كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل النظام العالمي؟

نيكولاس رايت
باحث بجامعة جورجتاون

لطالما كان النقاش حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي متأثرا بعدة مواضيع مختلفة. لعل أولها خوف الإنسان من تفرد الآلة، حيث يتجاوز الذكاء الاصطناعي نظيره البشري ويخرج عن سيطرته، ما قد يؤدي إلى حدوث عواقب وخيمة. وثانيها، الخوف من أن تساهم الثورة الصناعية الجديدة في استبدال الآلات للبشر في كل المجالات تقريبا، على غرار النقل والأجهزة الأمنية والدفاعية ومؤسسات الرعاية الصحية.

أما الطريقة الثالثة، التي ستمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي من السيطرة على العالم، فستكون من خلال استخدامها من قبل الحكومات لرصد سكنات مواطنيها وفهم سلوكياتهم والسيطرة عليهم على نحو غير مسبوق. وسيوفر الذكاء الاصطناعي بديلاً معقولا للديمقراطية الليبرالية بالنسبة للحكومات الاستبدادية، ليصبح بذلك البديل الأكثر نجاعة منذ الحرب الباردة. وبشكل عام، سيؤدي هذا الأمر إلى تجدد المنافسة الدولية بين النظم الاجتماعية.

طوال عقود من الزمن، اعتقد المنظِّرون السياسيون أن الديمقراطية الليبرالية تقدم السبيل الوحيد للنجاح الاقتصادي المستدام، حيث كانت الخيارات مقتصرة على قمع الحكومات لشعوبها وملازمة الفقر أو تحرير هذه الشعوب وجني الفوائد الاقتصادية المنجرة عن ذلك. في المقابل، تمكنت بعض الدول التي تنتهج سياسة قمعية من تنمية اقتصاداتها لفترة من الزمن، لكن التسلط كان مرتبطا بشكل دائم بالركود الاقتصادي على المدى البعيد. ويعِد الذكاء الاصطناعي بتقسيم هذه الثنائية عن طريق توفير طريقة تمكن الدول الكبرى المتقدمة اقتصاديا من جعل مواطنيها أغنياء مع إحكام السيطرة على تحركاتهم.

في واقع الأمر، تتحرك بعض الدول في هذا الاتجاه، على غرار الصين التي بدأت بالفعل في وضع أسس الدولة الاستبدادية الرقمية باستخدام أدوات المراقبة والأجهزة القائمة على تقنيات التعلم الآلي، للسيطرة على السكان المضطربين وخلق “نظام الائتمان الاجتماعي”. وقد دفع هذا التمشي العديد من البلدان إلى التفكير بشكل مماثل والسعي لشراء الأجهزة الصينية أو صنع نسخ مطابقة لها. وتماما مثل المنافسة بين النظم الاجتماعية الليبرالية والفاشية والشيوعية خلال القرن العشرين، من المقرر أن يحدد الصراع بين الديمقراطية الليبرالية والاستبداد الرقمي ملامح القرن الحادي والعشرين.

 

الاستبداد الرقمي

 

ستسمح التكنولوجيات الجديدة ببلوغ مستويات عالية من الرقابة المجتمعية وفق تكلفة معقولة نسبياً، حيث ستكون الحكومات قادرة على مراقبة البيانات والسلوكيات بشكل انتقائي لكي تسمح بتدفق المعلومات بحرية لفائدة الأنشطة الإنتاجية الاقتصادية، مع ضمان الحد من المناقشات السياسية التي من شأنها أن تلحق الضرر بالنظام. وبالنسبة للحكومة الصينية، يوفر “جدار الحماية العظيم” عرضاً مبكرا لهذا النوع من الرقابة الانتقائية.

من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في التنبؤ بهوية مخالفي القانون، فضلا عن مراقبة الخطابات بصورة رجعية. وسيكون هذا التوجه شبيهاً بتقنية السوق المستهدف التي تعتمدها كل من شركة غوغل وأمازون، لكنه سيكون أكثر فاعلية، حيث ستتمكن الحكومات الاستبدادية من الاعتماد على البيانات بطرق غير مسموح بها في الديمقراطيات الليبرالية. ولكن لا يحق لأمازون وغوغل الوصول لبيانات جميع الحسابات والأجهزة، بينما سيسمح الذكاء الاصطناعي المصمم للسيطرة الاجتماعية باستخلاص البيانات من الأجهزة التي يتفاعل معها الشخص في حياته اليومية.

على نحو أكثر أهمية، لن تتمكن الأنظمة المستبدة من تحقيق أي تناغم من دمج هذه البيانات مع المعلومات التي يمكن استخلاصها من وثائق الإقرارات الضريبية والسجلات الطبية والجنائية وعيادات الصحة الجنسية. والأمر سيان بالنسبة للبيانات المصرفية ونتائج الكشف الجيني والمعلومات المادية، مثل إحداثيات المواقع والقياسات الحيوية ومراقبة تحركات الأشخاص من خلال الدوائر التلفزيونية القائمة على تقنية التعرف على الوجه، بالإضافة إلى المعلومات التي يتم استخلاصها من العائلة والأصدقاء.

