبطة بالتقييم النسيجي لسرطان البنكرياس.

ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث تربط بين الإفراط في شرب الخمر والتدخين ونشوء سرطان البنكرياس، كما ظهرت أوراق بحثية كثيرة حول تأثير بعض العادات والسلوكيات (في الدول الغربية خصوصاً) كالمزج بين تناول اللحوم المقددة -وخاصة لحم الخنزير- وشرب البيرة في بعض الدول والمجتمعات وازدياد نسبة الإصابة بسرطان البنكرياس فيها، وذلك بسبب التفاعل الكيميائي الناتج عن اختلاط بين مواد تدخل في تركيبة البيرة مثل مادة «نيتروسامين» مع مواد دهنية وبروتينية موجودة في اللحوم المقددة مما يساعد على تحفيز الخلايا السرطانية وسرعة نموها وانتشارها في البنكرياس.

حاز سرطان البنكرياس على ألقاب كثيرة منها «السرطان القاتل» ومنها «السرطان الصامت» ومنها «الورم المخادع» لكن لقب «العدو الأشرس» هو الأكثر التصاقا بواقعه المميت والأوضح تعريفا بسيرته «الخبيثة» القصيرة وبصعوبة علاجه المستعصي.

ولقد أجمع الباحثون في مجال السرطان على قوة «شراسته» وشراسة «عدوانيته» في آن معا، نظرا لتمركزه في منطقة حساسة لا يمكن أن تصل إليها جميع العلاجات بما فيها العلاج الكيميائي ونظرا لقدرته على الانتشار السريع، حيث ينتقل بسرعة قياسية إلى دائرة تصل إلى الغدد اللمفاوية والكبد ثم يمتد ويتمدد وينتقل إلى مناطق أخرى كالرئة والعظام، محدثا آثارا مضاعفة تقضي على المريض في مدة زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات وتحدث لديه آلاما شديدة لا يمكنه تحملها.

من هنا تأتي أهمية الالتزام الشديد بإجراء الفحوص الدورية في كشف الأمراض بشكل عام والأورام بشكل خاص والحرص على متابعتها دوريا، وفي حال الكشف عن أية ظواهر أو كتل أو أورام جديدة يجب الإسراع إلى التأكد من مصادرها وتحديد أنواعها وأحجامها.

وبالتالي يجب على الإنسان العادي في عصرنا الحاضر المواظبة على إجراء الفحوص العامة والخاصة بشكل سنوي لمن تجاوز سن الأربعين (ومرتين في السنة لمن تجاوز الخمسين) وعدم إهمال تغيرات الجسم غير الطبيعية لأن الجسم في معظم الأحيان يرسل إشارات معينة وينقل شيفرات محددة لينبّه الإنسان ومن حوله إلى وجود خلل ما أو عوارض ما، منها ما يدخل ضمن نطاق «التقلبات» الدورية أو الطارئة وهي قابلة للعودة إلى طبيعتها الأولى ومنها ما هو خطير وغير قابل للعودة إلى وضعه الأساسي أو الطبيعي!

 

 

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

 

يكاد هذا الكتاب يشكل صيحة تحذير، لا بالنسبة للصين وحدها، ولكن بالنسبة لسائر الدول والكيانات السياسية التي تجتاز مراحل مفصلية من التحول من نظم وأساليب الحكم الشمولية إلى حيث تعتمد وتتبع نظماً تقوم على أساس الديمقراطية الليبرالية بكل ما تنطوي عليه من متطلبات الشفافية والمساءلة وإقرار حقوق القواعد الشعبية.

ويحفل الكتاب بحقائق مزودة بإحصاءات موثوقة لما يشوب المشهد الصيني في الوقت الراهن من آفة سلوكيات رأسمالية المحاسيب كما يصفها المؤلف، وهي ظاهرة سلبية بدأت بالذات مع إصلاحات الزعيم دينغ شياو بينغ التي خففت سطوة الدولة على كبرى المؤسسات الاقتصادية.

لم يكن الاغريق يعرفون أن لفظة كرونوس في لغتهم العريقة سوف تؤول في زماننا الراهن إلى أن تصدق على ظاهرة بالغة السلبية في عالم السياسة ودنيا الحكم وساحات الاقتصاد.

لقد اشتق منها عالمنا مصطلح كروني بمعنى طول الزمن، ومن ثم بمعنى الصديق القديم والصاحب الذي طال الأمد على مصاحبته وصداقته. ومن هذا المعنى جاء تعبير محاباة قدامى الأصدقاء والتحيز لمصالحهم، ولو كان ذلك للأسف على حساب مصالح الاخرين.

ثم تطوّر هذا المصطلح إلى حيث صاغوه في الانجليزية المحدَثة على أنه كروني كابيتاليزم. وحين جهدنا في نقله إلى عربيتنا الشريفة المعاصرة توصلنا إلى المصطلح الذي بات ذائعاً في الآفاق وهو: »رأسمالية المحاسيب«. وهذا هو العنوان الذي اختاره مؤلف الكتاب الذي نعايشه في ما يلي من سطور.

رأسمالية المحاسيب في الصين

الكتاب الصادر مؤخراً عن جامعة هارفارد بقلم البروفيسور الصيني الأصل مكسين بيي، أستاذ أصول الحكم في الجامعات الأميركية.

وعلى الرغم مما قد يعكسه الكتاب من موقف حاد تجاه المشهد الصيني الراهن، إلا أن نهج التحليل الانتقادي الذي يتبعه المؤلف، وهو في أصوله كما ألمحنا من أهل الصين ويجيد لغتها، مازال مفيداً في قراءة سلبيات هذا المشهد، الذي يكاد يقارب نظيره في روسيا الراهنة،.

فيما يمكن أن يفيد هذا العرض التحليلي في تنبيه كل الدول التي ما برحت تجتاز مراحل الانتقال وأطوار التحول من نظم ونظريات ومنظومات تجاوزها الزمن، وباتت تقتضي تطوراً في المسارات والتوجهات والأفكار على السواء.

ولأن رأسمالية المحاسيب تنصرف بداهة إلى سلوكيات مرفوضة تقوم على أساس محاباة المقرّبين وتمييز لحساب الصديق والقريب والمنافق على حساب جموع المواطنين من أصحاب الحقوق المشروعة، فإن المؤلف لا يتورع عن إضافة عنوان فرعي لهذا الكتاب في عبارة تقول: ديناميات اضمحلال النظام الحاكم.

تتمثل انطلاقة هذا الكتاب في اللحظة التي تولّى فيها دينغ شياو بينغ ثاني الزعماء التاريخيين للصين الشعبية مقاليد الحكم في البلد الأسيوي الكبير. كان ذلك بعد وفاة زعيمها رقم واحد وهو ماو تسي تونغ (1893- 1976). أعلن بينغ عن قراره باتباع نهج جديد يكاد يكون مغايراً لسلفه موضحاً أن تطبيق الاشتراكية في حكم الصين لن يلتزم حرفياً بالفكر الماركسي بل سيكون له خصائصه الصينية الأصيلة.

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني2

 

سلبيات

لكن أحوال الصين بعد رحيل دينغ شياو بينغ، آلت إلى سلبيات تمثلت، برأي مؤلف كتابنا، إلى تزايد التوترات الاجتماعية وتفشي آفة الرشوة وتفاقم حالة اللامساواة بين فئات المجتمع وشيوع سلوكيات الفساد مما هيأ أكثر من فرصة سانحة للتكسب لحساب الفئات المحظوظة من الأصدقاء والأقرباء وطبعاً على حساب جموع المواطنين العاديين ولدرجة هيأت المناخ لنشوء طبقة جديدة من المليارديرات التايكونات الذين باتوا يتطلعون إلى أن يخدمهم في مساكنهم الفاخرة فئة السقاة على طريقة أرستقراطية الانجليز على نحو ما نشرته »نيويورك تايمز«.

ويذهب المؤلف أيضاً إلى أن هذه الظاهرة بدأت مع استهلال عقد التسعينات من القرن العشرين حيث بدأ تطبيق تعاليم دينغ في كسر احتكار الدولة وسيطرة الأخيرة الحاكمة على كل مقدرات البلاد.

