حياة على الحدود

 

اختفت أزمة الهجرة واللاجئين في أوروبا عن نشرات الأخبار مؤخراً، رغم أن تأثيرها على الأجندة السياسية استمر في جميع أنحاء القارة. وعلى الرغم من أن هناك مشاهد مأساوية، كما هو الحال مع الصورة المروعة للطفل السوري آلان كردي المسجّى على شاطئ بودرم التركي، إلا أنه في معظم الأحيان تضيع القصص الفردية للفارين من الحروب وسط الهستيريا الإعلامية الغربية التي تدعو إلى تخفيض أعداد المهاجرين وإغلاق أبواب القلعة – أوروبا. تحاول الصحفية هسياو-هونج باي في عملها هذا نقل حقيقة القصص الإنسانية المؤثرة التي يحاول الكثير من الأوروبيين إبقاءها بعيداً عن الأعين والأذهان.
سافرت هسياو-هونج باي إلى مناطق ودول عديدة بهدف لقاء المهاجرين وطالبي اللجوء الذين كانوا يصلون للتو إلى شواطئ لامبيدوزا أو صقلية، وكيف كان يتم استيعابهم في مخيمات استقبال سيئة. وتتطرق في تفاصيل الكتاب إلى حياة طالبي اللجوء في إيطاليا وألمانيا، حيث واجه البعض منهم مضايقات من المجموعات اليمينية المتطرفة، وعاش آخرون ظروفاً مروعة في المخيمات على ساحل شمال غرب فرنسا.

يقع الكتاب الصادر حديثاً عن «نيو إنترناشيناليست» في 240 صفحة من القطع المتوسط باللغة الإنجليزية. ويحتوي على ستة أقسام هي: بوابة لأوروبا، تجارة استقبال اللجوء في صقلية، السير من تحت الأرض، التوجّه شمالاً؛ جيتوهات أوروبا، غابة باريس.

أزمة اللاجئين

تقول الكاتبة إن كلمات مثل «أزمة اللاجئين» أو «أزمة المهاجرين» من المصطلحات التي تستخدمها وسائل الإعلام الأوروبية السائدة لتخبرنا عن حالة الأشخاص الذين لا يملكون رؤوس الأموال، والفارين من الصراعات، والحروب. هذه المصطلحات المستخدمة تدخل في سياق لعبة الأرقام، وزرع فكرة لدى الرأي العام أن «أوروبا لا يمكن أن تحتمل أكثر من ذلك». في نهاية المطاف، يتم من خلال هذه المصطلحات الحفاظ على مفهوم «نحن» و«هم» وترسيخها.
وتضيف: «عندما قرأت لأول مرة هذه المصطلحات الإعلامية، واستمعت إلى اللغة المستخدمة في التعامل مع وصول اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، كانت الأسئلة التي أردت طرحها هي: من يعرّفها على أنها «أزمة»؟ لماذا هي «أزمة»؟ ما هي طبيعة «الأزمة»؟».
وترى أنه في العالم غير المتكافئ الذي نعيش فيه، حيث شمال الكرة الأرضية يحدد ويكتب التاريخ نيابة عن الجنوب، يتم نشر معرفتنا للعالم والتحكم فيها من خلال المؤسسات القوية للنخب الحاكمة في الشمال، وفهمنا للأحداث العالمية وغالباً ما يتم تشكيلها وتوجيهها من قبل هذه المؤسسات.
على عكس الرأي السائد الذي ينظر إلى وصول اللاجئين والمهاجرين من ناحية الأمن وإدارة الهجرة، يطرح هذا الكتاب نهجاً بديلاً يضع القراء في قلب الصورة الحقيقية. وتقول الكاتبة: «بصفتي شخصاً لم يولد في بريطانيا، وعاش فقط هنا منذ أن كان عمره 21 عاماً، فهمت دائماً ماذا يعني أن تكون «غريباً»، ومدى صعوبة إسماع صوتك إلى الرأي العام. خاصة أن المؤسسات الإيديولوجية النافذة، مثل وسائل الإعلام، تحرص على عدم إسماع قصة «الغريب» إلا نادراً، وعندما يحدث ذلك، غالباً ما تُعرض القصة كإحصائيات وبيانات مجرّدة من الحالة الإنسانية. وبطريقة ما، من خلال عمل وسائل الإعلام، الواقع المأساوي لعشرات الآلاف من الأرواح التي فقدت في البحر لم يحرك ساكناً».

الموت على أبواب أوروبا

يتم تصوير اللاجئين والمهاجرين، في أحسن الأحوال، كضحايا بحسب ما تقول الكاتبة. وتوضح أنه في الذهنية الجمعية العامة، ليس لديهم وجوه أو أسماء. وسعت في عملها إلى تغيير هذه الصورة من خلال تناول القصة من جانب آخر، من عيون اللاجئين والمهاجرين، وتعمقت في حقيقة الأشخاص الذين فروا من الاضطهاد والنزاع والفقر المدقع، حيث خاطروا بحياتهم لعبور البحر، ثم وجدوا أنفسهم عالقين في نظام غير مصمم لتوفير الحماية لهم، ولكنه غالباً ما يسعى إلى الاستفادة منهم والحفاظ على تهميشهم. تتناول الكاتبة قصة الذين تشكلت حياتهم ومصائرهم على حدود أوروبا، حيث اتبعت رحلتهم أثناء انتقالهم من ملجأ إلى آخر، من الجنوب إلى الشمال، ومن بلد إلى بلد، ووثقت ظروفهم وتطلعاتهم.
بذلت الكاتبة جهداً بحثياً كبيراً في الأرقام والإحصائيات أيضاً، ومما تذكره في الكتاب: «فقد أكثر من خمسة آلاف مهاجر حياتهم عبر البحر المتوسط ​​وبحر إيجة في عام 2016، حيث غرقوا أو خنقوا أو سحقوا أثناء العبور. لقد مات أكثر من 25 ألف مهاجر أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا أو البقاء فيها منذ عام 2000. وفي منتصف عام 2017، شهدنا الآلاف يفقدون حياتهم في البحر أثناء رحلتهم إلى أوروبا».
وتضيف: «بالنسبة لأولئك الذين قاموا بالرحلة عبر البحر وتمكنوا من الوصول إلى أوروبا، بدأت مرحلتهم التالية من البؤس. ترى ذلك البؤس في أنظمة استقبال اللجوء عبر دول الاتحاد الأوروبي في الخطوط الأمامية، والناجمة عن تعهيد المرافق وخصخصتها. ترى ذلك في «نظام النقاط الساخنة» الذي تفرضه المفوضية الأوروبية، والذي يعمل فقط كإجراء يرفض الأكثرية ويحمي أقل عدد منهم.. ترى البؤس عند المهاجرين الذين يواجهون البرد القارس والثلوج دون ملاجئ في جزيرة ليسبوس لأنهم كانوا محاصرين وسط حالة من الغموض، كنتيجة مباشرة للاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ترى مهاجرين ليس لديهم مكان يلجؤون إليه وينامون في الشوارع، وسط أوروبا الغربية «المتحضرة». ومع وجود مؤسسات قوية، كان من الصعب على الدوام تحدي المفهوم السائد للهجرة، وتصحيح رواياتهم عن اللاجئين والمهاجرين، وأصبح الأمر أعقد بشكل متزايد منذ الأزمة المالية. لقد نمت الأحزاب والجماعات اليمينية المتطرفة بشكل مطرد، مستفيدة من الأوقات الاقتصادية السيئة. في العقد الماضي، ساهمت سياسات التقشف التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في استياء متزايد، حيث كان هناك قدر كبير من سوء توجيهه ضد «الأجانب»، وبعبارة أخرى، ضدّ اللاجئين والمهاجرين».

قوانين صارمة

وبحكم وجودها في بريطانيا، تنتقد الكاتبة السياسة البريطانية في مسألة اللجوء قائلة: «فشلت بريطانيا دائما في الوفاء بالتزاماتها الدولية لاستقبال اللاجئين، وتهربت من مسؤولياتها حتى عندما أصبحت أعداد أكبر من اللاجئين تدخل أوروبا في عام 2015. وبعد تعهد ديفيد كاميرون الذي يرثى له، فقد قررت حكومته أخذ 20 ألف لاجئ سوري من مخيمات اللاجئين بحلول عام 2020، ورئيسة الوزراء تيريزا ماي ذهبت أبعد من ذلك، ليس فقط ضد عمليات الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، التي وصفتها بأنها عامل جذب، ولكن أيضاً «جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لطالبي اللجوء عند وصولهم إلى بريطانيا، وأبقت خدمات الاستقبال في مراكز اللجوء بيد شركات خاصة، وباتت تقدم لطالبي اللجوء دعماً مالياً غير كاف، وعرّضتهم لظروف معيشية مروعة».
وتضيف: «تستمر حكومة حزب المحافظين في رفض المشاركة في استقبال اللاجئين: تم تقديم ثلاثة بالمئة فقط من طلبات اللجوء في أوروبا في بريطانيا. في عام 2016، تلقت بريطانيا فقط حوالي 39 ألف طلب لجوء، مقارنة بحوالي 723 ألف طلب في ألمانيا، وحوالي 124 ألف طلب في إيطاليا، وحوالي 86 ألف طلب في فرنسا. أصبحت السياسات المناهضة للاجئين والمهاجرين التيار الأبرز في جميع أنحاء أوروبا الغربية».
كما تتوقف الكاتبة عند سياقات اللجوء في عدد من الدول من بينها هنغاريا، التي تقول الكاتبة عنها: «في هنغاريا، رئيس الوزراء فيكتور أوربان من فيدس – الاتحاد المدني المجري اليميني من أشد المعجبين بدونالد ترامب. وبالإضافة إلى إغلاق الحدود مع كرواتيا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وضع المزيد من الضوابط على الشرطة بين البلدين، واقترح احتجاز اللاجئين في معسكرات حدودية حيث يتم تقييد حرية تنقلهم بالكامل».
وتتحدث عن الدنمارك أيضاً قائلة: «في عام 2016، أصدرت الدنمارك قانوناً صارماً يسمح لسلطات الشرطة الدنماركية بالبحث والاستيلاء على الأشياء الثمينة لدى طالبي اللجوء (تقدر قيمتها بأكثر من 10000 كرونة، أو 1600 دولار)، وذلك لتغطية تكاليف السكن والطعام. والأسوأ من ذلك هو أن القانون الدنماركي يضمن أيضاً أن على اللاجئ الانتظار ثلاث سنوات قبل أن يتمكن من تقديم طلب لمّ شمل لعائلته للقدوم إلى الدنمارك».
لطالما كان لدى الدنمارك – بحسب الكاتبة – مستوى منخفض من طلبات اللجوء يتراوح بين ثلاثة وخمسة آلاف طلب سنوياً قبل عام 2014. وحتى عندما فرّ عشرات الآلاف من سوريا وحاولوا الدخول إلى أوروبا، لم تستقبل الدنمارك سوى 15 ألف طلب لجوء في عام 2014، ولم يُمنح سوى 6 آلاف شخص منهم تصريح الإقامة. في عام 2015، عندما كانت ألمانيا تستقبل حوالي 800 ألف طالب لجوء، كان لدى الدنمارك فقط 18.500 طلب، ولم يتم منح سوى 10 آلاف منهم حق الإقامة.