يمكن القول إن قدرة الذكاء الاصطناعي وجودته تتحدد بجودة المعلومات التي يمكنه الوصول إليها. ولسوء الحظ، ستكون كمية ونوعية البيانات المتاحة للحكومات حول كل مواطن كافية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تكمن المشكلة في أن التواجد الجزئي لهذ النوع من الرقابة التنبؤية سيساعد الأنظمة المستبدة. ومن المرجح أن الرقابة الذاتية هي الآلية التأديبية الأكثر أهمية في شرق ألمانيا، ومن شأن الذكاء الاصطناعي أن يجعل هذه الرقابة أكثر فعالية بشكل كبير. وسيصبح الناس ملمين بحقيقة أن المراقبة الشاملة لنشاطاتهم المادية والرقمية سوف تستخدم للتنبؤ بالسلوك غير المرغوب فيه. ومن منظور تقني، لا تختلف هذه التنبؤات عن استخدام أنظمة الرعاية الصحية القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأمراض لدى الأشخاص الذين يبدو أنهم أصحاء قبل ظهور الأعراض عليهم.

لمنع النظام من إجراء تنبؤات سلبية، سيبدأ العديد من الناس بمحاكاة سلوكيات عضو “مسؤول” في المجتمع لكي لا يثيروا الشبهات. وسيساعد هذا التغير السلوكي على تحسين الرقابة الاجتماعية، ليس فقط من خلال إجبار الناس على العمل بطرق معينة، ولكن عبر تغيير طريقة تفكيرهم أيضا. وعموما، تفيد بعض جذاذات الأبحاث في علم التأثير المعرفي بأن دفع بعض الأشخاص إلى القيام بسلوكيات معينة من شأنه أن يعودهم على تغيير مواقفهم وممارسة عادات تعزز نفسها بنفسها.

في هذا الصدد، يؤدي دفع الأفراد لشرح موقف ما إلى جعلهم أكثر قدرة على دعمه، وهو أسلوب استخدمه الصينيون ضد أسرى الحرب الأمريكيين خلال الحرب الكورية. ويعرف مندوبو المبيعات أن دفع عميل محتمل إلى القيام ببعض السلوكيات الصغيرة من شأنه أن يغير هذه التصرفات ويحولها إلى طلبات لشراء المنتجات في وقت لاحق. وبشكل عام، أظهرت 60 سنة من العمل المخبري والميداني أن البشر يمتلكون قدرة هائلة على ترشيد سلوكهم.

على نحو مشابه للسيطرة الفعالة، يَعِدُ الذكاء الاصطناعي بالتوصل إلى تخطيط اقتصادي مركزي أفضل. وحيال هذا الشأن، بين مؤسس الشركة التكنولوجية العملاقة “علي بابا”، جاك ما، أن الكم الكافي من المعلومات من شأنه تمكين السلطات المركزية من توجيه اقتصادها على نحو فعال من خلال التخطيط الجيد والتنبؤ بقوى السوق. ويقدم الذكاء الاصطناعي استجابة سريعة ومفصلة لحاجيات العملاء، عوضاً عن الخطط البطيئة غير المرنة التي تناسب الجميع.

 

 

ليس هناك ضامن لنجاح هذا النوع من النظام الاستبدادي الرقمي على المدى البعيد، ولكنه قد لا يكون ضروريا، مادام هذا نموذج مقبولا من قبل بعض البلدان التي تسعى لتنفيذه. ومن المؤكد أن يكون ذلك كافيًا لخلق منافسة إيديولوجية جديدة. وإذا بدأت الحكومات في رؤية الاستبداد الرقمي كبديل عملي للديمقراطية الليبرالية، فلن تشعر بأي ضغط للتخلص من هذا النظام. وحتى لو فشل هذا النموذج في النهاية، فإن محاولات تنفيذه لفترة طويلة ستستمر. وتجدر الإشارة إلى أن النماذج الشيوعية والفاشية قد انهارت فقط بعد فشل محاولات تطبيقها في العالم الحقيقي.

 

إرساء دولة تملك القدرة على مراقبة كل شيء

 

بغض النظر عن مدى الفائدة التي قد يثبتها نظام الرقابة الاجتماعية لأحد أنظمة الحكم، فإن بناء نظام كهذا لن يكون أمرًا هينًا. ومن المعروف أن المشاريع الضخمة لتكنولوجيا المعلومات صعبة التنفيذ، ذلك أنها تتطلب مستويات عالية من التنسيق، والتمويل السخي، والكثير من الخبرة. ولمعرفة ما إذا كان هذا النظام قابلا للتطبيق، فيجب العودة إلى المثال الصيني، لأن الصين تعد من أبرز الدول غير الغربية التي قد تبني نظاما مماثلا.

فضلا عن ذلك، أثبتت الصين أنها قادرة على تقديم مشاريع ضخمة لتكنولوجيا المعلومات تشمل المجتمع، مثل مشروع جدار الحماية العظيم، مع العلم أن الصين حصلت أيضًا على تمويل لبناء أنظمة جديدة رئيسية. خلال السنة الماضية، بلغت ميزانية الأمن الداخلي للبلاد ما لا يقل عن 196 مليار دولار، محققة زيادة بنسبة 12 بالمائة مقارنة بسنة 2016.

ربما يكون السبب الرئيسي وراء اتباع هذا الاتجاه هو الحاجة إلى منصات جديدة قادرة على تخزين عدد كبير من البيانات، وللصين الخبرة الكافية في مجال تكنولوجيا المعلومات. تعرف الشركات الصينية بكونها رائدة في مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي، وكثيرا ما تغلّب مهندسو البرمجيات الصينيون على نظرائهم الأمريكيين في المسابقات الدولية.

