مدن القوة (من تطورها الشعبي إلى العالمي)

 

على مر القرون، كانت جاذبية وقوة المدن تشهد انتعاشاً، لكنها على ما يبدو تهدد استمرارية الأمم التي تحيط بها، إذ نجد لأول مرة في التاريخ أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في المدن. يحاول الكاتب السويدي القدير جوران ثيربورن في هذا العمل أن يعاين الأسباب التي تجعل من المدن مراكز للقوة عبر التاريخ وفي الوقت الحاضر، وذلك عبر القوى الحضرية، والوطنية، والشعبية، والعالمية، مستعرضاً العديد من النماذج والنقاشات التي توصل إليها بعد جهد بحثي كبير ورحلات إلى أهم العواصم في العالم، وينظر من خلالها إلى مستقبلنا في ظل رأسمالية لا ترحم.
يتناول هذا الكتاب البحثي الغني – الصادر عن «دار فيرسو» في 408 صفحات من القطع المتوسط – اللقاءات والعلاقات بين أربع قوى اجتماعية هي: القوى الحضرية، الوطنية/القومية، والشعبية، والعالمية. ويقول الكاتب عن ذلك: «علينا أن نراقب كيفية لقاء وتغير الموطن الحضري منذ فترة القوى القومية حتى الوقت الحاضر. فالقوى الحضرية قديمة، إذ تواجدت في المدن منذ آلاف السنين، لكنها تغيرت مع وصول القوى الوطنية على شكل الدول -الأمم، وذلك قبل قرنين من الزمن. وركّز التحوّل الوطني للمدن على المركز الحضري للدولة – الأمة، عاصمتها، والتي هي هدف هذه الدراسة. المدن قبل المرحلة القومية في الغالب تشكلت من أنماط مختلفة تغيرت إلى مدن وطنية، لكن في بعض الأحيان شيّدت المدن القومية مدناً جديدة لنفسها. ووصلت الدول-الأمم إلى عواصمها المختارة عبر العديد من المسارات التاريخية المختلفة وبعد رحلات طويلة أو قصيرة، شاقة أو سهلة. وتركت هذه التجارب التاريخية على كل عاصمة علامات طويلة الأمد».

ويوضح أكثر في هذا السياق: «كانت القومية والدول-الأمم جزءاً من تغير أكبر بكثير، تمثلت في: صعود الحداثة كعصر تاريخي جديد، رفض سلطات ومؤسسات الماضي (العالمية – الداخلية أصبحت فوق الجميع)، ومحاولة خلق مجتمعات جديدة، ثقافات جديدة، وعالم جديد. التقت القوى العالمية والوطنية بداية في هذا السياق، كقومية عالمية. أماكن هذه اللقاءات الكبرى كانت العواصم القومية/ الوطنية، والتي توجب عليها أن تتكيّف مع نماذج عالمية لتكون عاصمة «جديرة بالأمة»، فتمضي في مسارات مثل مسارات خطتها باريس الإمبراطورية الثانية، أو في مناطق ضمن البنية التحتية للندن، وفي المول والمبنى البيضاوي لواشنطن».

التحولات الجذرية

يقوم الكاتب جوران ثيربورن عبر هذا العمل المهم بجولة في عواصم العالم الكبرى، ويعاينها عن قرب، ليبين كيف تم تشكيلها من قبل القوى الوطنية والشعبية والعالمية. يشير إلى أن قصصها تبدأ مع ظهور أنواع مختلفة من الدولة-الأمة، وكل منها مع عاصمة خاصة بها، تكون إشكالية. وفي المقابل، أثرت التحولات الجذرية في السلطة على تنمية هذه المدن، وفي الإصلاحات الحضرية الشعبية أو حركات الاحتجاج والمقاومة؛ وفي صعود وهبوط الفاشية والدكتاتوريات العسكرية؛ وقدوم وأفول الشيوعية. كما يحلل ثيربورن اللحظات العالمية من التشكيل الحضري، والقومية المعولمة، ويتوقف عند مدن الرأسمالية العالمية الحالية واختلافاتها.
ويقول في هذا السياق «الأمم تطورت وتغيرت، والنخب التأسيسية للدول- الأمم قوبلت بتحديات شعبية من هيمنة مجموعات عرقية وفئوية هي تابعة أساساً. في بعض الأحيان، كانت هذه التحديات قوية وناجحة بما يكفي لخلق لحظات شعبية متميزة من القوة، وتجلت في التاريخ الحضري. كما أن الصراعات القومية على السلطة يمكن أن تأخذ أشكالاً عنيفة ومتطرفة، وليست مدمرة وعابرة فقط، مثل الحروب وحالات الشغب، بل أيضاً، لفترة من الزمن، توطدت الأشكال في العواصم، والتي يجب أن ننعم النظر فيها أيضاً. ففي الآونة الأخيرة، «هيمنت القوى العالمية على موقع المركز، وكانت في البداية على شكل الرأسمالية العالمية العابرة للحدود».
ويضيف: «بالنسبة لعدد ليس بالقليل من الكتّاب المعاصرين، تعتبر القوى القومية على حافة أن تصبح من الأنواع المنقرضة، خاصة في المدن الكبيرة»، ويؤكد الكاتب: «علينا أن ننظر في هذه المزاعم، بعين الشك لكن بجدية في الوقت نفسه، في محاولة لتفكيك الديناميكيات المتقاطعة للقوى العالمية والقومية والمحلية في أسلوب جديد من الحضرية العولمية، والحداثية، والاصطفائية. وفي النهاية ذاتها، علينا أن نلقي نظرة على مستقبل قوانا الأربع».

تطور العواصم

عبر عدسة تاريخية عالمية، ومع مجموعة مواضيع تمتد من طفرات العمارة الحداثية إلى العودة المعاصرة للثورات المدنية، تلقت أسئلة ثيربورن افتراضات حول مصدر، مظاهر، ومدى القوة الحضرية، جامعاً بين وجهات النظر المتعددة بشأن السياسة وعلم الاجتماع، والتخطيط الحضري، والهندسة المعمارية، والأيقونيات الحضرية. ويشير إلى أن هناك صلة قوية بين المدينة والدولة القومية، وأن العولمة الحالية للمدن تقودها إلى حد كبير تطلعات السياسيين العالمية، بالإضافة إلى رأس المال الوطني والمحلي.
يتعقب الكاتب المسارات الملتوية التي سلكتها عواصم اليوم لتصبح «حديثة» وعلاقاتها مع الدول المضيفة لها والسمات المعمارية التي تمثل القوى المهيمنة في تلك البيئة الحضرية.
ويسلط الضوء على عدد من أبرز عواصم العالم مثل العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث المناطق السوداء الفقيرة «في تلك المدينة ذات الأغلبية السوداء غير مرئية في الغالب لأعضاء الكونجرس والنخب الفكرية وكذلك للزوار العاديين، والعاصمة الفرنسية باريس إلى العاصمة الكازاخية أستانة التي تبرز في القرن الحادي والعشرين، كما يشير إلى أن لندن تعد أول مدينة عالمية حقاً، لما تتميز به من جذب لرغبات الاستثمار الرأسمالي المعولم حسب القيم المشتركة لمواطنيها والحكومات. كما يتوقف عند العديد من الرقع المأهولة بالسكان، مقدماً تحليلات متعددة الأوجه، وساعياً بذلك إلى دفعنا لإعادة التفكير في مستقبلنا الحضري، بالإضافة إلى حاضرنا المتشكل تاريخياً.
يمكن النظر إلى الكتاب على أنه من جزأين: الأول هو لمحة عامة عن تطور الدول القومية وعواصمها في أجزاء مختلفة من العالم. والثاني هو نظرة أكثر إيديولوجية إلى النوايا والعمليات والعواقب الخاصة للفاشية والشيوعية والرأسمالية العالمية في مدن معينة.
وتفصيلاً بشأن المحتوى، يأتي بعد المقدمة المعنونة «القوى الحضرية، الوطنية، الشعبية، العالمية» في عشرة فصول هي: 1) المدن والقوة والحداثة. 2) الأسس الوطنية: أوروبا – تحويل المدن الأميرية. 3) الأسس الوطنية: انسحاب المستوطنين. 4) الأسس الوطنية: تأميم الاستعمار. 5) الأسس الوطنية: الحداثة التفاعلية. 6) الشعب يصعد: اللحظات الشعبية في التاريخ الحضري الحديث. 7) تمجيد السلطة: الفاشية والدكتاتوريات المتقاربة. 8) مجيء وذهاب الشيوعية. 9) اللحظات العولمية في المدن القومية. 10) العاصمة العولمية، مستقبل العواصم القومية وشعوبها.

الفاشية والشيوعية

في الفصلين السابع والثامن يتناول الكاتب الفاشية والشيوعية، ويتوقف في مناقشته على الأساس الإمبريالي لحكم هتلر وموسوليني، وتأثيره على عواصم كل منهما. وعلى الرغم من أن هناك جانباً مؤهلاً لنمط السكن في روما الفاشية الناشئ عن التفكير والتصميم الحداثي على خلفية قديمة، إلا أن ثيربورن يشارك بوضوح أفكار ألبيرت سبير عن خطط هتلر المعمارية لألمانيا التي أصابت عموم الشعب الألماني بالجنون تماماً لغرابتها.
على الجانب الآخر من الانقسام الإيديولوجي، ثيربورن مدرك في كتابته لفشل الدول الشيوعية، التي كانت كثيرة ومتنوعة، ولكنه أيضاً يتطرق إلى نجاحاتها. والأكثر إثارة للإعجاب، في كلا الفصلين، هو التزام ثيربورن بالطابع المتميز للعواصم التي يدرسها، مشيراً إلى أن أنماطها المعمارية وتطورها الحضري لا تندرج تحت غطاء «الشمولية»، بل يجد بدلاً من ذلك نمطاً متحولاً من الطابع الوطني والسياق التاريخي، وألعاب السلطة البيروقراطية والمقاومة الشعبية. مثلاً أصبح من الشائع التعامل مع كل شيء في برلين الشرقية قبل عام 1990 إما أنه رتيب أو مثير للجنون. ثيربورن يعيد بعض الحياة واللون والطموح للشعب الذي عاش فعلاً هناك.
ثيربورن يكون في أفضل حالاته، ككاتب، عندما يسمح لبعض الفكاهة الشخصية بالظهور في سرده، خاصة حينما يتحدث عن رحلاته إلى أستانة عاصمة كازاخستان ونايبيداو عاصمة ميانمار، أو عندما يوجّه شكراً خاصاً لزبيجنيو بريجنسكي الذي عمل مستشاراً للأمن القوى لدى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (1977-1981) لتأجيج «معاداة الحداثة» في أفغانستان.