اختبار ضمير أوروبا

في بلد لم يتأثر مشهده الاقتصادي بوجود اللاجئين والمهاجرين، لا شك أن الخوف من «الغزو» هو نتيجة للتلاعب السياسي كما ترى المؤلفة. وتستشهد بما قاله المؤلف الدنماركي مارتن بيترسن الذي كتب بشكل مكثف عن الهجرة في أوروبا، والذي يشعر بالفزع والحزن لأن الأغلبية في البرلمان الدنماركي صوتت على هذه القوانين. بحث بيترسن في رحلة اللاجئين وظروفهم في لامبيدوزا في بداية الألفية، واستوحى كتاباته من الصحفي الإيطالي فابريزيو جاتي الذي قام بأعمال سرية من أجل الكشف عن مصير اللاجئين البائسين في أوروبا. شهد بيترسن نفسه الظروف المعيشية غير الإنسانية والمعاملة القاسية للاجئين والمهاجرين – مثل الضرب واستخدام اللغة العنصرية – في مراكز الاستقبال الإيطالية، والذي أعاد تسمية «حديقة الحاويات» في روايته «خروج سوجارتاون».
تؤيد الكاتبة ما ذهب إليه بيترسن في القول أن وصول اللاجئين هو اختبار لضمير أوروبا ونظامها الأخلاقي. ومما تذكره من كلام بيترسن: «قبل بضعة أعوام، كان عدد قليل جداً من الناس في الدنمارك يعرفون أو كانوا مهتمين بما يحدث في لامبيدوزا ومالطا واليونان وإيطاليا وإسبانيا. لكن منذ سبتمبر/أيلول 2015 عندما شوهد اللاجئون السوريون وتم تصويرهم وهم يسيرون شمالاً على طول الطرق السريعة في جنوب جزيرة جوتلاند السويدية، أعتقد أن أعين الكثير من الناس تفتحت. وكانت ردود الفعل كثيرة. من الرجل الذي بصق على اللاجئين من جسر فوق الطريق السريع، إلى الناس الذين توجهوا نحو الحدود الألمانية في سياراتهم وأوصلوا اللاجئين إلى كوبنهاجن، حتى يتمكنوا من الوصول إلى السويد بشكل أسرع. بعض الدنماركيين الذين ساعدوا السوريين حوكموا، وربما عوقبوا بتهمة الاتجار بالبشر، رغم أنهم في هذه الحالة كانوا ينقلون اللاجئين السوريين، بدون أي أجر، من الحدود الألمانية إلى العبّارات أو الجسر إلى السويد.
بيترسن يشعر بالخزي من السياسات الدنماركية بحق طالبي اللجوء. حتى أن حزب يمين الوسط الحاكم، فينستري، المدعوم من قبل حزب الشعب الدنماركي المناهض للمهاجرين كان يريد إغلاق الحدود، قال علناً إن هذه القوانين يتم إصدارها بشكل أساسي لإبقاء الناس بعيداً وإخافتهم من طلب اللجوء في الدنمارك. ولسوء الحظ، 20٪ من الدنماركيين يصوتون لحزب الشعب الدنماركي، ويحبّون هذا القانون. حتى البعض يريد قوانين أكثر صرامة».
تجد الكاتبة أن هناك قلة من الكتّاب والصحفيين يواجهون عقبات صعبة، خاصة عند الإبلاغ عن الهجرة وتقديم الحقائق بصدق. ويكون التحدي الأول دائماً الابتعاد عن حدود وسائل الإعلام السائدة والخطاب السياسي المهيمن، وذلك من خلال طرح بعض الأسئلة مثل: من يحدد «الأزمة»، لماذا هي «أزمة»، وما هي طبيعة «الأزمة»؟
يكشف هذا العمل البحثي عن العنف الهيكلي الذي وضعته النخبة في الشمال، ونظرتهم إلى اللاجئين والمهاجرين المحاصرين في نظام الهجرة المتبع في الاتحاد الأوروبي، وتصنيفهم على أنهم مجرد أرقام في الميزانيات العمومية لسلسلة استقبال اللجوء، حيث يتم التعامل مع احتياجاتهم وتطلعاتهم على أنها غير ذات صلة.
ونختم بما تقوله الكاتبة: «إن الأزمة الحقيقية التي نواجهها هي أزمة عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستجابة لأشخاص من الجنوب يفرون من ظروف بائسة بحثاً عن ملجأ وإقامة. الأزمة الحقيقية هي فشل الاتحاد الأوروبي الهائل في إحباط هؤلاء».

نبذة عن الكاتبة

هسياو-هونج باي من مواليد 1968 تايبيه،( الصين الوطنية). نشرت وتنشر في العديد من الصحف والمواقع العالمية باللغة الإنجليزية والصينية. ومؤلفة للعديد من الأعمال منها كتاب همسات الصينيين: قصة جيش العمال المخفي لبريطانيا(2008)، وصل للقائمة القصيرة في جائزة أورويل للكتاب لعام 2009، رمال متفرقة: قصة المهاجرين الريفين في الصين(2012)، وفائزة بجائزة بريد آند روزيس في 2013، والمخفي: تجارة العاملات لأجل الجنس في بريطانيا2013، شعب أبيض غاضب: وجهاً لوجه مع اليميني البريطاني المتطرف (2016). تعيش باي في المملكة المتحدة منذ عام 1991، وتحمل شهادات الماجستير من جامعة ويلز، وجامعة دورهام وجامعة وستمنستر. وهي حاصلة على درجة البكالوريوس من جامعة فو جين الكاثوليكية في نيو تايبيه.

ترجمة: نضال إبراهيم

صعود «الترامبوية»

 

كان الكاتب ديفيد فروم يجمع الأكاذيب، والتشويش، والتجاهل الصارخ للقيود التقليدية المفروضة على مكتب الرئاسة الأمريكية لفترة طويلة، وساعدته بشكل خاص فترة عمله في البيت الأبيض ككاتب خطابات لجورج بوش، حيث شهد الطرق التي كانت فيها الرئاسة مقيدة، ليس بموجب القانون، بل بالتقاليد، والأعراف، والاحتجاج العام، لكن كلها ضعفت الآن. يجد في عمله هذا أنه سواء دامت رئاسة ترامب عامين، أو أربعة، أو سبعة أعوام أخرى، فإن طبيعة الرئاسة تغيرت إلى الأسوأ، ومن المرجح أن تظل كذلك لعقود من الزمن.
في كتابه الجديد هذا المقسم إلى اثني عشر فصلاً، الذي يقع في 320 صفحة من القطع المتوسط الصادر عن دار «هاربر» للنشر باللغة الإنجليزية، يوضح فروم أن العمل الشاق للانتعاش في الرئاسة الأمريكية يبدأ من الداخل الأمريكي. ويشير إلى أن «ترامبوكراسي»، أو «الترامبوية» توضح كيف أن ترامب يمكن أن يدفع أمريكا نحو الليبرالية، وعواقب ذلك على الشعب الأمريكي، وشعوب العالم، والتدابير الممكن القيام بها لمنعها.

ولتوضيح عنوان الكتاب، ننطلق من كلمة «الديمقراطية» التي في مناهج التربية المدنية في المدارس تعود بأصلها إلى كلمتين إغريقيتين هما «الناس» و«الحكم». وسمّى هذا الكتاب «ترامبوكراسي» لأنه دراسة الحكم القائم في الولايات المتحدة، وليس دراسة شخصية ترامب. الموضوع هو سلطة الرئيس ترامب: كيف استطاع أن يكسبها؟ كيف استخدمها؟ ولماذا مع ذلك لم تتم مراجعتها بشكل مؤثر؟
يقول الكاتب حول ذلك: «أي رئيس أمريكي ليس زعيم قبيلة، يحكم بالكاريزما الشخصية لديه، أو بقوة مجردة. الرئيس (ربما يوماً ما الرئيسة) يمارس مهامه عبر الأنظمة؛ عبر حزب في الكونجرس والولايات؛ عبر منظمات إعلامية داعمة؛ عبر شبكات سياسية وطنية من المتبرعين والناخبين؛ عبر مئات الطواقم المتضمنة في مصطلح «البيت الأبيض»؛ وعبر آلاف الموظفين القدامى الذين معاً يديرون الفرع التنفيذي».
ويضيف: «كذب ترامب بالطبع بشكل سيئ، بشأن تاريخه الخاص في ما يتعلق بحرب العراق. وكرر فانتازيا بشأن معارضة الحرب بشدة، مضمونها أن الرئيس جورج دبليو بوش أرسل ممثلين له إلى ترامب يناشدونه ليبقى هادئاً. كل هذا كان غير صحيح تماماً. ومع ذلك، لا يهم إذا كان غير صادق حول تاريخه الشخصي، إلا أنه حطم كل التابوهات التي أسكتت الصدق والنزاهة في الآخرين».