يمكن أن تمثل التكنولوجيات مثل الهواتف الذكية المنتشرة على نطاق واسع، العمود الفقري لنظام المراقبة الشخصي. وفي الوقت الراهن، اقتربت نسبة الصينيين الذين يملكون هواتف ذكية من النسب المسجلة في دول الغرب وبعض الدول الأخرى. وعلى سبيل الذكر، تعد الصين دولة رائدة عالميًا في تقنية الدفع بواسطة الهاتف.

حاليا، تعمل الصين على وضع أسس النظام الاستبدادي الرقمي، حيث قامت السنة الماضية بتشديد نظام جدار الحماية العظيم الذي يتميز بتطوره. ولا شك في أن فريدم هاوس، وهي منظمة متخصصة في إجراء الأبحاث، تعتبر الصين من أسوأ منتهكي حرية الإنترنت في العالم.

في الوقت الحالي، تسعى الصين إلى إرساء نظام مراقبة مكثف في العالم الواقعي. وفي سنة 2014، أعلنت الحكومة الصينية عن خطة اعتماد نظام ائتمان اجتماعي، سيتحكم بشبكة مدمجة تعكس جودة سلوكيات كل مواطن. وقد تم تطبيق نظام المراقبة في الصين في مقاطعة سنجان، لرصد ومراقبة مسلمي الأويغور. ويقوم النظام بإقصاء الأشخاص من الحياة اليومية؛ حتى أنه يتم إرسال العديد منهم إلى مراكز إعادة التأهيل. وإذا أرادت بكين تطبيق هذا النظام، فيمكنها تطبيقه على مستوى البلاد.

من المؤكد أن القدرة على تطبيق هذا النظام تختلف عن نية تنفيذه، لكن يبدو أن الصين تتجه نحو تطبيق نظام استبدادي عوضًا عن الديمقراطية الليبرالية. وتؤمن الحكومة بأن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة سيكون لها دور هام في دعم هذا الاتجاه الجديد. وتكشف خطة الحكومة الصينية لتكنولوجيا المعلومات لسنة 2017، كيف يمكن للقدرة على التنبؤ والإدراك الجماعي أن تثبت أن تكنولوجيا المعلومات تجلب حقا فرصًا جديدة لبناء المجتمع.

لا يقتصر الاستبداد الرقمي على الصين فقط، التي تعمل حاليا على إنشاء نموذج خاص بها، بل يبدو أن نظام جدار الحماية العظيم قد انتشر على الإنترنت ليصل إلى تايلاند وفيتنام. ووفقا للتقارير الإخبارية، قدم الخبراء الصينيون الدعم للرقابة الحكومية في سريلانكا، كما تم تزويد كل من إثيوبيا وإيران وروسيا وزامبيا وزيمبابوي بأجهزة مراقبة مماثلة. وفي وقت سابق من هذه السنة، قدمت شركة “ييتو” الصينية لتكنولوجيا المعلومات كاميرات مزودة بتقنية التعرف على الوجه وتعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي، إلى السلطات الماليزية.

تعارض كل من الصين وروسيا الولايات المتحدة لتوفيرها شبكة إنترنت عالمية ومجانية وبلا حدود. وتستخدم الصين قوتها الدبلوماسية والسوقية للتأثير على المعايير التقنية العالمية وتطبيع فكرة أن الحكومات المحلية يجب أن تتحكم في الإنترنت بطرق تحد من حرية الفرد. وبعد أن اشتدت المنافسة لبسط النفوذ على نظام جديد من شأنه وضع معايير دولية لتكنولوجيا المعلومات، قامت الولايات المتحدة بتأمين الأمانة العامة مما يساعد على توجيه قرارات المجموعة.

عندما استضافت بكين أول اجتماع لها، خلال شهر نيسان/ أبريل، ترأس وائل دياب، وهو من كبار المديرين في شركة هواوي، اللجنة. وبالنسبة للحكومات التي تطبق هذا النظام، قد تبدو هذه التدابير دفاعية نوعا ما، لكنها ضرورية لضمان السيطرة المحلية، لكن ترى بعض الحكومات الأخرى أن هذه التدابير تهدد أسلوب حياتها العادية.

 

الرد الديموقراطي

 

مكن أن يكون ظهور نموذج تقني استبدادي للحوكمة سببا في إعادة تطبيق الديمقراطيات الليبرالية. فطريقة استجابة الديمقراطيات الليبرالية للتحديات والفرص التي تفرضها تكنولوجيا المعلومات، تعتمد على كيفية تعاملها مع هذا البديل الاستبدادي داخليًا وخارجيًا، وفي كلتا الحالتين، هناك أسباب تدعو إلى التفاؤل مع توخي الحذر.

على الصعيد الداخلي، وعلى الرغم من أن الديمقراطيات الراسخة ستجد نفسها في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد من أجل إدارة الانتشار الواسع للتكنولوجيات الحديثة، إلا أن التحديات التي ستواجهها لن تتجاوز في صعوبتها تلك التي تغلبت عليها الديمقراطيات الأخرى. ومن شأن نظرية “تبعية المسار” أن تكون أكثر الأسباب التي تستدعي إلى التفاؤل. ومن المرجح أن تنتهج البلدان التي اعتادت ممارسة الحرية الفردية مسارا واحدا فيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا الحديثة؛ بينما ستتخذ الدول الأخرى التي لا تتمتع بالحرية نهجا مختلفا.

