ترك عمله ليتبع حلمه .. وصار ثرياً قبل الـ30

هل إيجاد وظيفة في مكتب هي حلمك؟ هذا الشاب استقال مبكراً بسبب شغفه بالسفر حول العالم، وحول هذا الحلم إلى موقع ناجح يصطاد أفضل فرص السفر ويقدمها للزبائن. بل رفض الشاب أن يعمل كمقاول تقليدي، فأينما كان الانترنت ستجده يعمل.

يقدّم نفسه كـ”نينجا الرحلات”، وتصل تقديرات الدخل الذي يولّده موقعه جرّاء تسجيلات الأعضاء إلى 750 ألف جنيه استرليني (843 ألف يورو) على الأقل خلال السنتين الأخيرتين. إنه شاب أمريكي يقطن في لندن لا يتجاوز عمره 30 عاماً، هو مؤسس موقع “جاكس فلايت كلوب” – أحد أشهر المواقع البريطانية التي تتيح لزوارها إيجاد رحلات بأرخص الأثمان.

وفي مقابلة مع صحيفة “ذي صن” البريطانية، قال جاك شيلدون إنه كان يعمل سابقاً موظفاً في قطاع تنمية الأعمال، ولكنه قرّر الاستقالة من منصبه والتركيز على مشروعه الذي يضم حالياً 21 ألف “عضو مميز” سجلوا في موقعه باشتراك شهري، من أصل 300 ألف عضو مسجل. وبحسب الصحيفة، فقد أتاح جاك للبريطانيين توفير ما يصل إلى خمسة ملايين جنيه استرليني في رحلاتهم.

 

المثير في الأمر أن هذا الشاب بدأ مشروعه في مقهى وانطلاقاً من سريره، وهو واليوم يعمل من حاسوبه من أيّ مكان بالعالم، أي أنه لا يحتاج إلى مكتب، ويعمل معه في موقعه ستة أشخاص، هم كذلك لديهم مطلق الحرية للعمل من أيّ مكان يرغبون، بشرط توفر جهاز الحاسوب واتصال بالإنترنت.

أما ما دفع شيلدون لإطلاق هذا المشروع فهو اصطدامه بالأسعار الباهظة للرحلات الجوية في كل مرة يرغب فيها بالسفر إلى الخارج، وبرزت أولى أفكار المشروع عندما تتبع الشاب الأسعار المتقلبة للرحلات الجوية، إذ اقتنع أن الأسعار المعقولة ترتبط بالتوقيت أكثر من الوجهة، ولذلك بدأ يبحث عن مواعيد الرحلات الرخيصة.

ونظراً لأن أصدقاءه كانوا كذلك مهتمين بعروض الرحلات الرخيصة، بدأ يرسل إليهم رسائل إلكترونية دورية بهذه العروض. وشيئا فشيئاً، بدأ عدد متلقي رسائله بالتزايد، وصار المئات يشتركون لتلقي هذه الرسائل يومياً. وفي سبتمبر/ أيلول عام 2016 قام جاك شيلدون بإنشاء موقعه، الذي جعله نادياً خاصاً بعشاق السفر الرخيص، وخصص لمن يشتركون في موقعه بـ35 جنيهاً استرلينياً شهرياً مميزات نوعية لا يتلقاها الأعضاء المشتركون بالمجان.

إ.ع/ ي.أ

القوة البحرية

لعبت البحار والمحيطات دوراً كبيراً في تحديد مصاير الشعوب والأمم، وجرت صراعات كبيرة فيها وعليها، بدايتها كان من البحر الأبيض المتوسط الذي شهد أكبر منسوب للعنف تاريخياً بين الإمبراطوريات المتصارعة. وأصبح المحيط الأطلسي، مؤخراً، من المحيطات غير المرغوبة لمسألة السلام والتعاون على المستوى الدولي، لكن هناك تخوف غربي وأمريكي تحديداً من تنامي القوة البحرية الصينية. يحاول الكاتب بحكم خبرته في بحار ومحيطات العالم كضابط كبير في البحرية الأمريكية أن يستعرض الصراعات الجارية ومصالح الدول الكبرى في التحكم بطرق الملاحة البحرية.
يستعرض الأميرال جيمس ستافريديس في هذا العمل المتميز رحلته الحياتية والمهنية المهمة عبر جميع المواقع المائية في العالم، ويقدّم قصة القوة البحرية كعامل في التطور البشري والتاريخ الإنساني بشكل عام، ويتناول دورها كعنصر حاسم في مسارنا الجيوسياسي الراهن.

يأتي الكتاب في تسعة أقسام بعد المقدمة بعنوان «البحر واحد»، وهي: 1) الباسيفيك: أم كل المحيطات. 2) المحيط الأطلسي. مهد الاستعمار. 3) المحيط الهندي: بحر المستقبل. 4) البحر الأبيض المتوسط: حيث بدأت الحروب البحرية. 5) بحر الصين الجنوبي: منطقة نزاع محتملة. 6) البحر الكاريبي: متوقف في الماضي. 7) المحيط المتجمد الشمالي: الوعد والمخاطر. 8) البحر الخارج عن القانون: محيطات كمسارح جرائم. 9) أمريكا والمحيطات: استراتيجية بحرية لأجل القرن الـ21.
بدايات الحروب البحرية

يتطرق ستافريديس إلى الصراعات التاريخية من زمن الإغريق وتصادمهم مع الفرس في البحر الأبيض المتوسط، وكيف أن قوة البحر كانت تحدد موازين القوة العالمية، مشيراً إلى أن دورها لم يتم الاستهانة به منذ فجر التاريخ، وحتى الوقت الراهن. يبين الأميرال ستافريديس كيف شكلت جغرافية المحيطات مصاير الأمم، وكيف صنعت القوة البحرية بالمعنى الحقيقي العالم الذي نحياه اليوم، وكيف أنها ستشكل العالم الذي سنعيشه في المستقبل.
يقدم الكاتب في عمله الصادر حديثاً في 384 صفحة عن دار «بينغوين للنشر» باللغة الإنجليزية، بشكل واضح تاريخاً بحرياً متسلسلاً، عبر رؤية جديدة في الاشتباكات البحرية الكبرى، ويشير إلى أنه بدأت الحرب في البحر في «الساحة التي لا تعرف الكلل» للبحر الأبيض المتوسط، التي تحتفظ بإمكانات كبيرة من العنف، بدءاً من معركة سلاميس التي وقعت في العام 480 قبل الميلاد بين تحالف من المدن اليونانية القديمة والإمبراطورية الفارسية في إطار الحروب الفارسية-اليونانية. جرت المعركة بالقرب من بحر إيجة في مضيق سالاميس بين البر اليوناني وجزيرة سالاميس، وهي جزيرة في خليج سارونيك بالقرب من أثينا، مني فيها الفرس بهزيمة تاريخية.
كما يتوقف عند معركة ليبانت التي وقعت في 7 أكتوبر من العام 1571 بين العثمانيين وتحالف أوروبي، وقد انتهت بهزيمة العثمانيين، وكانت الخسائر في تلك المعركة ضخمة للغاية لكلا الطرفين، إلا أن خسائر العثمانيين المعنوية كانت أشد فداحة من خسائرهم المادية، حيث كانت تلك المعركة الكبيرة ذات مردود سلبي في علاقة الدولة العثمانية بالأوروبيين، إذ أزالت من نفوس الأوربيين أسطورة أن الدولة العثمانية دولة لا تقهر، وهو ما شجع التحالفات الأوروبية ضدها بعد ذلك، وظهرت المراهنات على هزيمتها.
ويتناول معركة ترافلغار (الطرف الأغر أو طرف الغار) التي نشبت بين الأسطول الإنجليزي بقيادة الأميرال هوراشيو نيلسون ضد الأسطولين الفرنسي والإسباني المتحالفين تحت قيادة الأميرال الفرنسي بيير شارلز فيلنوف في 21 أكتوبر 1805 قرب رأس طرف الغار في قادس جنوب غرب إسبانيا، وقد سُمِّي ميدان طرف الغار في لندن باسم هذه المعركة تخليداً لانتصار نيلسون. كانت القوة العسكرية المهيمنة حينها على القارة الأوروبية هي الإمبراطورية الفرنسية بقيادة نابليون، في حين كانت البحرية البريطانية تسيطر على البحار. وأثناء الحرب فرضت القوات البريطانية حصاراً بحرياً على فرنسا ترك تأثيراً كبيراً على التجارة الفرنسية وأبقاها عاجزة عن تعبئة الموارد البحرية الخاصة بها.
ومن بين أهم المعارك التي تطرق إليها الكاتب أيضاً معركة الأطلسي، التي تعتبر أطول حملة عسكرية مستمرة خلال الحرب العالمية الثانية، شنتها ألمانيا النازية على بريطانيا لقطع الإمدادات عنها، فقد كان هتلر مصمماً على قطع الشريان الحيوي الذي يتمثل في المحيط الأطلسي من خلال ضرب السفن التجارية البريطانية وقطع الإمدادات عن بريطانيا القادمة إليها من الولايات المتحدة وكندا، لإجبارها على الاستسلام.
ويشير الكاتب إلى أنه شهدت نهاية عام 1942م بلوغ معركة الأطلسي ذروتها، حيث الصراع بين الغواصات الألمانية والأسلحة البحرية البريطانية والأمريكية والكندية استمر طوال سنة، إذ كان يتفاوت في القوة والكثافة، وكان ميزان القوى يتأرجح من جانبٍ لآخر حسب التقنيات والتكتيكات والقوى البشرية المتوفرة لدى كل جانب، لكن الحقيقة بقيت بأن المبادرة كانت بين أيدي الحلفاء. بعد مواجهتهم للخسارات الفادحة في السفن، أصبحت معركة الأطلسي مهمةً في التخطيط الاستراتيجي والجهود الموجهة نحو معارك الغواصات. وبحلول نهاية عام 1942، ومع وصول خسائر الملاحة التجارية لأعلى معدلاتها، فقد تحطمت أكثر من مئة غواصةٍ ألمانية مع أطقمها، وسحبت الغواصات الألمانية، ثم اتخذت مواقع دفاعية عند شواطئ فرنسا.