كسر القيود

هذا الكتاب هو قصة الذين يمكّنون، ويدعمون، ويتعاونون مع دونالد ترامب. العديد من هؤلاء الناس وجدوا طرقاً للتعبير عن عدم راحتهم الشخصية، وانزعاجهم من ترامب. تلك التعابير يمكن أن تكون على نحو صحيح بدرجة أقل، أو أكثر. ربما تصبح في أحد الأيام مهمة، كما يقول الكاتب. ويضيف أنه «في الوقت الذي يتخلى فيه أنصار ترامب عنه، سيبقى في حالة من العزلة والعجز، وسيصبح سناً ميتاً في لثة الحكومة الأمريكية. ومع تلك الفرصة التي اكتشفها، والخطر الذي قدّمه لن ينتهي مع الحياة المهنية لدونالد ترامب. فنقاط الضعف التي استغلها ترامب سوف تبقى نقاط ضعف قائمة. وكذلك مزّقت القرارات السياسية والاتجاهات الاقتصادية بعمق الولايات المتحدة المعاصرة، إلى جانب ترسيم خطوط الطبقة، والعرق، والدين، والأصل الوطني، والهوية الثقافية. حتى إن الروابط بين الرجال والنساء أصبحت ضعيفة. تلك ليست ادعاءات بلاغية، بل حقائق قابلة للقياس. التنوع يستدعي عدم الثقة، وعدم الثقة المتبادلة بين الأمريكيين كانت المصدر السياسي الأكثر أهمية لدونالد ترامب».
ويضيف الكاتب: «من روسيا إلى جنوب إفريقيا، ومن تركيا إلى الفلبين، ومن فنزويلا إلى المجر، حطم القادة السلطويون القيود المفروضة على قوتهم. وتآكلت حرية وسائل الإعلام والقضاء في ظلهم. صحيح أنه لا يزال الحق في التصويت قائماً، لكن الحق في أن يُحسب صوت واحد بنزاهة لم يعد موجوداً. حتى إنه في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2016، أصبح انحدار الديمقراطية العالمي مصدر قلق لشعوب أخرى في أنحاء العالم. هذا التفاؤل الذي يبعث على الرضا عن النفس قوبل بالصعود السياسي لدونالد ترامب».
ويشير الكتاب إلى مكمن الخطورة قائلاً: «الأزمة على الأمريكيين، هنا والآن. بهدوء، وثبات، يدمّر ترامب وإدارته المبادئ والممارسات المقبولة للديمقراطية الأمريكية، وربما بشكل لا رجعة فيه. وبينما هو وعائلته يجمعون الثروة، تقع الرئاسة نفسها في أيدي الجنرالات والممولين الذين يحيطون به».

فشل النظام

يلجأ الكاتب في عمله إلى تسليط الضوء على الناخبين الأمريكيين أكثر من المرشحين؛ على الاتجاهات طويلة المدى، وليس الحوادث الدراماتيكية؛ على اللعبة كما يتم تنفيذها. ويقول: «حتى قبل أن يدفع دونالد ترامب نفسه كمرشح رئاسي كانت السياسة الأمريكية تتجه نحو التطرف واللا استقرار. هيمن ترامب على فرصة سوداء، لكن تلك الفرصة فتحها ووسعها الآخرون له. انتخاب ترامب كان فشل النظام، لكن النظام لم يفشل خارج السماء الزرقاء الصافية.
المؤسسات لا تهتم لنفسها. بل تهتم بالطريقة التي تعمل بها، أو تفشل في خدمة شعب هذه البلاد. «الترامبوية» تركت الأمريكيين في وضع أقل أمناً أمام المخاطر الخارجية».
كما يشير إلى أنه «حتى الآن، خطورة تحدّي ترامب للديمقراطية الأمريكية تبقى موضع جدل وشك. بعض الجمهوريين من ذوي الذهنية التقليدية سوف يشيرون إلى الإحباطات السياسية وصنع القرار الفوضوي لإدارة ترامب بأنه تطمين. كيف يمكنه أن يكون أوتوقراطياً عندما ينفذ أجندته في الكونجرس من دون إتقان؟ لا يمكنه فعل شيء لخمس عشرة دقيقة متواصلة، فضلاً عن إطاحته نظام حكومة دام أكثر من مئتي سنة. الفرضية المنتهية في هذه التطمينات هي أن القادة الوحيدين الذين يجب أن نخشاهم هم أولئك الاستراتيجيون، المنهجيون، والحاذقون، وأن التهديدات الوحيدة التي يجب على الديمقراطية أن تقلق بشأنها هي الهجمات السرية والمفتوحة على شرعيتها. مؤسسو الجمهورية الأمريكية عرفوا ذلك على نحو أفضل. أحد المفكرين السياسيين الذي ترك تأثيراً كبيراً فيهم هو الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الذي حذر من «أن أي مجتمع حر يجب أن تتم حراسته ليس فقط ضد «الجرائم» التي يقوم بها القادة المتنفذون، بل أيضاً ضد الإهمال، والأخطاء، ومسألة إهمال حب الوطن، النماذج الخطيرة، بذور الفساد التي لا تسير في مواجهة القوانين، بل تتملص منها، وهذا الأمر لا يدمر القوانين، بل يضعفها».
ويقول الكتاب أيضاً «بالتالي الآن، الشيء الذي يُخشى منه في رئاسة ترامب ليس الإطاحة الفجة بالدستور، بل الشلل الخفي للحوكمة، ليس المواجهة المفتوحة للقوانين، بل التدمير التراكمي للأعراف وقواعد السلوك، ليس نشر قوة الدولة لتخويف المعارضين، بل إثارة العنف الخاص لجعل المناصرين متطرفين. ترامب لا يعمل وفق استراتيجية، بل وفق الغريزة. مهارته الكبرى تكمن في الكشف عن نقاط ضعف خصومه، ووصفه كل واحد منهم بأنه: «قليل الطاقة»، «صغير»، «فاسد»، «كاذب».
بالطريقة نفسها، يستشعر ترامب فطرياً النقاط الضعيفة في النظام السياسي الأمريكي، وفي الثقافة السياسية الأمريكية. راهن ترامب على أن الأمريكيين شعروا بالامتعاض من اختلافاتهم أكثر من ابتهاجهم بديمقراطيتهم المشتركة. حتى الآن، الرهان نجح.
وعن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية يعلق: «كسب ترامب الرئاسة بفضل جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بالاشمئزاز من واقع لم يعد ينفعهم، ويقدم لهم شيئاً. كانت التركيبة الأكبر والأكثر إخلاصاً من أولئك الناخبين رجالاً شعروا بالتقليل من قيمتهم في الحياة الاقتصادية، وبعدم الاحترام على المستوى الثقافي. ترامب لم يبقِ على إيمانه بهؤلاء الناخبين، لكنهم أبقوا على إيمانهم به. وبسبب خشية الحزب من فقد الناخبين، يبقى متعلقاً بترامب. العديد من أعضاء حزبه يشجبون أفعاله، لكنهم يبقون الأمر بعيداً عن العامة، حيث يبقون داعمين له أمامهم».

انقسامات داخلية

يرى الكاتب أن الرئيس ترامب وضع الولايات المتحدة في حالة من الفوضى لتعزيز سلطته الشخصية. أقنع الملايين من الأمريكيين بتجاهل المعلومات التي يحتاجونها ك«أخبار كاذبة» من «إعلام فاسد». وسمح للدول الأجنبية والسياسيين المحليين بالعبث بنزاهة الانتخابات الأمريكية لمصلحته. ويطالب بأن يتجاهل الضباط الكبار القانون لأجل الولاء الشخصي له. وركز السلطة في أيادي رجال عسكريين أفضل منه، لكنها ليست في أياد صحيحة لحكومة مدنية. عزل الحلفاء، وأرضى الأعداء، ودفع الأمور نحو الأسوأ بسبب أشياء صغيرة. أثار بقسوة الانقسامات العرقية والطبقية التي مكّنته في المقام الأول. أغنى نفسه في الحكومة بطريقة تثبط همّة كل ضابط نزيه، وتدعو المخادعين لمحاكاته.
يجد الكاتب أن الصحف الأمريكية تشير إلى أن الديمقراطية تموت في الظلام، لكنه يجد أنه سيكون «من الدقة بمكان إذا قلنا إنها تموت عبر درجات. ضاعت الديمقراطية الدستورية، وهي في الحقيقة ضاعت بسبب الممثلين السياسيين الذين انتهكوا قواعدها بالتناوب لتحقيق هدف ملح وفوري. كل واحد منهم ينتهك القاعدة، ثم يأتي التالي ليبرر له، في دورة من الانتقام تنتهي فقط في الإلغاء الرسمي وغير الرسمي للنظام الدستوري».
ويذكر أن الديمقراطية الدستورية تأسست في المقام الأول على الالتزام بقواعد اللعبة. الخاسرون في أي جولة من اللعبة يقبلون بخسارتهم، لأنهم يؤمنون بأن دورهم سيأتي مرة أخرى في القريب، والفائزون يقبلون بالحدود وفق مكاسبهم، لأنهم يتوقعون أنه في المرة القادمة ربما يحققون أرقاماً بين الخاسرين.
ويعلق على ذلك: «منذ سنة 1992، تطورت لعبة السياسة كثيراً إلى شكل من تمارين الذخيرة الحية. ربما توضح نهاية الحرب الباردة القسوة المكثفة للمنافسة، ومنذ 1990 كان اهتمام النخب الأمريكية قليلاً ما يتجه نحو قلاقل الأمن القومي. كما أن التباطؤ في النمو الاقتصادي منذ سنة 2000 وصدمة الأزمة المالية والركود الكبير قد أصابت السياسة أيضاً، عندما يبدو أن هناك القليل المتوفر، يتقاتل الناس بقسوة أكثر على ما بقي».
ويشير إلى أن الإحباطات والأخطاء في السياسة الحكومية منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001، عبر حرب العراق، وعبر التعافي الضعيف من الركود الكبير، تحركت كفة ميزان السلطة بسرعة أكبر من جانب إلى آخر، مغرية كل طرف بالاستحواذ على المزيد طالما أنه يستطيع، مدركاً أن الفرصة لن تدوم للأبد.
ويذكر في ختام عمله: «في الوقت الذي يكون الرئيس ترامب قاسياً، جاهلاً، كسولاً خائناً، أنانياً، حاقداً، جشعاً، يترتب علينا أن نكون متسامحين، لطفاء، كرماء، وطنيين، مثابرين، وعلى قدر المسؤولية، ونبلّغ عن الأخطاء. وفي الوقت الذي يكون فيه داعمو ترامب مستهزئين، وغير مبالين، وقاصري النظر، ومتبلدي الذهن، وحاقدين، في المقابل على معارضي ترامب أن يكونوا مثاليين، ومتبصرين، وحكماء، وتوفيقيين، وذوي حساسية أخلاقية عالية. قالت امرأة حكيمة: إنهم ينحدرون نحو الأسفل، ونحن نصعد نحو الأعلى».
ويضيف: «أولئك المواطنون الذين يتخيلون تحدي الاستبداد من داخل مجمعات محصّنة لم يفهموا أبداً كيف يتم تهديد الحرية بشكل فعلي في وضع بيروقراطي حديث؛ ليس بالإملاء أو العنف، لكن من خلال العملية البطيئة المثبّطة من الفساد والتضليل. والطريقة التي يجب الدفاع عنها ليست بسلاح الهواة، بل بإصرار لا يهدأ على الصدق، والنزاهة، ومهنية المؤسسات الأمريكية وأولئك الذين يقودونها.
نحن نعيش أكثر التحديات خطورة للحكومة الحرة للولايات المتحدة الأمريكية التي صادفها أي شخص على قيد الحياة. ما يحدث تالياً يعود إليك. لا تكن خائفاً. هذه اللحظة من الخطر يمكن أن تكون أفضل ساعة لك كمواطن، وكأمريكي».