العولمة ومستقبل الناس

يقدم الفصلان الأخيران تحليلاً عن وقتنا الحاضر، مع معاينة المعمار الرأسمالي، تاريخه الجمالي، رمزيته وتشابكه مع القوى الدافعة للرأسمالية المعاصرة، مثل البنوك والشركات متعددة الجنسيات والدول الأمم نفسها.
وتحت عنوان «العولمة ومستقبل الناس» ينهي الكاتب عمله قائلاً: «مستقبل العولمة، والعمران الرأسمالي، بالإضافة إلى الشركات العالمية يبدو أنه حتمي وواضح، ومصيره الاستمرارية، وعلى الأرجح، يتجه نحو التوسّع في التأثير والنفوذ. لكن السؤال الصعب والأساسي هو مستقبل الناس. هل سيكون لدى الناس من مستقبل في عالم من الرأسمالية العولمية القاسية؟ «تقريباً حياة من الالتزام السياسي، والملاحظة، والتحليل علمتني ألا أتوقع أي شيء شامل ومتساو من رأسمالية لا يمكن كبح جماحها، وحدوث حالات التمرد أمر يستحيل توقعه، لكن ذلك ما يتم القيام به مراراً وتكراراً».
ويضيف: «في الحقيقة، أعتقد بوجود سببين للتفاؤل المعتدل بشأن توقعات لحظات شعبية مستقبلية. الأول هو العودة الأخيرة للثورات المدنية الشعبية. فالتكاليف الدولية للقمع الوطني ازدادت ومن المحتمل أن تبقى عالية. مثل هذه الثورات أو تغيرات النظام بتأثير احتجاجات الشوارع الشعبية سوف تبقى من المحتمل في الديمقراطيات الانتخابية المتماسكة، لكن هناك ربما يتحولون إلى أحزاب – حركات يلعبون بنجاح اللعبة الانتخابية. تظهر الأمثلة الأوروبية الجنوبية الأخيرة أن مثل هذا السيناريو لا يتجاوز حدود الواقعية السياسية. والبلدان التي فيها شرعية انتخابية ودستورية سليمة، سوف تشهد تكرار الانتفاضات الشعبية الناجحة مراراً وتكراراً، وربما ينتشر الأمر بشكل سريع في مناطق بإفريقيا، حيث العنف المسلح حتى الآن يقرر في كثير من الأحيان نتائج التنافس السياسي».
أما السبب الآخر بحسب الكاتب، فهو إمكانية الإصلاح المدني. وقد تم تطبيقه من قبل «الاشتراكية المحلية» الأوروبية، لكن في الفترات الأخيرة جاءت الدفعة الأخيرة من الإصلاح الراديكالي، المدني الذي شهد تحولاً بشكل اجتماعي من جنوب الكرة الأرضية، مع مدخلات طويلة الأمد من مونتيفيديو ومكسيكو سيتي، والاختراقات الأخيرة في دلهي وجاكرتا. إن هذا الأمر مشروع غير محصّن للغاية، ويعتمد على الاقتصاد الوطني الذي غالباً ما يكون تحت ضغط من حكومة عدائية في مواجهة ناخبين متقلبين من وجهة نظره.
عموماً يوضح ثيربورن في نقطة رئيسية أن الدولة الأمة هي دولة مفتوحة دائماً للمستقبل، وهي الدولة التي يمكن أن تتصور المستقبل بشكل جماعي وتتخذ قرارات بشأنه، بدلاً من تعريف واحد ومحدود من قبل فصيل متأصل في الماضي.

نبذة عن الكاتب

جوران ثيربورن من مواليد 23 سبتمبر/أيلول 1941، في مدينة كالمار السويدية. عمل أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وأستاذاً مشاركاً لعلم الاجتماع في جامعة لينيوس بالسويد. كما شغل موقع المدير المشارك السابق للهيئة السويدية للدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية في أوبسالا، وموقع أستاذ سابق في علم الاجتماع في جامعة جوتنبرج بالسويد، وكذلك أستاذ سابق للعلوم السياسية في جامعة نيميجن الكاثوليكية في هولندا. ويعدّ أحد أكثر علماء الاجتماع الماركسيين تأثيراً.
نشر على نطاق واسع أبحاثه في مجلات ودوريات متخصصة مثل «نيو ليفت ريفيو»، وهو معروف بكتاباته حول المواضيع التي تقع ضمن الإطار السياسي والاجتماعي العام لمرحلة ما بعد الماركسية.
يلتزم في كتاباته بالدعوة إلى الحرية والمساواة العالمية، وهو مؤيد للحركات الاجتماعية المناهضة للإمبريالية واللامساواة.
وتشمل المواضيع التي كتبها على نطاق واسع تقاطعاً بين البنية الطبقية للمجتمع ووظيفة جهاز الدولة، وتشكيل الإيديولوجية داخل المواضيع، ومستقبل التقاليد الماركسية.
له عدد من الأعمال البارزة تتجاوز 10 كتب منها: «إيديولوجية السلطة وسلطة الإيديولوجيا» (1980)، و«من الماركسية إلى مرحلة ما بعد الماركسية؟» (2008) الذي يحاول أن يحلل فيه تطوير النظرية الماركسية ومسار الفكر الماركسي في القرن الحادي والعشرين. كما نشرت أعماله في ما لا يقل عن أربع وعشرين لغة. يعيش منذ تقاعده في 2010، في لجونجبيهولم، جنوب شرقي السويد.

ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

 

مراكز الأبحاث في السعودية والتصنيف العالمي

تلعب مراكز الفكر دورا مهما جدا في صياغة السياسات، باختلافها، سياسات أمنية واقتصادية، تنموية، بل عسكرية، وتختلف تلك المراكز بحسب طبيعتها الإدارية والمالية والسياسية والفكرية، فتجد هنالك مراكز فكر في أقصى اليمين وأقصى اليسار، طبعا هذا بالنظر للسياسات الأمريكية في الخارج، فنجد مراكز مثلا تؤيد وجود دور عسكري أمريكي خارجي وهنالك من يرى العكس تماما بتخفيض التكاليف العسكرية الخارجية وهكذا.
تقوم جامعة بنسلفانيا بإصدار تقييم وتصنيف لتلك المراكز بحسب مدى تأثيرها في السياسات والمجتمع وتأثير الخبراء وقوتهم العلمية، وكذلك القدرات المالية لتلك المراكز، والاستدامة في عمل تلك المراكز.
تختلف مصادر دخل هذه المراكز عالميا، المراكز بعضها ممولة مثلا من الحكومة وأغلبيتها لها أوقاف ومجلس إدارة لتلك الأوقاف، تختلف طبيعة تخصصات تلك المراكز من سياسات دولية – تنمية ـــ اقتصاد ـــ أمن ـــ سياسات محلية، ومن أشهر تلك المراكز: بروكنجز ـــ كارنيجي ـــ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ـــ هيرتج ـــ أمريكان بروجرس. والقائمة تطول.
هنالك درس مهم في تلك المراكز يمكن الحديث عنه: إن كثيرا من السياسات التي تتبناها الدول مبنية على عمل مؤسساتي وعلمي، وهناك تمكين لدور الأوقاف في خدمة المجتمع عن طريق السياسات وفوق ذلك المصالح الوطنية للدول.
تعد مراكز الأبحاث من الأدوات المهمة التي يمكن الاستفادة منها لتشكيل الأطر الموجهة للسياسات العامة وكذلك السياسات الخارجية، ويمكن لتلك المراكز لعب دور مهم في التأثير في الرأي العام الدولي، أو الرأي المتخصص في قضية معينة أو لدى جهات دولية وإقليمية. تتميز مراكز الأبحاث بأنها متخصصة في مجال علمي أو قضية في حد ذاتها، وتدرس تلك القضايا بشكل معمق ومكثف ما يجعلها بيت خبرة يستفيد من مختلف وجهات النظر، علاوة على أن تلك المراكز، تستعين بمختلف القدرات العالمية من أجل الوصول إلى أفضل التوجهات أو السياسات العلمية في مجالها.
وقد نظم مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية أخيرا ندوة حول دور مراكز الفكر في بناء الوعي الوطني في عصر الاضطرابات الرقمية والسياسية. وشارك فيه نخبة من قادة هذه المراكز في المملكة. وجاءت هذه الندوة بالشراكة مع برنامج مراكز الفكر ومؤسسات المجتمع المدني التابع لجامعة بنسلفانيا الأمريكية، وبالتزامن مع ندوات تناقش الموضوع ذاته حول العالم، وتكتسب هذه الندوة أهمية كبيرة من كونها الأولى من نوعها في المملكة.
وتمت الإشارة ضمن حلقة النقاش إلى أن قضية التمويل تظل هاجسا مستمرا لأصحاب المؤسسات البحثية لاعتمادهم على دعم الأفراد في المقام الأول.
وأكد الدكتور السلمي أن مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية يهدف إلى تجاوز التعامل مع إيران كمصدر تهديد لتقديم فهم أعمق للحالة الإيرانية وكشف الواقع فيها أمام صانع القرار، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المركز يطمح إلى أن يكون له دور كبير في الجمع بين البحث الأكاديمي وتقديم الاستشارات للنخب المتخصصة. وشدد في هذا الإطار على ضرورة أن تدعم الحكومات مراكز الأبحاث كونها رافدا مهما لعملية صناعة القرار.
وركز المشاركون في الندوة من جانبهم على أهمية مراكز الأبحاث وما يصدر عنها كونها بمنزلة دليل استرشادي لصناع القرار. وأشاروا إلى أن وجود مراكز الفكر وانتشارها يعدان مقياسا لتطور المجتمعات ومقياسا لحالة النضج السياسي، واعتبروا أن الاعتماد على المعلومات القائمة على البحث والاستفادة منها أحد أسباب القوة.
وحول الوضع الحالي في الدول العربية أكد المشاركون أن هذه الدول تمتلك 580 مركزا بحثيا تشكل 7.49 في المائة من مجموع المراكز حول العالم، رغم الدور الفعال والمؤثر لهذه الدول. ففي إيران مثلا هناك 59 مركزا بحثيا، أما إسرائيل فهناك 58 مركزا تصوغ سياساتها في جميع المجالات، وفي مصر يوجد حاليا 53 مركزا، بينما يوجد في تركيا 32 مركزا، وفي العراق 31، وفي فلسطين 28، واليمن 22، وتضم الأردن 21 مركزا بحثيا.
وشدد المشاركون على الدور الذي يمكن أن تلعبه مراكز التفكير الاستراتيجي في تحقيق “رؤية 2030″، وأوضحوا أن هناك 543 مبادرة أطلقتها 26 جهة جميعها أكدت أهمية دور هذه المراكز في مستقبل المملكة. كما أكد قادة مراكز الفكر في المملكة أهمية ارتباط هذه المراكز بالفضاء الإعلامي كونه الوسيلة الأنجع لإسهامها في نشر الوعي وتبيان حقائق الأمور في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية نظرا لما تملكه من معلومات موثقة تستند إلى دراسات معمقة تجعلها ذات مصداقية عالية لدى المتلقي، وأشاروا أيضا إلى أهمية حضور هذه المراكز على منصات التواصل الاجتماعي لتعزز من قدرتها على التأثير.
وأكد قادة مراكز الفكر على ضرورة أن تحدث الجامعات السعودية مساراتها التعليمية لتسهم في صناعة الباحثين والمحللين الذين تحتاج إليهم مراكز الدراسات لتواصل مسيرتها وتطورها.
وبالله التوفيق.

 