وكان ذلك في جوهره النظري أمراً إيجابياً. لكن ما لبث أن تحوّل إلى النهج السلبي متمثلا كما يوضح مؤلفنا في تحويل المقدرات المؤسسات، المصالح الاقتصادية من سيطرة البيروقراطية الحكومية إلى حيث تخاطفتها أيادي ومصالح المسؤولين الحكوميين ودوائر البيزنس وبارونات الرأسمالية المستجدة.

وتم ذلك كما يضيف الكتاب أيضاً، بهدف مراكمة الثروات من خلال الاستيلاء بطرق ملتوية على الممتلكات التي كانت في السابق في حوزة الدولة الصينية وضمن ممتلكاتها العمومية، وخاصة في مجالات الأراضي المشاع والموارد الطبيعية والأصول التي كانت تضمها المشاريع التي كانت خاضعة لإدارة الدولة.

تورطوقبل أن يشهر القارئ أو المحلل سيف الانتقاد أو التشكك في نوايا المؤلف، فإن البروفيسور منكسين يبادر على طول الصفحات إلى تجميع ما يزيد على 200 حالة فساد تورّط فيها العديد من مسؤولي الحكومة، بل ومسؤولي إنفاذ القوانين، فضلا عن العديد من رجال الأعمال وأعضاء تشكيلات الجريمة المنظمة.

وفي خضّم هذا الخليط من فساد الذمم وانتهازية السلوك وخلل المعاملات، تجلت ظاهرة رأسمالية المحاسيب بكل تداعياتها السلبية على الدولة والحزب الحاكم والمجتمع الصيني بشكل عام.

ظاهرة سلبية

ثم يعلق المؤلف على هذه الظاهرة السلبية موضحاً أن المسألة ليست مقتصرة على مجرد السلوك غير القويم، ولا حتى على الخلل في توزيع المغانم أو المزايا:

لكن الخطأ الأفدح بنظره، مازال متمثلا في أن استمرار هذه الظاهرة من شأنه أن يجعل من أي محاولة جادة ومخلصة للتحول نحو الديمقراطية أو الحكم الرشيد سوف تصادف صعوبات كأداء، وهي صعوبات يراها المؤلف كامنة تحت سطح الصورة الايجابية التي تتسم بها أحوال الصين الدولة والحزب والنظام في الوقت الراهن.

ثم إن المشكلة لا تقتصر في رأي مؤلفنا على المستويات القيادية العليا في الحزب الشيوعي الحاكم أو في بيروقراطية الدولة الصينية: لقد زادت المشكلة حدّة من واقع امتداد فساد رأسمالية المحاسيب إلى حيث باتت تشمل مستويات شتى، بعيداً عن مستوى القمة أو القيادات العليا، وإلى حيث وصلت إلى المستويات القاعدية التي تضم مسؤولين من المستوى المتوسط وأحياناً المستويات الدنيا.

وكله يتم بالطبع على حساب مصالح أوسع قواعد الجماهير من أصحاب المصلحة الأصليين في إدارة الشأن العام.

المؤلف

البروفيسور منكسين بيي أستاذ وخبير متخصص في دراسة النظام وإدارة شؤون الحكم في جمهورية الصين الشعبية وفي علاقات الولايات المتحدة مع الصين، إضافة إلى قضايا التحول الديمقراطي في الأقطار النامية على وجه الخصوص.

وقد نال درجة الليسانس باللغة الانجليزية من جامعة الدراسات الدولية في شنغهاي، وبعدها نال درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة.

ويُعد المؤلف مرجعاً في قضايا التحولات السياسية والاقتصادية التي ما برحت تطرأ على المشهد العام في جمهورية الصين الشعبية.

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

 