نبذة عن الكاتب

– ديفيد ج. فروم من مواليد 30 يونيو/ خزيران 1960. معلق سياسي أمريكي كندي. كان كاتب خطابات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وفي وقت لاحق أصبح مؤلف أول كتاب بعنوان «من الداخل» حول رئاسة بوش. وهو محرر رئيسي في «ذا أتلانتيك» ومساهم في «إم إس إن بي سي»، ونائب رئيس وزميل مشارك في معهد آر ستريت. وهو ابن الصحفية الكندية الراحلة باربرا فروم. حاصل من جامعة ييل على درجة البكالوريوس في الآداب والماجستير في التاريخ عام 1982.
وحصل على دكتوراه في القانون من جامعة هارفارد في عام 1987. له العديد من المؤلفات منها: «عودة إلى الوراء: السياسة المحافظة التي يمكن أن تفوز مرة أخرى» (2007)؛ «نهاية الشر: كيف تكسب الحرب على الإرهاب؟» (2004)؛ «الرجل المناسب: الرئاسة المفاجئة لجورج دبليو بوش» (2003)؛ «كيف وصلنا إلى هنا؟ السبعينات: العقد الذي جلب لك الحياة الحديثة – نحو الأفضل أو الأسوأ» (2000)؛ «ما هو اليمين: الأغلبية المحافظة الجديدة وإعادة تشكيل أمريكا» (1997)؛ «سر رأس المال: لماذا تنتصر الرأسمالية في الغرب وتفشل في مكان آخر» (2003).

ترجمة: نضال إبراهيم

 

 

إمبراطورة الشرق.. من سوق الرقيق إلى القصر

 

في الثامن من مارس من كل عام، يحل الموعد الذي اختارته المنظومة الدولية لإعلان الاحتفال بما يوصف بأنه «يوم» المرأة أو هو «عيد» المرأة في أقوال أخرى.

والحاصل أن اليوم أو العيد المذكور يتيح السبيل أمام استعراض وتأمل سيرة النساء البارزات الشهيرات على مر التاريخ.

هنالك تستعيد المجامع الدولية سرديات الشهيرات، حيث تركت كل منهن بصمة واضحة وأثراً ملموساً في دفتر الكسب الإنساني، ومازالت سيرتها تشكل معْلماً بارزاً في الدفتر الزمني المذكور.

في هذا الإطار ترتسم في الذاكرة الإنسانية أسماء وألقاب ترتبط في سياقها «نون» النسوة مع «شين» الشهرة، وتتعانق على أديمها مفردات الحظوظ مع تصاريف الأقدار بالسلب أحياناً وبالإيجاب في أحيان أخرى.

هكذا مضت مسارات الحياة لسيدات شهيرات مازالت أسماؤهن لامعة وسِيَرهن متداولة على اختلاف الحقب الزمنية ومع تباين الثقافات والظروف والسياقات والحضارات.

ثم ها هي الدكتورة «ليزلي بييرس»، أستاذة التاريخ المرموقة في كبرى الجامعات الأميركية تعرض إلى قائمة النساء اللائي أتيح لهن القبض على، أو الاقتراب من مقاليد السلطة، بل والإمساك بصولجان الحكم عبر مراحل مختلفة من التاريخ: هي القائمة التي ضمت مثلاً من القاهرة «شجرة الدر» في الحقبة الأيوبية، وشملت قبلها من الإسكندرية «كليوباترا» في الحقبة البطلمية من حكم مصر.

ثم عمدت البروفيسور «ليزلي بييرس» إلى اختيار الدرس والتحليل لحقبة محورية أخرى في سياق تاريخ بلدان الشرق وهي الحقبة العثمانية التي دامت عدة قرون، ربما بدأت مع إنشاء تلك الدولة التركية في القرن الثالث عشر إلى حين زوالها عند بداية العقد الثالث من القرن العشرين.

هذه التصورات تبلورت في قصة حياة امرأة روتها أستاذة علم التاريخ في واحد من أحدث إصداراتها، وهو الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور، حيث صدر تحت العنوان المثير التالي: «إمبراطورة الشرق» ثم يزداد العنوان إثارة بعد أن تضيف مؤلفة الكتاب عنواناً شارحاً آخر هو: «كيف أتيح لجارية أوروبية أن تصبح ملكة الإمبراطورية العثمانية».

وعبر المحتويات التي تجاوزت 350 من صفحات كتابنا، جهدت المؤلفة في سرد ومتابعة وتحليل سيرة «روكسلانا»: هي بطلة الحكاية المثيرة تاريخياً وسياسياً التي شاءت لها أقدارها أن تولد في أصقاع منطقة تعرف باسم «روثنيا»، وهي منطقة تتوسط حالياً كلاً من بيلاروس (روسيا البيضاء) وأوكرانيا في شرقي القارة الأوروبية.

وكان ذلك على مدار الفترة التي امتدت من مطالع القرن السادس عشر وحتى انتصاف القرن المذكور.

لا تتردد مؤلفة كتابنا في تأكيد أن الاسم الأصلي لبطلة كتابها أصبح مفقوداً. وهكذا خلع عليها الأوروبيون اسم «روكسلانا» الذي دخلت به التاريخ كما قد نقول بدلاً من اللقب الذي شاع إبّان الفترة المذكورة أعلاه، وهو: «فتاة روثنيا».

هي الفتاة، (بالأدق الطفلة الشرق – أوروبية) التي اختطفها تجار الرقيق التتار، ولمّا يتجاوز عمرها الثالثة عشرة، وحملوها إلى سوق النخاسة في اسطنبول، ولكن رسمت لها الأقدار أن يضموها إلى حريم السلطان في عاصمة الإمبراطورية العثمانية التي كانت وقتئذ في أوج مجدها، حيث كان على رأسها السلطان سليمان القانوني.

وتوضح مؤلفتنا كيف أن الصبية الأوروبية لم تكتف بمجرد كونها جارية في صفوف الحريم: لقد قررت أن تطور نفسها. عكفت على تعلّم وإجادة اللغة التركية..

وبدأت مهاراتها ومواهبها تتجلى، فكان أن خلعوا عليها ألقاباً وأوصافاً تدل على نجابتها وخفة روحها. وكان أن اجتذبت اهتمام السلطان سليمان الذي جعلها المحظية رقم واحد في بلاطه، فكان أن أنجبت له أول أبنائه الذي حمل اسم «محمد» وأول بناته التي حملت اسم «مِحْرمة».

وتتوقف فصول الكتاب عند عام 1532 بالذات، وهي السنة التي شهدت إنجاب المرأة القادمة من شرق أوروبا طفلها السادس من أبناء السلطان، الذي لم يلبث أن أعلن زواجه الرسمي من «روكسلانا» التي تصفها المؤلفة أيضاً بأنها كان لها أكبر تأثير وأهم نفوذ لدى أعظم سلاطين الدولة العثمانية عبر تاريخها الطويل.

والحق أن الدكتورة «ليزلي بييرس» بذلت جهوداً حثيثة ومتعمقة في سياق بحثها الأكاديمي في بحث جوانب حياة الزوجة السلطانية المذكورة أعلاه، فكان أن عكفت على تدارس رسائل «روكسلانا» وتعليماتها إلى المبعوثين الأتراك في داخل الإمبراطورية وخارجها بل وخطاباتها الشخصية أيضاً.

في عام 1558 رحلت «روكسلانا» عن دنيا الأحياء بعد أن استطاعت خلال سنوات عمرها، التي تابعتها فصول كتابنا بالسرد والتحقيق والتحليل، أن تضفي تغييرات حاسمة في تصور مؤلفة الكتاب على وضعية المرأة في البلاط العثماني الإمبراطوري المطل على ضفاف البوسفور:

من مجرد دمية أو محظية أو تابعة ضمن صفوف الحريم، إلى حيث تمتعت حرم السلطان «سليمان القانوني» بمركز تأثير فاعل ومحوري ضمن مؤسسة الحكم في اسطنبول، وخاصة بعد أن أصبحت، وفي خطوة غير مسبوقة -كما قد نقول- الملكة الأولى، بل والوحيدة، في تاريخ البلاط العثماني.. بل تضفي المؤلفة على السيدة المذكورة فضل بدء إمبراطورية «بني عثمان» في استهلال المسيرة نحو التمدين والتحديث.