أمام شباب وشابات العرب الكثير ليتعلموه

يخطئ من يعتقد بأن مجتمعات الوطن العربي ستقبل صاغرة أو متعبة بالأوضاع الحالية المزرية التي وصلت اليها، بعد أحداث وفواجع الحراكات الجماهيرية العربية الكبيرة التي اجتاحت الأرض العربية عبر الثماني سنوات الماضية. هذا قول يتناقض مع تاريخ المسيرة الانسانية ومع المنطق ومع رياح التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والتواصلية الكبرى التي تهب على العالم كله.
وبالطبع فإن فترات علق الجراح وتضميدها تتصف عادة بالهدوء الخادع، لكن ما يحمله المستقبل لا يمكن الا أن يحمل في أحشائه ما يصحح الحاضر. ولذلك فان مظاهرات الجياع والعاطلين عن العمل والمهمشين التي جابت شوارع العديد من عواصم العرب وأريافها ما هي الا النسائم التي تشير الى عواصف الأفق البعيد.
ولأن شباب وشابات الأمة العربية هم الذين سيصنعون ذلك المستقبل فان الحاجة ماسة لأن يذكروا بأهمية دراسة ووعي مسيرات بعض الأنساق السياسية والفكرية التي صنعت عالم اليوم. في مقدمة هذه الأنساق النسق الذي صنعته الايديولوجية الليبرالية عبر مسيرتها خلال القرنين الماضيين. لقد ولدت تلك الايديولوجية من رحم الحداثة، التي بدورها ولدت من رحم الثورتين الفرنسية والأميركية اللتين رفعتا شعارات تغييرات راديكالية اجتماعية وسياسية. لكن الليبراليين أصابهم الذعر من امكانية حدوث فوضى وصراعات دموية. ولذلك قرروا أن تكون ايديولوجيتهم وسطية، بين الراديكالية اليسارية واليمينية المحافظة. في قلب تلك الوسطية كان شعار الاصلاح التدريجي وعدم اختصار الوقت. وقدم الليبراليون صفقة متوازنة تقوم على تقليص امتيازات الطبقة المحافظة القديمة، ولكن دون اجتثاثها، وعلى تحسين أوضاع الطبقات العاملة والفقيرة من خلال السماح بتواجد تنظيماتها المدافعة عن حقوقها من جهة، ومن خلال القبول بدولة الرعاية الاجتماعية في حقول التعليم والصحة والاسكان والبطالة. ومن جهة ثانية.
وبالرغم من قيام الثورات الاشتراكية هنا أو هناك، وبالرغم من محاولة الانتقال الى النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، الا أن النسق الليبرالي في الحكم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ظل هو السائد والثابت عبر قرنين كاملين. من هنا ساد المجتمعات الغربية الهدوء والسلم الأهلي بصورة عامة. لكن الليبرالية انقلبت على نفسها عندما انتقلت من أصولها الكلاسيكية الى صورتها الجديدة: الليبرالية الجديدة العولمية البالغة التوحش والاستقطاب، بل وحتى المعادية لبعض جوانب الديموقراطية. لقد تم كل ذلك خلال الثلاثين سنة الماضية، بعد أن ادعى الليبراليون من أمثال السيدة المتوفاة، مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، وأمثال المتوفى رونالد ريجان، الرئيس الأميركي السابق، بأن العمال والفقراء قد بالغوا في مطالبهم وأنهم بنقاباتهم القوية المنظمة يعرقلون الاقتصاد الرأسمالي الانتاجي.
اليوم يجري الحديث عن نهاية الليبرالية، بعد أن فشلت في تحقيق وعودها من خلال الاصلاحات البطيئة وقيام دولة الرفاهية الاجتماعية. فالاصلاحات تتراجع ودولة الرعاية الاجتماعية يجرى بناء حيادها الكاذب من خلال تخليها عن مسؤولياتها الاجتماعية ومن خلال هيمنة متطلبات حرية الأسواق التجارية على كل تصرفاتها.
أي أن الليبرالية أصبحت، بقصد أو بدون قصد، تعادي الديموقراطية الشاملة العادلة، التي تشمل السياسة والاقتصاد، والتي تصر على التوزيع العادل للثروة ولا تكتفي بوجود انتخابات وبرلمانات فقط.
ما الهدف من سرد تفاصيل تلك المسيرة على شباب وشابات الأمة العربية؟ الهدف هو تحذيرهم من الأهداف الخفية وراء الناقدين والشامتين لما جرى في الأرض العربية وذلك بقصد اقناع الناس بالتخلي عن شعارات الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية، التي نادت بها حناجر الملايين من شعوب الأمة العربية، واستبدالها بشعارات غامضة تبطئ، بل وتعيق، انتقال المجتمعات العربية من أوضاعها المتخلفة الدموية الحالية، ومن علاقاتها الاجتماعية التسلطية الاستغلالية السابقة، الى أنظمة ديموقراطية تقوم على أسس الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والمواطنة الحقة.
سيكثر الحديث عن العقلانية والسلم الأهلي ومخاطر الفوضى وجهالة الغوغاء، وتدمير فرص الاستثمارات الخارجية وحركة السياحة… الخ. ولكن سيجري القفز فوق قيم العدالة في توزيع الثروة والسلطة والجاه، وفجيعة الاستباحة الاستعمارية والصهيونية لكل الأرض العربية، وتصدع التضامن العربي، وتجديد الثقافة العربية والفقه الاسلامي، وغيرها الكثير الكثير.
للشباب العربي عبرة في مسيرة الأخطاء والخطايا للبرالية الكلاسيكية الغربية، التي لا تزال تنقل تلك المجتمعات من أزمة الى أزمة، ومعها مجتمعات العالم كله.
واذا كنا قد فصلنا مسيرة الأيديولوجية الليبرالية فلأنها النسق المطلوب في عصرنا. لكن هناك دروساً وعبراً في مسيرة الايديولوجيات الكبرى الأخرى. وهي الأخرى، تحتاج الى أن يؤخذ ويترك منها. مسيرة هذا العالم التاريخية مليئة بالوعود والأحلام الكاذبة. والذين يريدون أن يتصدوا للمستقبل من شباب وشابات هذه الأمة عليهم دراسة ذلك التاريخ، اذ حتى الآن ظلت تلك الأحلام والوعود وراء ألف قناع وقناع، والنتيجة هي عالمنا المريض التائه المأزوم الذي نراه أمامنا.

 

التفاؤل وسط كوارث الرأسمالية

ظلّ المفكر نعوم تشومسكي «الضمير الأخلاقي لأمريكا» لأكثر من نصف قرن من الزمن (ولو أنه بقي مجهولاً لغالبية الأمريكيين)، بالإضافة إلى أنه مفكر معروف على المستوى العالمي، إذ إنه يتحدث باستمرار عن موقفه الرافض للسياسات العدائية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه الدول الأخرى، وانتهاكها حقوق الإنسان، ويدافع عن الضعفاء والمضطهدين في مختلف أنحاء العالم منذ زمن الحرب الفيتنامية إلى الوقت الراهن. في الكتاب الذي بين يدينا نتعرف إلى آرائه عبر حوارات على مدى أربع سنوات أجراها معه الكاتب سي جي. بوليكرونيو.
يضم هذا الكتاب نظرة عامة شاملة على مشاكل عالمنا اليوم، وكيف ينبغي أن نستعد للغد، وذلك من خلال حوارات مع المفكر العالمي البارز نعوم تشومسكي، الذي يرى أننا اليوم أمام خيارين وهما: يمكننا أن نكون متشائمين أمام ما يحدث من كوارث للرأسمالية في العالم، وأن نستسلم، ونساعد على ضمان أن الأسوأ سيحدث، أو يمكننا أن نكون متفائلين، وننتهز الفرص التي تأتي، وهي موجودة بالتأكيد، وربما نساهم في جعل العالم مكاناً أفضل.

من خلال هذه الحوارات التي أجريت من أواخر 2013 إلى أوائل 2017، وقد نشرت في موقع (http://www.truth-out.org) يجيب المفكر السياسي تشومسكي عن أسئلة تتعلق باستكشاف النيوليبرالية المتصاعدة، وأزمة اللاجئين في أوروبا، وحركة «حياة السود تهم»، والنظام الانتخابي الأمريكي المختل، والآفاق والتحديات أمام بناء حركة تهدف إلى تحقيق تغيير جذري. كما يضم الكتاب مقابلات عن حملة الانتخابات الأمريكية 2016 والمقاومة العالمية لترامب.
ويقول سي جي. بوليكرونيو في مقدمته عن تشومسكي: «يبقى صوت تشومسكي بمفرده في الغالب مشعل الأمل والتفاؤل في هذه الأوقات السوداء، حيث تسود فيها اللامساواة الاقتصادية بشكل لا نظير له، وتزايد السلطوية، والداروينية الاجتماعية، مع حركة يسار أدارت ظهرها للصراع الطبقي».
ويضيف: «في الآونة الأخيرة، كانت هناك إشارات قوية وواضحة عبر الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي كله في المجتمعات الغربية، حيث إن تناقضات العولمة الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية المرتبطة معهم تهدد بكشف القوى المتنفذة مع القدرة على إنتاج ليس فقط نتائج مدمرة بشكل كبير لأجل تحقيق النمو، والازدهار، والعدالة، والسلام الاجتماعي، بل أيضاً نتائج مصاحبة لأجل تحقيق الديمقراطية، والحفاظ على البيئة، والحضارة الإنسانية بشكل عام».
ويشير إلى أن تشومسكي لا يزال، رغم ذلك، يجد أن الشعور باليأس أمام ما يحصل ليس خياراً. لا يهم مدى البشاعة التي يظهر بها وضع العالم الراهن، فالمقاومة للاضطهاد والاستغلال لم تكن في يوم من الأيام مشروعاً غير مثمر، حتى في أوقات أحلك من أوقاتنا. في الحقيقة، «الثورة المضادة» لترامب في الولايات المتحدة أخرجت إلى النور قوة ردع للقوى الاجتماعية التي تقف في وجه طموحات الأوتوقراطيين. يبدو أن مستقبل المقاومة في الدولة الأكثر نفوذاً في العالم يظهر أنه واعد أكثر من أجزاء أخرى عديدة في العالم الصناعي المتقدم.
في هذا السياق، يعتبر الكاتب سي جي. بوليكرونيو أن المأمول من حواراته هنا مع تشومسكي أن تساعد في تقديم آرائه وأفكاره لجيل جديد من القراء، خاصة أنها تبقي الإيمان بالقدرة الإنسانية على تقديم مقاومة عنيدة في وجه قوى الظلام السياسي، وفي النهاية يمكن لها تغيير سياق التاريخ نحو الأفضل.

عالم يشهد التحول

تواجه الولايات المتحدة أوقاتاً عصيبة، وفي الوقت الذي لا تزال فيه القوة العظمى العالمية الوحيدة، إلا أنها لم تعد قادرة على التأثير على الأحداث وتحقيق النتائج التي تروق لها، وإن كان الأمر بشكل جزئي. يبدو أن الإحباط والقلق بشأن مخاطر الكوارث المنتظرة فاقا آمال الناخبين الأمريكيين خلال انتخابات 2016 في إقامة نظام عالمي أكثر عقلانية وعدلاً. يشير نعوم تشومسكي إلى أن صعود شعبية دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية وتسلمه الرئاسة حدث بسبب حقيقة أن المجتمع الأمريكي يتعرض للانهيار.
اخترنا بعض الأسئلة من هذه المقابلة الأولى، التي يعالج فيها نعوم تشومسكي التطورات المعاصرة في كل من الولايات المتحدة وحول العالم، ويواجه التحديات السائدة والآراء حول الحرب الطبقية، النيوليبرالية كنتيجة للقوانين الاقتصادية، ودور الولايات المتحدة كقوة عالمية، ووضع الاقتصادات الناشئة، وقوة اللوبي «الإسرائيلي».
السؤال الأول هو: «نعوم، لقد قلت إن صعود دونالد ترامب يرجع إلى حد كبير إلى انهيار المجتمع الأمريكي. ماذا تقصد بهذا بالضبط؟»
يجيبه تشومسكي: «كانت للبرامج الحكومية المشتركة مع الشركات التجارية في السنوات ال 35 الماضية أو نحو ذلك آثار مدمرة على أغلبية السكان، حيث أصبح الركود والانحدار الاقتصادي واللامساواة الكبيرة بين السكان من أكثر النتائج المباشرة. وقد خلق الخوف لدى السكان، وتركهم يشعرون بالعزلة، والعجز، وأنهم ضحايا القوى المتنفذة التي لا يمكن فهمها أو التأثير عليها. والانهيار هنا لا ينجم عن القوانين الاقتصادية، بل إنه متعلق بسياسات، هي نوع من الحرب الطبقية التي بدأها الأغنياء والأقوياء ضد العمال والفقراء. هذا ما يمكن أن نعرّف به الفترة النيوليبرالية، ليس فقط في الولايات المتحدة وحدها، بل في أوروبا وغيرها أيضاً. وترامب يناشد أولئك الذين يشعرون ويختبرون انهيار المجتمع الأمريكي، ممن تتملكهم مشاعر عميقة من الغضب والخوف والإحباط واليأس، وربما بين قطاعات السكان نشهد زيادة في معدل الوفيات، وهو شيء لم يسمع عنه بعيداً عن الحرب».