كيف تتشكل الديمقراطيات وما الذي يجعلها تموت؟ في كتابه الجديد هذا يعيد دانيال زيبلات النظر في هذا السؤال الكلاسيكي، من خلال سرد تاريخي يتتبع فيه تطور الديمقراطية السياسية الحديثة في أوروبا منذ بداياتها المتواضعة في بريطانيا في سنوات 1830 إلى استيلاء هتلر في عام 1933 على السلطة في جمهورية فايمر ألمانيا، ودور الأحزاب المحافظة، خاصة في بريطانيا وألمانيا، في ترسيخها لخدمة مصالحها، كما يقدم الكتاب تحليلات وآراء تساعدنا في فهم التطور الديمقراطي الراهن، وكيفية إزاحة الأنظمة الاستبدادية في كل مكان بالعالم.
بالاستناد إلى الأدلة التاريخية النوعية، يقدم زيبلات إعادة تفسير مهمة للتاريخ الأوروبي، ومسألة كيفية تحقيق الديمقراطية السياسية المستقرة في عدد من البلدان، إذ يجد أن الحواجز التي تعترض سبيل الحكم السياسي الشامل، لم يتم التغلب عليها بشكل حتمي عبر حالات المد والجزر التي لا يمكن وقفها جراء التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وهو انتصار بسيط يُحسب للطبقة الوسطى المتنامية، أو حتى من خلال العمل الجماعي للطبقة العاملة. ويشير إلى أن مصير الديمقراطية السياسية كان يتوقف بشكل مفاجئ على كيفية قيام الأحزاب السياسية المحافظة، المدافعين التاريخيين عن السلطة والثروة والامتيازات، بإعادة تشكيل نفسها والتعامل مع صعود اليمين الراديكالي.
ولادة الديمقراطية
يرى الكاتب أن السنوات من 1848 إلى 1950 تمثل فترة حاسمة في تاريخ الديمقراطية، قائلاً «العالم السياسي صامويل هنتنجتون وصف القرن التاسع عشر الطويل بأنه يجسد موجة الديمقراطية الأولى، خاصة عندما بدأت كل من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية بالالتقاء على مجموعة مشتركة من المؤسسات الديمقراطية الحديثة، من بينها حق التصويت، والحريات المدنية»، ويضيف: «في حين أن مبدأ الديمقراطية السياسية نفسه يتطور باستمرار، فإنه خلال هذه الفترة ظهرت هذه المؤسسات التي شغلت اهتمامنا أولاً في العالم الحديث، في بعض الأحيان بالتزامن مع بعضها البعض، وفي أحيانٍ أخرى بشكل منفصل، لكنها دائماً ما تحول بنية الحكم السياسي. وعلى الرغم من حدوث صراع بسهولة على تواريخها الدقيقة وملامحها الأساسية، فإن التجارب والاتصالات المشتركة لهذا العصر، تؤهله بشكل حتمي ليكون عصراً محدداً ليس فقط بإرساء الديمقراطية، بل أيضاً بالحركات المضادة للمحافظين والمنظمة بشكل كبير».
ويرى زيبلات أنه اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر، قدمت البواخر، وأسلاك التلغراف عبر مياه المحيطات، والسكك الحديدية «خطوط القوة» الجديدة التي ربطت أوروبا، مع أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية في فضاء اقتصادي اجتماعي ملتحم إلى حد كبير. وضمن العالم الأطلسي، تقاطعت بشكل كبير طرق التجارة وخطوط الاتصالات الجديدة، ما دفع بمجموعة من المبادئ والأفكار السياسية التقدمية، من بينها صعود السياسة الاجتماعية الحديثة، والتشريعات الاقتصادية، وتخطيط المدن، وفرض النظام الضريبي المتقدم على الدخل، والديمقراطية، إلى جعل «المعابر الأطلسية» تعيد تشكيل السياسة المحلية على نحو عميق.
ويقول أيضاً «على العموم، هذه الفترة لم تكن محددة فقط بصعود الديمقراطية أحادية الجانب على نحو وحيد. لم يكن هناك من خط مستقيم، ولا موجة وحيدة من الديمقراطية بل بالأحرى كانت هناك موجتان؛ واحدة منها الديمقراطية، والثانية هي الاستبداد. هاتان الموجتان تتحركان في اتجاهين متعاكسين، وكثيراً ما تصطدمان. كما أن تعايش هذين الاتجاهين المتناقضين يجعل هذا العصر حقلاً غنياً للعلماء المعاصرين. وفي يومنا هذا، نجد أن العالم تعرّض لسلسلة من انفجارات الانفتاح الديمقراطي التي كانت سياسية ونشطة وعابرة للدول، لكنه أيضاً تعرّض إلى انحدار رجعي عادت فيه الأنظمة الاستبدادية إلى تأدية وظيفتها السابقة، وظهرت أشكال جديدة من القمع والاضطهاد، وتعرضت الجهود الرامية إلى إرساء الديمقراطية للهزيمة. العديد من الأنظمة السياسية اختبر حالات من الانفتاح والانكماش، وغالباً في فترة قصيرة».
ويضيف: «على سبيل المثال، بداية العقدين قبل 1848، انتشرت سلسلة متواضعة من الديمقراطية عبر العالم الكائن في شمالي الأطلسي. فالولايات الأمريكية حينها بدأت تخطو بهدوء في عملية إلغاء متطلبات الملكية لأجل التصويت للرجال البيض في أماكن مثل ماساتشوستس في 1821، في مواجهة معارضة شخصيات بارزة مثل جون آدامز ودانييل ويبستر، ومع ذلك فقد امتدت إلى كل الولايات تقريباً في سنوات 1850. في فرنسا، في صيف 1830، بعد قرارات شارل العاشر القاسية عمت الاحتجاجات والحواجز شوارع باريس، وأطيح به، وطالب الديمقراطيون الفرنسيون بإجراء انتخابات عامة. وفي بريطانيا، قانون الإصلاح في 1832 كان بشكل جزئي استجابة للفوضى الاجتماعية، في حين بدأت حركة تشارتيست الراديكالية في أواخر 1830 بالدفع إلى إجراء حق التصويت العام لجميع الرجال».
انعطافة في تاريخ الديمقراطية
يشير الكاتب إلى أنه في اضطراب عنيف آخر، لكن على نحو أكبر، سرعان ما ترددت أصداؤه عبر العالم الأطلسي، أثارته الفوضى الاقتصادية العالمية، إذ إن ثورات 1848 أنهت حكم الملك لويس فيليب، في فرنسا، ما دفع الأمر إلى إنهاء الأنظمة الاستبدادية لفترة قصيرة في قلب وجنوب أوروبا، وكان لذلك تأثير كبير في تعزيز الإصلاحات الأساسية في بلجيكا، والدول الإسكندنافية، وعبر الأطلسي، ما دفع إلى حالات تمرد في شمال شرقي البرازيل وتشيلي. لكن على العموم بعد آمال بإرساء الديمقراطية، سرعان ما بدأت في 1849 و1850 العديد من الأنظمة القمعية تعيد تشكيل نفسها، ونشأ عن ذلك ولادة استبداد عنيف استمر لعدة عقود.
في أواخر 1860 وأوائل 1870 وجدت انعطافة جديدة في تاريخ الديمقراطية عبر الأطلسي. وخاصة مع نشوب الحروب الأهلية التي قادت إلى بناء الدول – الأمم الحديثة، حيث أعاد السياسيون تشكيل مجتمعاتهم. أما في القرن العشرين، فيشير الكاتب إلى ظهور حركة جديدة قادت إلى تقييد الديمقراطية، إلّا أنه كان هناك إصلاحيون يمضون قدماً مع إصلاحاتهم الديمقراطية المحدودة في الأيام التي تسبق الحرب العالمية الأولى. على سبيل المثال، وصل الاقتراع العام إلى السويد في 1907 و1909، لكن برلمانها مع ذلك لم يكن بالقوة المطلوبة، وكذلك سلطة الفيتو لمجلس اللوردات البريطاني كانت ضعيفة في 1911، لكن كان الاقتراع العام لا يزال مقيداً، وفي الأرجنتين في 1912 سُمح حينها قانون بحق الاقتراع، لكن للرجال فقط.
ويشير إلى أنه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى والانهيار المتزامن للإمبراطوريات العثمانية والروسية والألمانية، والنمساوية – المجرية، شهدت بلدانها بالكامل تقدماً هائلاً في الديمقراطية الجماعية. قبل 1918 كانت هناك ثلاث جمهوريات في أوروبا، لكن بعد الحرب أصبحت 13 جمهورية. وفي 1922 قال المراقب البريطاني المؤثر، جيمس برايس، إنه كان يشاهد «قبول الديمقراطية على المستوى العالمي كشكل الحكومة الطبيعي والنموذجي». لكن عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم، وانحلت الديمقراطيات بشكل سريع، وأصبحت البرلمانات موضع سخرة وانتقاد لاذع من قبل اليمن واليسار بشكل كبير، سقطت الديمقراطيات، أولاً في بولندا، البرتغال، إيطاليا وإسبانيا، وبعد 1928، حتى في واحدة من أغنى دول العالم وهي، ألمانيا، وعبر الكرة الأرضية.
عالم مترابط
على الرغم من أن الديمقراطية كانت موضوع العصر، إلّا أن عصرنا هذا يجذب انتباهنا أكثر كما يذكر الكاتب، لأنه جاء بعد سلسلة من التوسعات والتقلصات السريعة التي حددت كل العصور الديمقراطية، من بينها الأمريكية. ويرى أنه مع تحول العالم إلى شكل أكثر ترابطاً في المجال الاقتصادي، لم تكن السياسة بمعزل عنها، بل أيضاً أصبحت متصلة. فتقلبات أسعار القمح في أسواق شيكاغو استطاعت أن تؤثر بشكل كبير على إقطاعيي شرق بوروسيا الأكثر ثراء، الذين كان لهم نفوذ في جمهورية فايمر، ألمانيا، واستهلاك الطبقة الوسطى في مناطق مثل تشيلي ورومانيا تضاهي الطبقة الوسطى في فرنسا وبريطانيا، ويقول عن ذلك «السياسة أيضاً أصبحت الآن أكثر ترابطاً وتشابكاً والقوى المزدوجة لإرساء الديمقراطية والمناهضة لها تسيران جنباً إلى جنب، ما يجعل هذه الفترة حاسمة، ليس فقط لفهم ولادة الديمقراطية الحديثة في أوروبا، بل أيضاً لتحليل محاولة استيعاب أسباب التطور الديمقراطي طويل المدى على نحو عام أكثر».
يركز الكاتب في عمله على التجربتين البريطانية والألمانية لإرساء الديمقراطية، حيث كانتا محور قصة عامة على نحو أكثر عن كيفية استقرار وثبات المسارات التي تقود إلى الديمقراطية المتحققة في أوروبا، ويقف عند كل بلد على حدة، وكيفية تطور الأحزاب المحافظة فيه، ويقارن بين التجربتين في القسم العاشر من العمل، مشيراً إلى أن «ألمانيا وبريطانيا نموذجان من الأنظمة التي أرست الديمقراطية في أوروبا، حيث النخب القديمة فيهما اندمجت مع نظام جديد بطرق مختلفة مع عواقب مهمة بشكل عميق. وعكس الحق الانتخابي الضعيف والممزق في البرتغال وإيطاليا التجربتين الألمانية والإسبانية قبل 1914 والديمقراطيات الناشئة كلها كانت هشة للغاية في سنوات ما بين الحربين العالميتين. وبالنسبة للدنمارك وبلجيكا وهولندا، فهي حالات كان فيها إما يتسلم وسط اليمين زمام السلطة، أو كان منافساً حيوياً خلال السنوات من 1920 إلى 1930، وهي تعكس التجربة البريطانية والسويدية. في الحالات اللاحقة، فإن أحفاد معارضي الديمقراطية من «النظام القديم» أصبحوا مشاركين متحمسين في العملية السياسية الديمقراطية. وبينما كانت فرنسا تلائم بشكل غير مريح بين هذين النمطين، فإن الطبيعة الضعيفة للسياسة المحافظة، أسهمت في تشكيل حالة متزعزعة من الديمقراطية في فرنسا أواخر 1930.
ونضيف على كلامه السابق، مما يقوله في خاتمته، إن التجارب التاريخية لألمانيا وبريطانيا توضح أن المعارضين السابقين للديمقراطية، وأصحاب الثروات والنفوذ، يمكن جعلهم يتعايشون مع الديمقراطية المستقرة، مؤكداً أن «قدرة نخب النظام القديم على تشكيل حزب سياسي محافظ قوي ونشيط يمثل مصالحهم في النظام الجديد، هو عامل أساسي في التطور الديمقراطي».
الكتاب صادر حديثاً ضمن سلسلة دراسات كامبريدج في السياسة المقارنة في 448 صفحة عن مطبعة جامعة كامبريدج باللغة الإنجليزية، ويأتي في 11 قسماً:
1 نمطان من إرساء الديمقراطية. 2 النظام القديم ومحنة المحافظين. 3 من 1688 إلى السياسة الجماهيرية: إرساء الديمقراطية البريطانية. 4 دورة فاضلة؟ قوة المحافظين وطريق بريطانيا المستقر 1884- 1906. 5 تجنب كارثة ديمقراطية في بريطانيا 1906- 1922. 6 السياسة المحافظة للأحزاب الضعيفة وحالة ألمانيا. 7 الديمقراطية المتوقفة في ألمانيا قبل 1914. 8 المسار غير المستقر: ضعف المحافظين في ألمانيا فايمر 1918- 1928. 9 الطوفان: ضعف المحافظين والانهيار الديمقراطي في ألمانيا. 10 كيف يتم إرساء الديمقراطية في الدول: أوروبا وما بعدها.11 الخاتمة. وتأتي ثلاثة ملاحق في الكتاب.
نبذة عن الكاتب
دانيال زيبلات، هو أستاذ الحكومة في جامعة هارفارد. وتشمل اهتماماته البحثية والتدريسية الديمقراطية، وبناء الدولة، والسياسة المقارنة، والاقتصاد السياسي التاريخي، مع اهتمام خاص بالتنمية السياسية الأوروبية. لزيبلات مؤلفات عديدة منها كتابه الأول «هيكلة الدولة: تشكيل إيطاليا وألمانيا ولغز الفيدرالية» (2006، مطبعة جامعة برينستون) الذي نال العديد من الجوائز من رابطة العلوم السياسية الأمريكية.