فكان أن ظلوا يصنّفون مسلكيتها وقدراتها وسيرتها في نفس الإطار التاريخي الذي يضم شهيرات النساء المعاصرات في ذلك التاريخ: بدءاً بكاترين دي مديتشي في فرنسا، وليس انتهاء بإليزابيث ملكة إنجلترا التي عاصرها «ويليام شكسبير» ولايزال المؤرخون ينسبون إلى اسمها حقبة الازدهار في تاريخ الإبداع الفني والأدبي في أرض الإنجليز.

الكتاب: إمبراطورة الشرق

المؤلفة: ليزلي بييرس

الناشر: مؤسسة بيزك بوكس

الصفحات:

329 صفحة

 

واشنطن والتعامل الوقائي مع مشاكل العالم

 

في عام 1914 اندلعت نيران الصراع الدولي الذي حمل اسم الحرب العالمية الأولى. اكتوى بلهيب هذه الحرب كل ممالك وإمبراطوريات العالم الحديث في ذلك الزمان: ما بين إمبراطورية «رومانوف» في روسيا إلى إمبراطورية «بني عثمان» في تركيا، إلى إمبراطورية «الهابسبورغ» في النمسا إلى إمبراطورية «غليوم» في ألمانيا.

دولة كبرى كانت بازغة في ذلك الزمان ارتأت أن تنأى بنفسها عن أتون الصراع الدولي، خاصة وقد عاينت مصير الانهيار، ثم الزوال الذي حاق بتلك الممالك والإمبراطوريات التي أتينا على ذكرها في مستهل هذه السطور.

نتحدث عن الولايات المتحدة، التي لم يكن عمرها قد أوفى مئة وخمسين عاماً، وكان على رأسها وقت نشوب الحرب العالمية الأولى «توماس ويلسون» (1856 ـ 1924) رئيسها الـ28. عاين الرجل ما خلفته الحرب من كوارث وما تسببت فيه من ويلات، فكان أن أعلن شعاره الشهير قائلاً في عام 1917: «فلنجعل العالم ساحة مأمونة من أجل الديمقراطية».

وكان منطقياً أن يترجم الرئيس الأميركي هذه المقولة إلى دعوة لتأسيس منظمة كبرى تسهر على استتباب السلام في العالم. وهي المنظمة التي حملت عنوانها الشهير في التاريخ الحديث: «عصبة الأمم» (1920 ـ 1938).

ورغم أن «ويلسون» حصل على جائزة «نوبل» العالمية للسلام في عام 1917، إلا أن عصبة الأمم ذاتها فشلت في وقف تيارات العنف وإخماد لهيب الصراع الدولي، وقد أدت التطورات إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

ولقد خرجت أميركا من الحرب على رأس المنتصرين، بمعنى أن آلت إليها مقاليد القيادة الدولية في عالم ما بعد الحرب العالمية، ولدرجة أن انتهت إليها مواريث القوى الإمبريالية الكلاسيكية متمثلة في تركة الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي.

بيد أن قيادة عالم النصف الثاني من القرن العشرين ألقت بدورها عوائق جسيمة على عاتق أميركا، التي شاءت أقدارها أن تخوض غمار صراعات دموية جديدة: في شبه الجزيرة الكورية في الخمسينيات ثم في أدغال جنوب الشرق الآسيوي في الستينيات.

ورغم ما حققته أميركا مع العقد التسعيني الأخير من فوز في صراع الحرب الباردة على غريمها الشيوعي السوفيتي، فالإجماع لايزال منعقداً على ضرورة أن تواصل واشنطن الاضطلاع بمهمة التعاطي المستمر مع مشكلات عالم القرن الواحد والعشرين من أجل الحفاظ على دورها القيادي أو الطليعي في عالم القرن الجديد، وباعتبار أن هذا الدور ليس مجرد وجاهة لدولة عفيّة وإنما هو دور لدولة تبحث عن مكان وتنشد مكانة في منظومة أمم العالم.

هذا الدور يلخصه عنوان الكتاب الجديد الصادر تحت عنوان رئيسي يبدو فلسفياً وهو: «التعامل الوقائي». وقبل أن يتوه القارئ في جنبات هذا العنوان، يبادر المؤلف بإضافة عنوان تفسيري يقول بما يلي: «كيف يتسنى لأميركا أن تتجنب الحرب (ولكن) تبقى قوية وتحافظ على السلام».

أما مؤلف الكتاب فهو واحد من الأكاديميين الخبراء المتخصصين في علم الوقاية من النزاعات، فضلاً عن كونه مسؤولاً عن مركز الإجراءات الوقائية الذي يشكل فرعاً تابعاً لمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن.

بين الاندفاع والاتزان

إن مثل هذه النوعية من الدراسات تشكل نموذجاً لنهج الرشد أو الاتزان في مقاربة المشكلات الخطيرة التي ما برح العالم يعانيها، وعلى رأسها مشكلة الجمع المتوازن بين دور محوري ومهم تضطلع به الدولة المعنية، وبين الحيلولة دون تورط هذه الدولة صاحبة هذا الدور في صراعات قد تدفع فيها الدولة أو الأطراف ثمناً فادحاً من اقتصادها ومواردها، فما بالك بالثمن الأكثر فداحة، متمثلاً في أرواح مواطنيها ودماء أبنائها؟!

هنا يدعو المؤلف إلى تدارس وتبنّي نظرة يراها موضوعية ومتوازنة، كما أنها واقعية، إلى المشهد العالمي الراهن، بعد انتصار أميركا في الحرب الباردة وتمتعها بمركز القطب العولمي الأوحد خلال عقد التسعينيات. كما يشير إلى أن وضعية أميركا لم تعد كما كانت عليه: في مرحلة سبقت المسرح العالمي الذي تغيرت مقولاته وتبدلت ديكوراته، ويكفي مثلاً النظر بعين الدرس والتأمل إلى معاودة روسيا – بوتين التطلع إلى مركز قيادي في العالم، فضلاً عن رقم جديد وخطير بكل معنى في معادلة القوة الفاعلة، وهو «الصين» بطبيعة الحال.

هنا ينصح مؤلفنا بأن تتبع السياسة العليا في واشنطن أسلوب التركيز على «علامات النذير». وهو ما يستدعي في تصوره بلورة النظرة الكفيلة بتدارس الأوضاع والعلاقات والمصالح الدولية التي تنطوي بحكم طبيعتها على احتمال نشوب الخلافات ثم اندلاع المنازعات بين الدولة الفاعلة على المسرح الدولي الراهن، وهو يسوق العلامات التحذيرية؛ ما بين قوة الصين الاقتصادية، وتطلعات روسيا إلى دور سوبر ـ قيادي في الشرق الأوسط، فضلاً عن تطوير الإمكانات النووية في أقطار من قبيل كوريا الشمالية أو إيران.

هنا أيضاً يشدد المؤلف على ضرورة أن تحرص واشنطن على أن تنأى بنفسها عما يصفها بأنه الصراعات أو النزاعات الداخلية أقطار العالم، ثم يعمد إلى طرح معادلة ثلاثية الأبعاد في مضمار السلوك السياسي:

• أولاً: تبنّي سياسات تؤدي إلى تخفيض خطر النزاعات التي تنشب وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار.

• ثانياً: بذل جهود من شأنها إعطاء الأولوية لاستباق وقوع الأزمات وتجنب حدوثها، وهو ما يفرض تشجيع اتباع سبل التفاوض والتوسط السياسي.

• ثالثاً: تنمية القدرة على تخفيف الصراعات التي تنشب، مع العمل على الحيلولة دون تصاعدها، ومن ذلك مثلاً اتباع سبل الضغط الدبلوماسي واللجوء إلى العقوبات المالية.

ومهما تباينت المواقف، ينبغي استنفاد جميع السبل والوسائل كي «لا تملك أميركا ترف السلبية إزاء التحديات الدولية، بقدر ما أنها لا تملك ترف الاندفاع المتهور نحو مواجهة تلك التحديات».

الدكتور الطاهر: الحياء مصدر أمان وإنتاج وإستقرار للمجتمعات

أكد دكتور علم النفس مهدي الطاهر على أهمية صفة الحياء في الإنسان، والتي تدفع إلى اجتناب المحرمات وما يخل بالآداب، داعيا إلى العمل على غرسها في الأبناء لسلامتهم النفسية، ولأمان المجتمعات.

وذكر في محاضرته بمركز رفاه، بالتعاون مع دار الفرقان لعلوم القرآن الثلاثاء الماضي، ان الحياء إنفعال يتركب من عناصر من الخجل والخوف، ويعتري الإنسان حين يخاف أن يراه الناس بما يمكن أن يُعاب أو يُذم، فيمتنع عن الأفعال القبيحة والمعيبة، ومن العفة في كف النفس عن المحرمات والشبهات وغلبة الشوق، والتقوى التي يمتنع فيها الإنسان عن فعل المعاصي، إلى اجتنابه عن بعض الأعمال المخلة بالآداب، لاستقباح العقل لها.

وعرّف الحياء بأنه حصر النفس وانفعالها عن ارتكاب المحرمات الشرعية، والعقلية، والعادية حذرا من الذنب واللوم، مشيرا إلى انه أعم من التقوى، ومن شرائف الصفات النفسية فهو يعمّ ما يقبحه العقل والعرف أيضا، ”الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَلا إِيمَانَ لِمَنْ لا حَيَاءَ لَهُ…“.

وفرّق الطاهر بين انفعال ”الحياء والخجل“، في أن الحياء يتركب من انفعال الخجل في معناه الإيجابي والذي يمنع من ارتكاب القبيح، وليس في معناه السلبي والذي يظهر على الفرد التردد والتلعثم وعدم المبادرة، مشيرا إلى أهمية الدعم بالثقة والتقدير والإحترام والمسؤولية لاختيار الفعل الصائب، والجرأة والإقدام على ممارسة السلوك الإيجابي، لافتا إلى انه ”قد يستحي من عدم فعل السلوك الإيجابي بشكل مستمر“.

وبيّن أن تلك الصفة النفسية تحتاج الى وقت وتمرين لبنائها، وليست كالأمور الجسدية التي بالإمكان الحصول عليها بعقار ما.

وحذّر من بعض ألعاب الأطفال مثل ”البلاي ستيشن“ التي تعلّم القتل، والتدمير، والإعتداء على ممتلكات الآخرين، وتؤثر في بناء صفة الحياء لديهم.