الحرب على الإرهاب

في سؤال ثان يسأله الكاتب: «على جبهة السياسة الخارجية، يبدو أن «الحرب على الإرهاب» مشروع لا ينتهي أبداً، كما هو الحال مع الوحش عدار، (حية عظيمة قتلها هرقل في الأساطير اليونانية. يقال إنها كانت ذات تسعة رؤوس؛ كلما قطع رأس منها، نبت رأس آخر، بحسب ويكبيديا). هل يمكن للتدخلات الضخمة للقوة أن تقضي على المنظمات الإرهابية مثل «داعش»؟»
تشومسكي يجيبه قائلاً: «لدى تولي أوباما منصبه، قام بزيادة حجم قوات التدخل وعزز الحروب في أفغانستان وباكستان، تماماً كما وعد بذلك. كانت هناك خيارات سلمية، وبعضهم من التيار السائد في الشؤون الخارجية على سبيل المثال وصى بها. ولكنها لم تكن قيد النظر. وكانت الرسالة الأولى لحامد قرضاي الرئيس الأفغاني إلى أوباما، والتي لم يرد عليها، هي طلب وقف قصف المدنيين. كما أبلغ قرضاي وفداً من الأمم المتحدة بأنه يريد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأجنبية. وعلى الفور، فقد سقط من حسابات واشنطن، ووفقاً لهذه التحولات أصبح من رئيس مفضل لدى الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام إلى رئيس «لا يمكن الاعتماد عليه» و«فاسد»، وما إلى ذلك، وهو ما لم يكن صحيحاً أكثر مما كان عليه عندما كان يتم الاحتفاء به والقول بأنه «رجلنا» في كابول.
أرسل أوباما المزيد من القوات وعزز القصف على جانبي الحدود الأفغانية – الباكستانية أو ما يعرف ب«خط دوراند»، (هو خط حدودي يبلغ طوله 2640 كيلومتراً، يمتد بين أفغانستان وباكستان)، وهو عبارة عن حدود مصطنعة أنشأها البريطانيون، والتي قسّمت مناطق البشتون إلى منطقتين، ولم يقبلها الشعب أبداً. وكثيراً ما مارست أفغانستان ضغوطاً في الماضي لأجل طمسه.
هذا هو العنصر المحوري في «الحرب على الإرهاب». كان من المؤكد أنها تحفز الإرهاب، تماماً كما فعلت في غزو العراق، وكيفية اللجوء إلى استخدام القوة بشكل عام. فرض القوة يمكن أن ينجح. وجود الولايات المتحدة هو مثال على ذلك. الروس في الشيشان مثال آخر. ولكن يجب أن تكون ساحقة، وربما هناك الكثير من المخالب للقضاء على الوحش الإرهابي الذي أنشئ إلى حد كبير من قبل ريجان وشركائه. «داعش» هو آخر تنظيم، وأكثر تنظيماً في استخدام الوحشية من تنظيم القاعدة. وهذا التنظيم مختلف أيضاً من ناحية أن لديه مطالبات في الأراضي. ويمكن القضاء عليه من خلال توظيف هائل للقوات على الأرض، ولكن ذلك لن ينهي ظهور منظمات متشابهة معها في التفكير. فالعنف يولد العنف.

تأثير اللوبي «الإسرائيلي»

وفي سؤال ثالث: «في العديد من الدوائر، هناك انطباع واسع الانتشار بأن اللوبي «الإسرائيلي» يدعو إلى إطلاق النار في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. هل قوة اللوبي «الإسرائيلي» قوية بحيث يمكن أن يكون لها تأثير على قوة عظمى؟»
تشومسكي يرد بالقول: يصف صديقي جيلبرت الأشقر، المتخصص في الشرق الأوسط والشؤون الدولية عموماً، هذه الفكرة بأنها «وهمية». بحق. ليس اللوبي هو الذي يهدّد صناعة التكنولوجيا العالية في الولايات المتحدة لأجل توسيع استثماراتها في «إسرائيل»، أو أنه يلوي ذراع الحكومة الأمريكية حتى يتم وضع الإمدادات هناك مسبقاً للعمليات العسكرية الأمريكية في وقت لاحق، وتكثف العلاقات العسكرية والاستخباراتية الوثيقة.
عندما تتفق أهداف اللوبي مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية المعروفة، فإنها عادة ما تصل إلى: سحق الفلسطينيين، على سبيل المثال، وهو أمر لا يثير إلا قلقاً ضئيلاً لقوة الولايات المتحدة الأمريكية. عندما تتباعد الأهداف، كما يحدث غالباً، يختفي اللوبي بسرعة، ويعرف أكثر من مواجهة السلطة الحقيقية.

التهديد الصيني

وفي سياق آخر يسأله الكاتب: «هل ترى الصين في وضعية يمكن أن تشكل تهديداً للمصالح العالمية الأمريكية أكثر من أي وقت مضى؟»
يردّ تشومسكي: «من بين القوى العظمى، كانت الصين الأكثر تحفظاً في استخدام القوة، وحتى من ناحية الاستعدادات العسكرية. لدرجة أن المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين البارزين جون ستينبرونر ونانسي جالاجر كتبا مقالاً في مجلة الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم التي تحظى باحترام كبير، دعوا فيه الصين قبل بضع سنوات إلى قيادة تحالف من الدول المحبة للسلام لمواجهة العسكرة العدوانية للولايات المتحدة التي يعتقدون أنها تؤدي إلى «الموت النهائي». ولا توجد دلائل تذكر على أي تغيير مهم يحدث في هذا الصدد. ولكن الصين لا تتبع الأوامر، وتتخذ خطوات للوصول إلى الطاقة والموارد الأخرى في جميع أنحاء العالم. وهذا يشكل تهديداً».
يأتي الكتاب كله في هذا السياق الحواري، الذي يتميز بغنى في المعلومات والإجابات عن أسئلة ربما تخطر على بال الكثير من القراء.
يلخص تشومسكي في إجاباته استنتاجاته العامة تجاه سياسة الولايات المتحدة وأفعالها العسكرية في العالم، وتكون تحليلاته دائماً مستندة على حقائق لا تقبل النقاش، وتكون موجهة بعمق أيضاً وفق اعتبارات أخلاقية حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاحترام الإنساني العام.

بنية الكتاب

الكتاب يقع في 224 صفحة من القطع المتوسط، وهو صادر عن دار «بينكوين» البريطانية باللغة الإنجليزية في 2017. ويحتوي على ثلاثة أجزاء بعد المقدمة، يضم الأول تسعة فصول وهي: 1) انهيار المجتمع الأمريكي وعالم يشهد التحول. 2) رعب يتجاوز حدود الوصف: أحدث مرحلة ل«الحرب على الإرهاب». 3) إمبراطورية الفوضى. 4) الصراعات العالمية لأجل الهيمنة: «داعش»، «الناتو»، وروسيا. 5) هل يتفكك التلاحم الأوروبي؟ 6) منع البوركيني، الإلحاد الجديد، وعبادة الدولة: الدين في السياسة. 7) بناء تصورات عن «سلام مستدام». 8) كل شيء يعمل بشكل جيد لأجل الأغنياء والمتنفذين. 9) هل يمكن للحضارة أن تنقذ «رأسمالية موجودة حقاً»؟
ويضم الجزء الثاني عشرة فصول هي: 1) أمريكا في عهد ترامب. 2) القاعدة الجمهورية «خارج السيطرة». 3) انتخابات 2016 تضع الولايات المتحدة في خطر «كارثة مطلقة». 4) ترامب في البيت الأبيض. 5) الاحتباس الحراري ومستقبل الإنسانية. 6) التاريخ الطويل للتدخل الأمريكي في انتخابات الدول الأخرى. 7) إرث إدارة أوباما. 8)الاشتراكية للأغنياء، والرأسمالية للفقراء 9) النظام الصحي الأمريكي فضيحة دولية – وإلغاء قانون الرعاية الصحية «أوباما كير» سوف يجعل الأمر أسوأ. 10) مخاطر التعليم الذي يقوده السوق. أما الجزء الثالث فيتكون من ثلاثة فصول هي: 1) اللاسلطوية، الشيوعية، والثورات. 2) هل الولايات المتحدة مستعدة للاشتراكية؟ 3)لماذا اخترت التفاؤل وليس اليأس؟

 

ترجمة: نضال إبراهيم

ترك عمله ليتبع حلمه .. وصار ثرياً قبل الـ30

هل إيجاد وظيفة في مكتب هي حلمك؟ هذا الشاب استقال مبكراً بسبب شغفه بالسفر حول العالم، وحول هذا الحلم إلى موقع ناجح يصطاد أفضل فرص السفر ويقدمها للزبائن. بل رفض الشاب أن يعمل كمقاول تقليدي، فأينما كان الانترنت ستجده يعمل.

يقدّم نفسه كـ”نينجا الرحلات”، وتصل تقديرات الدخل الذي يولّده موقعه جرّاء تسجيلات الأعضاء إلى 750 ألف جنيه استرليني (843 ألف يورو) على الأقل خلال السنتين الأخيرتين. إنه شاب أمريكي يقطن في لندن لا يتجاوز عمره 30 عاماً، هو مؤسس موقع “جاكس فلايت كلوب” – أحد أشهر المواقع البريطانية التي تتيح لزوارها إيجاد رحلات بأرخص الأثمان.

وفي مقابلة مع صحيفة “ذي صن” البريطانية، قال جاك شيلدون إنه كان يعمل سابقاً موظفاً في قطاع تنمية الأعمال، ولكنه قرّر الاستقالة من منصبه والتركيز على مشروعه الذي يضم حالياً 21 ألف “عضو مميز” سجلوا في موقعه باشتراك شهري، من أصل 300 ألف عضو مسجل. وبحسب الصحيفة، فقد أتاح جاك للبريطانيين توفير ما يصل إلى خمسة ملايين جنيه استرليني في رحلاتهم.

 

المثير في الأمر أن هذا الشاب بدأ مشروعه في مقهى وانطلاقاً من سريره، وهو واليوم يعمل من حاسوبه من أيّ مكان بالعالم، أي أنه لا يحتاج إلى مكتب، ويعمل معه في موقعه ستة أشخاص، هم كذلك لديهم مطلق الحرية للعمل من أيّ مكان يرغبون، بشرط توفر جهاز الحاسوب واتصال بالإنترنت.

أما ما دفع شيلدون لإطلاق هذا المشروع فهو اصطدامه بالأسعار الباهظة للرحلات الجوية في كل مرة يرغب فيها بالسفر إلى الخارج، وبرزت أولى أفكار المشروع عندما تتبع الشاب الأسعار المتقلبة للرحلات الجوية، إذ اقتنع أن الأسعار المعقولة ترتبط بالتوقيت أكثر من الوجهة، ولذلك بدأ يبحث عن مواعيد الرحلات الرخيصة.

ونظراً لأن أصدقاءه كانوا كذلك مهتمين بعروض الرحلات الرخيصة، بدأ يرسل إليهم رسائل إلكترونية دورية بهذه العروض. وشيئا فشيئاً، بدأ عدد متلقي رسائله بالتزايد، وصار المئات يشتركون لتلقي هذه الرسائل يومياً. وفي سبتمبر/ أيلول عام 2016 قام جاك شيلدون بإنشاء موقعه، الذي جعله نادياً خاصاً بعشاق السفر الرخيص، وخصص لمن يشتركون في موقعه بـ35 جنيهاً استرلينياً شهرياً مميزات نوعية لا يتلقاها الأعضاء المشتركون بالمجان.

إ.ع/ ي.أ

القوة البحرية

لعبت البحار والمحيطات دوراً كبيراً في تحديد مصاير الشعوب والأمم، وجرت صراعات كبيرة فيها وعليها، بدايتها كان من البحر الأبيض المتوسط الذي شهد أكبر منسوب للعنف تاريخياً بين الإمبراطوريات المتصارعة. وأصبح المحيط الأطلسي، مؤخراً، من المحيطات غير المرغوبة لمسألة السلام والتعاون على المستوى الدولي، لكن هناك تخوف غربي وأمريكي تحديداً من تنامي القوة البحرية الصينية. يحاول الكاتب بحكم خبرته في بحار ومحيطات العالم كضابط كبير في البحرية الأمريكية أن يستعرض الصراعات الجارية ومصالح الدول الكبرى في التحكم بطرق الملاحة البحرية.
يستعرض الأميرال جيمس ستافريديس في هذا العمل المتميز رحلته الحياتية والمهنية المهمة عبر جميع المواقع المائية في العالم، ويقدّم قصة القوة البحرية كعامل في التطور البشري والتاريخ الإنساني بشكل عام، ويتناول دورها كعنصر حاسم في مسارنا الجيوسياسي الراهن.