لطالما عمدت الجهات المؤثرة داخل المجتمع الأمريكي إلى التصدي إلى برامج التجسس الجماعية، التي كانت تحت إشراف الحكومة المحلية، رغم تباين معدلات نجاحها في ذلك. وفي مطلع هذا القرن، بدأت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية، في بناء برامج مراقبة على المستوى الوطني، تعتمد على “الشفافية المعلوماتية المطلقة” لجمع البيانات الطبية والمالية، بالإضافة إلى تلك المادية وغيرها. ودفعت صيحات الاستنكار، الصادرة من وسائل الإعلام والمدافعين عن الحريات الشخصية، الكونغرس إلى تعليق تمويل هذا البرنامج، رغم احتفاظه بسرية بعض المعطيات، التي لم يفصح عنها للجمهور في ذلك الوقت.

في الواقع، يعتقد معظم مواطني الديمقراطيات الليبرالية أنه يجب في بعض الأحيان التجسس داخل البلاد وخارجها، عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب، إلا أن إرساء التوازن في القوى قادر على تقييد ممارسات جهاز أمن الدولة. لكن اليوم، يتعرض هذا النوع من سياسات فصل السلطات للهجوم، إذ أنه في حاجة ماسة إلى التحصين والتعزيز، وسيكون هذا بمثابة تكرار للماضي أكثر من كونه تحديا جديدا يستدعي المجابهة.

 

 

في الغرب، لا تشكل الحكومات تهديدا للحريات الفردية. وتكتسب الاحتكارات التكنولوجية سلطتها عبر إنهاك منافسيها والضغط على الحكومات من أجل سن لوائح تتماشى مع إطار عملها وتصب في مصلحتها. ومع ذلك، تمكنت المجتمعات في الماضي من التغلب على هذا النوع من التحديات، على إثر الثورات التكنولوجية السابقة.

والجدير بالذكر أن “حل” الرئيس الأمريكي السابق، ثيودور روزفلت، للشركات الكبيرة أو ما يعرف بالاحتكارات خير مثال على التغلب على هذا التحدي، بالإضافة إلى حل شركة “إيه تي آند تي” خلال ثمانينيات القرن العشرين، والقوانين التي فرضتها الهيئات التنظيمية على شركة مايكروسوفت بعد ظهور الإنترنت في التسعينيات.

إلى جانب ذلك، تسبب عمالقة التكنولوجيا الرقمية في الإخلال بمبدأ التنوع في المحتوى المقدم للعامة من قبل وسائل الإعلام، وخلق أرضية تفتقر إلى الرقابة القانونية فيما يتعلق بالدعاية السياسية. لكن سبق أن طرحت التكنولوجيات الحديثة الراديكالية، على غرار الإذاعة والتلفزيون، مشاكل مماثلة، تصدت لها المجتمعات بعد ذلك.

في النهاية، من المرجح أن تستند الأطر القانونية على المفاهيم الجديدة لكل من مفهومي “الوسائط”، “والناشر” المستمدة من شبكة الإنترنت. وفي هذا الشأن، سبق أن رفض الرئيس التنفيذي لفيسبوك، مارك زوكربيرغ، اعتماد التصنيف ذاته الذي يُفرض على الدعايات السياسية في التلفاز، إلى أن أجبرته الضغوط السياسية على فعل ذلك خلال السنة الماضية.

من غير المرجح أن تنتصر الديمقراطيات الليبرالية على النظام الاستبدادي الرقمي. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن نسبة متناقصة في المجتمعات الغربية تعتبر الديمقراطية أمرا “ضروريا”، ولكن هذا ليس كفيلا بزعزعة الديمقراطية في البلدان الغربية.

ربما سيساهم التحدي الخارجي المتمثل في وجود منافس سلطوي جديد، في تعزيز الديمقراطيات الليبرالية. وقد تساعد النزعة التي تتجه نحو تأطير المنافسة على أساس مفهوم “نحن ضد الآخرين” الدول الغربية على تحديد مواقفها تجاه الرقابة والمراقبة على الأقل، التي ستكون حتما مخالفة لتلك الخاصة بمنافسيها الجدد.

يجد معظم الأشخاص التفاصيل الدقيقة المتعلقة بسياسة البيانات مملة، كما أنهم لا يكترثون بالمخاطر التي تشكلها على خصوصيتهم وحرياتهم. ولكن، عندما تصبح هذه المسائل ركيزة نظام بائس، فلن تعود بذلك مجرد تفاصيل مملة أو مجردة. حينئذ، سيتعين على الحكومات وشركات التكنولوجيا ضمن الديمقراطيات الليبرالية إثبات اختلافها عن البقية.

 

نماذج للغرب

 

لن يكون الغرب قادرا سوى على فعل القليل من أجل تغيير مسار بلد بقوة وثقل الصين. ومن المرجح أن تظل الحكومات الاستبدادية الرقمية قائمة لفترة أطول. ودون شك، ستحتاج الديمقراطيات الليبرالية إلى اعتماد استراتيجيات واضحة لمنافسة هذه الحكومات. أولاً، ينبغي على الحكومات والمجتمعات الحدّ من المراقبة والتلاعب على المستوى المحلي.

لتحقيق هذه الغاية، يجب حل عمالقة التكنولوجيا وإعادة تنظيمهم من جديد. ويتوجب على الحكومات ضمان بيئة إعلامية متنوعة وسليمة، من خلال الحرص على عدم السماح لعمالقة على غرار فيسبوك، بالحد من التعددية الإعلامية؛ أو تمويل خدمات البث الحكومية، أو تحديث اللوائح التي تغطي الدعايات السياسية حتى تتناسب مع عالم الإنترنت.