وبين مفهوم الرعاية والتربية، في أن الرعاية تكمن في تهيئة البيئة والإحتياجات المناسبة لعمر الطفل، وجنسه، وتتمثّل في عدم التلفّظ أمام الطفل بألفاظ نابية، أو عدم السماح له بالإختلاط مع أطفال منحرفين.

بينما تقوم التربية على تنمية الصفات الحميدة، وأوامر الدين، والقيم والتقاليد، والسمات الشخصية وبقية مطالب النمو بالصورة المطلوبة، مشيرا إلى أهمية اختيار أصدقاء يدعمون هذه الصفة.

ونوّه على ان التعليم يتضمن تدعيم وتعزيز السلوك المطلوب، وإضعاف السلوك غير المطلوب، من خلال ملاحظة واعية لممارسات الأبناء.

وشدّد الطاهر على أهمية تعويد الطفل على تلك الصفة منذ أيامه الأولى، بالممارسات المحتشمة أمامه، وتلقينه الإرشادات المناسبة لعمره، مع تعزيز سلوكه المناسب في هذا الصدد، أو سلوك المحيطين به من الأطفال، والتي تعمل بشكل مضاعف في غرس القيم.

وأشار إلى أن علماء النفس مثل ”إريكسون“ في مراحل التعلم النفسي الإجتماعي، خاصة في مرحلة الشك والخجل مقابل الثقة بين سن 1 – 3 سنوات، ومن قبله الدين الإسلامي، لفتوا إلى أهمية إحترام الطفل، وإشعاره بالثقة والتقدير؛ بتحديد الولاية بشكل واضح، والمسؤول التربوي الذي يدير عملية الرعاية والتربية والتعليم ويمارس السلوك، مما يساهم في خلق مشاعر إيجابية تنسجم مع السلوك الخارجي الممارس للقدوة، وبها يتقمص كثير من سلوكياته من التصرفات الممارسة أمامه.

ودعا الأهل إلى تخصيص وقت للطفل بالجلوس معه، واستخدام القصص، وصور التعزيز الحميم من المسح على الرأس، والضم، والتقبيل، والاحتضان، والانتباه عند ممارسته للسلوك الإيجابي وتدعيمه، وتعزيزه، والنظر له بمحبة، واستخدام الحوار والنقاش، مما يساعد في بناء شعور ذات إيجابي وتنمو الصفات الإيجابية.

وحذّر من انتقاد الطفل أمام الأخرين مما يؤثر سلبا على نمو صفة الحياء، وعدم استخدام الفاظ التصغير التي تقزّم البناء النفسي، وتؤثر في نموه النفس اجتماعي، وتقود الى الخجل، والقدرة على الإقدام، وممارسة مسؤولياته بشكل صائب.

ودعا الى تعويد الطفل على ستر نفسه، وعدم كشف عورته أمام الأخرين، وحتى أمام الأم اذا كان مُميزا، وبما يناسب تميزه الإدراكي، حتى لا يتعود كشف نفسه أمام الأهل أو الآخرين، خشية إضعاف تلك الصفة لديه.

وبيّن أن صفة الحياء من الدين، وان غرسها وتنميتها يساهم في استعادة الخصائص النفسية الإيجابية اللازمة للإستقرار النفسي، والتي ترفع من مستوى الإنجاز والإنتاجية المطلوبة لتقدم المجتمع.

 

أخطاء : أين الخلل

النزر

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليه وعلى اله الطيبين الطاهرين وعلى اصحابه المنتجبين وعلى كل من اتبع هديه الى يوم الدين

 

 

اصبح في يومنا هذا النزاع والمحاباة والتعلق بالطائفية شيء فاق القدرة على التحمل وهذا لايختص ببلد معين بل نجد هذه الامور في اكثر من بلد اسلامي وهذا مما يؤسف له كيف لمن يشهد بلا اله الا الله ومحمد رسول الله ويعلم عقوبة الظلم والقسوة ان يسمح لنفسه/ـها ان يتمادى في افعال مشينة لاتقرها جميع الديانات بل حتى لمن ليس له دين او اعتقاد بل تحكمه الاخلاق الانسانية , كيف لامور مشينة ان تطبق ويستسيغها البعض والبعض الاخر ربما يباركها بل يجعلها امر مستحبا من باب الموالاة والبراءة لابد ان يكون هناك خلل ما

 

الكراهية والحسد والظلم باانواعه وطرقه امر غير مقبول لكل صاحب عقل مستنير او لكل انسان حر لايحمل في قلبه الا المحبة والاحترام للبشر عامة بغض النظر عن الجنس او اللون او الديانة .

 

والسؤال هل فشل التربويون او المعلمون والمعلمات والمسئولين ورجالات الدين في كبح جماح هذه العادات السيئة

هل فشل الاباء والامهات في تربية ابنائهم وزرع الحب والمودة والاحترام للاخرين

هل للمناهج الدراسية في بلد ما دور في هذا التوجه او ذاك

هل فشل وجهاء مجتمع ما في ترسيخ العادات الجيدة وكسر العادات السيئة

اين علماء الدين واين الدراسات البحثية التي من المفترض ان تقوم باعداد دراسات لتصحيح مسار تلك الاخطاء

 

نحن نفتخر كمسلمين بما انجز في عهد قديم من اهل بيت النبوة او من صحابة كرام او من تابعين او علماء سابقين  ولكن ماذا انجزنا نحن في الخمسين سنة الماضية

لماذا اغلبية الغرب لايحمل ضغينة لشخص اخر يختلف معه في الاعتقاد او التوجه

لماذا هناك قوانين تجرم الانتهاكات او التمييز ولانجد لدينا نحن المسلمين في بعض الدول قوانين مفعلة لذلك

 

نحن حتى في البلد الواحد والمجتمع الواحد لدينا طبقية في هذا لايصح ان يتزوج من تلك او العكس , وكل يدعي بانه الافضل والاحسن

 

حتى في وظائف الدولة تجد اناس لايردعهم شيء في سرقة اموال الدولة من خلال مناصبهم او استغلال مناصبهم وكأن المال مباح وليس ملكا للدولة والشعب

لانجد الحس في الحفاظ على امكان عملت من اجل المواطنين بل نجد فئة بطريقة ما تتلذ في التخريب المتعمد , اي منطق هذا

 

علما بان كنسبة وتناسب بين عقود مضت وماعليه اليوم عدد المتعلمين واصحاب الشهادات العالية اكبر بكثير مما كان عليه قبل خمسون او مائة عام

وحتى التمسك بالدين او المتدينين هم اكثر , اذا اين الخلل

 

لدينا محطات تلفاز لاهم لها الا بث الفتنة والتفرقة ومن جميع المذاهب سنية وشيعية وغيرهم الا نسأل اين الخلل وكيف لنا ان نوقف هؤلاء المفتنين عند حدهم والقول بكلمة حق كفى لقد اهلكتونا ببثكم الفتنة والتفرقة كفاكم زيادة في جراح الامة فلسنا محتاجين الى تدميركم فوق مانعاني في مجتمعاتنا وبلداننا

 

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يسب ويشتم ويلعن باسم الدين

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يريد التحكم باابناءه باسم الدين

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يعادي هذا او ذاك باسم الدين

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يسرق ويخرب ويدمر ويحتال ولايجد في ذلك اية ملامة او ضمير ينهاه

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يريد فقط الشهرة والوجاهة على حساب امور اكثر اهمية

من المؤسف بأن يوجد بيننا من همه تدمير كل شيء حتى لو كان بلده وممتلكات البلد

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يرتاح اذا وجد ابناء البلد الواحد يتناحرون

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يدعم ويوالي من لهم اطماع او توحهات في التدمير والألغاء والتفرقة

من المؤسف بأن يوجد بيننا من لايرحم صغيرا او كبيرا او مظلوما وكأن الامر لايعنيه

من المؤسف بأن يوجد بيننا اناس محسبون على الطبقة المثقفة وهم من الداخل اقرب الى اخلاق الارهابين من اخلاق المعتدلين

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يتكبر بسبب مااعطاه الله سبحانه من نعم على اناس حرموا نفس الفرص التي اعطيت له

من المؤسف بأن يوجد بيننا من يبحث عن اي فتنة والمساهمة في اشعالها لكي يرتاح ويحس بالرضا داخل نفسه

من المؤسف بأن يوجد بيننا اناس درسوا وتعلموا وبمستويات علمية مرموقة ولكن لم تتغير انفسهم المريضة

 

في الختام هذا لايعني ان مجتمعنا وبلادنا ليس فيه اناس تعجز بل تقف لهم احتراما لصفاتهم الحميدة واخلاقهم العالية ومساهماتهم الفعالة في المجتمع

نسأل الله سبحانه أن يحفظنا جميعا من كل سوء وأن تتغير الاحوال الى احسن واحسن انه قادر كريم.