يأتي الكتاب في تسعة أقسام بعد المقدمة بعنوان «البحر واحد»، وهي: 1) الباسيفيك: أم كل المحيطات. 2) المحيط الأطلسي. مهد الاستعمار. 3) المحيط الهندي: بحر المستقبل. 4) البحر الأبيض المتوسط: حيث بدأت الحروب البحرية. 5) بحر الصين الجنوبي: منطقة نزاع محتملة. 6) البحر الكاريبي: متوقف في الماضي. 7) المحيط المتجمد الشمالي: الوعد والمخاطر. 8) البحر الخارج عن القانون: محيطات كمسارح جرائم. 9) أمريكا والمحيطات: استراتيجية بحرية لأجل القرن الـ21.
بدايات الحروب البحرية

يتطرق ستافريديس إلى الصراعات التاريخية من زمن الإغريق وتصادمهم مع الفرس في البحر الأبيض المتوسط، وكيف أن قوة البحر كانت تحدد موازين القوة العالمية، مشيراً إلى أن دورها لم يتم الاستهانة به منذ فجر التاريخ، وحتى الوقت الراهن. يبين الأميرال ستافريديس كيف شكلت جغرافية المحيطات مصاير الأمم، وكيف صنعت القوة البحرية بالمعنى الحقيقي العالم الذي نحياه اليوم، وكيف أنها ستشكل العالم الذي سنعيشه في المستقبل.
يقدم الكاتب في عمله الصادر حديثاً في 384 صفحة عن دار «بينغوين للنشر» باللغة الإنجليزية، بشكل واضح تاريخاً بحرياً متسلسلاً، عبر رؤية جديدة في الاشتباكات البحرية الكبرى، ويشير إلى أنه بدأت الحرب في البحر في «الساحة التي لا تعرف الكلل» للبحر الأبيض المتوسط، التي تحتفظ بإمكانات كبيرة من العنف، بدءاً من معركة سلاميس التي وقعت في العام 480 قبل الميلاد بين تحالف من المدن اليونانية القديمة والإمبراطورية الفارسية في إطار الحروب الفارسية-اليونانية. جرت المعركة بالقرب من بحر إيجة في مضيق سالاميس بين البر اليوناني وجزيرة سالاميس، وهي جزيرة في خليج سارونيك بالقرب من أثينا، مني فيها الفرس بهزيمة تاريخية.
كما يتوقف عند معركة ليبانت التي وقعت في 7 أكتوبر من العام 1571 بين العثمانيين وتحالف أوروبي، وقد انتهت بهزيمة العثمانيين، وكانت الخسائر في تلك المعركة ضخمة للغاية لكلا الطرفين، إلا أن خسائر العثمانيين المعنوية كانت أشد فداحة من خسائرهم المادية، حيث كانت تلك المعركة الكبيرة ذات مردود سلبي في علاقة الدولة العثمانية بالأوروبيين، إذ أزالت من نفوس الأوربيين أسطورة أن الدولة العثمانية دولة لا تقهر، وهو ما شجع التحالفات الأوروبية ضدها بعد ذلك، وظهرت المراهنات على هزيمتها.
ويتناول معركة ترافلغار (الطرف الأغر أو طرف الغار) التي نشبت بين الأسطول الإنجليزي بقيادة الأميرال هوراشيو نيلسون ضد الأسطولين الفرنسي والإسباني المتحالفين تحت قيادة الأميرال الفرنسي بيير شارلز فيلنوف في 21 أكتوبر 1805 قرب رأس طرف الغار في قادس جنوب غرب إسبانيا، وقد سُمِّي ميدان طرف الغار في لندن باسم هذه المعركة تخليداً لانتصار نيلسون. كانت القوة العسكرية المهيمنة حينها على القارة الأوروبية هي الإمبراطورية الفرنسية بقيادة نابليون، في حين كانت البحرية البريطانية تسيطر على البحار. وأثناء الحرب فرضت القوات البريطانية حصاراً بحرياً على فرنسا ترك تأثيراً كبيراً على التجارة الفرنسية وأبقاها عاجزة عن تعبئة الموارد البحرية الخاصة بها.
ومن بين أهم المعارك التي تطرق إليها الكاتب أيضاً معركة الأطلسي، التي تعتبر أطول حملة عسكرية مستمرة خلال الحرب العالمية الثانية، شنتها ألمانيا النازية على بريطانيا لقطع الإمدادات عنها، فقد كان هتلر مصمماً على قطع الشريان الحيوي الذي يتمثل في المحيط الأطلسي من خلال ضرب السفن التجارية البريطانية وقطع الإمدادات عن بريطانيا القادمة إليها من الولايات المتحدة وكندا، لإجبارها على الاستسلام.
ويشير الكاتب إلى أنه شهدت نهاية عام 1942م بلوغ معركة الأطلسي ذروتها، حيث الصراع بين الغواصات الألمانية والأسلحة البحرية البريطانية والأمريكية والكندية استمر طوال سنة، إذ كان يتفاوت في القوة والكثافة، وكان ميزان القوى يتأرجح من جانبٍ لآخر حسب التقنيات والتكتيكات والقوى البشرية المتوفرة لدى كل جانب، لكن الحقيقة بقيت بأن المبادرة كانت بين أيدي الحلفاء. بعد مواجهتهم للخسارات الفادحة في السفن، أصبحت معركة الأطلسي مهمةً في التخطيط الاستراتيجي والجهود الموجهة نحو معارك الغواصات. وبحلول نهاية عام 1942، ومع وصول خسائر الملاحة التجارية لأعلى معدلاتها، فقد تحطمت أكثر من مئة غواصةٍ ألمانية مع أطقمها، وسحبت الغواصات الألمانية، ثم اتخذت مواقع دفاعية عند شواطئ فرنسا.

قوة البحار

يقدم الكاتب رؤيته الاستراتيجية من مسيرته البحرية الطويلة، وهو يدعم أفكار الضابط الأمريكي ألفريد ثاير ماهان (1840-1914) الذي يطلق عليه الأمريكيون لقب «الاستراتيجي الأمريكي الأكثر أهمية في القرن التاسع عشر الميلادي»، فقد كان مفهومه عن «قوة البحر» مبنياً على فكرة أن الدول صاحبة القوة البحرية الأعظم سيكون لها التأثير الأكبر في جميع أنحاء العالم، ومن المعروف أن هذا المفهوم قُدِمَّ من خلال كتاب تاريخي وهو «تأثير قوة البحر على التاريخ»، وقد كان لهذا المفهوم انعكاسه الكبير في صياغة الفكر الاستراتيجي للقوى البحرية في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكذلك بريطانيا. وما تزال أفكاره مسيطرة على مبادئ البحرية الأمريكية.
والأميرال جيمس ستافريديس يؤكد على ما ذهب إليه في أن السيطرة على المحيطات وغيرها من التجمعات الرئيسة للمياه كانت تشكل مصلحة كبرى للقوى العظمى على مر التاريخ. يستخدم ستافريديس تجربته الجيوسياسية في عرض هذه المعلومات بطريقة يوصي فيها الولايات المتحدة بتجنب الحوادث غير الضرورية، والعمل على وضع نفسها في موقع استراتيجي متفوق باستخدام سلطتها البحرية.
يركز خلال عمله على أهمية وحساسية المحيط الهادي والآثار المترتبة على ارتفاع القوة البحرية الصينية، وكيف يمكن لجهودها أن تغير من اللعبة العالمية، إذ إنها تشير إلى قدرات هجومية في المستقبل.. وفي فصل لاحق حول بحر الصين الجنوبى، يحذر من أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتحدى مطالب الصين الإقليمية، وأن تفشل استراتيجيتها العالمية، ويرى أن المواجهة قد تكون ضرورية إذا لم يؤت التعاون الإقليمي ثماره. ويرى أنه يأمل في مبادرات متعددة الجنسيات مثل العملية الأخيرة بين القوات الأمريكية واليابانية والهندية. وعلى الرغم من أن ستافريديس لديه مخاوف بشأن سباق التسلح الإقليمي المتنامي، فإنه لا يزال يؤكد أن المحيط الهادي ربما يواصل تطوره سلمياً.
ويعتبر «العلاقة الخاصة» بين البحرية الأمريكية والبريطانية موضوعاً مهماً آخر، حيث إن المناقشات تتجه نحو المحيط الأطلسي. ويعتقد ستافريديس أنه لأول مرة في التاريخ، برز المحيط الأطلسي كمنطقة غير مستحبة من التعاون والسلام على المستوى العالمي. يجد ستافريديس أن بحر الصين الجنوبي، وهو الوافد الجديد نسبياً إلى الجغرافيا السياسية البحرية، ولكنه يتمتع بأهمية كبرى في القرن الحادي والعشرين. ويعرض أيضاً الأدوار التي يقوم بها البحر الكاريبي والمحيط المتجمد الشمالي.

رؤية استراتيجية

يقول الكاتب في نهاية عمله أن «الكتلة الرئيسة من المياه والتي تعد على بعد مسافة كبيرة من الولايات المتحدة، على الجانب الآخر من العالم، هي المحيط الهندي. هنا يجب أن تأخذ استراتيجيتنا أولاً وقبل كل شيء في الاعتبار قوة الهند العظمى الناشئة. وينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا دبلوماسياً وثقافياً وعسكرياً، وسياسياً، لتعزيز علاقاتنا مع الهند. وهذا ينبغي أن يتضمن بوجه خاص التعاون في المجال البحري، بما في ذلك سلسلة جديدة من التدريبات والمناورات مع البحرية الهندية؛ وترويج مبيعات الأجهزة البحرية المتقدمة، ولا سيما منظومة «أيجيس» القتالية؛ والتعاون في تشغيل الغواصات النووية؛ والعمل كذلك مع الهند واليابان على التمارين البحرية التي تركز على مكافحة القرصنة في الطرق المتبعة في المحيط الهندي وحولها؛ وتطوير برنامج لدبلوماسية العلوم البحرية طويلة الأمد للمحيط الهندي».
ويضيف إلى أنه «بالإضافة إلى العمل عن كثب مع الهند، لدينا حليفان أنغلوفونيان كبيران هما نيوزيلندا واستراليا، اللتان تعدّان على درجة من الأهمية أيضاً. فأستراليا ذات أهمية جيوستراتيجية كبيرة نظراً لحجم ساحلها، الذي يتضمن «واجهة بحرية» ساحلية ضخمة على المحيط الهندي. فضلاً عن أن بريطانيا العظمى لا تزال مستمرة بامتلاك جزيرة دييغو غارسيا المرجانية، ولها انتشار دولي حتى بحر الخليج العربي أيضاً، ومشاركتنا هناك ستكون حاسمة».
ويعلق على أهمية الخليج العربي من الناحية البحرية: «والخليج العربي سيستمر في كونه ممراً مائياً مهماً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، والروابط بين المحيط الهندي الكبير والخليج العربي سيكون نقطة تماس «ساخنة» في الشؤون البحرية. يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في الحفاظ على أسطول بحري كبير (أسطولها الخامس) في المنطقة». ويقول: «وأخيراً هناك المحيط المتجمد الشمالي، المنطقة الاستراتيجية على قمة العالم سوف تكون مهمة بدرجة متزايدة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، ويجب أن يتضمن نهجنا في الشمال، أولاً وقبل كل شيء، ضمان أننا نمتلك ما يكفي من كاسحات الجليد. وهذا يعني برنامجاً استراتيجياً لشراء (أو إيجار) كاسحات الجليد».

بنية تحتية

ويضيف: «بالإضافة إلى ذلك، نحتاج إلى بنية تحتية أكثر للاستكشاف والتنقل في القطب الشمالي. فليس هناك أسطول بحري محدد للمحيط المتجمد الشمالي، وفي اللحظة الراهنة تخصيص أسطول واحد ليس ضرورياً. سيكون النهج الأفضل جعل هذه المنطقة ذات تركيز بالنسبة لحرس السواحل الأمريكي مع تقديم وزارة الدفاع الدعم عند الحاجة إليه».
ويقول أيضاً: «كل من أقصى جنوب المحيط الأطلسي وجنوب المحيط الهادي نسبياً منطقتان آمنتان، ويمكن اعتبارهما مسرحين للأحداث يمكن فيهما استخدام«اقتصاد استراتيجية القوة». وهذا يعني ببساطة أننا لا نحتاج نشر سفن وقواعد بشكل دائم في أي من المنطقتين. سنحتاج فقط القيام برحلات مناسباتية لدعم التواجد وإجراء اتصالات عسكرية – عسكرية أساسية، ولكن لن يتطلب الأمر قوى عسكرية كبيرة».
ويختم الأميرال عمله بالقول: «في النهاية، نحن دولة جزيرة، محاطة بالمحيطات، تقوم على التجارة العالمية، والأسواق الدولية، وبعثات الصيد، الحفارات البحرية، والطرق المائية لمحيطات العالم. من دون المحيطات، وقدرتنا على الإبحار عبرها، سوف نتلاشى بشكل كبير كدولة. فقدرتنا على الملاحة عبر المحيطات ستكون جزءاً حاسماً من رحلة دولتنا في هذا القرن».