فضلا عن ذلك، يجب سن قوانين تمنع شركات التكنولوجيا من استغلال المصادر الأخرى التي تعنى بالبيانات الشخصية، مثل السجلات الطبية الخاصة بعملائها، والعمل على الحد من عمليات جمع البيانات في مختلف المنصات التي يستخدمها العامة. وفي الحقيقة، يجب منع الحكومات أيضا من استخدام مثل هذه البيانات إلا في حالات نادرة، على غرار مكافحة الإرهاب.

 

ثانياً، يجب على الدول الغربية أن تحاول التأثير في طرق اعتماد الدول التي تفتقر إلى ديمقراطية صلبة أو تلك التي ليست مستبدة للغاية للنظم القائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات. وفي هذا الصدد، لابد من تقديم المساعدة لهذه الدول من أجل تطوير البنية التحتية المادية والتنظيمية واستغلال هذه الفرصة لمنع حكوماتها من استخدام البيانات المشتركة. كما يجب عليهم تعزيز المعايير الدولية التي تضمن الخصوصية الفردية وسيادة الدولة في الآن نفسه. إلى جانب ذلك، ينبغي عليهم رسم حدود تنظم استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي والبيانات الوصفية من أجل حماية الأمن القومي بطرق قانونية، وليس لقمع حقوق الأفراد.

أخيراً، يتحتم على الدول الغربية أن تستعد للتصدي إلى النظم الرقمية الاستبدادية. ومما لا شك فيه، ستكون العديد من الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي هشة وعرضة للخلل، ورغم تهافت الحكومات عليها بشكل متزايد من أجل ضمان الأمن، إلا أنه عليها الحرص على ألا تخرج الأمور عن سيطرتها. و ستخلق الأنظمة التي تفرض بدورها رقابة انتقائية على الاتصالات، نوعا من الإبداع الاقتصادي ولكنها سترفع الحجاب عن العالم الخارجي أيضاً. ولن يكون التغلب على الحكومات المستبدة رقمياً أمرا مستحيلًا، طالما أن الديمقراطيات الليبرالية تملك الإرادة السياسية اللازمة للكفاح من أجل هذه الغاية.

المصدر: فورين أفيرز

جوجل” يقرأ بريدك الإلكتروني.. وسيجعل الجميع يقرأه أيضًا

 

قرر عملاق التكنولوجيا “جوجل” أن يحد من الانتقادات التي لاحقت الشركة في كل الوسائل الإعلامية قبل عام من الآن حول مسألة اختراق خصوصية المستخدمين، بأن تُعلن جوجل أنها لن تسمح لأي شخص من داخل الشركة أو خارجها أن يقرأ البريد الإلكتروني الخاص بمستخدمي gmail لكي تمنع الشركة من استغلال بياناتهم لأغراض تجارية وتسويقية تستهدفهم بشكل مباشر فيما بعد، إلا أن جوجل لم تعد المستخدمين بمزيد من الخصوصية في واقع الأمر، بل كانت تعدهم أنها لن تكون الوحيدة التي تقرأ بريدهم الإلكتروني بعد الآن.

أعلنت صحيفة “ووال ستريت جورنال” قبل يومين خطوة جديدة من جوجل تسمح باختراق مطوري تطبيقات الهواتف الذكية التي تعمل من خلال gmail للبريد الإلكتروني الخاص بكل مستخدم للتطبيق، وأن يكون لمطوري التطبيقات القدرة على تحليل محتوى الكلام الموجود في كل بريد إلكتروني للمستخدم بما في ذلك بياناته الخاصة والسرية.

كما أعلنت الشركة في بيانها الرسمي أن الأمر ليس بهذا السوء، وأنها لن تتساهل مع أي طرف ثالث يطلب الوصول لمعلومات المستخدمين الشخصية، فعلى أي شركة من شركات التطبيقات الذكية التي تعمل من خلال بريد جوجل الإلكتروني أن تمر خلال عدة مراحل “أمنية” قبل أن تسمح لها شركة جوجل بقراءة وتحليل معلومات البريد الإلكتروني الخاص بالمستخدمين، كما يجب أن يكون لها غرض واضح يبرر سبب طلبها للوصول إلى البيانات يكون له علاقة بالتطبيق المسؤولة عنه.

على الرغم من أن بيان جوجل الرسمي حاول تهدئة الجميع إلا أنه فشل في ذلك، إذ أن القرار الجديد للشركة لا يسمح فقط بالوصول إلى محتويات البريد الإلكتروني لكل مستخدم من داخل شركة جوجل ومن خلال التطبيقات التي تعمل من خلال بريد جوجل الإلكتروني فحسب، بل يسمح أيضًا لأي طرف ثالث إن كانت له علاقة بجوجل أم لا، أن يصل إلى بيانات ومحتويات المستخدمين السرية والخاصة، ما دام رأت الشركة طلب الطرف الثالث في الوصول للمعلومات مقبول ومنطقي.

أقر بيان جوجل الرسمي أن الشركة ستبذل كل ما في وسعها لكي تتأكد من أن معلومات وبيانات المستخدمين بين أيدٍ موثوق بها، ولهذا ستحاول الشركة تعزيز حمايتها للحسابات الشخصية، لكي لا يتم استغلالها من قبل كل من يستطيع الوصول إليها، لتتعقب الشركة كل من يدخل إلى حسابات المستخدمين الشخصية، وستحاول التأكد من غرض وصوله لتلك المعلومات ما إن كان له علاقة بتطوير التطبيقات التي يعمل عليها أو المسؤول عنها أم لا.