قوة البحار

يقدم الكاتب رؤيته الاستراتيجية من مسيرته البحرية الطويلة، وهو يدعم أفكار الضابط الأمريكي ألفريد ثاير ماهان (1840-1914) الذي يطلق عليه الأمريكيون لقب «الاستراتيجي الأمريكي الأكثر أهمية في القرن التاسع عشر الميلادي»، فقد كان مفهومه عن «قوة البحر» مبنياً على فكرة أن الدول صاحبة القوة البحرية الأعظم سيكون لها التأثير الأكبر في جميع أنحاء العالم، ومن المعروف أن هذا المفهوم قُدِمَّ من خلال كتاب تاريخي وهو «تأثير قوة البحر على التاريخ»، وقد كان لهذا المفهوم انعكاسه الكبير في صياغة الفكر الاستراتيجي للقوى البحرية في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكذلك بريطانيا. وما تزال أفكاره مسيطرة على مبادئ البحرية الأمريكية.
والأميرال جيمس ستافريديس يؤكد على ما ذهب إليه في أن السيطرة على المحيطات وغيرها من التجمعات الرئيسة للمياه كانت تشكل مصلحة كبرى للقوى العظمى على مر التاريخ. يستخدم ستافريديس تجربته الجيوسياسية في عرض هذه المعلومات بطريقة يوصي فيها الولايات المتحدة بتجنب الحوادث غير الضرورية، والعمل على وضع نفسها في موقع استراتيجي متفوق باستخدام سلطتها البحرية.
يركز خلال عمله على أهمية وحساسية المحيط الهادي والآثار المترتبة على ارتفاع القوة البحرية الصينية، وكيف يمكن لجهودها أن تغير من اللعبة العالمية، إذ إنها تشير إلى قدرات هجومية في المستقبل.. وفي فصل لاحق حول بحر الصين الجنوبى، يحذر من أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتحدى مطالب الصين الإقليمية، وأن تفشل استراتيجيتها العالمية، ويرى أن المواجهة قد تكون ضرورية إذا لم يؤت التعاون الإقليمي ثماره. ويرى أنه يأمل في مبادرات متعددة الجنسيات مثل العملية الأخيرة بين القوات الأمريكية واليابانية والهندية. وعلى الرغم من أن ستافريديس لديه مخاوف بشأن سباق التسلح الإقليمي المتنامي، فإنه لا يزال يؤكد أن المحيط الهادي ربما يواصل تطوره سلمياً.
ويعتبر «العلاقة الخاصة» بين البحرية الأمريكية والبريطانية موضوعاً مهماً آخر، حيث إن المناقشات تتجه نحو المحيط الأطلسي. ويعتقد ستافريديس أنه لأول مرة في التاريخ، برز المحيط الأطلسي كمنطقة غير مستحبة من التعاون والسلام على المستوى العالمي. يجد ستافريديس أن بحر الصين الجنوبي، وهو الوافد الجديد نسبياً إلى الجغرافيا السياسية البحرية، ولكنه يتمتع بأهمية كبرى في القرن الحادي والعشرين. ويعرض أيضاً الأدوار التي يقوم بها البحر الكاريبي والمحيط المتجمد الشمالي.

رؤية استراتيجية

يقول الكاتب في نهاية عمله أن «الكتلة الرئيسة من المياه والتي تعد على بعد مسافة كبيرة من الولايات المتحدة، على الجانب الآخر من العالم، هي المحيط الهندي. هنا يجب أن تأخذ استراتيجيتنا أولاً وقبل كل شيء في الاعتبار قوة الهند العظمى الناشئة. وينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا دبلوماسياً وثقافياً وعسكرياً، وسياسياً، لتعزيز علاقاتنا مع الهند. وهذا ينبغي أن يتضمن بوجه خاص التعاون في المجال البحري، بما في ذلك سلسلة جديدة من التدريبات والمناورات مع البحرية الهندية؛ وترويج مبيعات الأجهزة البحرية المتقدمة، ولا سيما منظومة «أيجيس» القتالية؛ والتعاون في تشغيل الغواصات النووية؛ والعمل كذلك مع الهند واليابان على التمارين البحرية التي تركز على مكافحة القرصنة في الطرق المتبعة في المحيط الهندي وحولها؛ وتطوير برنامج لدبلوماسية العلوم البحرية طويلة الأمد للمحيط الهندي».
ويضيف إلى أنه «بالإضافة إلى العمل عن كثب مع الهند، لدينا حليفان أنغلوفونيان كبيران هما نيوزيلندا واستراليا، اللتان تعدّان على درجة من الأهمية أيضاً. فأستراليا ذات أهمية جيوستراتيجية كبيرة نظراً لحجم ساحلها، الذي يتضمن «واجهة بحرية» ساحلية ضخمة على المحيط الهندي. فضلاً عن أن بريطانيا العظمى لا تزال مستمرة بامتلاك جزيرة دييغو غارسيا المرجانية، ولها انتشار دولي حتى بحر الخليج العربي أيضاً، ومشاركتنا هناك ستكون حاسمة».
ويعلق على أهمية الخليج العربي من الناحية البحرية: «والخليج العربي سيستمر في كونه ممراً مائياً مهماً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، والروابط بين المحيط الهندي الكبير والخليج العربي سيكون نقطة تماس «ساخنة» في الشؤون البحرية. يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في الحفاظ على أسطول بحري كبير (أسطولها الخامس) في المنطقة». ويقول: «وأخيراً هناك المحيط المتجمد الشمالي، المنطقة الاستراتيجية على قمة العالم سوف تكون مهمة بدرجة متزايدة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، ويجب أن يتضمن نهجنا في الشمال، أولاً وقبل كل شيء، ضمان أننا نمتلك ما يكفي من كاسحات الجليد. وهذا يعني برنامجاً استراتيجياً لشراء (أو إيجار) كاسحات الجليد».

بنية تحتية

ويضيف: «بالإضافة إلى ذلك، نحتاج إلى بنية تحتية أكثر للاستكشاف والتنقل في القطب الشمالي. فليس هناك أسطول بحري محدد للمحيط المتجمد الشمالي، وفي اللحظة الراهنة تخصيص أسطول واحد ليس ضرورياً. سيكون النهج الأفضل جعل هذه المنطقة ذات تركيز بالنسبة لحرس السواحل الأمريكي مع تقديم وزارة الدفاع الدعم عند الحاجة إليه».
ويقول أيضاً: «كل من أقصى جنوب المحيط الأطلسي وجنوب المحيط الهادي نسبياً منطقتان آمنتان، ويمكن اعتبارهما مسرحين للأحداث يمكن فيهما استخدام«اقتصاد استراتيجية القوة». وهذا يعني ببساطة أننا لا نحتاج نشر سفن وقواعد بشكل دائم في أي من المنطقتين. سنحتاج فقط القيام برحلات مناسباتية لدعم التواجد وإجراء اتصالات عسكرية – عسكرية أساسية، ولكن لن يتطلب الأمر قوى عسكرية كبيرة».
ويختم الأميرال عمله بالقول: «في النهاية، نحن دولة جزيرة، محاطة بالمحيطات، تقوم على التجارة العالمية، والأسواق الدولية، وبعثات الصيد، الحفارات البحرية، والطرق المائية لمحيطات العالم. من دون المحيطات، وقدرتنا على الإبحار عبرها، سوف نتلاشى بشكل كبير كدولة. فقدرتنا على الملاحة عبر المحيطات ستكون جزءاً حاسماً من رحلة دولتنا في هذا القرن».

نبذة عن المؤلف:

جيمس ستافريديس، أميرال متقاعد من البحرية الأمريكية، والعميد الحالي لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، وهي كلية الدراسات العليا للشؤون الدولية. يعمل ستافريديس كمحلل دبلوماسي دولي ومحلل للأمن القومي في «إن بي سي نيوز» في نيويورك. وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة المعهد البحري الأمريكي، وزميل أول في مختبر الفيزياء التطبيقية لجامعة جونز هوبكنز.
درس في الأكاديمية البحرية الأمريكية في 1976. قضى أكثر من 35 عاماً من الخدمة النشطة في البحرية. وقد قاد المدمرات ومجموعة ضربات حاملات الطائرات في القتال، وعمل لمدة سبع سنوات كأميرال بأربع نجوم، من بينها ما يقارب أربع سنوات كأول ضابط في البحرية يتم اختياره قائداً أعلى للقوات المتحالفة للعمليات العالمية في الناتو. بعد تقاعده من البحرية عين عميداً لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في عام 2013. كتب العديد من المقالات حول قضايا الأمن العالمي لصحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، و«ذا أتلانتيك».

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

الكمبيوتر يقهر السرطان

قرب مدينة سياتل الأميركية وفي عمق غابة من السرو، يختبئ بناء صغير مربع، مكون من أربعة طوابق، لا يزيد ضلعه عن مئة متر، من دون نوافذ، ويحمل الرقم 99، وقد احتشد فيه عشرات من العلماء والفنيين العاملين في الحقل الطبي، وتئز فيه كمبيوترات متقدمة، تعس في جسد الإنسان. فهناك «إيفان تارابوف» وهو يمسح دماغ مريض مصاب بسرطان البروستات، ليحدد الطبقات التي تحد حواف السرطان، تمهيداً للمعالجة الشعاعية. أما «ديزني تان» فهو يشحذ جهازه لبناء مصائد إلكترونية، للقضاء على فيروس «الزيكا» الذي يضرب الرضع، فيضغط جماجمهم ويسلب آدميتهم.

لقد ضخت شركة أمازون مبلغ 16.1 مليار دولار في مشاريع قهر السرطان والعلاجات المتقدمة، وتلحقها شركة جوجل بمبلغ 13.9 مليار، والثالثة مايكروسوفت بمبلغ 12.3 مليار، وآبل بـ10 مليارات، وفيسبوك بـ5.9 مليار، ثم شركة باير الدوائية الألمانية بـ5.2 مليار.

ولكن كيف سنقفز بالآلة (الكمبيوتر) إلى التحدي المزمن، الذي أعجز أطباء العالم، في قهر السرطان حتى اليوم ومن أي بوابة؟ جوجل طورت نظاماً لوغارتمياً لمراقبة سرطان الجلد، ويمكن معالجة الكآبة بـ«السوفت وير»، كما أن احتشاء القلب يمكن أيضاً معالجته عن طريق تقنية «النانو».

هذا في حين نحا مارك زويكربيرج صاحب الفيسبوك طريقاً مختلفاً حيث قال: إذا كان سر السرطان في الخلية، ومنه يبدأ السرطان برنامجه التخريبي، فعلينا إذن وضع أطلس كامل للخلية كما فعلنا مع تشريح الجسم (Cell-Atlas). وأما «هويفونج بون» فيقود «مشروع هانوفر» ويعلق على عمل الأطباء بقوله، إنه يتأرجح دوماً في زوابع الاحتمالات، ولا يقود للدقة المطلقة قط، خلافاً لعمل الذكاء الصناعي والكمبيوترات المتقدمة، التي تقفز من دون توقف كل 18 شهراً بقوة مضاعفة، حسب «قانون مور» المعروف. وتعتمد الخطوة الأولى حسبما ظهر للسطح في هذه الخطة الطموحة، على نقل المصطلحات الطبية إلى الذكاء الصناعي فيلقم، وهناك ما لا يقل عن 27 مليون ورقة بحث في السرطان، ويتدفق كل يوم الجديد. ويقول «هويفنج بون» إن هذا أمر يعجز عنه أفراد الأطباء، في حين يستطيعه عالم الديجتال الجديد فقط، ويعرض «بون» بعضاً من الفتوحات الطبية في ثلاث صور، الأولى لسرطان جلد مستشرٍ تمت دراسته في عالم الديجتال ومعالجته، وصولاً إلى اختفائه في الصورة الثانية تقريباً، ثم المفاجأة في الصورة الثالثة من تمرد غير متوقع، حين بدأ السرطان يقفز إلى عالم الطفرة (Mutation) فيفلت من السيطرة!