نبذة عن المؤلف:

جيمس ستافريديس، أميرال متقاعد من البحرية الأمريكية، والعميد الحالي لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، وهي كلية الدراسات العليا للشؤون الدولية. يعمل ستافريديس كمحلل دبلوماسي دولي ومحلل للأمن القومي في «إن بي سي نيوز» في نيويورك. وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة المعهد البحري الأمريكي، وزميل أول في مختبر الفيزياء التطبيقية لجامعة جونز هوبكنز.
درس في الأكاديمية البحرية الأمريكية في 1976. قضى أكثر من 35 عاماً من الخدمة النشطة في البحرية. وقد قاد المدمرات ومجموعة ضربات حاملات الطائرات في القتال، وعمل لمدة سبع سنوات كأميرال بأربع نجوم، من بينها ما يقارب أربع سنوات كأول ضابط في البحرية يتم اختياره قائداً أعلى للقوات المتحالفة للعمليات العالمية في الناتو. بعد تقاعده من البحرية عين عميداً لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في عام 2013. كتب العديد من المقالات حول قضايا الأمن العالمي لصحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، و«ذا أتلانتيك».

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

الكمبيوتر يقهر السرطان

قرب مدينة سياتل الأميركية وفي عمق غابة من السرو، يختبئ بناء صغير مربع، مكون من أربعة طوابق، لا يزيد ضلعه عن مئة متر، من دون نوافذ، ويحمل الرقم 99، وقد احتشد فيه عشرات من العلماء والفنيين العاملين في الحقل الطبي، وتئز فيه كمبيوترات متقدمة، تعس في جسد الإنسان. فهناك «إيفان تارابوف» وهو يمسح دماغ مريض مصاب بسرطان البروستات، ليحدد الطبقات التي تحد حواف السرطان، تمهيداً للمعالجة الشعاعية. أما «ديزني تان» فهو يشحذ جهازه لبناء مصائد إلكترونية، للقضاء على فيروس «الزيكا» الذي يضرب الرضع، فيضغط جماجمهم ويسلب آدميتهم.

لقد ضخت شركة أمازون مبلغ 16.1 مليار دولار في مشاريع قهر السرطان والعلاجات المتقدمة، وتلحقها شركة جوجل بمبلغ 13.9 مليار، والثالثة مايكروسوفت بمبلغ 12.3 مليار، وآبل بـ10 مليارات، وفيسبوك بـ5.9 مليار، ثم شركة باير الدوائية الألمانية بـ5.2 مليار.

ولكن كيف سنقفز بالآلة (الكمبيوتر) إلى التحدي المزمن، الذي أعجز أطباء العالم، في قهر السرطان حتى اليوم ومن أي بوابة؟ جوجل طورت نظاماً لوغارتمياً لمراقبة سرطان الجلد، ويمكن معالجة الكآبة بـ«السوفت وير»، كما أن احتشاء القلب يمكن أيضاً معالجته عن طريق تقنية «النانو».

هذا في حين نحا مارك زويكربيرج صاحب الفيسبوك طريقاً مختلفاً حيث قال: إذا كان سر السرطان في الخلية، ومنه يبدأ السرطان برنامجه التخريبي، فعلينا إذن وضع أطلس كامل للخلية كما فعلنا مع تشريح الجسم (Cell-Atlas). وأما «هويفونج بون» فيقود «مشروع هانوفر» ويعلق على عمل الأطباء بقوله، إنه يتأرجح دوماً في زوابع الاحتمالات، ولا يقود للدقة المطلقة قط، خلافاً لعمل الذكاء الصناعي والكمبيوترات المتقدمة، التي تقفز من دون توقف كل 18 شهراً بقوة مضاعفة، حسب «قانون مور» المعروف. وتعتمد الخطوة الأولى حسبما ظهر للسطح في هذه الخطة الطموحة، على نقل المصطلحات الطبية إلى الذكاء الصناعي فيلقم، وهناك ما لا يقل عن 27 مليون ورقة بحث في السرطان، ويتدفق كل يوم الجديد. ويقول «هويفنج بون» إن هذا أمر يعجز عنه أفراد الأطباء، في حين يستطيعه عالم الديجتال الجديد فقط، ويعرض «بون» بعضاً من الفتوحات الطبية في ثلاث صور، الأولى لسرطان جلد مستشرٍ تمت دراسته في عالم الديجتال ومعالجته، وصولاً إلى اختفائه في الصورة الثانية تقريباً، ثم المفاجأة في الصورة الثالثة من تمرد غير متوقع، حين بدأ السرطان يقفز إلى عالم الطفرة (Mutation) فيفلت من السيطرة!

وما وصل إليه الأطباء حالياً في معالجة السرطان هو المزج الدوائي، أي إدخال عنصرين أو أكثر في ضرب معاقل السرطان، وهو أمر ابتكره الأطباء في محاربة السل، حين مزجوا بين «الستربتومايسين» و«الباس» و«الأيزونيازيد». ولكننا في المزج الدوائي أمام معضلة فعلية، فهناك 200 مادة معروفة حتى اليوم تستخدم للعلاج، وتحت التطوير 1200 مادة، فإذا ذهبنا إلى المعالجة المزجية بين اثنين من العناصر، كانت الاحتمالات أمامنا مئات الآلاف! أما إذا بدأنا في مزج ثلاثة، فإن الرقم يصل إلى 300 مليون احتمال، وهو رقم يصاب الإنسان أمامه بالدوار، بين المحاولات والزمن والجهد والنتائج.

وهنا بالضبط يتدخل عالم الديجتال والأرقام والذكاء الصناعي كحل فعال، ففي سرطان الدم اللوكيميا مثلًا كانت لعبة المزيج هذا أمام 11026 احتمالًا، وخلال سنتين جربوا 102 منها، أما البقية الـ10900 فيمكن لعالم الديجتال أن يفك كثيراً من طلاسمها في أسابيع قليلة، بدل عقود من الانتظار، فهذه هي الثورة الجديدة في عالم الطب.

ومن تطبيقات هذه النماذج نذكر أيضاً فك الجينوم في سرطان الدماغ، وكشف التوحّد قبل أن يستفيق في الأشهر الستة الأولى، أو يطل بقرنه في الشهر 18. ومنها أيضاً تشخيص مشكلات القلب، من دون الاعتماد على مخطط كهربي قلبي طويل الأمد، وكذلك مساعدة أطباء الأشعة على تحديد حواف الأورام بدقة فائقة، لمعالجتها بالطريقة المناسبة. ومن فرائد هذه النماذج أيضاً مساعدة المريض في الدخول إلى عالم الديجتال ليستفتي طبيباً من دون الانتظار المضني لساعات طويلة، حتى يمن الطبيب على المريض بعد انتظار خمس ساعات ليتفرغ له في خمس دقائق.

رواية من داخل المخبارات الامريكية السي أي إيه

ظهر العديد من الأصوات المعارضة لطريقة عمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» من داخل الوكالة نفسها، بعد أن وجدت مخالفتها الواضحة لـ«أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عبر تقديم معلومات مضللة إلى البيت الأبيض بشأن الأحداث العالمية الكبرى. وهذا بدوره أثّر في صورة الولايات المتحدة عبر العالم، وخلق مجتمعات سرية استخباراتية داخل مؤسسة من المفترض أنها تحترم القانون. يحاول الكاتب أن يسلط الضوء على هذا الجانب وعلى عمله في الوكالة، ودفاعه عن المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية، داعياً إلى أهمية إصلاحها.
انتهت فجأة مهنة ميلفين غودمان كمحلل استخباراتي متخصص في العلاقات الأمريكية-السوفييتية، ضمن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» في عام 1990. فبعد أربعة وعشرين عاماً من الخدمة، استقال غودمان عندما لم يعد قادراً على تحمل الفساد الذي شهده على أعلى مستويات الوكالة.

وفي عام 1991 توجّه إلى الجمهور، كاشفاً عن قصص كبار المسؤولين الاستخباراتيين، وقاد المعارضة ضد تعيين روبرت غيتس مديراً لوكالة المخابرات المركزية. وفي جلسات الاستماع التي عقدها مجلس الشيوخ والتي انتشرت إعلامياً على نطاق واسع، أكد غودمان أن غيتس وغيره قاموا بتخريب «أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عن طريق التعمد في تقديم معلومات مغلوطة إلى البيت الأبيض حول الأحداث العالمية الكبرى والعمليات السرية.

 

أهمية كشف الانتهاكات

يركز في كتابه على سنواته في وكالة المخابرات المركزية، وعلى العلاقة المختلة بين الرئيس والكونغرس بشأن مسائل الأمن القومي. يقول غودمان: «طالما أن الكونغرس يذعن لأوامر الرئيس فيما يتعلق بسلوك الأمن القومي، والمحاكم تتدخل لمنع أي تحدّ لسلطة الرئيس في صنع السياسة الأمنية الوطنية؛ ووسائل الإعلام تنزل عند إرادة مصادرها الرسمية والمخوّلة، فإن الأمة بحاجة إلى المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية للتأكد من أن أفعال وكالة المخابرات المركزية قانونية وأخلاقية».
يقدّم غودمان في عمله السياق التاريخي لعمل وكالة المخابرات المركزية ووجودها؛ حيث يوضح أن وكالة المخابرات المركزية تتكون من اثنين من الفروع المتميزة ثقافياً هي: العمليات والتحليل. والغرض من العمليات هو التجسس لجمع البيانات. وفي مسألة التجسس، يقول: «إن وكالة المخابرات المركزية ليست مارقة، لكنها تنفذ أوامر الرئيس مع إنكار معقول، لذلك عندما يتم الكشف عن أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية، يتم توجيه الغضب إلى وكالة المخابرات المركزية، وليس نحو الرئيس». ويقول إن الغرض من التحليل هو دراسة البيانات من مصادر مختلفة لتحديد قدرات الدول الأجنبية ونياتها. وينبغي أن يبقى التحليل منفصلاً عن العمليات ليكون «وسيطاً نزيهاً» في تقديم المعلومات إلى الرئيس.
ويعتقد غودمان، خاصة بعد عمله كمحلل استخباراتي في وكالة المخابرات المركزية، أن محللي المخابرات الذين يخدمون بلدهم بشكل أفضل، سوف يتجاهلون الضغوط للتوصل إلى استنتاجات إيديولوجية.

 

منصة لسياسة فاشلة

أنشأ الرئيس الأمريكي هاري ترومان وكالة المخابرات المركزية كمنظمة مدنية مخصصة لمواجهة التقييمات العسكرية المضخمة التي أدلى بها المحللون في وزارة الدفاع في الاتحاد السوفييتي. ولم يقصد الرئيس ترومان أبداً أن تكون وكالة المخابرات المركزية تحت سيطرة وزارة الدفاع أو أن تكون وكالة تجسس. وضد نية ترومان، أصبحت الوكالة على مر السنين وكالة تجسس بشكل فعلي، بقيادة مدير المخابرات الوطنية التي هي قسم من وزارة الدفاع، وأصبحت منظمة توفر تحليلات الأمن القومي المدفوعة أيديولوجياً.
يتحدث غودمان عن عمله لمدة ثلاث سنوات في الجيش الأمريكي ككاتب شيفرات، وعامين في اليونان كجزء من مهمة عسكرية أمريكية، كما كان حاضراً خلال أزمة السويس عام 1956. وكان وراء الكواليس في الغزو الأمريكي للبنان في عام 1958. وكان يعمل لدى وزارة الخارجية في مكتب أبحاث الاستخبارات في الفترة من 1974 إلى 1976؛ حيث أمضى صيف 1976 في العمل لصالح السفارة الأمريكية في موسكو.
ويشير غودمان إلى أن وكالة المخابرات المركزية جيدة في تحديد القدرات، لكنها فقيرة في تمييز النيات. ويصف ما يدور في الموجز اليومي للرئيس. ويعتقد أن المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها وكالة المخابرات المركزية ستكون مفيدة في أي ساحة للتفاوض، في حال كانت بمثابة مصدر مستقل للمعلومات من وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع.
كما يتوقف عند فترة عمله كمحلل لوكالة المخابرات المركزية خلال حرب فيتنام، مشيراً إلى أنه حضر مسيرات معادية للحرب، موضحاً أنه كان هناك عدد من المحللين في وكالة المخابرات المركزية الذين كانوا مناهضين للحرب. ويقول إن وزير الدفاع روبرت ماكنمارا حينها كذب على الرئيس جونسون فيما يتعلق بمعلومات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق إخفاء التقارير التي تفيد بأنه لا يمكن لهم الفوز في الحرب. قائلاً: «أصبحت وكالة المخابرات المركزية تشكل منصة لسياسة أمريكية فاشلة». كما يبين غودمان أنه كان موجوداً في أول محادثات للحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت) تحت رئاسة نيكسون. وكان دور وكالة المخابرات المركزية هو التحقق المسبق قبل توقيع المعاهدة، وهذا ما كان مطلوباً قبل تصويت مجلس الشيوخ. ويدّعي غودمان أن وزارة الدفاع لم تكن تريد معاهدة أسلحة مع الاتحاد السوفييتي، وكذبت على الرئيس حول القدرات السوفييتية.
كما يتضمن الكتاب فصلاً عن شهادة غودمان بشأن روبرت غيتس الذي رشح لمنصب مدير وكالة المخابرات المركزية من قبل الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991. ويشير غودمان إلى تكلفة الكشف عن الفساد «لا توجد حماية للمبلغين عن المخالفات في مجتمع الاستخبارات، ويواجه ضباط الاستخبارات فقداناً محتملاً للتصريح الأمني ​​من أجل الذهاب إلى الجمهور فيما يتعلق بالإساءات». وبالنسبة إلى العاملين في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، فقدان التصريح الأمني ​​يعادل إطلاق النار.