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

شكّلت الديمقراطية في عدد من الدول الإفريقية بعد الحرب آلية حاسمة لبناء السلام في المجتمعات المتناحرة من خلال حل الصراع عبر التوجّه إلى صناديق الاقتراع، إلا أن نتاجاً ثانوياً من التحالف حصل، وغالباً ما يتم تجاهله في الانتخابات، وهو أن القادة العسكريين السابقين غالباً ما يصبحون جزءاً لا يتجزأ من النظام الديمقراطي الجديد، ويستخدمون الموارد والشبكات التي ولدتها الحرب السابقة للسيطرة على المشهد السياسي الناشئ. يحاول هذا العمل الإجابة عن سؤال يتم التغاضي عنه وهو: ما مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب؟
قام بإعداد وتحرير هذا العمل أندرس ثيمنير، وهو باحث بارز في معهد شمال إفريقيا وأستاذ مساعد في دراسات السلام والنزاعات في إدارة أبحاث السلام والنزاعات بجامعة أوبسالا السويدية، إذ جمع مجموعة من الباحثين لمناقشة مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب، وما إذا كان من الممكن لأمراء الحرب السابقين أن يساهموا بشكل إيجابي في حماية ورعاية دوائرهم الانتخابية زمن الحرب لدعم بناء السلام والديمقراطية، أو ما إذا كانوا أكثر عرضة لاستخدام منصاتهم الانتخابية لرعاية العنف السياسي وإبقاء المجتمعات المتضررة من الحرب في حالة تعبئة عبر الخطابات العدوانية.
يحتوي الكتاب الصادر حديثاً ضمن سلسلة «إفريقيا الآن» عن دار «زيد بوكس» البريطانية باللغة الإنجليزية في 272 صفحة من القطع المتوسط، على مجموعة غنية من التفاصيل التجريبية الجديدة والرؤى النظرية، من خلال التركيز على بعض الشخصيات السياسية رفيعة المستوى في إفريقيا، كانوا عسكريين سابقين، ومن هذه الشخصيات: (أنتيباس مبوسا نيامويسي) من جمهورية الكونغو الديمقراطية، و(جواو برناردو فييرا) من جمهورية غينيا بيساو، ومن ليبيريا (سيكو كونيه وبرينس جونسون)، ومن موزمبيق (أفونسو دلاكاما)، ومن رواندا (بول كاغمي)، ومن سيراليون ( يوليوس مادا بيو، وألدريد كولينز، وصامويل هينجا نورمان)، ومن جنوب السودان (رياك مشار).
ويشير المحرر ثيمنير إلى أن «الهدف من هذا الكتاب ليس فقط تأسيس ما إذا كان العسكريون السابقون الذين يسعون إلى استلام زمام الحكم يروجون أو يقوضون الأمن، لكن أيضاً ليتتبع بشكل حثيث المسارات التي عبرها يقومون بذلك. نحن بالتالي نأمل أيضاً أن نقول شيئاً ما حول أي العوامل – على سبيل المثال: العوائق الانتخابية، القدرة على سوء التصرف، تكاليف إساءة السلوك وسمات الشخصية – تؤثر على خيارات العسكريين السابقين ليصبحوا إما أمراء السلام أو المحرضين على عدم الاستقرار. والهدف النهائي من هذا العمل كذلك هو القيام بمساهمة في أدب بناء السلام وديمقراطية ما بعد الحرب، إذ أنه حتى الآن تم التغاضي عن هذا الموضوع المهم الذي يمكن أن يقول الكثير عن الاستراتيجيات التي يمكن لصنّاع السلام توظيفها عند المواجهة مع أنواع مختلفة من الديمقراطيين أمراء الحرب».

الاستثمارات زمن الحرب

يذكر المحرر أندرس ثيمنير في مقدمة الكتاب بعنوان: «ديمقراطيون أمراء حرب: الاستثمارات زمن الحرب، عودة الديمقراطية؟» أن «استخدام مصطلح (Warlord Democrat
) التي تعني «ديمقراطي أمير أو سيد حرب» ينبثق من قرار واع بهدف الاستفزاز. إذ يثير من خلاله أسئلة فورية حول ما إذا أمكن للفرد أن يكون في الوقت ذاته ديمقراطياً وأمير حرب، ويتحدى الميول الطبيعية لتصنيف الفاعلين والممارسات في ثنائيات منمقة: الحرب / السلام – الديمقراطية / الأوتوقراطية – فاسد / عرضة للمساءلة. ويضيف: «على أية حال، في العديد من البلدان النامية بشكل عام، والمجتمعات الإفريقية ما بعد الحرب الأهلية بشكل خاص، تعيين صفات ونسبها للفاعلين السياسيين سرعان ما تصبح علاقة فوضوية. وهذا بشكل عام نتيجة ديناميات تشكيل النخبة المحلية». ويجد أنه: «بالنظر إلى التأثير السياسي للديمقراطيين أمراء الحرب، فمن المشكوك فيه ما إذا كنا نفهم حقاً ديناميات سياسات ما بعد الحرب ونقيّم قدرة الأنظمة «الديمقراطية» على تعزيز السلام والأمن من دون الإقرار بقوتهم كأفراد. وهذا صحيح بشكل خاص عند اعتبار القادة العسكريين السابقين هم من صنف الأفراد الذين يمتلكون قدرة كبيرة على دعم عدم الاستقرار وإضعاف قدرة الديمقراطية على أداء آلية حل الصراع»، ويرى أن نقص إيلاء الاهتمام بالديمقراطيين أمراء الحرب هو جزء من ثغرة بحثية أكبر غالباً ما تشوش دور ومسؤولية النخب الأفراد في دراسة الحرب والسلم، مضيفاً أن دمقرطة ما بعد الحرب ربما – على المدى القصير على الأقل – لديها ارتباط قليل مع بناء المؤسسات والأحزاب السياسية، بل يقع على عاتقها أكثر تحويل «أمراء الحرب» إلى «أمراء السلام».
ويتساءل أندرس ثيمنير: «ما الذي نراه عندما نبدأ في تحليل أفعال وخيارات الديمقراطيين أمراء الحرب وهم يناورون ضمن سياق السياسة الانتخابية؟ هل نرى القادة السابقين يحتضنون الأنماط الديمقراطية، ويمتنعون عن دعم العنف ويعملون كوكلاء للتغيير؟» ويضيف أنه «وفقاً لوجهة النظر هذه، يصبح السلام ممكناً فقط عندما يصل القادة العسكريون السابقون إلى خلاصة أن الحرب لم تعد لمصلحتهم أو لمصلحة حركتهم. وليس فقط هذا الإدراك يدفع قادة الحرب السابقين إلى القبول بالسلام، بل عليهم أيضاً أن يلزموا أنفسهم ببناء المؤسسات الديمقراطية وإجراء الانتخابات المنتظمة».