 

وختاما نتمنى على الاخصائيين الاجتماعيين وعلماء النفس ان يعملوا البحوث والدراسات ونشرها لكي تساهم في الحد من الانحدار لمجتمعاتنا نحن نطمع ان نصبح افضل وهذا لن يحدث اذا التزم الوجهاء والعلماء والمعلمين والمعلمات وجميع التربويون والمسئولين بالصمت ولا مبالة

 

نحن بحاجة الى كل مخلص ومخلصة ان يتفاعلوا مع مشكلات المجتمع وان تركز المحاضارات على الحب والاخلاق

نحن بحاجة ان نقول ونقف بالمرصاد اتجاه المفتنين ومن له اجندات خارجية لضربنا من الداخل

نحن بحاجة ان نكشف ونضع اصابعنا على مكان الالم ومن ثم نعالجه

نحن بحاجة الى التطوير والابداع والتميز

نحن بحاجة الى كل مخلص ومخلصة بان نضع ايدينا بايديهم ونشجعهم على عمل المزيد والمزيد في تطور مجتمعاتنا

 

دمتم جميعا برعاية الله

 

حسين عبدالعزيز النزر بوعبدالعزيز

 

إبداع في الأحساء

 

تقاعد جاري بعد سنوات من الخدمة بلغت الـ40، عندما بادرته بالسؤال عن موقع منزله ذكر لي أنه سيعود إلى مدينته الأم “الهفوف”، وسيجلس في نفس الموقع الذي كان يجلس فيه في شبابه مع زملاء الدراسة. أكد أن “الدكة” التي يجلس عليها الجميع لا تزال هناك، والأشخاص يذهبون لكنهم يعودون. تذكرت ذلك وأنا أسأل زميلي الذي يعمل في “أرامكو” ويحمل ماجستير الهندسة الكيميائية عن نشاطاته في إجازة نهاية الأسبوع، فقال: على العادة سأذهب لبيت أمي.
هذه الحميمية والتعلق الشديد لأبناء الأحساء بأرضهم ومجتمعهم يؤكدان الروح الجميلة التي تربط القلوب وتجمع المتباعدين لدرجة أنك تجدهم يعيشون بانتظار اليوم الذي تجمعهم فيه أزقة الحواري القديمة، وذكريات الطفولة والشباب الماثلة والمتمكنة من قلوب الجميع.
تعد الأحساء من أجمل محافظات المملكة، وأهل الأحساء من أكثر السعوديين دماثة وحسن خلق وهذا ما يجعل العودة إلى الديار مطلبا ومحفزا دائما حتى لأولئك الذين استوطنوا أراضي أخرى، وبنوا البيوت قرب مواقع عملهم، لتجدهم يعودون كل إجازة إلى تلك الأرض السحرية.
الخبر الأجمل الذي يؤكد الروح الصافية والقلوب المتجانسة هو خبر إقامة حفل زواج جماعي جمع 280 شابا وفتاة، أسهم في تنظيم الحفل آلاف المتطوعين من الأهالي الذين يمثلون تلك الروح الرائعة والجمال البديع. تنظيم الحفل كان بمنزلة التأكيد لنجاح هذا العمل على مستوى المحافظة التي جاء المشاركون فيها من سبع بلدات.
قد تكون هذه الروح الجميلة مخرجا لقرون من التفاهم والمودة التي عاشتها هذه المحافظة الجميلة، هي بالتأكيد روح نحتاج إلى أن نتعاون على نشرها في كل محافظاتنا ومناطقنا، حيث تنتشر المودة والتعاون والأثرة التي تجمع القلوب وتحقق النجاحات وتربط الجميع بالمكان، وتجعله جاذبا للآخرين، فلا يضطر أحد للذهاب إلى مكان آخر ليجد الراحة النفسية والاهتمام المجتمعي، أو تبرير مواقفه وأسلوب حياته.
إلى أن يحين ظهور هذه الروح في المناطق الأخرى، أتمنى أن تعمل المجالس البلدية على تشجيع الأنشطة الجماعية والمواقع الاجتماعية التي تضم الجميع وتعطيهم الفرصة للراحة والحوار المفيد واللقاء الذي يعالج الهموم وينشر المحبة والانتماء.

تحولات المثقفين

الأستاذ . خضر البراهيم

إحدى السمات المميزة للمثقف هي التغير وعدم الثبات في افكاره وقناعاته وعقائده الموروثة والمكتسبة وميوله واتجاهاته ، ونظرته إلى الأمور كلها ، ولا يعني ذلك أنه اصبح في حالة سيولة لا ينتظمه ناظم، فالأمر ليس كذلك ، فهو شخص ملتزم وربما اكثر من غيره ، وإلتزامه خاص بالحقيقة وحدها ، و هو لا يطيق غيرها ولكن الحقيقة نسبية وهي تتغير لديه تبعا لتغير المعطيات ، بحكم اتصاله المستمر بمصادر المعرفة ، وتبعا لذلك يتسم بالإنفتاح والإحتفاء بالرأي الآخر والترحيب به ولهذا لا يعرف التعصب .
لا يحدث التحول عنده بين ليلة وضحاها ، فالفكر يحتاج ايضا إلى وقت طويل حتى يختمر ، وعندما تختمر الأفكار الجديدة تنساب من بين يديه الأفكار القديمة انسيابا سهلا وحتى انه لا يشعر بانسلاخه منها ، التحول لديه يحدث بهدؤ ومن غير ضجة ، إنه لا يفتعل التغير ولكنه يعبد الطريق له
فأين إذن من الذين يحجرون على الفكر وعلى المفكرين والمثقفين ، مصادرة الحريات إحدى الجرائم التي ترتكب ضد الإنسان والإنسانية ، وضد المشيئة الإلآهية ؛ قال تعالى ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ” ورغم اختلاف المفسرين في تأويل هذه الآية إلا انهم متفقون على معناها الأول المتبادر .
كثير من المفكرين خبروا في تنقلاتهم الفكرية مذاهب شتى واحيانا تكون من النقيض إلى النقيض .
المفكرون والفلاسفة والمثقفون مرآة للعقل الإنساني المضطرم والقلق والباحث دوما عن الحقيقة ، التي لا يحيط بها ويعلمها إلا الله تعالى ، ولكن الإنسان بما اودع فيه من نفحة من الخالق تواق إلى شجرة المعرفة التي بسببها اخرجه الله من الجنه على رأي بعض المفسرين ، ورحم الله ابا الطيب المتنبي حين قال
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فالتحرر الفكري هو الخروج الثاني للمثقف من جنة النعيم ! نسال الله لهم الرحمة .

 

كيف تستعد سوق العملات للحرب التجارية العالمية؟

 

تحرير – سالي إسماعيل:

مباشر: في أسواق الصرف الأجنبية، لا ينتظر المستثمرون لمعرفة عما إذا كانت جميع التهديدات الجمركية ستؤدي إلى حرب تجارية شاملة.

ويشير تقرير نشرته شبكة “بلومبرج” إلى أن بعض مديري الأموال بدأوا في تحويل أموالهم إلى الملاذات التقليدية مثل الين، في حين ابتعد آخرون عن العملات تماماً وحتى أولئك الذين لا يراهنون كثيراً سوف يلجأون إلى التحوط تحسباً لأي وضع.

وتتمثل المخاوف في أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض تعريفات على واردات الصلب والألومنيوم، ستؤدي إلى موجة من الردود الانتقامية التي تعوق التوسع الاقتصادي العالمي.

وجاءت استجابة الاتحاد الأوروبي للتعريفات المقترحة على المعادن عبر إعداد خطوات انتقامية على السلع الشهيرة، حيث تدرس حالياً أي من المنتجات الأمريكية سيتم فرض رسوم عليها.

 

على صعيد آخر، قادت استقالة “جاري كوهن” مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادي اتجاهات المستثمرين، حيث ارتفع الين في حين تراجعت قيمة البيزو والدولار الكندي.

و”كوهن” هو أحد كبار المدافعين عن سياسة التجارة الحرة، وهو ما يعني أن استقالته ترجع لرفضه الرسوم الجمركية التي تحولت بالفعل إلى قرار رسمي، لكن ترامب أكد لاحقاً بأنه سيعود إلى العمل مجدداً وأن أمر الاستقالة مؤقت.

تعزيز الين

ويرى “جين تانوزو” مدير محفظة في شركة “كولومبيا ثريدنيدل” أن العملات يمكن أن تكون صغيرة جداً لكنها ذات آثار قوية، حيث يمكن أن يؤدي استثمار قليل منها إلى تأثير كبير.

وجاء أول رد فعل للمتعاملين من خلال تعزيز حيازتهم للين الياباني، ثم الفرنك السويسري لكن بدرجة أقل، حيث وصلت العملة اليابانية في الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى منذ عام 2016 بالتزامن مع الإفصاح عن الرسوم الجمركية.

وعقب الكشف عن تعريفات ترامب، أبدى الدولار الأمريكي ضعفاً ملحوظاً في أدائه ليواصل خسائره المسجلة في العام الماضي، في حين صعدت سندات الخزانة مع اتجاه الأسواق نحو الأصول الأقل خطورة.

الانسحاب

وبحسب “تانوزو”، كان الرد على المناوشات التجارية التي تلوح في الأفق هو تخفيض مخاطر العملة بشكل تدريجي.

وأوضح أنه تصرف على أساس هذا القلق في العام الماضي مع توقعات بتحول مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية “النافتا” إلى حالة من الفزع، حيث خفض التعرض إلى البيزو المكسيكي والدولار الكندي في صندوق الدخل الاستراتيجي في كولومبيا.

وكان الصندوق يضم حوالي 4% من العملة مقسومة بين العملتين قبل القيام ببيع صفقاته في منتصف عام 2017 بالإضافة لخفض الدولار الكندي في أواخر العام الماضي.

وقال “تانوزو” إن هذه المرة ربما تكون الأولى على الإطلاق التي لا يضم الصندوق فيها عملتي الدولار الكندي أو البيزو المكسيكي، والسبب الأساسي في ذلك يرجع إلى المفاوضات في الجانب التجاري.

 

ومن الواضح أن ترامب استخدم الرسوم الجمركية كورقة مساومة في محادثات “النافتا”، بعدما أشار إلى إمكانية إلغاء تعريفات الصلب والألومنيوم على كندا والمكسيك، حال التوصل إلى اتفاق جديد وعادل بشأن اتفاق التجارة في أمريكال الشمالية، وهو ما تم بالفعل.

وخلال هذا الأسبوع، تراجع الدولار الكندي إلى أضعف مستوياته منذ يوليو الماضي.

وتدرس الإدارة الأمريكية كذلك فرض تعريفات جمركية على مجموعة كبيرة من الواردات الصينية، وفقاً لما ذكره أشخاص مطلعون على الأمر.

وبالنسبة لبعض المستثمرين، فإن التحرك الأمريكي مقابل الصين من شأنه أن يشير إلى خطر متزايد من إجراءات الانتقام المتبادل.

ولا يتجاهل مدير المال في “جي.إيه.إم” البريطانية “أدريان أوينز” الخطاب بشأن التجارة، فبالنسبة له أفضل طريقة هي التنقل بين العملات التي يمكن أن تحمل تقلب مؤقت، على حد قوله.

ويركز “أوينز” على عملتي النرويج والسويد، والسبب في ذلك أن العملة الأخيرة تبدو رخيصة في حين تشير البيانات إلى قوة الاقتصاد.