 

جهود أوباما

يتحدث الكاتب عن جهود أوباما في إضعاف دور المفتش العام في ساحة الأمن القومي، إذ إنها عقّدت عمل إصلاح مجتمع الاستخبارات بشكل عام، وبشكل خاص عمل وكالة المخابرات المركزية. ويقول: «واحدة من الإصلاحات الأكثر أهمية في فترة فضيحة ووترغيت كان تمرير قانون المفتش العام في 1978، وبعد فضيحة إيران – كونترا، أخيراً أنشأ الكونغرس منصب مفتش عام قانوني لأجل «سي آي إيه». أضعف أوباما بوعي وإدراك دور هذه المراقبات الداخلية والتي تعني أنها أصبحت أكثر صعوبة في ضمان تلاحم وكفاءة العمليات الحكومية. وتأكدت هيلاري كلينتون أنه لم يكن هناك مفتش عام بشكل ثابت خلال إدارة وزارة الخارجية من 2009 إلى 2012، كما تأكد الرئيس أوباما أنه ما من مفتش عام بشكل ثابت في وكالة المخابرات المركزية خلال معظم فترة ولايتيه الرئاسيتين».
ويضيف الكاتب: «هناك مشكلة أساسية في التعامل مع أي وكالة استخباراتية في ظل الديمقراطية. فقانون الأمن القومي لعام 1947 الذي أسس وكالة المخابرات المركزية كان ببساطة غامضاً جداً في تحديد أهداف ومهمات الوكالة، وتأسست كل من وكالة الأمن القومي ومكتب الاستطلاع الوطني في جو من السرية، ما كان أمراً خاطئاً، وأعطيت وكالة المخابرات المركزية الكثير من القوة والنفوذ، مع القليل جداً من المعايير والقيود المتعلقة بما إذا كانت عمليات أو جمع معلومات».
ويرى أن هناك مشكلة واضحة في الذهنية المهيمنة على البيت الأبيض فيما يتعلق بأي آراء توحي بعلامات احتجاج داخلي، إذ يتم اعتبار الأمر تهديداً على الأمن القومي. وهذا قاد إلى انتهاكات في فترة حرب فيتنام في الستينات والسبعينات وإلى عسكرة المجتمع الأمريكي منذ 11 سبتمبر 2001. مضيفاً: «وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي تفادتا العديد من حالات المنع الداخلية المفروضة على جمع المعلومات من خلال إجراء ارتباطات غير قانونية مع وكالة استخباراتية أجنبية مثل مكتب الاتصالات الحكومية البريطانية. تعاون كل من البيت الأبيض و«سي آي إيه» في العقد الماضي لإضعاف المراقبة الداخلية من خلال تجاهل مكتب المفتش العام». ويوضح أنه كنتيجة لذلك، من الصعب التحكم أو حتى معاينة عمل الوكالات السرية، وخلال السنوات الستين الماضية، أساء الرؤساء الأمريكيون استخدامها. كما أن غياب المراقبة يجعل من الصعب فرض قيود على سوء استخدام القوة الحكومية، خاصة تلك القوى التي تهدّد المواطنين، من دون المعلومات التي يقدمها المبلغون عن المخالفات الأمنية. قائلاً: «إن عمل وكالة المخابرات المركزية وانتهاجها السرية مع اللجان المسؤولة عن مراقبة الوكالة نفسها عمل معادٍ للديمقراطية»، مضيفاً: «المبلغون عن المخالفات المخابراتية يتحدون السرية والأكاذيب التي تحتضن الجهل في الولايات المتحدة. والإفراط في السرية يحدد النقاشات حول السياسة الخارجية ويجرّد المواطنين من المعلومات المطلوبة للمشاركة في إبداء آرائهم في قضايا أساسية متعلقة بالحياة والموت، هناك حاجة إلى ثقافة الانفتاح والاحترام لأجل خلق توازن في القوى لتغيير اتجاه الضرر الذي تسببت به الاستجابة الكارثية لإدارة بوش لأحداث 11 سبتمبر 2001».

 

دعوة إلى الإصلاح

من المحتمل أن أوباما نفسه ندم لأنه لم يفعل المزيد لأجل دعم المبلغين عن المخالفات داخل الجهاز الاستخباراتي بحسب ما يرى الكاتب، مشيراً إلى أنه «خلال شهوره الأخيرة من ولايته الثانية، كشف النقاب عن وثائق رسمية تقرّ أن «سي آي إيه» كانت تعرف أن الديكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه قد أمر شخصياً بإعدام معارض بارز في حي السفارات بواشنطن، وأن الولايات المتحدة لعبت دوراً في «الحرب القذرة» التي شنتها حكومة الأرجنتين ضد مواطنيها في سنوات السبعينات والثمانينات. ولقي الرئيس أوباما الثناء لمحاولته الفوز بأصدقاء من أمريكا الجنوبية من خلال الكشف عن الأعمال الشريرة الماضية، أفضّل أن أقول إن الرئيس أوباما أدرك أهمية التبليغ عن المخالفات التي تجري داخل سلك الاستخبارات».
يقدّم غودمان في هذا العمل الصادر، باللغة الإنجليزية في 300 صفحة، عن دار «سيتي لايتس بابليشرز»، عرضاً نادراً عن الأعمال الداخلية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، والفساد والترهيب والتضليل الذي يؤدي إلى تدخلات أجنبية كارثية.
والكتاب يتمتع بأهمية كبيرة تاريخية داخل واحدة من الوكالات الاستخباراتية الأكثر سرية وتأثيراً لحكومات الولايات المتحدة، وهو بشكل فعلي دعوة إيقاظ كبرى لضرورة إصلاح ممارساتها، حتى أنه نفسه يقول في خاتمة العمل: «أِشعر بالندم لأنني لم أفعل المزيد في عام 1991 لأجل الدفاع عن احتجاجاتي وتوضيحها، تمنيت لو أنني مضيت أبعد من ذلك في التبليغ عن المخالفات الأمنية، أنا معجب بإدوارد سنودن لمخاطرته بكل شيء للكشف عن أضخم عملية تجسس غير دستورية على المواطنين الأمريكيين، وكذلك معجب بتوماس دريك للتبليغ عن المراقبة غير القانونية»، قائلاً في النهاية: «طالما أن القيادات الاستخباراتية مستمرة في الكذب والتضليل بشأن الأعمال غير القانونية التي تنتهجها، ستبقى الوكالة عدواً للديمقراطية وسوف أستمر في شق طريقي بالمعارضة».
يأتي الكتاب بعد مقدمة بعنوان: «الطريق إلى المعارضة» في عشر أقسام هي: 1) الانضمام إلى وكالة المخابرات المركزية. 2) متعة الاستخبارات. 3) مغادرة وكالة المخابرات المركزية. 4) هبوط في رقعة بريار. 5) الصراع مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ. 6) المعايير المزدوجة والمعاملة المزدوجة لوكالة المخابرات المركزية. 7) مديرو وكالة المخابرات المركزية والمعارضة. 8) غودمان ضد غيتس. 9) الصحافة والمبلغون. 10) الاستنتاجات: الحفاظ على طريق المعارضة.

نبذة عن الكاتب:

 

بدأت مهنة غودمان في المخابرات في الجيش الأمريكي؛ حيث كان يعمل كاتب شيفرات سرية. ثم عمل كمحلل في وكالة المخابرات المركزية، من 1966 إلى 1974. وفي عام 1974 انتقل إلى مكتب الاستخبارات والبحوث؛ حيث أمضى عامين كبيراً للمحللين. وعاد إلى وكالة الاستخبارات المركزية في عام 1976، ليعمل رئيس شعبة وكبير المحللين في مكتب الشؤون السوفييتية حتى مغادرته في عام 1986. كما عمل مستشاراً للاستخبارات في محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وحاضر في كلية الحرب الوطنية كأستاذ للأمن الدولي، من 1986 حتى 2004.
يعمل حالياً أستاذاً مساعداً في جامعة جونز هوبكنز، وزميلاً أول في مركز السياسة الدولية. ظهرت كتابات غودمان في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«هاربر»، وغيرها من المنشورات الصحفية. وهو مؤلف لستة كتب عن المخابرات الأمريكية والأمن الدولي.

 إعداد وترجمة: نضال إبراهيم

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

كان ذلك في أوج «اشتعال» الحرب «الباردة» كما كانوا يسمونها. «اندلعت» تلك المواجهة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وبلغت أكثر من ذروة لها مع سنوات عقد الخمسينات حيث كان كل من الخصمين الأميركي والروسي- السوفييتي يتربص بالآخر.

فيما كانت كل من الغريمتين: واشنطن وموسكو، تجهد من أجل أن تجتذب إلى معسكرها تلك المجموعة من الأقطار والشعوب التي حملت مع عقديْ الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، وصف شعوب «العالم الثالث»، وقد رفعت في تلك الأيام شعار «الحياد الإيجابي وعدم الانحياز».

هذه الحرب الباردة شهدت، أو عاشت، ثلاثة تواريخ مازالت مسجلة وحافلة بالدلالات في دفتر هذا الصراع السياسي- الأيديولوجي بين المعسكرين:

• التاريخ الأول في عام 1957 الذي شهد إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي رائد في استكشاف، أو غزو الفضاء الخارجي. وكانت تلك «ضربة معلّم»، كما نَصِفها، لصالح القطب الروسي – السوفييتي.

• التاريخ الثاني في عام 1972 وقد شهد توقيع أول اتفاق للحد من الأسلحة الاستراتيجية في إطار ما كان يُعرف أيامها بأنه اتفاق ودّي بين الطرفين.

• التاريخ الثالث جاء بعد سابقه بعشرين عاماً أو أقل قليلاً. وكان تاريخاً مشهوداً بكل المقاييس: الفترة 1990- 1992، هي التي شهدت تصدّع ومن ثم تهاوي بل وزوال، الكيان السوفيتي من أساسه وبأكمله.

هذه التواريخ والأحداث والتطورات هي الموضوع الذي يعرض له الكتاب الذي نصاحبه في هذه السطور. وقد كتبه دبلوماسي أميركي محترف وخبير بالشؤون السوفيتية التي ظل متخصصاً فيها إضافة إلى تخصصه في شؤون منطقة البلقان. وكما دام هذا التخصص نحواً من 27 سنة وهو ما يضفي على كتابنا قدراً لا ينكر من الأهمية والمصداقية.

المؤلف هو الدبلوماسي الأميركي المتقاعد لويس سلْ، والذي أصدر كتابه تحت العنوان التالي: العلاقات الأميركية – السوفييتية وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ولن يفوت القارئ للوهلة الأولى، أن يلاحظ ما احتوته صورة الغلاف التي يظهر فيها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ومعه الرئيس السوفييتي – الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف.

بل لا تزال الذاكرة المعاصرة تستعيد الجملة التي رددها أيامها ريغان مناشداً غورباتشوف. وكان الحديث بصدد سور برلين الذي كان يقسم العاصمة الألمانية إلى: شرق شيوعي تابع لموسكو وغرب هو ألمانيا الاتحادية الموالية للحلف الأورو- أميركي. يومها ارتفعت عقيرة ريغان قائلاً: مستر غورباتشوف.. حطّم هذا السور.