وما وصل إليه الأطباء حالياً في معالجة السرطان هو المزج الدوائي، أي إدخال عنصرين أو أكثر في ضرب معاقل السرطان، وهو أمر ابتكره الأطباء في محاربة السل، حين مزجوا بين «الستربتومايسين» و«الباس» و«الأيزونيازيد». ولكننا في المزج الدوائي أمام معضلة فعلية، فهناك 200 مادة معروفة حتى اليوم تستخدم للعلاج، وتحت التطوير 1200 مادة، فإذا ذهبنا إلى المعالجة المزجية بين اثنين من العناصر، كانت الاحتمالات أمامنا مئات الآلاف! أما إذا بدأنا في مزج ثلاثة، فإن الرقم يصل إلى 300 مليون احتمال، وهو رقم يصاب الإنسان أمامه بالدوار، بين المحاولات والزمن والجهد والنتائج.

وهنا بالضبط يتدخل عالم الديجتال والأرقام والذكاء الصناعي كحل فعال، ففي سرطان الدم اللوكيميا مثلًا كانت لعبة المزيج هذا أمام 11026 احتمالًا، وخلال سنتين جربوا 102 منها، أما البقية الـ10900 فيمكن لعالم الديجتال أن يفك كثيراً من طلاسمها في أسابيع قليلة، بدل عقود من الانتظار، فهذه هي الثورة الجديدة في عالم الطب.

ومن تطبيقات هذه النماذج نذكر أيضاً فك الجينوم في سرطان الدماغ، وكشف التوحّد قبل أن يستفيق في الأشهر الستة الأولى، أو يطل بقرنه في الشهر 18. ومنها أيضاً تشخيص مشكلات القلب، من دون الاعتماد على مخطط كهربي قلبي طويل الأمد، وكذلك مساعدة أطباء الأشعة على تحديد حواف الأورام بدقة فائقة، لمعالجتها بالطريقة المناسبة. ومن فرائد هذه النماذج أيضاً مساعدة المريض في الدخول إلى عالم الديجتال ليستفتي طبيباً من دون الانتظار المضني لساعات طويلة، حتى يمن الطبيب على المريض بعد انتظار خمس ساعات ليتفرغ له في خمس دقائق.

رواية من داخل المخبارات الامريكية السي أي إيه

ظهر العديد من الأصوات المعارضة لطريقة عمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» من داخل الوكالة نفسها، بعد أن وجدت مخالفتها الواضحة لـ«أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عبر تقديم معلومات مضللة إلى البيت الأبيض بشأن الأحداث العالمية الكبرى. وهذا بدوره أثّر في صورة الولايات المتحدة عبر العالم، وخلق مجتمعات سرية استخباراتية داخل مؤسسة من المفترض أنها تحترم القانون. يحاول الكاتب أن يسلط الضوء على هذا الجانب وعلى عمله في الوكالة، ودفاعه عن المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية، داعياً إلى أهمية إصلاحها.
انتهت فجأة مهنة ميلفين غودمان كمحلل استخباراتي متخصص في العلاقات الأمريكية-السوفييتية، ضمن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» في عام 1990. فبعد أربعة وعشرين عاماً من الخدمة، استقال غودمان عندما لم يعد قادراً على تحمل الفساد الذي شهده على أعلى مستويات الوكالة.

وفي عام 1991 توجّه إلى الجمهور، كاشفاً عن قصص كبار المسؤولين الاستخباراتيين، وقاد المعارضة ضد تعيين روبرت غيتس مديراً لوكالة المخابرات المركزية. وفي جلسات الاستماع التي عقدها مجلس الشيوخ والتي انتشرت إعلامياً على نطاق واسع، أكد غودمان أن غيتس وغيره قاموا بتخريب «أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عن طريق التعمد في تقديم معلومات مغلوطة إلى البيت الأبيض حول الأحداث العالمية الكبرى والعمليات السرية.

 

أهمية كشف الانتهاكات

يركز في كتابه على سنواته في وكالة المخابرات المركزية، وعلى العلاقة المختلة بين الرئيس والكونغرس بشأن مسائل الأمن القومي. يقول غودمان: «طالما أن الكونغرس يذعن لأوامر الرئيس فيما يتعلق بسلوك الأمن القومي، والمحاكم تتدخل لمنع أي تحدّ لسلطة الرئيس في صنع السياسة الأمنية الوطنية؛ ووسائل الإعلام تنزل عند إرادة مصادرها الرسمية والمخوّلة، فإن الأمة بحاجة إلى المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية للتأكد من أن أفعال وكالة المخابرات المركزية قانونية وأخلاقية».
يقدّم غودمان في عمله السياق التاريخي لعمل وكالة المخابرات المركزية ووجودها؛ حيث يوضح أن وكالة المخابرات المركزية تتكون من اثنين من الفروع المتميزة ثقافياً هي: العمليات والتحليل. والغرض من العمليات هو التجسس لجمع البيانات. وفي مسألة التجسس، يقول: «إن وكالة المخابرات المركزية ليست مارقة، لكنها تنفذ أوامر الرئيس مع إنكار معقول، لذلك عندما يتم الكشف عن أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية، يتم توجيه الغضب إلى وكالة المخابرات المركزية، وليس نحو الرئيس». ويقول إن الغرض من التحليل هو دراسة البيانات من مصادر مختلفة لتحديد قدرات الدول الأجنبية ونياتها. وينبغي أن يبقى التحليل منفصلاً عن العمليات ليكون «وسيطاً نزيهاً» في تقديم المعلومات إلى الرئيس.
ويعتقد غودمان، خاصة بعد عمله كمحلل استخباراتي في وكالة المخابرات المركزية، أن محللي المخابرات الذين يخدمون بلدهم بشكل أفضل، سوف يتجاهلون الضغوط للتوصل إلى استنتاجات إيديولوجية.

 

منصة لسياسة فاشلة

أنشأ الرئيس الأمريكي هاري ترومان وكالة المخابرات المركزية كمنظمة مدنية مخصصة لمواجهة التقييمات العسكرية المضخمة التي أدلى بها المحللون في وزارة الدفاع في الاتحاد السوفييتي. ولم يقصد الرئيس ترومان أبداً أن تكون وكالة المخابرات المركزية تحت سيطرة وزارة الدفاع أو أن تكون وكالة تجسس. وضد نية ترومان، أصبحت الوكالة على مر السنين وكالة تجسس بشكل فعلي، بقيادة مدير المخابرات الوطنية التي هي قسم من وزارة الدفاع، وأصبحت منظمة توفر تحليلات الأمن القومي المدفوعة أيديولوجياً.
يتحدث غودمان عن عمله لمدة ثلاث سنوات في الجيش الأمريكي ككاتب شيفرات، وعامين في اليونان كجزء من مهمة عسكرية أمريكية، كما كان حاضراً خلال أزمة السويس عام 1956. وكان وراء الكواليس في الغزو الأمريكي للبنان في عام 1958. وكان يعمل لدى وزارة الخارجية في مكتب أبحاث الاستخبارات في الفترة من 1974 إلى 1976؛ حيث أمضى صيف 1976 في العمل لصالح السفارة الأمريكية في موسكو.
ويشير غودمان إلى أن وكالة المخابرات المركزية جيدة في تحديد القدرات، لكنها فقيرة في تمييز النيات. ويصف ما يدور في الموجز اليومي للرئيس. ويعتقد أن المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها وكالة المخابرات المركزية ستكون مفيدة في أي ساحة للتفاوض، في حال كانت بمثابة مصدر مستقل للمعلومات من وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع.
كما يتوقف عند فترة عمله كمحلل لوكالة المخابرات المركزية خلال حرب فيتنام، مشيراً إلى أنه حضر مسيرات معادية للحرب، موضحاً أنه كان هناك عدد من المحللين في وكالة المخابرات المركزية الذين كانوا مناهضين للحرب. ويقول إن وزير الدفاع روبرت ماكنمارا حينها كذب على الرئيس جونسون فيما يتعلق بمعلومات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق إخفاء التقارير التي تفيد بأنه لا يمكن لهم الفوز في الحرب. قائلاً: «أصبحت وكالة المخابرات المركزية تشكل منصة لسياسة أمريكية فاشلة». كما يبين غودمان أنه كان موجوداً في أول محادثات للحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت) تحت رئاسة نيكسون. وكان دور وكالة المخابرات المركزية هو التحقق المسبق قبل توقيع المعاهدة، وهذا ما كان مطلوباً قبل تصويت مجلس الشيوخ. ويدّعي غودمان أن وزارة الدفاع لم تكن تريد معاهدة أسلحة مع الاتحاد السوفييتي، وكذبت على الرئيس حول القدرات السوفييتية.
كما يتضمن الكتاب فصلاً عن شهادة غودمان بشأن روبرت غيتس الذي رشح لمنصب مدير وكالة المخابرات المركزية من قبل الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991. ويشير غودمان إلى تكلفة الكشف عن الفساد «لا توجد حماية للمبلغين عن المخالفات في مجتمع الاستخبارات، ويواجه ضباط الاستخبارات فقداناً محتملاً للتصريح الأمني ​​من أجل الذهاب إلى الجمهور فيما يتعلق بالإساءات». وبالنسبة إلى العاملين في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، فقدان التصريح الأمني ​​يعادل إطلاق النار.

 