الديمقراطية الهشة

وعن العملية الديمقراطية ومدى تماسكها، يوضح ثيمنير أن ذهنية القادة السابقين لا تزال أسيرة الحرب في الوقت الذي لديهم حوافز لتعبئة الدعم لعملية السلام وإقناع مناصريهم لوضع حد للصراعات المستقبلية عبر صناديق الاقتراع. ويعلق على ذلك: «يتساءل العديد من المراقبين والباحثين، على العموم، على نحو متزايد عن الحكمة من استخدام الفاعلين والهياكل التي كانت موجودة زمن الحرب وجعلها كقاعدة لإرساء السلام والديمقراطية. ووفقاً لوجهة النظر هذه، فإن التماسك الديمقراطي من المرجح كثيراً أن يحدث عندما «تظهر قيادة جديدة، تسعى إلى تنظيم السياسة بطريقة مختلفة عن أولئك الذين تبنوها عبر القادة والأحزاب التي فقدت مصداقيتها في الماضي»، وإلا فإن هناك خطرا وشيكا من أن عمليات الدمقرطة تكون مغلقة قبل أوانها. وهذا يبدو أنه يشير إلى أن هؤلاء القادة السابقين يمكن رؤيتهم سياسيين ميكافيليين والذين لأسباب استراتيجية يحتضنون السمات الديمقراطية، وعندما تعطى لهم الفرصة، يظهرون ألوانهم الحقيقية من خلال الانخراط في سلوك عدواني وهدام أكثر.

يأتي الكتاب في سبعة أقسام، في الأول منه يتناول الباحث جوديث فيرويجن فيه مسارات القائد السابق للتجمع الكونغولي للديمقراطية أنتيباس مبوسا نيامويسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الحرب. كان حزبه يحظى بتأييد حكومة رواندا، وكان فصيلاً مسلحاً أساسياً في حرب الكونغو الثانية (1998-2003). لكن جهود نيامويسي حولته إلى حزب سياسي ليبرالي اجتماعي في عام 2003 بعد أن توقفت الحرب في البلاد، وتقدم بدوره إلى ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية في 2006 و2011. في البداية حظي بدعم نظام الرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا لكن لم يستمر هذا الدعم طويلاً، فأصبح نيامويسي من المعارضة، لا بل بات يروّج إشاعات بتأثيره على جماعات مسلحة من المعارضة. بهذا الأسلوب، أراد مبوسا نيامويسي أن يستعيد النفوذ السياسي من خلال نشر روايات الصراع كمورد تعبئة. ويشير الباحث رغم أنه من الصعب التأكيد إلى أي مدى دعم فيه مبوسا نيامويسي الأشكال المختلفة من العنف المنظم، إلا أن استراتيجيته ضمنت كمية معينة من العلاقة السياسية المستمرة.

خطابات السلام والخوف

ويركز الباحث لارس والدورف في الفصل الثاني على جهود الرئيس الرواندي بول كاغامي زعيم حزب الجبهة الوطنية، في تمركز القوة في رواندا ما بعد الإبادة، ويشير إلى أنه حتى لو تحكم كاغامي بحكم الأمر الواقع بمقاليد الحكم بعد الانتصار العسكري لحزب الجبهة الوطنية في 1994، لكنه لم يصبح رئيس رواندا حتى عام 2000. في فترتين انتخابيتين متتاليتين في 2003 و2010 أعاد كاغامي وحزبه تأكيد التمسك بزمام السلطة. ويضيف أن فترة كاغامي في الحكم تسلط الضوء على مأزق كبير لإعادة البناء ما بعد الحرب، فأنماط القيادة العسكرية يمكن من جهة أن تسهل الإنجازات التنموية والاقتصادية المدهشة (التي بشكل مفترض كان لها تأثير مستقر على مسألة الأمن في رواندا ما بعد الحرب)، ومن جهة أخرى يمكن أن تولد انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. ويشير والدورف إلى أن خيار النظام باستهداف المعارضين السياسيين الفعليين والمشكوك بأمرهم كان وظيفة من وظائف شخصية كاغامي، والحقيقة أن جماعة توتسي المناصرين الرئيسيين لكاغامي لا يشكلون سوى 15% من سكان رواندا.
ويحلل كل من الباحثين كاري مانينج وأندرس ثيمنير في الفصل الثالث الانتخابات في ليبيريا، وخطابات السلام والخوف في سياقها، وخاصة في حالة القادة العسكريين السابقين في ليبيريا، وأبرزهم سيكو كونيه وبرنس جونسون، إذ يبين الباحثان أن كونيه فشل في إقناع الناخبين في جعله رئيساً في 2005، بينما نجح جونسون في الوصول خلال الانتخابات ليصبح عضواً في مجلس الشيوخ في 2005 و2014 (وفي كلتا الحالتين كشخصية مستقلة) وفي 2011 شارك في الانتخابات الرئاسية كزعيم حزب سياسي للاتحاد الوطني للتقدم الديمقراطي، ويتوقف الباحثان عن كيفية فرض هذين الشخصين اللذين كانا قائدين عسكريين سابقين في بث الخوف في سياق العملية الديمقراطية.

استخدام العنف

ويسلط الباحث أليكس فينس في الفصل الرابع الضوء على السياسي الموزمبيقي أفونسو دلاكاما القائد السابق للمقاومة الوطنية الموزمبيقية المعروف اختصاراً باسم «رينامو»، ويتناول كيفية عودة «رينامو» إلى النزاع المسلح منذ عام 2013، كما يتعقب الجهود المبذولة في العلاقة السياسية المستمرة خلال فترة الانتقال من الحرب إلى السلم في موزمبيق، وعن مشاركة دلاكاما في الانتخابات أواخر التسعينات والتطورات الحاصلة، ثم عن العنف الذي تصاعد في السنوات الأخيرة، ويعلق الكاتب هنا: في الديمقراطيات المعطوبة، الديمقراطيون أمراء الحرب يمكن لهم أن يكسبوا المزيد ويجروا صفقات سياسية واقتصادية، تسمح لهم باستدامة شبكات الرعاية والحماية لديهم، وذلك من خلال السعي إلى إجبار النظام الحاكم عبر التهديدات، التظاهرات والعنف لتلبية طلباتهم.

أما الفصل الخامس فيتناول فيه الباحث هنريك فيج سيرة العسكري والسياسي جواو برناردو فييرا من غينيا بيساو، والذي يعد أحد أكثر الديمقراطيين من أمراء الحرب المبتكرين والمرنين في إفريقيا، استطاع خلال مسيرته السياسية أن يقدم نفسه بشكل ذكي كمقاتل لأجل الحرية محتفى به، لكنه في الواقع كان ديكتاتوراً ماركسياً خلال فترتين رئاسيتين من 1980 إلى 1984 ومن 1984 إلى 1999، حيث أسقطت الحرب الأهلية حكمه، ولكنه عاد إلى الحكم في 2005 وبقي حتى اغتياله في 2009.
وفي الفصل السادس يتوقف الباحثان ميمي سوديربيرج كوفاس وإبراهيم بانجورا على سياسة ما بعد الحرب في سيراليون، ويناقشان ثلاثة من الديمقراطيين الذين كانوا عسكريين متنفذين هم يوليوس مادا بيو وإلدرير كوينز، وصامويل هينجا نورمان. ويتطرق الفصل السابع للباحثين – يوهان بروشه وكريستين هوجلوند إلى شخصية السياسي رياك مشار النائب السابق لرئيس جنوب السودان ودوره في فرض هيمنة الحزب على الحياة الاقتصادية والسياسية في جنوب السودان بعد اتفاقية السلام الشاملة في 2005. ويختم المحرر أندرس ثيمنير عمله بالخاتمة المعنونة «أمراء السلام الغامضون: العوائد المتناقصة لديمقراطية ما بعد الحرب».