والحاصل أن تم تحطيم السور في صيف عام 1989. وكان ذلك إرهاصاً، بل إيذاناً بانهيار الكيان الذي ظل يحمل اسم الاتحاد السوفييتي على مدار 74 سنة من عمر القرن العشرين.

وكان من حظ مؤلف الكتاب أن يشهد من داخل موسكو وقائع هذا التحول، بل هذا الانهيار ومن ثم الزوال للكيان السوفييتي. بيد أن الكتاب تزداد قيمته من واقع ما دوّنه المؤلف من ملاحظات ظل يرصد من خلالها تطور الكيان الشيوعي المذكور، وقد دبت في أوصاله عوامل الوهن والارتباك وصولاً إلى النهاية، وهي عوامل ظلت تنخر في الجسد السوفيتي على مدار عشرين عاماً أو نحوها، يعني بدءا من حقبة ليونيد بريجنيف في عقد السبعينيات من القرن الـ20،.

وهي الحقبة التي عانى فيها الكيان السوفييتي ضروب الوهن السياسي والجمود الأيديولوﭽﻲ وتمسُّك قيادات الحزب والدولة في موسكو بمناصبهم، رغم التقدم في السن، فضلاً عن تحوّل الحزب من آلية للفكر الثوري والدفع الشبابي إلى حيث أصبح بدوره يعاني شيخوخة فكرية وعقائدية ومن ثم حركية في مرحلة كانت تشهد العالم الخارجي – أوروبا وأميركا فضلاً عن اليابان بل والصين – وهو يعبر من مرحلة الاتصالات الفضائية إلى مرحلة تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني، مروراً.

كما هو معروف- بالحركات الثورية للشباب، في فرنسا وغيرها مع أواخر ستينيات القرن الـ20، المطالبة بالتغيير في النظم والأفكار والمعتقدات السياسية. هنا يتوقف المؤلف عند عام 1993 والذي شهد إعلان القيادة الجديدة في موسكو أن الاتحاد- الروسي (الاسم الجديد بعد السوفيتي طبعاً) لا يرى أن هناك أي دولة معادية له. ويومها بدت روسيا الجديدة وكأنها على أعتاب مرحلة تحول إلى الديمقراطية.

بل يلاحظ المؤلف كيف أن الحرب الباردة قد لقيت نهاية مفاجئة وربما لم يحسب حسابها أحد. وكانت نهاية تنطوي على قدر لا ينكر من المهانة لروسيا ولدرجة أن عجز الغرب، في تصور المؤلف بقدر ما عجزت روسيا التسعينيات ذاتها عن التماس السبيل الذي يحفظ على الكيان الروسي المستجد كرامته أو كبرياءه، خاصة في ظل رئاسة يلتسين التي افتقدت.

كما ألمحنا إلى قدرة الحفاظ على ما تبقّى من كرامة موسكو.. وكان أن فشلت معظم هذه الشخصيات في الارتفاع إلى مستوى طموحات الشعب الروسي على مدار العقد الأخير من القرن الماضي، فيما نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف استطاع أن يوثّق الآراء والملاحظات التي أبداها من خلال ما أمكنه الاطلاع عليه، بحكم موقعه الدبلوماسي في موسكو من ملفات أرشيف المحفوظات الروسية، لا سيما وأن تلك الفترة من التذبذب وعدم اليقين، التي أعقبت انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.

فضلاً عما اتسمت به الفترة المذكورة من حالات التخبط بل والفشل في إدارة روسيا الاتحادية، هي نفسها التي فرضت ضرورة اللجوء إلى قيادة أكثر حزماً وربما أكثر كفاءة وأعمق وعياً بأبعاد المشهد الدولي.. وهذه القيادة تجسدت مع مطلع القرن الجديد في شخصية اسمها: فلاديمير بوتين.

 

أسعار الفائدة واستقرار النظام المالي

اعتمد الصفر تدريجيا في العالم القديم ـــ شرقا وغربا ـــ باعتباره النقطة المرجعية النهائية التي تتغير الأمور عند تجاوزها ارتفاعا وانخفاضا. فقد كان الصفر يمثل قاعدة الأهرامات عند المصريين القدماء، كما أصبح نقطة تجمد المياه في العلوم، ومنسوب البحر في الجغرافيا، ونقطة بدء التقويم في التاريخ.
وفي عالم السياسة النقدية، جرت العادة على رؤية الصفر باعتباره الحد الأدنى لأسعار الفائدة. هذه الرؤية تغيرت في السنوات الأخيرة في سياق التعافي البطيء من أزمة 2008، حيث وصلت عدة مصارف مركزية إلى الصفر، ثم بدأت تخوض تجربة سياسات أسعار الفائدة السالبة. وكان الدافع بالنسبة لمعظمها هو مواجهة التضخم شديد الانخفاض، وإن كان الدافع لدى بعضها هو القلق تجاه العملات بالغة القوة.

الاستقرار المالي
وظهرت التساؤلات: هل ينبغي أن نقلق بشأن مدى فعالية أسعار الفائدة السالبة وآثارها الجانبية المحتملة؟ هل يمكن لهذه السياسات أن تدعم الطلب؟ هل يمكن أن تؤثر في الاستقرار المالي؟ هل يكون لتخفيض أسعار الفائدة إلى أقل من الصفر آثار مختلفة عما تحدثه أسعار الفائدة التي تتجاوز الصفر؟ وأمام هذه التساؤلات، قدمنا بعض الإجابات في دراسة صدرت أخيرا تستند إلى التجربة المبدئية في منطقة اليورو والدنمارك واليابان والسويد وسويسرا.
وفي دراستنا هذه، نؤكد ونبني على المناقشات المبدئية في تدوينات هوزيه فينيالز، المدير الأسبق لإدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في الصندوق، وعدد من زملائه. ومن بين النتائج التي استخلصناها أن أثر آليات السياسة النقدية في الاقتصاد يتشابه فوق مستوى الصفر وتحته، وأن أثرها الكلي في أرباح المصارف والإقراض بسيط حتى الآن، ولكن لهذه السياسة حدود.
لماذا نهتم الآن بآثار أسعار الفائدة السالبة في الوقت الذي نرى تحولا في النقاش نحو عودة أسعار الفائدة العادية؟ هناك سببان. الأول هو أننا اكتسبنا خبرة تراكمية ـــ عامين في معظم الحالات وأكثر في بعض آخر ـــ تكفي لقياس الآثار بدقة أكبر. ثانيا، مع ما تشير إليه التوقعات من أن أسعار الفائدة المنخفضة عموما ستكون هي المعتاد الجديد، يرجح أن ترتفع احتمالات الوصول إلى الصفر إذا دعت الحاجة إلى تيسير السياسة النقدية من جديد.
ما الداعي للقلق؟
ما نخشاه هو أن تتسبب أسعار الفائدة السالبة في تقليص أرباح المصارف. فالمصارف تحقق أرباحها بتقاضي فائدة من المقترضين تتجاوز ما تدفعه للمودعين. هذا الهامش يمكن أن يتقلص إذا لم تنخفض أسعار الإيداع بسرعة انخفاض أسعار الإقراض، أو إذا استقرت في النهاية عند الصفر. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تهديد الاستقرار المالي؛ لأن انخفاض الأرباح يجعل المصارف أقل صلابة في مواجهة الصدمات، كما يمكن أن يضعف أثر السياسة النقدية في الإقراض والنمو واستقرار الأسعار.
وستتردد المصارف في فرض أسعار سالبة على المودعين الذين يمكنهم سحب أموالهم والاحتفاظ بها في خزائنهم. صحيح أنه من المكلف تخزين الأموال ونقلها وتأمينها، ولكن تكلفة ذلك قد تكون أقل مما تتقاضاه المصارف لحفظ الأموال إذا خفضت أسعار الفائدة إلى أقل بكثير من الصفر. أين النقطة الفاصلة إذن؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين، لكن المودعين أصحاب الأرصدة النقدية الأكبر واحتياجات السيولة الأعلى ـــ مثل الشركات ــــ يمكنهم تحمل مزيد من الأسعار السالبة قبل أن يقرروا التحول إلى النقد، ومن ثم تستطيع المصارف تطبيق الأسعار السالبة على بعض مودعيها، وهو ما قد كان.
كذلك تستطيع المصارف حماية هوامش ربحها بتخفيض أسعار الإقراض بنسبة أقل من التخفيض في أسعار الفائدة الأساسية. وسيحدث هذا تلقائيا إذا كانت حوافظها تتألف في الأساس من قروض وأصول أخرى طويلة الأجل وبأسعار فائدة ثابتة. “وفي الوقت نفسه، سيؤدي تطبيق التخفيض بهذه الدرجة المحدودة إلى تخفيف الأثر المترتب على تخفيض أسعار الفائدة الأساسية”. وفي هذا السياق، ستكون المصارف الأكثر اعتمادا على الودائع الكبيرة والتمويل بالجملة أكثر ربحية من المصارف التي تعتمد في الأساس على ودائع التجزئة.
وإضافة إلى ذلك، فإن بعض التراجع في هذه الهوامش لا يعني بالضرورة هبوط الأرباح. فبإمكان المصارف أن تدعم الأرباح بأن تتقاضى رسوما وعمولات، وتخفض مصروفات مخصصات الخسائر كلما ارتفعت درجة أمان المقترضين، وتتحول إلى تمويل الجملة الأقل تكلفة، وتخفض التكاليف، وتسجل مكاسب رأسمالية من تخفيضات أسعار الفائدة الأساسية. وإضافة إلى ذلك، سيؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تحفيز النمو الاقتصادي، ومن ثم الطلب على الخدمات المصرفية، ما سيخفف الضغوط على هوامش الربح.

الأيام المبكرة
هناك ما يدعم هذه الرؤية الأكثر إيجابية إذا استعرضنا التجارب القطرية المبكرة في إجراء تخفيضات صغيرة نسبيا دون مستوى الصفر.
وعلى وجه الإجمال، يبدو أن السياسة آتت ثمارها. فقد هبطت أسعار الفائدة في سوق المال، وتراجعت عائدات السندات في كل البلدان التي أخضعناها للبحث. كذلك تراجعت أسعار العملات إلى حد ما، على الأقل مؤقتا. وظلت أسعار الفائدة على الودائع موجبة في الغالب، باستثناء ودائع الشركات الكبيرة. وانخفضت أسعار الإقراض إلى حد ما، وإن كان بدرجة أقل من أسعار الفائدة الأساسية. واستفادت المصارف من انخفاض تكاليف التمويل بالجملة، وزيادة بعض الرسوم. وظلت أرباح المصارف صامدة بوجه عام، كما ظل الإقراض متماسكا.
لكن بعض المصارف عانت. فكما كان متوقعا، أثرت أسعار الفائدة السالبة في أرباح المصارف التي يشكل فيها التمويل بالودائع نسبة عالية من التمويل، وصغار العملاء الذين يتعاملون بالتجزئة، والقروض قصيرة الأجل، والقروض المرتبطة بمؤشر سعر الفائدة الأساس “كما هو الحال لدى بعض الأعضاء في جنوب منطقة اليورو”. وتتضرر من ذلك أيضا المصارف التي تواجه منافسة أقوى من جهات الإقراض وأسواق رأس المال التي تقدم التمويل بتكلفة أقل.

إجابة غير كاملة
الأمور لا بأس بها حتى الآن. فيبدو أن سياسات أسعار الفائدة السالبة أسهمت في إحداث بعض التحسن في الأوضاع النقدية المحلية، دون آثار جانبية كبيرة في أرباح المصارف، أو نظم الدفع، أو كفاءة عمل الأسواق.
غير أن أسعار الفائدة الأساسية إذا ظلت سالبة فترة طويلة، أو كان هناك تفكير في إجراء خفض أكبر دون مستوى الصفر، فإن فعالية السياسة واستقرار النظام المالي يمكن أن يتعرضا للخطر. وإضافة إلى ذلك، فإن قدرة المودعين على التحول إلى النقد يمكن أن تحد من درجة التخفيض الذي يمكن إجراؤه في أسعار الفائدة. ولا يزال تعزيز التعافي يتطلب بالضرورة مزيدا من الدعم من السياسة النقدية، مع إصلاحات في سياسة المالية العامة إلى جانب الإصلاحات الهيكلية.