وقال “أوينز” الذي تدير شركته حوالي 170 مليار دولار، إنه يحب هذا النوع المميز، معترفاً بأن أحد المخاطر هو تدهور الموقف مع ترامب ليصل إلى الحرب التجارية.

وأوضح أنه من أجل الحماية من مخاطر انخفاض الكرونة التي يصاحبها تصاعد التوترات التجارية وتقويض النمو الاقتصادي العالمي بالإضافة إلى الطلب على النفط النرويجي، فإنه يتحوط من خلال المراكز التي تحقق أرباحاً من مكاسب الين.

الخاسرون

ويقول “مايك موران” رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في “ستاندرد تشارترد” إن تراجع الإنتاج العالمي وانخفاض رغبة المخاطرة من شأنه أيضاً أن يهدد عملات الدول الناشئة.

ويضيف أن هذا النوع من الحروب التجارية لم يوفر بيئة جيدة بالنسبة للأسواق الناشئة على الإطلاق، مشيراً إلى أن تلك الدول تعتبر أكثر حساسية للتجارة العالمية وبالتالي فإن أي ضرر فيها يؤثر سلباً عليهم.

وعلى النقيض، يراهن “ريتشارد بينسون” رئيس استثمارات المحافظ في “ميلنيم جلوبال” والتي تدير أصولاً قيمتها 14 مليار دولار، على العملة الصينية كونها ستستفيد من التوترات التجارية.

 

معضلة الدولار

السؤال هنا، ماذا يعني كل ذلك بالنسبة للدولار؟ الحرب التجارية العالمية يمكن أن تتسبب في مأزق، هكذا يفسر الوضع محللون في بنك “باركليز”.

كما يتوقع المحللون تباطؤ نمو اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 0.2% في أعقاب تعريفات الصلب والألومنيوم.

لكن هذا الاتجاه سيتضخم اعتماداً على الطريقة التي سوف يستجيب بها شركاء الولايات المتحدة التجاريين للخطة الموقعة مؤخراً.

وفي وقت متأخر من يوم الخميس، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار ينص على فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من جميع الدول مع استثناء كندا والمكسيك من تلك التعريفات.

 

ويُعد ذلك الوضع تطوراً مثيراً للقلق بالنسبة للولايات المتحدة، حيث سيؤدي النقص في التجارة والميزانية إلى جعل واشنطن أكثر اعتماداً على الطلب العالمي على سنداتها بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل.

فيما يصف “تانوزو” مدير محفظة بـ”كولومبيا ثريدنيدل” الوضع الراهن بأنه سيف ذو حدين، موضحاً أنه يجب أن يتم تعزيز الدولار في نهاية المطاف على المدى القصير مقابل العملات التي ستتأثر بقرار التعريفات.

لكن الدولار يمكن أن يظل على المدى الطويل تحت الضغط بشكل عام كونه مطالب بتمويل العجز الكبير والمتنامي في الحساب الجاري.

 

عن الطغيان.. دروس القرن العشرين في انحسار الديمقراطية

 

نتحدث عن جانبي السلطة والحكم والنفوذ والسيطرة عبر التاريخ وهما: الديمقراطية والطغيان، وفي الوقت الذي عرفت فيه البشرية عديد الأفكار، وصاغت مفاهيم ومصطلحات تنصرف إلى معان سامية من قبيل: الشورى، أو قبول الآخر، أو التسامح أو التفاهم أو التوافق، فقد ظل الجانب المقابل بمثابة صخرة كأداء تحُول دون انطلاق البشر إلى حيث يتفاهمون، ويتراحمون ويتسامحون ويتواصلون، وظل الطغيان أشبه بكابوس يقضّ مضاجع الشعوب عبر التاريخ.

وها هو الأكاديمي تيموثي سنايدر أستاذ علم التاريخ جامعة ييل التي تعد واحدة من كبرى الجامعات الأميركية، قد أصدر أخيراً دراسته المركزة عن ظاهرة أو آفة الطغيان، لا عبر مراحل انقضت من تواريخ الشعوب وإنما عن أقرب مرحلة لا يزال يعيشها الناس في الفترة الزمنية الراهنة، حيث اختار المؤلف لكتابه عنواناً مباشراً، هو «عن الطغيان: عشرون درساً في القرن العشرين».

البروفيسور «سنايدر» يَصدر في مقولات كتابه عن منطلق محدد يصوغه في العبارات التالية:

• إن الآباء المؤسسين (للولايات المتحدة) حاولوا أن يحُولوا بيننا وبين الإصابة بداء الطغيان الذي طالما اجتاح الديمقراطيات القديمة، ولكن ها نحن اليوم وقد أصبحنا نواجه تهديدات جديدة ليست بعيدة الشبه بما سبق وشهدته مراحل سبقت من التاريخ.

أستاذ التاريخ الذي أصدر هذا الكتاب عكف على تدارس ما شهدته عقود وسنوات القرن الماضي من أنظمة حُكم ومن أيديولوجيات وأطروحات وشعارات وأفكار، اتسم الكثير منها، بحسب رأي المؤلف، بآفة الطغيان والديكتاتورية والشمولية والاستبدادية، فما بالك، يلاحظ المؤلف، أن هذه «الطغيانات»، إن جاز المصطلح، نشأت وتطورت وازدهرت، لا في الأصقاع المنسية من غابات العالم، ولا في الساحات القصّية، شبه المجهولة أو شبه المتخلفة من خارطة البسيطة. بل في قلب العالم المتقدم وقتها، تقنياً وثقافياً وعملياً، يستوي في ذلك روسيا الشيوعية، أو ألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشستية أو حتى اليابان الإمبراطورية.

وفيما يواصل المؤلف العزف على هذه النغمة، فهو يصل إلى نهايات القرن العشرين، موضحاً أن القوم تصوروا وقتها أنهم وصلوا إلى منعطف حاسم مع انهيار الكيان الشيوعي ـ السوفييتي في مفتتح تسعينات القرن المذكور.. وكان أن أطلقوا عليه وصف «نهاية التاريخ»، وربما كانوا يمنّون أنفسهم بمنطق التعلّل بالأمنيات، بافتتاح عالم جديد من الحرية والديمقراطية والإصغاء إلى صوت البسطاء وإنصاف المهمشين في العالم المستجّد المأمول، في حين أن القرن الجديد جاء ليشهد للأسف حروباً وصراعات، شكل البسطاء والمهّمشين غالبية ضحاياها.

وهنا يرفع المؤلف نغمة التحذير قائلاً في سطور محددة «..الأميركيون في أيامنا الحالية، ليسوا أعقل ولا أذكى من نظرائهم الأوروبيين الذين عايشوا، خلال عقود القرن الماضي، تحولات بلادهم (ألمانيا، إيطاليا وشرق أوروبا مثلاً) إلى نظم الطغيان الشمولية التي عصفت بالديمقراطية بكل معانيها ومبادئها وتجلياتها». وفي هذا السياق، يسوق المؤلف نماذج، من الواقع الأميركي، على خطورة مثل تلك التحولات، لاسيما في ظل الإدارة الجمهورية الحالية ورئاسة ترامب للولايات المتحدة.

صحيح أن شعارات الديمقراطية ما زالت مرفوعة. ويتصدرها الشعار الأثير الذي تلخصه العبارة المفروض أن تضبط العلاقات بين السلطات الحاكمة في الدولة «المراجعات والتوازنات» (Checks and Balances)، إلا أن الأصح، وفق المؤلف، هو أن إدارة الرئيس ترامب الراهنة لا تفتأ، تشنّ هجومها على «ميديا» الاتصال والتوعية والتنوير والإعلام وعلى منظومات التوعية والفكر والثقافة بشكل عام، مستخدمة في ذلك سبل التواصل الاجتماعي فضلاً عن طرحها، المتعمد طبعاً، لشعارات ومرويات وتصريحات من شأنها إبقاء الجمهور المتلقي في حالة تشكيك وحيرة وتضارب إزاء ما يتلقاه من أفكار ومعلومات.

في السياق نفسه، يرصد المؤلف نماذج من مشاركة فئات المثقفين والمهنيين في مثل هذه التجاوزات التي تتحول بالممارسات السياسية من ساحات الديمقراطية إلى كهوف الطغيان، حيث يتوقف ملياً عند سلوكيات وطروحات و«اجتهادات» المحامين والصحفيين وكبار الموظفين، والمسؤولين المدنيين الذين وضعوا خلاصة خبراتهم في خدمة هذا اللون المستجد والمزوّق أيضاً من سلوكيات «الطغيان» من طراز الألفية الثالثة.

ولا حل في نظر المؤلف سوى أن تنشط كل دوائر المجتمع المدني، في الولايات المتحدة وغيرها من الأقطار، بحيث يصبح من واجبها التنبه إلى هذه التحولات التي لا يكاد يشعر بها أحد ما بين ممارسات الديمقراطية إلى آفات اللاديمقراطية ومهاوي الاستبداد والطغيان.

ويتمثل الحل، بنظر البروفيسور تيموثي سنايدر، في أن يتمسك الإنسان العادي، المواطن البسيط بأنه «مواطن» بالدرجة الأولى، وأن له حقوقاً يتفاعل معها ويطالب بتفعيلها من خلال مؤسسات المجتمع المدني وتجمعات ورابطات المواطنين، بل يصل أمر المؤلف إلى دعوة أهل الاختصاص إلى تدارس وتحليل الشعارات والعبارات التي يطرحها القادة في الوقت الراهن، وعلى رأسهم بالطبع رئيس الدولة سواء كانت خطابات أو تغريدات ومن ثم تكون المبادرة إلى تفنيدها، والرد عليها وبيان ما تنطوي عليه من أخطار، قد تداهم الممارسة الديمقراطية، حتى لو كانت ترفع شعارات تتحدث عن الخطر على الوطن أو الديانة أو المستقبل.

المطلوب إذن هو التنبّه إلى مخاطر المستقبل من خلال تحليل معطيات الحاضر واستقاء العبرة من تجارب الماضي وقد كانت تجارب مريرة في كل حال.