 

سياسة أوروبا اليومية

سياسة أوروبا اليومية

كيف تبني السلطات السياسية الدعم لنفسها، وحكمها؟ في الحقيقة، القيام بذلك أمر مهم لإحقاق السلطة على أرض الواقع، لكنه لا يخلو من الصعوبات والتعقيدات، خاصة في اتحاد أوروبي يضم العديد من الدول المتنوعة بلغاتها، وأعراقها، وأفكارها. تقف المؤلفة كاثلين ر. ماكنمارا في عملها الجديد هذا، على تفاصيل السياسة اليومية في أوروبا، وكيفية بناء السلطة الفعلية في الاتحاد الأوروبي، التي يمكن أن يكتب لها العمر الطويل وسط التحديات الكبرى.
يوضح هذا الكتاب (الصادر في 224 صفحة باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد)، كيف يمكن للعمليات الاجتماعية أن تشرعن حكاماً جدداً، وتجعل ممارسة سلطتهم تبدو طبيعية. تاريخياً، استخدمت السلطات السياسية الرموز والممارسات بعناية لخلق بنية تحتية ثقافية للحكم، وعلى الأخص عبر القومية وبناء الدولة.
اليوم، يواجه الاتحاد الأوروبي، بوصفه شكلاً جديداً من أشكال الحكم، مجموعة من التحديات الحادة. ومع ذلك، فإن التحول البطيء في رموز وممارسات الحياة اليومية، جعل الاتحاد الأوروبي السلطة السياسية «التي تمت الموافقة عليها»، فأوجدت نوعاً معيناً من الهوية الأوروبية المشتركة. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد دولة قومية. وبدلاً من ذلك، نجد أن البنية التحتية الثقافية للاتحاد الأوروبي متجذرة في نوع معين من السلطة «العادية» التي تتنقل إلى الولاءات الوطنية، في الوقت الذي يتم تصوير الاتحاد الأوروبي فيه على أنه مكمل للهويات المحلية، وليس في صدد منافستها. وتشير الكاتبة إلى أنه كثيراً ما يتم تهميش الملصقات والخرائط الذهنية والروايات التي تولدها سياسات الاتحاد الأوروبي، ويتم تطهير ارتباطاتها بسلطات الدولة القومية، وتوحيدها في حالة من الغموض التي لا تبدو موضع اعتراض.
ومن خلال الأخذ بنهج تنمية سياسية جديدة، يساعدنا هذا الكتاب على فهم كل من شرعية الاتحاد الأوروبي، كممثل ناشئ جديد، والحدود المحتملة للعمليات الثقافية التي أرساها. يأتي الكتاب في ثمانية أقسام موزعة كالتالي: 1- المقدمة. 2- بناء الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية. 3- تقنيات البناء الثقافي. 4- المباني والأغاني. 5- المواطنة والتنقل. 6- اليورو والسوق الموحد. 7- السياسة الخارجية الأوروبية. 8- الخاتمة.

الثقافة السياسية الأوروبية

تتحدث الكاتبة في مقدمة العمل عن الأدبيات المتعلقة بالتنمية السياسية المقارنة، ودور الرموز والممارسات في خلق الثقافة السياسية الأوروبية، التي يمكن أن تساعد في الكشف عن العمليات الاجتماعية اليومية التي تضفي الشرعية على الاتحاد الأوروبي. كما تلقي المقدمة الضوء على الحجج الرئيسية للكتاب، وتحديداً فكرة إنشاء بنية تحتية ثقافية للحكم عند الضرورة لتجنيس السلطات السياسية الجديدة، وتوليد الهوية السياسية، وتوضح الكاتبة كيف نشأ هذا في حالة الاتحاد الأوروبي. وتخلص المقدمة إلى مناقشة الاستراتيجيات المنهجية لدراسة الثقافة.
ومما تقوله الكاتبة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في بقية الدول في الاتحاد: «استفتاء التصويت الذي حدث في 23 يونيو/حزيران 2016 من قبل المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، يمثل رحيلاً مذهلاً من طريق لا مفر منه على ما يبدو للاتحاد، حيث يظهر أقرب من أي وقت مضى. أغلبية المصوتين في المملكة المتحدة فضلت الخروج من الاتحاد على الالتزام بالعضوية المستمرة في الاتحاد الأوروبي، وهذا الاختيار أطلق فترة لا مثيل لها من الشك والمجهول بالنسبة لمستقبل واتجاه المشروع الأوروبي، في الوقت الذي تستمر فيه الملامح الدقيقة للخروج بالتطور. ومع ذلك، فإن الخروج البريطاني هو أبعد ما يكون عن التحدي الأساسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم. فأمواج اللاجئين التي تجرفها البحار إلى شواطئ إيطاليا واليونان تصاعدت في صيف 2015، منتجة بذلك أزمة إنسانية، مع تقديم القليل من الحلول في الأفق.
في تلك الأثناء، تستمر التوترات ضمن منطقة اليورو، مع برامج التقشف، وتخفيض الإنفاق التي تنتج أزمة طاحنة في اليونان، ونمواً مشوهاً بشكل ضار عبر أغلب أوروبا الجنوبية. «ويبقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي بظلاله ليهدد أوروبا، مع خوف العديد من توغل أكثر للقوات الروسية إلى ما وراء منطقة أوكرانيا. وفي النهاية، شهد الاتحاد الأوروبي صعود الأنظمة الأوتوقراطية ضمن حدوده، حيث تبدو التطورات الأخيرة في هنغاريا وبولندا أنها تقلص التماسك الديمقراطي في النطاق السوفييتي السابق، خالقة بذلك تحدياً أساسياً للاتحاد الأوروبي كنظام ديمقراطي ليبرالي».
وتضيف: «كل هذه الأزمات التقت مع ما يبدو أنها استجابات غير فعالة من قبل الاتحاد الأوروبي، وقادته القوميين، والإحباط والغضب الذي اعترى الجمهور الأوروبي. وبشكل غير مفاجئ، نمت الأحزاب المشككة في اليورو أضعافاً مضاعفة، وطالبت بإعادة فرض السيادة الوطنية على كل من الحدود والأسواق. وفي الوقت الذي تعثر فيه الاتحاد الأوروبي بشكل سيئ في العديد من النقاط خلال فترة وجوده في نصف قرن من الزمن، وخطورة وتعدد التحديات التي يواجهها اليوم لم يسبق لها مثيل».