جهود أوباما

يتحدث الكاتب عن جهود أوباما في إضعاف دور المفتش العام في ساحة الأمن القومي، إذ إنها عقّدت عمل إصلاح مجتمع الاستخبارات بشكل عام، وبشكل خاص عمل وكالة المخابرات المركزية. ويقول: «واحدة من الإصلاحات الأكثر أهمية في فترة فضيحة ووترغيت كان تمرير قانون المفتش العام في 1978، وبعد فضيحة إيران – كونترا، أخيراً أنشأ الكونغرس منصب مفتش عام قانوني لأجل «سي آي إيه». أضعف أوباما بوعي وإدراك دور هذه المراقبات الداخلية والتي تعني أنها أصبحت أكثر صعوبة في ضمان تلاحم وكفاءة العمليات الحكومية. وتأكدت هيلاري كلينتون أنه لم يكن هناك مفتش عام بشكل ثابت خلال إدارة وزارة الخارجية من 2009 إلى 2012، كما تأكد الرئيس أوباما أنه ما من مفتش عام بشكل ثابت في وكالة المخابرات المركزية خلال معظم فترة ولايتيه الرئاسيتين».
ويضيف الكاتب: «هناك مشكلة أساسية في التعامل مع أي وكالة استخباراتية في ظل الديمقراطية. فقانون الأمن القومي لعام 1947 الذي أسس وكالة المخابرات المركزية كان ببساطة غامضاً جداً في تحديد أهداف ومهمات الوكالة، وتأسست كل من وكالة الأمن القومي ومكتب الاستطلاع الوطني في جو من السرية، ما كان أمراً خاطئاً، وأعطيت وكالة المخابرات المركزية الكثير من القوة والنفوذ، مع القليل جداً من المعايير والقيود المتعلقة بما إذا كانت عمليات أو جمع معلومات».
ويرى أن هناك مشكلة واضحة في الذهنية المهيمنة على البيت الأبيض فيما يتعلق بأي آراء توحي بعلامات احتجاج داخلي، إذ يتم اعتبار الأمر تهديداً على الأمن القومي. وهذا قاد إلى انتهاكات في فترة حرب فيتنام في الستينات والسبعينات وإلى عسكرة المجتمع الأمريكي منذ 11 سبتمبر 2001. مضيفاً: «وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي تفادتا العديد من حالات المنع الداخلية المفروضة على جمع المعلومات من خلال إجراء ارتباطات غير قانونية مع وكالة استخباراتية أجنبية مثل مكتب الاتصالات الحكومية البريطانية. تعاون كل من البيت الأبيض و«سي آي إيه» في العقد الماضي لإضعاف المراقبة الداخلية من خلال تجاهل مكتب المفتش العام». ويوضح أنه كنتيجة لذلك، من الصعب التحكم أو حتى معاينة عمل الوكالات السرية، وخلال السنوات الستين الماضية، أساء الرؤساء الأمريكيون استخدامها. كما أن غياب المراقبة يجعل من الصعب فرض قيود على سوء استخدام القوة الحكومية، خاصة تلك القوى التي تهدّد المواطنين، من دون المعلومات التي يقدمها المبلغون عن المخالفات الأمنية. قائلاً: «إن عمل وكالة المخابرات المركزية وانتهاجها السرية مع اللجان المسؤولة عن مراقبة الوكالة نفسها عمل معادٍ للديمقراطية»، مضيفاً: «المبلغون عن المخالفات المخابراتية يتحدون السرية والأكاذيب التي تحتضن الجهل في الولايات المتحدة. والإفراط في السرية يحدد النقاشات حول السياسة الخارجية ويجرّد المواطنين من المعلومات المطلوبة للمشاركة في إبداء آرائهم في قضايا أساسية متعلقة بالحياة والموت، هناك حاجة إلى ثقافة الانفتاح والاحترام لأجل خلق توازن في القوى لتغيير اتجاه الضرر الذي تسببت به الاستجابة الكارثية لإدارة بوش لأحداث 11 سبتمبر 2001».

 

دعوة إلى الإصلاح

من المحتمل أن أوباما نفسه ندم لأنه لم يفعل المزيد لأجل دعم المبلغين عن المخالفات داخل الجهاز الاستخباراتي بحسب ما يرى الكاتب، مشيراً إلى أنه «خلال شهوره الأخيرة من ولايته الثانية، كشف النقاب عن وثائق رسمية تقرّ أن «سي آي إيه» كانت تعرف أن الديكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه قد أمر شخصياً بإعدام معارض بارز في حي السفارات بواشنطن، وأن الولايات المتحدة لعبت دوراً في «الحرب القذرة» التي شنتها حكومة الأرجنتين ضد مواطنيها في سنوات السبعينات والثمانينات. ولقي الرئيس أوباما الثناء لمحاولته الفوز بأصدقاء من أمريكا الجنوبية من خلال الكشف عن الأعمال الشريرة الماضية، أفضّل أن أقول إن الرئيس أوباما أدرك أهمية التبليغ عن المخالفات التي تجري داخل سلك الاستخبارات».
يقدّم غودمان في هذا العمل الصادر، باللغة الإنجليزية في 300 صفحة، عن دار «سيتي لايتس بابليشرز»، عرضاً نادراً عن الأعمال الداخلية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، والفساد والترهيب والتضليل الذي يؤدي إلى تدخلات أجنبية كارثية.
والكتاب يتمتع بأهمية كبيرة تاريخية داخل واحدة من الوكالات الاستخباراتية الأكثر سرية وتأثيراً لحكومات الولايات المتحدة، وهو بشكل فعلي دعوة إيقاظ كبرى لضرورة إصلاح ممارساتها، حتى أنه نفسه يقول في خاتمة العمل: «أِشعر بالندم لأنني لم أفعل المزيد في عام 1991 لأجل الدفاع عن احتجاجاتي وتوضيحها، تمنيت لو أنني مضيت أبعد من ذلك في التبليغ عن المخالفات الأمنية، أنا معجب بإدوارد سنودن لمخاطرته بكل شيء للكشف عن أضخم عملية تجسس غير دستورية على المواطنين الأمريكيين، وكذلك معجب بتوماس دريك للتبليغ عن المراقبة غير القانونية»، قائلاً في النهاية: «طالما أن القيادات الاستخباراتية مستمرة في الكذب والتضليل بشأن الأعمال غير القانونية التي تنتهجها، ستبقى الوكالة عدواً للديمقراطية وسوف أستمر في شق طريقي بالمعارضة».
يأتي الكتاب بعد مقدمة بعنوان: «الطريق إلى المعارضة» في عشر أقسام هي: 1) الانضمام إلى وكالة المخابرات المركزية. 2) متعة الاستخبارات. 3) مغادرة وكالة المخابرات المركزية. 4) هبوط في رقعة بريار. 5) الصراع مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ. 6) المعايير المزدوجة والمعاملة المزدوجة لوكالة المخابرات المركزية. 7) مديرو وكالة المخابرات المركزية والمعارضة. 8) غودمان ضد غيتس. 9) الصحافة والمبلغون. 10) الاستنتاجات: الحفاظ على طريق المعارضة.

نبذة عن الكاتب:

 

بدأت مهنة غودمان في المخابرات في الجيش الأمريكي؛ حيث كان يعمل كاتب شيفرات سرية. ثم عمل كمحلل في وكالة المخابرات المركزية، من 1966 إلى 1974. وفي عام 1974 انتقل إلى مكتب الاستخبارات والبحوث؛ حيث أمضى عامين كبيراً للمحللين. وعاد إلى وكالة الاستخبارات المركزية في عام 1976، ليعمل رئيس شعبة وكبير المحللين في مكتب الشؤون السوفييتية حتى مغادرته في عام 1986. كما عمل مستشاراً للاستخبارات في محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وحاضر في كلية الحرب الوطنية كأستاذ للأمن الدولي، من 1986 حتى 2004.
يعمل حالياً أستاذاً مساعداً في جامعة جونز هوبكنز، وزميلاً أول في مركز السياسة الدولية. ظهرت كتابات غودمان في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«هاربر»، وغيرها من المنشورات الصحفية. وهو مؤلف لستة كتب عن المخابرات الأمريكية والأمن الدولي.

 إعداد وترجمة: نضال إبراهيم

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

كان ذلك في أوج «اشتعال» الحرب «الباردة» كما كانوا يسمونها. «اندلعت» تلك المواجهة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وبلغت أكثر من ذروة لها مع سنوات عقد الخمسينات حيث كان كل من الخصمين الأميركي والروسي- السوفييتي يتربص بالآخر.

فيما كانت كل من الغريمتين: واشنطن وموسكو، تجهد من أجل أن تجتذب إلى معسكرها تلك المجموعة من الأقطار والشعوب التي حملت مع عقديْ الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، وصف شعوب «العالم الثالث»، وقد رفعت في تلك الأيام شعار «الحياد الإيجابي وعدم الانحياز».

هذه الحرب الباردة شهدت، أو عاشت، ثلاثة تواريخ مازالت مسجلة وحافلة بالدلالات في دفتر هذا الصراع السياسي- الأيديولوجي بين المعسكرين:

• التاريخ الأول في عام 1957 الذي شهد إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي رائد في استكشاف، أو غزو الفضاء الخارجي. وكانت تلك «ضربة معلّم»، كما نَصِفها، لصالح القطب الروسي – السوفييتي.

• التاريخ الثاني في عام 1972 وقد شهد توقيع أول اتفاق للحد من الأسلحة الاستراتيجية في إطار ما كان يُعرف أيامها بأنه اتفاق ودّي بين الطرفين.

• التاريخ الثالث جاء بعد سابقه بعشرين عاماً أو أقل قليلاً. وكان تاريخاً مشهوداً بكل المقاييس: الفترة 1990- 1992، هي التي شهدت تصدّع ومن ثم تهاوي بل وزوال، الكيان السوفيتي من أساسه وبأكمله.

هذه التواريخ والأحداث والتطورات هي الموضوع الذي يعرض له الكتاب الذي نصاحبه في هذه السطور. وقد كتبه دبلوماسي أميركي محترف وخبير بالشؤون السوفيتية التي ظل متخصصاً فيها إضافة إلى تخصصه في شؤون منطقة البلقان. وكما دام هذا التخصص نحواً من 27 سنة وهو ما يضفي على كتابنا قدراً لا ينكر من الأهمية والمصداقية.

المؤلف هو الدبلوماسي الأميركي المتقاعد لويس سلْ، والذي أصدر كتابه تحت العنوان التالي: العلاقات الأميركية – السوفييتية وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ولن يفوت القارئ للوهلة الأولى، أن يلاحظ ما احتوته صورة الغلاف التي يظهر فيها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ومعه الرئيس السوفييتي – الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف.

بل لا تزال الذاكرة المعاصرة تستعيد الجملة التي رددها أيامها ريغان مناشداً غورباتشوف. وكان الحديث بصدد سور برلين الذي كان يقسم العاصمة الألمانية إلى: شرق شيوعي تابع لموسكو وغرب هو ألمانيا الاتحادية الموالية للحلف الأورو- أميركي. يومها ارتفعت عقيرة ريغان قائلاً: مستر غورباتشوف.. حطّم هذا السور.

والحاصل أن تم تحطيم السور في صيف عام 1989. وكان ذلك إرهاصاً، بل إيذاناً بانهيار الكيان الذي ظل يحمل اسم الاتحاد السوفييتي على مدار 74 سنة من عمر القرن العشرين.

وكان من حظ مؤلف الكتاب أن يشهد من داخل موسكو وقائع هذا التحول، بل هذا الانهيار ومن ثم الزوال للكيان السوفييتي. بيد أن الكتاب تزداد قيمته من واقع ما دوّنه المؤلف من ملاحظات ظل يرصد من خلالها تطور الكيان الشيوعي المذكور، وقد دبت في أوصاله عوامل الوهن والارتباك وصولاً إلى النهاية، وهي عوامل ظلت تنخر في الجسد السوفيتي على مدار عشرين عاماً أو نحوها، يعني بدءا من حقبة ليونيد بريجنيف في عقد السبعينيات من القرن الـ20،.

وهي الحقبة التي عانى فيها الكيان السوفييتي ضروب الوهن السياسي والجمود الأيديولوﭽﻲ وتمسُّك قيادات الحزب والدولة في موسكو بمناصبهم، رغم التقدم في السن، فضلاً عن تحوّل الحزب من آلية للفكر الثوري والدفع الشبابي إلى حيث أصبح بدوره يعاني شيخوخة فكرية وعقائدية ومن ثم حركية في مرحلة كانت تشهد العالم الخارجي – أوروبا وأميركا فضلاً عن اليابان بل والصين – وهو يعبر من مرحلة الاتصالات الفضائية إلى مرحلة تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني، مروراً.

كما هو معروف- بالحركات الثورية للشباب، في فرنسا وغيرها مع أواخر ستينيات القرن الـ20، المطالبة بالتغيير في النظم والأفكار والمعتقدات السياسية. هنا يتوقف المؤلف عند عام 1993 والذي شهد إعلان القيادة الجديدة في موسكو أن الاتحاد- الروسي (الاسم الجديد بعد السوفيتي طبعاً) لا يرى أن هناك أي دولة معادية له. ويومها بدت روسيا الجديدة وكأنها على أعتاب مرحلة تحول إلى الديمقراطية.