“جوجل” تدرب موظفيها على قراءة بريدك الإلكتروني

اعترفت الشركة مؤخرًا كما ورد في تقرير صحيفة “ووال ستريت جورنال” أنها قامت بتدريب موظفيها على كيفية قراءة وتحليل محتويات البريد الإلكتروني، لكي يكون لهم القابلية على الإشراف على دخول أطراف ثالثة من مطوري ومبرمجي التطبيقات على الهواتف الذكية لقراءة وتحليل معلومات البريد الإلكتروني لملايين المستخدمين، وعلى الرغم من أن نيتها في ذلك هو حماية البيانات من التعرض للاستغلال إلا أنها في الوقت نفسه تعترف باختراقها خصوصية المستخدمين بشكل واضح.

يمكن لكل من سيقرأ بريدك الإلكتروني أن يكون له حق في الوصول إلى معلومات مُستقبِل ذلك البريد، وأن يحلل المعلومات الموجودة في محتوى البريد نفسه، وأن يكون له الحق في الوصول إلى أي ملفات تمت مشاركتها في ذلك البريد الإلكتروني أيضًا، هذا يعني أنك إن قررت استخدام تطبيق “Boomerang” الخاص بإنستجرام على سبيل المثال، فهذا يعني أن مطوري ذلك التطبيق لهم الحق في الوصول إلى بريدك الإلكتروني وقراءة محتوياته بناءً على موافقة جوجل على ذلك.

لماذا قرر جوجل ذلك؟ من وجهة نظر الشركة تعتبر هذه الخطوة مهمة لتحسين خدمات كل من جوجل وخدمات التطبيقات التي تطلب الوصول للمعلومات، لكي يقدم كل منهما خدمات أفضل وخدمات مناسبة لكل من يحتاجها محققين بذلك الهدف الرئيسي من التسويق الرقمي وهو الوصول للهدف الصحيح في الوقت الصحيح وفي المكان الصحيح، فلماذا قد تعرض شركات الطيران خدماتها في إعلانات قد تصل للشخص غير المهتم بالسفر بينما يمكنها أن تقوم بمسح رقمي لمحتويات ملايين الرسائل الإلكترونية على جوجل لاستهداف الأشخاص المهتمين بالسفر فقط في ذلك الوقت لترسل لهم الإعلانات وتعرض عليهم خدماتها.

على الرغم من أن تقرير “ووال ستريت جورنال” لم يسلط الضوء على أي انتهاكات للمعلومات الخاصة لمستخدمي Gmail، إلا أن لكثير من المستخدمين تاريخ سيء منذ فضيحة فيسبوك لبيعه المعلومات الشخصية لأكثر من 50 مليون مستخدم لشركة تحليل البيانات “كامبيردج أنالاتيكا” لاستخدامها لأغراض سياسية للتلاعب بالانتخابات الأمريكية السابقة في صالح المرشح السابق والرئيس الحالي للولايات المتحدة “دونالد ترامب”.

إعلان الدولة الرقمية

 

كما رأينا من قبل، انتهى أسبوع الفضائح الخاص بشركة فيسبوك بمجموعة من التحقيقات وجلسات الاستماع، ومجموعة من الوعود وكثير من الاعتذارات التي لم تسفر عن شيء سوى عن زيادة سعر أسهم شركة فيسبوك ليعود على الشركة بملايين الأرباح، جنتها بمجرد جلوس “مارك زوكربيرغ” أمام مجموعة من النواب للاستماع إلى شهادته التي كانت عبارة عن الكثير من الاعتذارات والقليل من الحقيقة.

كما هو الحال في تحمل فيسبوك مسؤولية استغلال بيانات المستخدمين الشخصية، يقع العاتق نفسه على جوجل الذي يسمح الآن بانتهاك خصوصية ملايين الحسابات من قبل مطوري التطبيقات الذكية، وربما ستبدأ شركة جوجل بالاستعداد قريبًا لمقابلة المحامين وممثلي القانون، والحكومات وقوانينها كما حدث بالضبط مع فيسبوك الذي استقبل بطبيعة الحال الكثير من الشكاوى والدعاوى القضائية.

حينما سأل أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي “مارك زوكيربيرغ” في جلسة الاستماع كيف يمكن لمنصته أن تحقق الأرباح من منصة مجانية تمامًا رد عليه بكلمتين فقط؛ ” ندير الإعلانات”، لقد انتقد الجميع سؤال عضو الكونجرس باعتباره شديد السطحية، إلا أن “مارك زوكربيرغ” لم يكذب أبدًا، فقد أقر أن منصته والمنصات الشبيهة تقدم خدمات مجانية لمستخدميها مقابل مراقبة بياناتهم والتحكم فيها بشكل كلي وهو ما فسره الأخير بجملة “ندير الإعلانات”.

ولكن كل ذلك يشير إلى أن تلك المنصات سواء فيسبوك أو جوجل أو غيرها لا يشغل بالها كثيرًا مواجهة الحكومات، وضرب قوانينها عرض الحائط كما حدث مع خرق جوجل لقانون حماية البيانات الخاص بالاتحاد الأوروبي، والذي يضمن تحكم أصحاب الحسابات في معلوماتهم ويسمح لهم بمعرفة كل المعلومات التي تعرفها عنهم تلك المنصات، وذلك يعني أن لتلك المنصات القدرة على خلق دولة رقمية يتحكم فيها أرباب هذه المنصات بكل المعلومات الخاصة لكل فرد فيها، يعرفون عن الجميع كل شيء تقريبًا، ويتحكمون في كل ما يتلقاه المستخدم من خدمات.