البناء الاجتماعي والثقافي

يوضح الفصل الأول من الكتاب أهمية «البنية التحتية الثقافية» في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية. ويوضح أن علينا فهم الثقافة كعملية دينامية مكونة من معنى تشكّل بين مجموعة محددة من الناس الذين يشتركون في الهويات الجماعية المستمدة من هذه الثقافات والتفاعل معها. ثم يربط الفصل بين الثقافة والهوية بالسياسة، استناداً إلى المفاهيم بما في ذلك المجتمعات المتخيلة لوصف التأثير السلبي للقومية وغيرها من مساعي صنع الأساطير، ويشير إلى أننا بحاجة إلى النظر في الاتحاد الأوروبي في ضوء ذلك. كما يوضح الفصل الآليات المحددة التي تخلق الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية، وتحدد آليات أساسية للبناء الاجتماعي في مجال الرموز (كتمثيل جماعي) والممارسات مثل (التجارب المعيشة، والإنجازات، والتفاعل مع العالم المادي).
على مر التاريخ، نشرت الجهات الفاعلة السياسية الماهرة مجموعة متنوعة من التقنيات السياسية المجربة والحقيقية التي غالباً ما كانت تنطوي على التصنيف والفئوية، لتوليد سلطة شرعية للحكم.
ويتساءل هذا الفصل ما هو المحور المحدد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي على هذه العمليات الاجتماعية؟ ثم يحدد التقنيات الخاصة للبناء الثقافي التي تؤسس الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية وطبيعية مسلم بها، حتى إن كان من الممكن الاعتراض على أفعالها وسياساتها. فالعمليات المنتشرة لوضع العلامات ورسم الخرائط والروايات العامة تصنع المعاني وتشكّل تفسير التجارب اليومية لأوروبا بطرق مترابطة منطقياً على الصعيد السياسي. إلا أن الاتحاد الأوروبي ينشر ثقافته الخاصة في مجال الحوكمة مع تحقيق توازن دقيق بين الرموز والممارسات الأوروبية والوطنية، والتخلي عن المشروع نفسه كسلطة سياسية محظورة.
ويعرض الفصل الرابع البرامج الثقافية للاتحاد الأوروبي، ويستخدم أمثلة عن العمل الذي تقوم به السياسات الثقافية من أجل إظهار كيف أن هذه الأنشطة تساعد على تجنيس وتشريع السلطة السياسية الأوروبية. غير أنه يحذر على العموم من أن معنى المنتجات والخبرات الثقافية المحددة لم يخضع لأي سيطرة على الإطلاق من قبل أي فرد، أو بيروقراطية، أو شركة، ما يجعل المنتجات والخبرات الثقافية مجالاً محتملاً ينطوي على مخاطر بالنسبة للأنشطة الرمزية. ويتم فحص جغرافية الحوكمة من خلال العمارة العامة للاتحاد الأوروبي، وبناء المساحات ونماذج من بروكسل. كما يتطرق إلى الساحة الثقافية الثانية في مسابقة الأغنية الأوروبية وخلق الأوروبيين. ويركز الجزء الأخير منه على تبني الاتحاد الأوروبي وجهوده لإعادة اختراع الرموز القومية، خاصة في النشيد الأوروبي «نشيد الفرح».

المواطنة والتنقل

يبدأ الفصل الخامس بمناقشة موجزة عن السبب الذي يجعل الحدود والتنقل والمواطنة تنطوي على ديناميات ثقافية، ثم يقدم لمحة عامة عن تاريخ السياسة في هذا المجال. ويعاين الفصل عن قرب الآثار الرمزية والعملية للمواطنة الأوروبية كتصنيف قانوني، وجواز السفر الأوروبي، وإعادة تأطير تعليم التاريخ عبر الاتحاد الأوروبي من الدولة القومية إلى رؤية مناصرة لأوروبا. كما يتوقف عند أهمية ممارسة التنقل في منطقة شينغن الحرة، وبرنامج إيراسموس، والتغيرات الأخرى في الرموز اليومية، وتجارب التنقل الأوروبي التي ترتبط أيضاً بالسلطة السياسية للاتحاد الأوروبي. وتقول الكاتبة: «النمط العام الذي يبرز هو بناء نوع معين من المجتمع المتخيل من الأوروبيين، يميل بخجل نحو الدولة القومية، في حين يستعين بشكل متحرر من تقنيات مجرّبة وحقيقية لبناء الأمة».
ويرى الفصل السادس أن الأسواق هي مواقع ثقافية، وليس أكثر من أي مكان آخر، خاصة على اليورو ومشروع السوق الواحدة. وبعد إبراز التطور التاريخي بإيجاز، تبرز الكاتبة مختلف الرموز والممارسات الكامنة في هذه المشاريع. ويصف الفصل كيف أن اليورو والسوق الواحدة -بعيداً عن التأثيرات المادية المهمة – يخلقان «أوروبا الخيالية» للمواطنين من خلال العمليات الاجتماعية لوضع العلامات، ورسم الخرائط، والروايات العامة، على سبيل المثال مع صور أيقونية لليورو، أو إنشاء «سي»، أو فئة «سوسيتاس يوروبايا» للشركات الأوروبية. وكما هو الحال مع التجربة التاريخية للدول القومية، فإن هذه العمليات تعمل على شرعية نقل السيادة بشكل كبير، على الرغم من أنها تفعل ذلك باستخدام استراتيجيات توطين أوروبا في محاولة لجعل أنشطة السوق في الاتحاد الأوروبي تبدو أقل تنافسية من الناحية السياسية.

السياسة الخارجية

يبدأ الفصل السابع بمناقشة دور الثقافة في السياسة الخارجية، كما يستعرض التطور التاريخي المدهش للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ويسلط الضوء على بطء إضفاء الطابع المؤسسي على القدرات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي وكذلك على التنسيق الأمني له. وتشير الكاتبة إلى فهرسة الرموز والممارسات التي تصنف السياسة الخارجية الأوروبية، وترسم خريطة لها وترويها، وهي: البناء القانوني للاتحاد الأوروبي ككيان سيادي، وتعيين دبلوماسيين أوروبيين في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، ووضع استراتيجية أوروبية كبرى، (وإن كان متداخلاً دائماً ضمن بعثات الناتو وبعثات الأمم المتحدة). وتشير المؤلفة إلى أن المعاني الناتجة عن السياسة الخارجية الأوروبية تشكل جزءاً أساسياً من إنشاء مجتمع أوروبي متخيّل بشكل أوسع، لكنها تظهر أيضاً أنه مجتمع يعاني قيوداً ونواقص مضمنة بشكل كبير.
وفي ختام العمل تلقي الكاتبة نظرة عامة على محتوى الكتاب، وتنظر في نتائج ما تطرحه على مستقبل أوروبا. وتقول إنه «على الرغم من أن رموز وممارسات الحياة اليومية قد خلقت نوعاً من الشرعية للاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتم التعامل مع سلطتها بشكل متسامح، وليس بدافع حب الأوروبيين له. وقد أظهر فشل الدستور الأوروبي في عام 2005 قيود السلطة الضعيفة للاتحاد الأوروبي، وهشاشة المظهر الزائف للتكامل لديها مع الدولة القومية. كما أن أزمة منطقة اليورو ومشاعر الإقصاء الاجتماعي الأوسع، تفرضان تسييساً جديداً للاتحاد الأوروبي». ويخلص الكتاب إلى أن التنافس الأكثر انفتاحاً وشفافية وتوجيهاً بشكل فعّال، هو الذي يكون مدعوماً ببنية تحتية ثقافية من شأنه أن يسمح بالصراع العلني للقيم السياسية التي حدّدت حلقات تاريخية سابقة من التطور السياسي، وهو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية الدائمة على الاتحاد الأوروبي.

نبذة عن المؤلفة

كاثلين ر. منمارا، أستاذ مشارك في الخدمة الحكومية والخارجية، ومديرة مركز مورتارا للدراسات الدولية بجامعة جورج تاون. وهي كاتبة «عملة الأفكار: السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي» (كورنيل ونيفرزيتي بريس، 1998)، وشاركت في تحرير كتاب «صنع التاريخ: التكامل الأوروبي وتغيير المؤسسات في الخمسينات» (مطبعة جامعة أكسفورد، 2007)، ونشرت العديد من المقالات عن سوسيولوجية الاتحاد الأوروبي، والاقتصاد السياسي الدولي، والخدمات المصرفية المركزية، ودور الأفكار والثقافة في صنع السياسات. حاضرت ماكنمارا في جامعة برينستون وساينس بو (باريس)، وكانت باحثة زائرة في مؤسسة راسل ساجا، وزميلاً في صندوق مارشال الألماني، وزميلاً فولبرايت. وهي مشاركة في مجموعة متنوعة من مجموعات السياسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وهي عضو في مجلس العلاقات الخارجية. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، وبكالوريوس من جامعة مكغيل الكندية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

تذليل العقبات التي تواجه البنية التحتية

 

إن تطوير مشاريع بنى تحتية مجدية أمر صعب ومضن في أفضل الظروف. لقد علمتني الحياة خلال السنوات القليلة الماضية أن تطوير هذه المشاريع في بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ربما يكون أشد صعوبة. ولهذا السبب بصورة رئيسة التحقت بفريق العمل الصغير والمتفاني التابع للبرنامج العالمي للبنية التحتية.
يتطلع البرنامج العالمي للبنية التحتية، الذي أنشئ قبل عامين فقط إلى اجتذاب التمويل الخاص لمشاريع البنية التحتية في تلك البلدان التي تكون في أمس الحاجة إليه. وهو يشكل منبرا يمكن للحكومات من خلاله التعاون مع المؤسسات المالية الدولية ومستثمري القطاع الخاص في تصميم هذه المشاريع المعقدة وتنفيذها. وهذه المشاريع تتمتع بإمكانات كبيرة إذ يمكن للتمويل المقدم من البرنامج العالمي أن يسفر في نهاية المطاف عن مشاريع بملايين الدولارات.