بل يلاحظ المؤلف كيف أن الحرب الباردة قد لقيت نهاية مفاجئة وربما لم يحسب حسابها أحد. وكانت نهاية تنطوي على قدر لا ينكر من المهانة لروسيا ولدرجة أن عجز الغرب، في تصور المؤلف بقدر ما عجزت روسيا التسعينيات ذاتها عن التماس السبيل الذي يحفظ على الكيان الروسي المستجد كرامته أو كبرياءه، خاصة في ظل رئاسة يلتسين التي افتقدت.

كما ألمحنا إلى قدرة الحفاظ على ما تبقّى من كرامة موسكو.. وكان أن فشلت معظم هذه الشخصيات في الارتفاع إلى مستوى طموحات الشعب الروسي على مدار العقد الأخير من القرن الماضي، فيما نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف استطاع أن يوثّق الآراء والملاحظات التي أبداها من خلال ما أمكنه الاطلاع عليه، بحكم موقعه الدبلوماسي في موسكو من ملفات أرشيف المحفوظات الروسية، لا سيما وأن تلك الفترة من التذبذب وعدم اليقين، التي أعقبت انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.

فضلاً عما اتسمت به الفترة المذكورة من حالات التخبط بل والفشل في إدارة روسيا الاتحادية، هي نفسها التي فرضت ضرورة اللجوء إلى قيادة أكثر حزماً وربما أكثر كفاءة وأعمق وعياً بأبعاد المشهد الدولي.. وهذه القيادة تجسدت مع مطلع القرن الجديد في شخصية اسمها: فلاديمير بوتين.

 

أسعار الفائدة واستقرار النظام المالي

اعتمد الصفر تدريجيا في العالم القديم ـــ شرقا وغربا ـــ باعتباره النقطة المرجعية النهائية التي تتغير الأمور عند تجاوزها ارتفاعا وانخفاضا. فقد كان الصفر يمثل قاعدة الأهرامات عند المصريين القدماء، كما أصبح نقطة تجمد المياه في العلوم، ومنسوب البحر في الجغرافيا، ونقطة بدء التقويم في التاريخ.
وفي عالم السياسة النقدية، جرت العادة على رؤية الصفر باعتباره الحد الأدنى لأسعار الفائدة. هذه الرؤية تغيرت في السنوات الأخيرة في سياق التعافي البطيء من أزمة 2008، حيث وصلت عدة مصارف مركزية إلى الصفر، ثم بدأت تخوض تجربة سياسات أسعار الفائدة السالبة. وكان الدافع بالنسبة لمعظمها هو مواجهة التضخم شديد الانخفاض، وإن كان الدافع لدى بعضها هو القلق تجاه العملات بالغة القوة.

الاستقرار المالي
وظهرت التساؤلات: هل ينبغي أن نقلق بشأن مدى فعالية أسعار الفائدة السالبة وآثارها الجانبية المحتملة؟ هل يمكن لهذه السياسات أن تدعم الطلب؟ هل يمكن أن تؤثر في الاستقرار المالي؟ هل يكون لتخفيض أسعار الفائدة إلى أقل من الصفر آثار مختلفة عما تحدثه أسعار الفائدة التي تتجاوز الصفر؟ وأمام هذه التساؤلات، قدمنا بعض الإجابات في دراسة صدرت أخيرا تستند إلى التجربة المبدئية في منطقة اليورو والدنمارك واليابان والسويد وسويسرا.
وفي دراستنا هذه، نؤكد ونبني على المناقشات المبدئية في تدوينات هوزيه فينيالز، المدير الأسبق لإدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في الصندوق، وعدد من زملائه. ومن بين النتائج التي استخلصناها أن أثر آليات السياسة النقدية في الاقتصاد يتشابه فوق مستوى الصفر وتحته، وأن أثرها الكلي في أرباح المصارف والإقراض بسيط حتى الآن، ولكن لهذه السياسة حدود.
لماذا نهتم الآن بآثار أسعار الفائدة السالبة في الوقت الذي نرى تحولا في النقاش نحو عودة أسعار الفائدة العادية؟ هناك سببان. الأول هو أننا اكتسبنا خبرة تراكمية ـــ عامين في معظم الحالات وأكثر في بعض آخر ـــ تكفي لقياس الآثار بدقة أكبر. ثانيا، مع ما تشير إليه التوقعات من أن أسعار الفائدة المنخفضة عموما ستكون هي المعتاد الجديد، يرجح أن ترتفع احتمالات الوصول إلى الصفر إذا دعت الحاجة إلى تيسير السياسة النقدية من جديد.
ما الداعي للقلق؟
ما نخشاه هو أن تتسبب أسعار الفائدة السالبة في تقليص أرباح المصارف. فالمصارف تحقق أرباحها بتقاضي فائدة من المقترضين تتجاوز ما تدفعه للمودعين. هذا الهامش يمكن أن يتقلص إذا لم تنخفض أسعار الإيداع بسرعة انخفاض أسعار الإقراض، أو إذا استقرت في النهاية عند الصفر. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تهديد الاستقرار المالي؛ لأن انخفاض الأرباح يجعل المصارف أقل صلابة في مواجهة الصدمات، كما يمكن أن يضعف أثر السياسة النقدية في الإقراض والنمو واستقرار الأسعار.
وستتردد المصارف في فرض أسعار سالبة على المودعين الذين يمكنهم سحب أموالهم والاحتفاظ بها في خزائنهم. صحيح أنه من المكلف تخزين الأموال ونقلها وتأمينها، ولكن تكلفة ذلك قد تكون أقل مما تتقاضاه المصارف لحفظ الأموال إذا خفضت أسعار الفائدة إلى أقل بكثير من الصفر. أين النقطة الفاصلة إذن؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين، لكن المودعين أصحاب الأرصدة النقدية الأكبر واحتياجات السيولة الأعلى ـــ مثل الشركات ــــ يمكنهم تحمل مزيد من الأسعار السالبة قبل أن يقرروا التحول إلى النقد، ومن ثم تستطيع المصارف تطبيق الأسعار السالبة على بعض مودعيها، وهو ما قد كان.
كذلك تستطيع المصارف حماية هوامش ربحها بتخفيض أسعار الإقراض بنسبة أقل من التخفيض في أسعار الفائدة الأساسية. وسيحدث هذا تلقائيا إذا كانت حوافظها تتألف في الأساس من قروض وأصول أخرى طويلة الأجل وبأسعار فائدة ثابتة. “وفي الوقت نفسه، سيؤدي تطبيق التخفيض بهذه الدرجة المحدودة إلى تخفيف الأثر المترتب على تخفيض أسعار الفائدة الأساسية”. وفي هذا السياق، ستكون المصارف الأكثر اعتمادا على الودائع الكبيرة والتمويل بالجملة أكثر ربحية من المصارف التي تعتمد في الأساس على ودائع التجزئة.
وإضافة إلى ذلك، فإن بعض التراجع في هذه الهوامش لا يعني بالضرورة هبوط الأرباح. فبإمكان المصارف أن تدعم الأرباح بأن تتقاضى رسوما وعمولات، وتخفض مصروفات مخصصات الخسائر كلما ارتفعت درجة أمان المقترضين، وتتحول إلى تمويل الجملة الأقل تكلفة، وتخفض التكاليف، وتسجل مكاسب رأسمالية من تخفيضات أسعار الفائدة الأساسية. وإضافة إلى ذلك، سيؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تحفيز النمو الاقتصادي، ومن ثم الطلب على الخدمات المصرفية، ما سيخفف الضغوط على هوامش الربح.

الأيام المبكرة
هناك ما يدعم هذه الرؤية الأكثر إيجابية إذا استعرضنا التجارب القطرية المبكرة في إجراء تخفيضات صغيرة نسبيا دون مستوى الصفر.
وعلى وجه الإجمال، يبدو أن السياسة آتت ثمارها. فقد هبطت أسعار الفائدة في سوق المال، وتراجعت عائدات السندات في كل البلدان التي أخضعناها للبحث. كذلك تراجعت أسعار العملات إلى حد ما، على الأقل مؤقتا. وظلت أسعار الفائدة على الودائع موجبة في الغالب، باستثناء ودائع الشركات الكبيرة. وانخفضت أسعار الإقراض إلى حد ما، وإن كان بدرجة أقل من أسعار الفائدة الأساسية. واستفادت المصارف من انخفاض تكاليف التمويل بالجملة، وزيادة بعض الرسوم. وظلت أرباح المصارف صامدة بوجه عام، كما ظل الإقراض متماسكا.
لكن بعض المصارف عانت. فكما كان متوقعا، أثرت أسعار الفائدة السالبة في أرباح المصارف التي يشكل فيها التمويل بالودائع نسبة عالية من التمويل، وصغار العملاء الذين يتعاملون بالتجزئة، والقروض قصيرة الأجل، والقروض المرتبطة بمؤشر سعر الفائدة الأساس “كما هو الحال لدى بعض الأعضاء في جنوب منطقة اليورو”. وتتضرر من ذلك أيضا المصارف التي تواجه منافسة أقوى من جهات الإقراض وأسواق رأس المال التي تقدم التمويل بتكلفة أقل.

إجابة غير كاملة
الأمور لا بأس بها حتى الآن. فيبدو أن سياسات أسعار الفائدة السالبة أسهمت في إحداث بعض التحسن في الأوضاع النقدية المحلية، دون آثار جانبية كبيرة في أرباح المصارف، أو نظم الدفع، أو كفاءة عمل الأسواق.
غير أن أسعار الفائدة الأساسية إذا ظلت سالبة فترة طويلة، أو كان هناك تفكير في إجراء خفض أكبر دون مستوى الصفر، فإن فعالية السياسة واستقرار النظام المالي يمكن أن يتعرضا للخطر. وإضافة إلى ذلك، فإن قدرة المودعين على التحول إلى النقد يمكن أن تحد من درجة التخفيض الذي يمكن إجراؤه في أسعار الفائدة. ولا يزال تعزيز التعافي يتطلب بالضرورة مزيدا من الدعم من السياسة النقدية، مع إصلاحات في سياسة المالية العامة إلى جانب الإصلاحات الهيكلية.

تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة من جيل إلى آخر

تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة

ما زال الوضع الاجتماعي للوالدين مؤثرا في تحديد مستقبل الأبناء حاليا كما كان قبل 50 عاما، وفقا لنتائج أولية من تقرير يصدر قريبا عن البنك الدولي القادم بعنوان التقدم العادل الحراك التعليمي حول العالم. وفي معرض الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لليوم الدولي للقضاء على الفقر، حذر البنك من عدم تحقيق تقدم منذ الستينيات في مجال أساسي للقضاء على الفقر وعدم المساواة وتعزيز النمو.
تساعد الدراسة التمهيدية، التي صدرت على تجميع القطع الأولى من لغز الحراك الاقتصادي، مع التركيز تركيزا مباشرا على كيفية إسهام تعليم جيل واحد في نجاح الجيل التالي أو إفشاله، وهذا يسلط الضوء على الدور المهم الذي تؤديه السياسة العامة في إتاحة تكافؤ الفرص، بحيث يتمكن كل طفل، بغض النظر عن خلفية والديه، من تحقيق إمكاناته كاملة. وسيوسع التقرير الكامل، الذي يصدر في مطلع عام 2018، من نطاق البحث ويدرس العوامل الدافعة إلى الحراك في الدخل، بما في ذلك دور الأسواق وقوى التحول الاقتصادي الأوسع نطاقا.
“إننا نعيش في خضم أزمة من أزمات رأس المال البشري ونحتاج إلى بذل كل ما في وسعنا لإيجاد عالم يتمتع فيه الأطفال بالفرصة كي يصبحوا ما يريدونه… فإمكانيات مئات الملايين من البشر تضيع هباء مع بقاء فرصهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجيل السابق. يجب علينا الاستثمار في أطفالنا كي يرتبطوا بالنجاح، وتشجيع طموحات الشباب وتلبيتها، والعمل على جميع المستويات، خاصة المستوى المحلي، لضمان أن يزدهر الجيل القادم بصرف النظر عن مكان مولده ووالديه”.
فقد توقفت الزيادة في قدر التعليم الذي يحصله جيل بعد جيل خلال نصف القرن الماضي. فنحو نصف الأشخاص المولودين في أحد البلدان النامية العادية خلال الثمانينيات حصلوا على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم – ولم يَظهر بذلك أي تحسّن مقارنة بمن وُلد في الستينيات. وإذا لم يغير العالم الطريقة التي يستثمر بها في أطفاله، ولا سيما من ينحدرون من بيئة أقل حظا، فلا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا التقييم سيكون مختلفا بعد عشر سنوات من الآن، ما يزيد من التحدي المتمثل في إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.
وتَظهر مستويات منخفضة من الحراك الصاعد في العالم النامي بشكل خاص، ولا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء. فعلى سبيل المثال، لم يحصل إلا نحو 12 في المائة من شباب اليوم “المولودين في الثمانينيات” في بعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم مقارنة بأكثر من 80 في المائة من الجيل نفسه في أجزاء من شرق آسيا. وجميع البلدان الـ 15 التي يرتبط فيها مستوى تعليم المواطنين ارتباطا وثيقا بمستوى تعليم آبائهم هي بلدان نامية.
وتشير الدراسة إلى ثلاثة مسارات عريضة نحو زيادة الحراك الاقتصادي من جيل إلى جيل.
ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال: إن الاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة، وإمكانية الحصول على التعليم وجودته، وصحة الأم والطفل، ومستوى التغذية، والبنية التحتية، والمياه والصرف الصحي، والخدمات الرئيسية الأخرى في السنوات المبكرة، هي عوامل بالغة الأهمية لتحسين الحراك وبناء رأس المال البشري. فعلى سبيل المثال، البلدان التي تسجل مستويات أدنى من التقزم “انخفاض الطول بالنسبة إلى السن، وهو علامة على سوء التغذية المزمن” بين الأطفال في سن الخامسة، والبلدان التي تستثمر قدرا أكبر من مواردها العامة في التعليم، تشهد مستوى أعلى من الحراك.
ويقدم تقرير عن التنمية في العالم الذي صدر أخيرا عن التعليم حجة قوية للاستثمار في التعلّم والتعليم الجيد بوصفهما مسارا للخروج من دائرة الفقر، وأعلنت مجموعة البنك الدولي أخيرا مشروع رأس المال البشري – وهو جهد متسارع الوتيرة لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار في مواطنيها وبمزيد من الفعالية، وذلك كخطوة حاسمة لتعزيز النمو الاقتصادي الشامل وإنهاء الفقر المدقع.
ـ الطموحات: عندما يدرك الناس أنهم لا يستطيعون الهرب من دائرة الفقر، يقل احتمال أن يتخذوا الخطوات اللازمة للقيام بذلك – تصوراتهم تعوق طموحاتهم، ما يبقيهم مُحاصرين. ومن الأهمية بمكان إدراج رؤى سلوكية في السياسات والبرامج من أجل الوصول بشكل أفضل إلى من تخلّفوا عن عملية التنمية.
ـ التدابير المحلية: للبيئة التي يولد فيها الشخص أهمية بالغة، إلى جانب الوضع الاجتماعي للوالدين. وتُعتبر التدابير التي يجري اتخاذها على الصعيد المحلي، من المناطق إلى الأحياء، حاسمة لكسر حلقة الفقر. فمن المرجح أن يعيش الفقراء في المناطق الأكثر فقرا التي تضم المدارس الأكثر سوءا، والبنية التحتية المتدهورة، مع قلة إمكانية الحصول على الخدمات وجودتها، وارتفاع معدلات الجريمة، الأمر الذي قد يؤثر في قدرة الطفل على التعلّم والنمو والازدهار.
يحقق العالم تقدما نحو تحقيق هدفي إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030 وتعزيز الرخاء المشترك في كل مكان. وبتركيز مواردنا على ثلاثة مجالات، هي تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات، وبقياس مدى التقدم، يمكننا أن نقطع بقية الشوط. ويتيح اليوم العالمي لإنهاء الفقر للمجتمع الدولي فرصة كل عام للتركيز على هدفينا والعمل مع الحكومة والمواطنين والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الإنمائية من أجل بناء الدعم للتدابير اللازمة لتحقيق هذين الهدفين.

الطبيعة على حافة الإفلاس

باهر كمال
الضغوط الواقعة على موارد العالم من الأراضي الآن، أكبر من أي وقت مضى، حيث يترتّب على التزايد السريع في أعداد السكان، وارتفاع مستويات الاستهلاك، مطالب أكبر على رأس المال الطبيعي، القائم على الأراضي في العالم، كما يحذر تقرير جديد للأمم المتحدة.
تضاعف استهلاك المحميات الطبيعية على كوكب الأرض خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، مع التدهور الشديد لثلث أراضي الكوكب الآن، كما يضيف التقرير الجديد لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي صدر في 12 سبتمبر/أيلول في مدينة اوردوس في الصين، أثناء القمة الثالثة عشرة الخاصة بالاتفاقية 6- 16 سبتمبر 2017.

يقول تقرير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي يحمل عنوان: توقعات الأراضي في العالم: «في كل عام نفقد 15 مليار شجرة، و24 مليار طن من التربة الخصبة»، ويضيف أن نسبة كبيرة من النظم الإيكولوجية المدارة والطبيعية تتآكل، وتتعرض لخطر إضافي جرّاء تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي.
ومن ناحية أساسية، هنالك تنافس متزايد بين الطلب على السلع والخدمات التي تنفع الناس، مثل الغذاء والماء والطاقة، وبين الحاجة إلى حماية خدمات النظم الإيكولوجية الأخرى التي تنظم وتدعم كل الحياة على الأرض، وفقاً للنشرة الجديدة.
وفي الوقت نفسه يدعم التنوع البيولوجي الأرضي جميع هذه الخدمات، ويكفل التمتع التام بسلسلة واسعة من حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة الصحية، والأغذية المغذية، والمياه النظيفة والهوية الثقافية، كما يضيف التقرير.
ويعرض التقرير بعض الحقائق الرئيسية، ففي الفترة ما بين 1998 إلى 2013، أظهر نحو 20% من سطح الأرض النباتي، اتجاهات هبوط مستمر في الإنتاجية، تظهر في 20% من الأراضي الزراعية، و16% من أراضي الغابات، و19% من الأراضي العشبية، و27% من أراضي المراعي.
وقال التقرير، إن أكثر من 1.3 مليار شخص معظمهم في الدول النامية، عالقون في شرك أراض زراعية تتآكل، وتتعرض للضغوط المناخية، وبالتالي فإنهم مستبعدون من البنية التحتية الأوسع والتنمية الاقتصادية. ويثير تدهور الأراضي أيضاً المنافسة على الموارد الشحيحة؛ الأمر الذي يمكن أن يقود إلى الهجرة وانعدام الأمن، ويفاقم من عدم المساواة في فرص الوصول إلى تلك الموارد، وفي الدخل، كما يحذر التقرير.
وتآكل التربة والتصحّر وشحّ المياه، كلها تسهم في الإجهاد المجتمعي والانهيار. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار تدهور الأراضي «مضخّماً للتهديد»، ولا سيما عندما يقلل ببطء قدرة الناس على استخدام الأرض، لإنتاج الأغذية وتخزين المياه، أو يقوّض خدمات النظم الإيكولوجية الحيوية الأخرى.
وفي الوقت نفسه فإن ارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر أنماط سقوط الأمطار، وزيادة شح المياه بسبب تغير المناخ، سيغير ملاءمة مناطق شاسعة لإنتاج الغذاء والإقامة البشرية، وفقاً للتقرير.
«إن الانقراض الجماعي للنباتات والحيوانات، بما في ذلك فقدان النباتات البرية التي تعتبر من المحاصيل، والأنواع الرئيسية التي تجمع النظم الإيكولوجية معاً، يزيد من تعريض المرونة والقدرة على التكيف للخطر، ولا سيما بالنسبة إلى فقراء الريف الذين يعتمد معظمهم على الأرض لتلبية احتياجاتهم وكسب معاشهم».
ومن منظور إقليمي، تتنبأ هذه السيناريوهات بأن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ستواجه أكبر التحديات، بسبب مزيج من العوامل، التي تشمل ارتفاع النمو السكاني، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة إلى الفرد، والخيارات المحدودة أمام التوسع الزراعي، وزيادة الإجهاد المائي، وارتفاع خسائر التنوع البيولوجي.
وهذه حقائق ثابتة. والسؤال الكبير هو: هل يمكن عكس هذا الاتجاه المدمر للذات؟ والجواب هو نعم، أو على الأقل، إنه يمكن تقليل الخسائر إلى أدنى حدّ ممكن.
وهل يمكن أن تستعيد الطبيعة الأم عافيتها؟ والجواب، هو نعم، صريحة وواضحة. ولعله يكفي أن يولي السياسيون مزيداً من الاهتمام للاحتياجات البشرية الحقيقية، وأن تساعد الشركات والأعمال التجارية الكبيرة على تجديد رأس المال الطبيعي للعالم.