لكل “مواطن رقمي” على تلك المنصات حساب معين لا يعمل إلا بتوثيقه من خلال التأكد من رقم الهاتف الشخصي أو العنوان مثله مثل الهوية الوطنية في الدولة العادية، كما يحق لتلك المنصات غلق الحساب حينما تقرر أنها خرقت قوانينها الرقمية، والآن تتحكم تلك المنصات في معلوماتك ولديها القدرة على رسم خريطة كاملة لحياتك من خلال رسائلك المتعلقة بعملك أو حياتك الشخصية أو الطبية من خلال موافقتك لها على الوصول لذلك، وبالتالي الموافقة على أي شيء قد تقرره تلك المنصات عمله بتلك المعلومات، سواء استخدامها لتحسين خدمتها، أو استخدامها لبيعها لشركات أخرى، أو استخدامها للسيطرة عليك فقط.

مليار شخص لا يملكون وثائق لإثبات هويتهم

 

وفقا لمجموعة البيانات العالمية لمبادرة “الهوية من أجل التنمية “لعام 2018 التي أطلقتها مجموعة البنك الدولي، هناك نحو مليار شخص حول العالم يواجهون تحديات في إثبات هويتهم. فهم يعانون الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الحصول على التمويل بل حتى اقتناء هاتف محمول، وقد تفوتهم فرص اقتصادية مهمة مثل العمل بالقطاع الرسمي أو امتلاك منشأة أعمال مسجلة. وتتجاوز آثار “توفير هوية قانونية للجميع، بما في ذلك تسجيل المواليد” نطاق الحقوق والفرص الفردية، فالقدرة على التحقق من هوية كل فرد من السكان بصورة موثوق بها تعد بالغة الأهمية لتقوم البلدان بتقديم الخدمات بكفاءة وتدعيم قدرتها على تحصيل الإيرادات وتعزيز النمو في القطاع الخاص. وقد شارك أخيرا 1600 مندوب -مسؤولون حكوميون من 47 بلدا إفريقيا وشركاء التنمية والقطاع الخاص- في اجتماع حركة الهوية من أجل إفريقيا ID4Africa بالعاصمة النيجيرية أبوجا، وذلك للمساعدة في تسريع وتيرة إحراز تقدم في سد فجوة إثبات الهوية بالقارة، حيث يقطن أكثر من نصف مليار شخص “غير محسوبين”. إن توافر بيانات دقيقة عن هوية هؤلاء الأشخاص يعد ضروريا لجميع الأطراف المعنية لسد هذه الفجوة، خاصة “لعدم إغفال أحد”. في هذا العام، قدمت السلطات في أكثر من 40 بلدا بيانات مباشرة عن تغطية بطاقات الهوية الأساسية، وهو رقم قياسي. وباستخدام مجموعة من الأرقام المسجلة ذاتيا من جانب السلطات الوطنية وتسجيل المواليد وغيرها من البيانات غير المباشرة، تشير مجموعة البيانات العالمية لمبادرة “الهوية من أجل التنمية” لعام 2018 إلى أن هناك ما يصل إلى مليار شخص يعانون إثبات هويتهم. وأظهرت هذه البيانات أيضا أن من بين المليار هؤلاء الأشخاص الذين لا يمتلكون وثائق رسمية لإثبات هويتهم: – 81 في المائة يعيشون في منطقتي إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، ما يشير إلى ضرورة زيادة بذل الجهود في هاتين المنطقتين. – 47 في المائة دون السن الوطني لتحديد الهوية في بلدانهم، ما يبرز أهمية تدعيم جهود تسجيل المواليد وتحديد هوية فريدة مدى الحياة. – 63 في المائة يعيشون في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، فيما يعيش 28 في المائة في البلدان منخفضة الدخل، ما يؤكد أن عدم وجود بطاقات هوية يمثل شاغلا رئيسا بالنسبة للفقراء على مستوى العالم. وتعزى التغييرات في التقديرات العالمية عن أرقام السنوات السابقة إلى تحسين مصادر البيانات وتحسن المنهجية المستخدمة إضافة إلى إحراز تقدم نحو سد هذه الفجوة. إن البيانات الاستقصائية المشتركة لمبادرة “الهوية من أجل التنمية” والمؤشر العالمي للشمول المالي توضح أن الفجوات في تغطية بطاقات الهوية هي الأكبر في البلدان منخفضة الدخل، مع تعرُّض النساء وأفقر 40 في المائة من السكان لخطر الإهمال بدرجة أكبر. لتعزيز فهم من هم الأشخاص غير الموثقة هويتهم والعقبات التي يواجهونها، قامت مبادرة “الهوية من أجل التنمية”، بالاشتراك مع المؤشر العالمي للشمول المالي لعام 2017، لأول مرة هذا العام بجمع بيانات استقصائية ممثلة وطنيا من 99 بلدا عن تغطية بطاقات الهوية الأساسية واستخدامها والعقبات أمام استخراجها. وتشير النتائج الأولية إلى أن سكان البلدان منخفضة الدخل، لاسيما النساء وأفقر 40 في المائة منهم، هم الأشد تضررا من عدم وجود بطاقات هوية. وتؤكد البيانات الاستقصائية “وإن كانت محدودة في نطاق تغطيتها حيث تقتصر على الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر” أن الفجوة في التغطية هي الأكبر في البلدان منخفضة الدخل، حيث لا يمتلك 38 في المائة ممن شملهم الاستقصاء بطاقات هوية أساسية. وعلى مستوى المناطق، يظهر أن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء توجد بها الفجوة الأكبر، فواحد من بين كل ثلاثة أشخاص تقريبا في البلدان المشمولة بالاستقصاء لا يمتلك بطاقة هوية أساسية. رغم أن الفجوات العالمية بين الجنسين في تغطية بطاقات الهوية الأساسية صغيرة نسبيا، فإن هناك فجوة كبيرة بينهما في نسبة السكان غير المسجلين في البلدان منخفضة الدخل، إذ لا يملك أكثر من 45 في المائة من النساء بطاقات هوية أساسية مقابل 30 في المائة من الرجال فالبلدان التي بها أكبر الفجوات بين الجنسين في تغطية بطاقات الهوية الأساسية هي عادة التي توجد بها عقبات قانونية أمام حصول النساء على وثائق إثبات الهوية. فعلى سبيل المثال، في أفغانستان وبنين وباكستان -جميع البلدان التي تزيد نسبة الفجوة بين الجنسين فيها على 15 نقطة مئوية- لا يمكن للمرأة المتزوجة التقدم بطلب للحصول على بطاقة هوية وطنية بالطريقة نفسها التي يتبعها الرجل المتزوج. ويتأثر الفقراء أكثر من غيرهم بعدم وجود بطاقات هوية، حيث يظهر أن البلدان منخفضة الدخل توجد بها أكبر الفجوات القائمة على أساس مستوى الدخل. وفي مختلف البلدان منخفضة الدخل التي شملها الاستقصاء، لا يملك 45 في المائة ممن هم بين خمس السكان الأشد فقرا بطاقات هوية وطنية؛ فيما يهبط هذا الرقم إلى 28 في المائة فقط بالنسبة لخمس السكان الأكثر ثراء. وتتمثل إحدى العقبات الرئيسة أمام الفقراء في ارتفاع رسوم استخراج بطاقات الهوية في عديد من البلدان إضافة إلى تكلفة استصدار المستندات الثبوتية المطلوبة.