أكثر فاعلية
لقد تعلمت بضعة أمور بعد عامين تقريبا من عمليات البرنامج. أولا، أن هذه المشاريع ليست عملا تجاريا سريع الحركة. فالمشاريع التي قيد الإعداد في الاقتصادات الصاعدة غالبا ما تكون ضعيفة وذات مخاطر مرتفعة، الأمر الذي يجعل المستثمرين المحتملين لأسباب مفهومة أكثر حذرا. علاوة على ذلك، لا يتوافر للمستثمرين المحتملين إطار موثوق لتقييم مشاريع البنية التحتية المحتملة.
وقد ركز البرنامج حتى الآن على إعداد مجموعة قوية من المشاريع بدعم من مستشاريه وشركائه. لكن، هل هناك مزيد يمكن أن نفعله لمواجهة التحديات الأخرى؟ في الاجتماع الرابع للمجلس الاستشاري للبرنامج العالمي للبنية التحتية الذي عُقد في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في واشنطن العاصمة، ركزنا تحديدا على هذا السؤال. ونتيجة لذلك، تم طرح عدة مبادرات جديدة:
– إدخال تحسينات واسعة على عملية إعداد المشاريع باستخدام أداة جديدة لتقييم المشاريع.
– تقليص المخاطر من خلال التمويل التكميلي وأدوات التعزيز الائتماني.
– التشجيع على بيع الأصول القائمة للبنية التحتية “المهملة والمهجورة”، واستخدام حصيلة بيعها في تمويل مشاريع جديدة للبنية التحتية.
– العمل بصورة أكثر دقة على تعريف مرافق البنية التحتية باعتبارها فئة من الأصول في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية من خلال مؤشر ديون البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.
ويرد وصف مبررات هذه المقترحات في تقرير موجز من 35 صفحة بعنوان “زيادة مردود مشاريع البنية التحتية.

ثم ماذا بعد؟
يواصل البرنامج العالمي للبنية التحتية العمل على تطوير بعض هذه الأدوات المقترحة بناء على مدخلات المجلس الاستشاري، الذي يتألف من ممثلي الحكومات المانحة وبنوك التنمية متعددة الأطراف والقطاع الخاص. وهناك عديد من التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى بحث، مثل آليات التسعير ومدة الأدوات المقترحة.
ونحن في البرنامج العالمي نرغب في القيام بمزيد لتذليل العقبات التي تعوق الاستثمار في البنية التحتية في الأسواق الصاعدة.

 

 

«بيتكوين» عملة «مذهلة» مشكوك فيها

بيتكوين

 

الارتفاع الجنوني في قيمة العملة الإلكترونية “بيتكوين”، يطرح كثيرا من التساؤلات بل والمخاوف لدى شرائح وجهات عديدة، لاسيما مع بلوغ عائد الاستثمار فيها 2.9 مليون لكل دولار. هذه العملة انتقلت عبر عدة محطات مهمة في الآونة الأخيرة، لاسيما مع اعتراف ألمانيا بها، ما قدم لها مزيدا من الدعم، وقيام اليابان بالتعامل بها بمستويات مرتفعة أيضا. فضلا عن أن عملات إلكترونية أخرى لم تتمكن من الاقتراب منها من حيث القيمة أو الحضور أو حتى القبول. وهذه العوامل دفعت قيمة “بيتكوين” إلى هذا المستوى الكبير حيث بلغت 2880 دولارا أخيرا، ارتفاعا من 0.001 دولار في عام 2009. وهي تعادل اليوم 2556 يورو، و2230 جنيها استرلينيا و20 ألف يوان صيني.
ومع ذلك لا تزال المخاوف تحيط بهذه العملة، خصوصا مع تردد البنوك المركزية الكبرى في الاعتراف بها، فضلا عن غموض مبتكرها أو الجهة التي تقف وراءها، على الرغم من تقدم ساتوشي ناكاموتو الياباني العام الماضي بالاعتراف بأنه يقف وراءها، وأنه ماض في الحصول على مزيد من الاعتراف بها. والمشكلة الأكبر التي تواجه “بيتكوين”، وغيرها من العملات الإلكترونية الصغيرة الأخرى، أنها ليست خاضعة لمعايير ومراقبة البنوك المركزية. ومن هنا ترتفع حدة المخاوف، من تعرضها إلى انهيار كبير ربما خلف أزمة كبيرة أيضا، مع تزايد المتعاملين بها حول العالم. يضاف إلى ذلك، أن كثيرا من الجهات التنظيمية الكبرى، تعتقد أن ارتفاع قيمة هذه العملة لا يبدو منطقيا، وأن في مثل هذه الحالة كل شيء وارد لاحقا.
من هنا، فإن ما تسعى له العملة المشار إليها، الحصول على اعتراف عالمي بها، في حين أن إعلان قاض فيدرالي أمريكي بأن “بيتكوين” هي نوع من أنواع النقد، لم يحقق لها الأمان المنشود، لأن الإدارة الأمريكية لم تعترف بها بعد، ولا يبدو في الأفق أنها ستقدم على ذلك. والحق، أن البنوك المركزية العالمية الكبرى، والمؤسسات المالية لم تقدم حتى اليوم أي تبريرات لإبقاء “بيتكوين” في وضعيتها القانونية الراهنة، بينما يعتقد كثيرون أن هذه المؤسسات سترضخ في النهاية إلى حقيقة وجود “بيتكوين” ودورها في الحراك الاقتصادي بصورة عامة، لاسيما مع عدم طرح هذه المؤسسات بدائل ضرورية لها. فعلى الرغم من علامات الاستفهام حولها، إلا أن العملة الإلكترونية تتسيد المشهد الرقمي في هذا المجال، ولا يبدو أن بديلا لها سيظهر قريبا.
ويبدو أن الحقيقة الماثلة على الساحة، تتلخص في أن “بيتكوين” ستحصل على الاعتراف بها في مرحلة لاحقة، خصوصا من منطلق أنه لابد للجهات التنظيمية العالمية أن تمنع حدوث أي انهيار أو ارتباك من جراء تداول “بيتكوين” في مرحلة لاحقة ما. فالذين يرغبون في مثل هذا الاعتراف، يعتقدون أن من واجب المؤسسات المالية المشار إليها أن تتخذ إجراءات وقائية، وهذه الإجراءات تنحصر في الواقع في قبول هذه العملة، بعد أن أثبتت جدارتها بصورة مختلفة في السنوات القليلة الماضية، فضلا عن أنها لم تخرج عن النطاق المالي العام. غير أن هناك نقطة مهمة في هذا المجال، تتعلق بإمكانية وسهولة استخدام العملة في عمليات غير مشروعة، مثل غسل الأموال والتجارة الممنوعة بكل أشكالها. وعلى هذا الأساس يرى الداعمون للعملة، أن تسرع المؤسسات التنظيمية المالية باعتمادها، لأن ذلك لا يوفر آلية مالية إلكترونية شرعية فحسب، بل يضبط العمل بها كغيرها من العملات المعترف بها عالميا، خصوصا أنها أصبحت بالفعل حقيقة نقدية عالية القيمة.