* مستشار رفيع لوكالة انتر برس سيرفس، إسباني مصري المولد. موقع: انتر برس سيرفيس نيوز

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

 

لا تزال الرموز الشعبية للجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، تمثل شخصيات من عهد الكساد الكبير، مثل آل كابوني، ولاكي لوتشيانو، وماير لانسكي، الذين يعتقد أنهم رؤساء لمافيات عملاقة هرمية التنظيم. يحاول مايكل وودويس في هذا العمل الكشف عن حقيقة مثيرة للقلق متعلقة بالجريمة المنظمة، وهي تواطؤ وتورط المسؤولين الحكوميين والمؤسسات في الولايات المتحدة على نطاق واسع وعميق مع شبكات العصابات الإجرامية، خاصة في القطاع المالي والتجاري.
من خلال التعمق في محاولات تنفيذ سياسات مكافحة الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة وإيطاليا والمملكة المتحدة، يكشف وودويس في هذا الكتاب الصادر حديثاً في 272 صفحة من القطع المتوسط عن دار «بلوتو برس» باللغة الإنجليزية، عن مظاهر غير معروفة من الجريمة المنظمة بين المؤسسات السياسية والشركات. ويوسّع نطاق مناقشته إلى الوقت الحاضر من خلال دراسة أولئك الذين بنوا الأسطورة، ومن ثم استفادوا من صنعها. ومن بين هؤلاء الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، والسياسيون والمسؤولون الأمريكيون الانتهازيون، ومؤخراً أكثر، البيروقراطيات المكلفة بتطبيق القانون، بقيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

 
التستر على الفشل
يشير الكاتب إلى أن سياسات مكافحة الجريمة المنظمة تميل الآن إلى إضفاء الشرعية على القمع والتستر على الفشل، مؤكداً أن المسؤولين الأمريكيين يقومون بجهد يكاد لا يذكر لمكافحة الجريمة المنظمة. وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تصدير نموذجها الخاص بمكافحة الجريمة المنظمة إلى بقية العالم، تتسع وتتوالد فرص النشاط الإجرامي الناجح على المستويات المحلية والوطنية والعالمية، مما يجعل الملاحقات القضائية الناجحة غير مرتبطة بالموضوع.
يقول في تمهيده: «الجريمة المنظمة وامتدادها الأحدث (الجريمة المنظمة العابرة للحدود)، تركيبات سياسية واجتماعية صنعت في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه التركيبات ساعدت عدداً من الأفراد على تحقيق التقدم المهني في الإعلام، والسياسة، والأعمال، والبيروقراطيات، لكنها لم تساعد على فهم أو مكافحة نشاط الجريمة المنظمة».
ويحاول عبر عمله هذا أن يتحدى العديد من الافتراضات الأصلية التي لم تجد من يتحداها تقريباً فيما يتعلق بماضي «الجريمة المنظمة». هذه الافتراضات التي تنبثق من هؤلاء الأفراد الذين يتخفون وراء إجماع عالمي حول الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي من شأنها أن تساعد على استدامة مستويات غير محدودة تقريباً من الفرصة الإجرامية.
بدايات المافيا في أمريكا
يجد وودويس أن أكثر الكتّاب يبدؤون بكتابة تواريخهم عن الجريمة المنظمة في أمريكا من نهاية القرن التاسع عشر، عندما هاجر إليها مئات الآلاف من الإيطاليين، حيث جلبوا معهم مجتمعات سرية، أبرزها المافيا. في عهد حظر الكحوليات في الولايات المتحدة من 1920 إلى 1933، كما تقول القصة، أصبحت المافيا -التي كان يعتقد أنها الجريمة المنظمة – أكثر مركزية، وسيطرت على تلك النشاطات التي كانت من فترة الحرب الباردة وما بعدها، إذ كانت مرتبطة على نحو أكثر مع البنية: القمار غير القانوني، تهريب المخدرات، والابتزاز، مشيراً إلى أن رواة القصص بدؤوا في نقل فكرة أن الجريمة المنظمة كانت تهديداً على الأمن القومي، ما تطلب استجابة من الأمن القومي لصدها، متضمنة: قوانين صارمة، الإنفاذ الحاسم للقانون، وإجراءات العدالة الجنائية.
وتستمر الرواية قائلة إنه منذ سنوات السبعينات – يقول الكاتب – استخدمت الحكومة الممثلة في مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وإدارة مكافحة المخدرات سلطات جديدة في مكافحة الجريمة المنظمة بشكل مؤثّر وكسرت القبضة المزعومة للمافيا. لكنهم أضافوا تحذيرات لهذا النجاح. وأزيح هذا النجاح بظهور ما أشارت الحكومة إليه بأنه «مجموعات الجريمة الناشئة»، بشكل رئيسي من أصول أجنبية، لكن من بينهم من نشأ في الداخل الأمريكي، وعصابات الدرّاجين البيض، مثل هيل آنجلس.
ومن نهاية الحرب الباردة – يستمر وودويس في حديثه – ردّد كتّاب «الجريمة الحقيقية» رواية جديدة، مستندة أساساً على مصادر من داخل الحكومة الأمريكية. بحسب اعتقادهم، كانت العولمة نقطة تحوّل تركت عدداً من المنظمات المركزية الهرمية فائقة الإجرام تنضم إلى المافيا وتقوم بالتحكم بتهريب المخدرات، والنشاطات غير الشرعية الأخرى العابرة للحدود. وجهة النظر هذه بقية سائدة حتى حلت محلها وجهة نظر أخرى أكدت على تعدد الشبكات الإجرامية.
ويعكس كتاب صادر في 2007 للمؤلفة ميشا جليني وجهة النظر السائدة الحالية. كما وُضّحت أيضاً من مسؤولين في الحكومة الأمريكية مثل ويليام إف. ويكسلر نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون مكافحة المخدرات والتهديدات العالمية، الذي أشار إلى أن بنية المجموعات الإجرامية قد تغيرت.
ويرى الكاتب أنه كان هناك القليل من التركيز على مشكلة «الجريمة المنظمة» الداخلية المستمرة في أمريكا منذ نهاية الثمانينات. وتزامن هذا مع حافز شديد لتصدير استراتيجيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية عبر الضغوط البيروقراطية والدبلوماسية. فالعديد من الدول لديها الآن أكاديميات على نمط مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» لأجل التدريب في تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة، كما أن دولاً أخرى لديها الآن نسخ عن «إف بي آي» نفسها. المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كشفت عن «إف بي آي البريطانية» التي كان عمرها 15 عاماً في 2013. لكن نادراً ما يمكن تحدي تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية. إلا أن الكاتب يحاول على عكس هذه الروايات التاريخية أن يروي قصة مختلفة من شأنها أن تساعد على توضيح مأسسة اتجاهات مكافحة كراهية الأجانب وجرائم الاستبداد، وذلك قبل فترة طويلة من تسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
أدبيات الجريمة المنظمة
يأتي مضمون العمل في أربعة أجزاء عناوينها كالتالي: الأول: التخلص من النفايات: بناء فهم مقبول «للجريمة المنظمة»، الثاني: الكذب الدائر عن المجرمين: بناء «تاريخ» مقبول للجريمة المنظمة، الثالث: التستر على الفشل: بناء استجابة مقبولة على «الجريمة المنظمة»، والرابع: الفشل في البيع: وضع جدول الأعمال العالمي بشأن المخدرات والجريمة المنظمة وغسل الأموال.
ويحتوي كل جزء على مجموعة فصول، نبدأ بالجزء الأول الذي يحتوي على مقدمة يشير فيها الكاتب إلى أن كل مناطق تاريخ الجريمة المنظمة الأمريكية لم تكن معروفة وغير معترف بها من قبل الأمريكيين في أوائل القرن العشرين. وأن جرائم الاحتيال والعنف الممنهج ضد الأمريكيين الأفارقة والأصليين إما تم تبريرها كنتيجة قانون عنصري «فوقي» أو تم نسيانها مع بدايات القرن العشرين. وأن المعلقين والأكاديميين الذين فعلوا الكثير لتطوير الأدبيات عن الجريمة المنظمة، لم يعتبروا، على سبيل المثال، النشاط الإجرامي المنظم الموجّه ضد الأمريكيين الأصليين والأمريكيين الأفارقة كجريمة ناهيك عن الجريمة المنظمة، ف«المشكلة الهندية» و«مشكلة الزنوج» لم تكونا بالنسبة لهم جزءاً من مشكلة «الجريمة المنظمة».
وتتكون المقدمة من فصلين هما: أولاً: صعود وسقوط فضح التجاوزات القانونية في الأعمال التجارية، والحملة الأخلاقية في أمريكا وصناعة الأسواق غير الشرعية. كما يحتوي هذا الجزء على ثمانية فصول هي: تشارلز ج. داويس وصياغة الرأي العام بشأن الجريمة المنظمة، آل كابوني عدو عام رقم واحد، آل كابوني وأعمال الجريمة، إضفاء الطابع الأمريكي على حرب موسوليني المزيفة ضد المافيا، الجريمة المنظمة في دولة فاشية، التحقيق في الجريمة المنظمة والدعاية، توماس إي.ديوي وأكبر العصابات في أمريكا، من ضباط يكافحون الجريمة المنظمة إلى شركة للقتل.
ويتضمن الجزء الثاني أربعة فصول هي: تشكّل أسطورة «مؤتمر» أتلانتيك سيتي، دعم أسطورة «المؤتمر»، التطهير الذي لم يكن..، تاريخ الحكومة الأمريكية للجريمة المنظمة، ويتبعه ملحق بعنوان «لوتشيانو والحياة في المنفى».
تجاهل الحقائق
يتعمق الكاتب أكثر في الفصل الثالث حول خطورة التورط في الجريمة المنظمة بأسلوبها الحديث، والذي يؤثر على المجتمع بشكل مباشر. ويتميز بفصوله الكثيرة، إذ يأتي في 14 فصلاً: أساطير المافيا والاستجابة الاتحادية، الرئيس ريتشارد نيكسون ومكافحة الجريمة المنظمة، تحدي الاستقامة، استدامة وتحديث أساطير المافيا، من الحكومة العليا إلى الحكومات العليا: المراجعة التعددية للجريمة المنظمة، أصول نظام مكافحة غسل الأموال، المخبرون الكذابون والمذعورون، الاستيلاء على الأصول لتمويل حرب الجريمة، حظر المخدرات وظاهرة عصابات السجن، جرائم الأعمال المنظمة: حقائق خطيرة يتم تجاهلها، إلغاء القيود التنظيمية وظهور احتيال الشركات، الاحتيال والانهيار المالي، إخفاء فشل مكافحة الجريمة المنظمة، القمع كمكافحة للجريمة المنظمة.
يرى الكاتب أن الجهود الوطنية والدولية في الولايات المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة قد فشلت، وستستمر بالفشل طالما أن السياسيين الانتهازيين والبيروقراطيين المحترفين في الولايات المتحدة وغيرها اختاروا اتباع طريق غير قويم، وهذا الطريق يتكون من الإفراط في مراقبة الفقراء وتطبيق القوانين عليهم، وإهمال الأغنياء والميسورين وعدم إخضاعهم للقوانين بشكل فعلي. والحبس الجماعي في العقود الأخيرة ضاعف من أعداد الشبكات الإجرامية التي على الأرجح تكون جاهزة، ومتلهفة، وقادرة على اللجوء إلى العنف لكي تدير أعمال الابتزاز التي تقوم بها وتمنع من تعرضها للانكشاف. كما أن رفع القيود في العقود الأخيرة كان عاملاً أساسياً مساهماً في الانهيار المالي الذي حدث في 2007 / 2008، لأن ذلك سمح كثيراً لنشاط الجريمة المنظمة بالانتعاش من دون عقاب وبالتالي من دون كشف.
تبسيط الاستجابة
أما الجزء الرابع والأخير فيضم ستة فصول هي: فقدان جريمة الشركات من الجريمة العابرة للحدود، بناء القدرات، أمركة النظام البريطاني لمكافحة المخدرات، تبسيط الاستجابة الدولية للمخدرات و«الجريمة المنظمة»، القمع والأرباح والقتل: الولايات المتحدة في كولومبيا والمكسيك، التحالف الأطلسي كمغسلة للمال.
ويشير الكاتب في ختام عمله إلى أنه عند تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة كانت كلماته وكلمات المسؤولين في إدارته تشير إلى نهج على غرار الرئيسين السابقين نيكسون وريجان في اتباع «نهج قاس ضد الجريمة»، و«ضبط المحتكرين»، بينما غضوا الطرف عن تزايد فرص الجرائم المالية والتجارية المنظمة.
ويضيف أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تبقى القوة العالمية المهيمنة، إيديولوجياً وعسكرياً واقتصادياً، خلال عهد ترامب، وأنه من غير المحتمل أن يتغير فهم الجريمة المنظمة ومكافحتها. والنخب الحاكمة في أغلب البلدان الأخرى، من بينها روسيا والصين، يمكن أن تشهد جذباً إلى سياسات مكافحة الجريمة المنظمة بالاستناد على النموذج الأمريكي. ومثل موسوليني وأنصاره الأمريكيين في سنوات العشرينات والثلاثينات، يعرف الاستبداديون أن قمع الجريمة المنظمة هو سياسة مألوفة للدولة. كما أنهم يعرفون تحديد واختيار المجرمين المنظمين. موضحاً كلامه أكثر: «بين 1929 و1931 اضطلعت لجنة ويكرشام في الولايات المتحدة بالتحقيق الموضوعي والعلمي الأول والأخير المدعوم حكومياً في مشكلة الجريمة المنظمة. وكان من أهم توصياتها «إجراء تحقيق فوري وشامل وعلمي في الجريمة المنظمة في أرجاء الدولة، وذلك بهدف تطوير خطة ذكية لأجل مكافحتها». لكن من المحزن – يقول الكاتب- أنه لم يجرَ أي تحقيق، وسيطر السياسيون والبيروقراطيون والإعلاميون بشكل متناوب على مفهوم الجريمة المنظمة.
ويختم بالقول: الميول الاستبدادية والكراهية ضد الأجانب التي تميز رئاسة ترامب تشكل حافزاً لإجراء التحقيقات الوطنية والدولية التي ينبغي أن تنظر أولاً في الأحداث التي تدعى «الجريمة المنظمة». وهذه التحقيقات ربما تتيح تشكل خطة ذكية لمكافحتها ومنعها من الظهور. في الأثناء، لن تثمر جهود مكافحة الجريمة المنظمة في منع توالد شبكات العصابات الريادية، من بينها ما يتشكل في السجون، وتمتلك سلطة مطلقة في الجريمة المنظمة ضمن الأنظمة المالية والتجارية على وجه الخصوص.
نبذة عن الكاتب:
مايكل وودويس محاضر بارز في التاريخ في جامعة غرب إنجلترا.
وقد كتب على نطاق واسع عن الجريمة المنظمة على صعيد الشركات والدول، وله عدد من المؤلفات منها: «الجريمة المنظمة والسلطة الأمريكية» (مطبعة جامعة تورنتو، 2001)، و«رأسمالية العصابات: الولايات المتحدة والصعود العالمي للجريمة المنظمة» (دار كونستابل، 2005).

 

سرطان البنكرياس.. العدو الأشرس

سرطان البنكرياس

من منا لم يسمع بسرطان البنكرياس ومن منا لم يسمع عن قريب أو بعيد في عائلته أو معارفه وافته المنية بعد أسابيع قليلة من إعلان إصابته بسرطان البنكرياس، ومن منا من لم يسمع بالآلام الحادة والمعاناة الشديدة والأعراض المهولة التي يصاب بها مريض البنكرياس قبل وفاته.

كل من عايش التجربة من الناس عن قرب أو بعد مع أحد أقربائه أو معارفه يعرف معنى الإصابة بهذا الورم الفتّاك والسرطان الشرس ويعرف تبعاته القاسية وآثاره الهدّامة على المريض وعائلته ومحيطه.

يقع البنكرياس وهو إحدى الغدد الهامة بالجسم في الجزء العلوي من تجويف البطن خلف المعدة عند مستوى الفقرة القطنية الأولى والثانية، ويبلغ طوله 20 سم تقريبا، ووزنه 75-90 جراما. يعتبر البنكرياس أحد أعضاء الجهاز الهضمي الذي يعمل على هضم وتحليل وتحضير الطعام حتى يمكن امتصاصه والاستفادة منه في خلايا الجسم، حيث تتواجد في داخله قناة تسمى القناة البنكرياسية تربط بين البنكرياس والجزء الأول من الأمعاء الدقيقة، كما يوجد فيه نوعان من الغدد: غدد خارجية الإفراز وغدد داخلية الإفراز. تحدث الإصابة بسرطان البنكرياس غالباً في الجزء العلوي منه مما يؤدي إلى انسداد القناة الصفراوية والإصابة باليرقان. وقد ينتشر المرض إلى الأعصاب المجاورة والغدد الليمفاوية مسبباً الألم للمريض.

يعيش 7% فقط من مرضى سرطان البنكرياس لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات، ويتوفى 30% منهم خلال شهرين من التشخيص. وعلى الرغم من أن الجراحة هي الخيار الوحيد للشفاء من المرض، إلا أن المرض غالبا ما يكون قد وصل إلى مرحلة متقدمة للغاية في 80% من الحالات عند التشخيص، ويكون لا داعي لإجراء الجراحة عندئذ.

تتضمن الاختبارات اللازمة للتأكد من الإصابة بسرطان البنكرياس اختبارات الدم، والأشعة بالموجات فوق الصوتية، والأشعة المقطعية، والأشعة بالرنين المغناطيسي، والتنظير الداخلي، ومنظار تلوين قناة الكبد والمرارة وقناة البنكرياس، والتنظير الداخلي بالأشعة فوق الصوتية، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، وإجراء الخزعة على أنسجة من الجزء المصاب، وتنظير البطن. ومما لا شك فيه أن الذي يساعد في تقييم الحالة من الناحية المرضية وله الدور الكبير في التحضير لما يمكن تحضيره من استراتيجيات وسياسات علاجية هو ما يعرف بتصنيف الورم والذي يقسمه إلى مراحل إكلينيكية متصاعدة من مرحلة أولى مبكرة إلى مرحلة أخيرة متقدمة وميؤوس منها وهي موزعة على الشكل التالي:

المرحلة 1

حيث ينحصر وجود الورم في البنكرياس فقط، أي أنه لم ينتقل إلى أي عضو آخر بجانب البنكرياس. ويصنف المرض في هذه المرحلة بأنه في المرحلة المبكرة.

المرحلة 2

حيث ينتقل إلى الغدد الليمفاوية القريبة من البنكرياس أو يزداد حجمه من دون أن ينتقل إلى الأعضاء المجاورة.

المرحلة 3

حيث يجتاح الأعضاء المجاورة مثل البطن، والطحال أو الأمعاء الغليظة. ويمكن أن يجري ذلك مع إصابة الغدد الليمفاوية بذلك أو من دونها.

المرحلة 4

عند انتشار الورم إلى أعضاء أخرى مثل الكبد، أو الرئتين، أو بطانة المعدة. ويطلق الأطباء على هذه الحالة اسم مرحلة المرض المتقدمة.

تعتبر الجراحة أفضل وسيلة متبعة حاليا لحل مشكلة انتشار الورم شرط أن يكون الورم في مرحلته الأولية المبكرة ولم يخرج عن طور السيطرة إلى خارج البنكرياس هذا بالإضافة إلى خلو المريض المصاب من مشكلات صحية صعبة لا تتيح تطور العلاج الجراحي بشكل إيجابي ومن دون مشكلات أو تعقيدات.

وتُعتبر تقنية «ويبل» الجراحية من أشهر أنواع التقنيات الجراحية المعتمدة عالميا لاستئصال سرطان البنكرياس. وفي بعض الحالات المتقدمة يُستخدم أيضاً العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي في دعم العلاج الجراحي في بروتوكولات محددة ومرتبطة بالتقييم النسيجي لسرطان البنكرياس.

ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث تربط بين الإفراط في شرب الخمر والتدخين ونشوء سرطان البنكرياس، كما ظهرت أوراق بحثية كثيرة حول تأثير بعض العادات والسلوكيات (في الدول الغربية خصوصاً) كالمزج بين تناول اللحوم المقددة -وخاصة لحم الخنزير- وشرب البيرة في بعض الدول والمجتمعات وازدياد نسبة الإصابة بسرطان البنكرياس فيها، وذلك بسبب التفاعل الكيميائي الناتج عن اختلاط بين مواد تدخل في تركيبة البيرة مثل مادة «نيتروسامين» مع مواد دهنية وبروتينية موجودة في اللحوم المقددة مما يساعد على تحفيز الخلايا السرطانية وسرعة نموها وانتشارها في البنكرياس.

حاز سرطان البنكرياس على ألقاب كثيرة منها «السرطان القاتل» ومنها «السرطان الصامت» ومنها «الورم المخادع» لكن لقب «العدو الأشرس» هو الأكثر التصاقا بواقعه المميت والأوضح تعريفا بسيرته «الخبيثة» القصيرة وبصعوبة علاجه المستعصي.

ولقد أجمع الباحثون في مجال السرطان على قوة «شراسته» وشراسة «عدوانيته» في آن معا، نظرا لتمركزه في منطقة حساسة لا يمكن أن تصل إليها جميع العلاجات بما فيها العلاج الكيميائي ونظرا لقدرته على الانتشار السريع، حيث ينتقل بسرعة قياسية إلى دائرة تصل إلى الغدد اللمفاوية والكبد ثم يمتد ويتمدد وينتقل إلى مناطق أخرى كالرئة والعظام، محدثا آثارا مضاعفة تقضي على المريض في مدة زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات وتحدث لديه آلاما شديدة لا يمكنه تحملها.

من هنا تأتي أهمية الالتزام الشديد بإجراء الفحوص الدورية في كشف الأمراض بشكل عام والأورام بشكل خاص والحرص على متابعتها دوريا، وفي حال الكشف عن أية ظواهر أو كتل أو أورام جديدة يجب الإسراع إلى التأكد من مصادرها وتحديد أنواعها وأحجامها.

وبالتالي يجب على الإنسان العادي في عصرنا الحاضر المواظبة على إجراء الفحوص العامة والخاصة بشكل سنوي لمن تجاوز سن الأربعين (ومرتين في السنة لمن تجاوز الخمسين) وعدم إهمال تغيرات الجسم غير الطبيعية لأن الجسم في معظم الأحيان يرسل إشارات معينة وينقل شيفرات محددة لينبّه الإنسان ومن حوله إلى وجود خلل ما أو عوارض ما، منها ما يدخل ضمن نطاق «التقلبات» الدورية أو الطارئة وهي قابلة للعودة إلى طبيعتها الأولى ومنها ما هو خطير وغير قابل للعودة إلى وضعه الأساسي أو الطبيعي!