نصائح صحية للسيطرة على الجراثيم في المنزل

من السهل أن تنتقل نزلات البرد أو عدوى الجهاز الهضمي بين أفراد الأسرة. فها هو الطفل الأصغر يجلب الجراثيم معه من الحضانة وسوف تمتد فورا إلى أشقائه الأكبر، الذين سيأخذونها بدورهم إلى المدرسة.

وعندما تسوء الأمور حقا سيصاب الوالدان بالبرد أو الأنفلونزا أو اضطراب المعدة أيضا.

لا يمكن للأسر أن تمنع بالكامل مثل هذه التطورات ولكن هناك عدة قواعد بسيطة من شأنها أن تسمح للآباء بخفض خطر الإصابة بشكل ملحوظ.

وتوصي ليندا زيفلد من المكتب الاتحادي للتثقيف الصحي بألمانيا، بالاهتمام بنظافة اليدين في المقام الأول. وتشير إلى أن نحو 80 بالمئة من كل الأمراض المعدية تنتشر من خلال اليدين.

ويمكن أن تعيش جراثيم الجهاز الهضمي مثل جرثومة النورو فيروس والفيروس الارتجاعي، خارج الجسم لبعض الوقت. وإذا شقت هذه الفيروسات طريقها إلى اليدين بعد الذهاب للحمام، فستمتد سريعا إلى شخص آخر داخل الأسرة.

ومكافحة هذه العملية بسيطة للغاية: فغسل اليدين بشكل منتظم وشامل يقلل عدد الجراثيم على الجلد بنسبة واحد على ألف. ويقول زباستيان ليمين، وهو خبير من الجمعية الألمانية للأمراض المعدية، “لتنظيف الأسطح المعدية ، على سبيل المثال ، يجب استخدام مناديل غير قابلة لإعادة الاستخدام عند إزالة القيء”.

ومن المنطقي تغيير شراشف ومناشف الشخص المريض كثيرا ومن المفضل غسلها على درجة حرارة 60 درجة مئوية أو أكثر، بحسب زيفلد. وتقدم المنظفات التي تحتوي على مواد تبييض حماية أكثر.

وإذا تسنى الأمر يجب على الشخص المصاب بعدوى في الجهاز الهضمي استخدام حمام منفصل.

وقد يسأل الآباء أنفسهم ما الذي يفعلونه حيال اللعب والدمى المحشوة، يقول راينهارد برنر الذي يرأس عيادة طب الأطفال في مستشفى جامعة دريسدن، إنه ينبغي ألا يقلقوا كثيرا. ويضيف: “ليس من الضروري غسل اللعب والدمى المحشوة بعد نزلة إنفلونزا عادية”.

وعلاوة على ذلك ليست كل حالات العدوى تسفر عن مرض للشخص المستقبل. فغالبا ما يحدث العكس بالضبط، فمن خلال خبرة ليمين يظل آباء الأطفال المرضى أصحاء. ويفسر الخبير ذلك بقوله : “أسلوب الحياة الصحي ونظام المناعة الجيد مؤشران بالتأكيد”. غير أنه، عند نهاية اليوم يحتاج الآباء أيضا إلى قدر من الحظ.

 

 

مضاد حيوي جديد يكافح الميكروبات المقاومة للعلاج

 

أعلن علماء من مستشفى رود آيلند في بروفيدانس الأميركية عن اكتشاف فئة جديدة من المضادات الحيوية، والتي يمكن أن تقضي على الإصابات المستمرة من المستشفيات بالبكتيريا العنقودية الذهبية «MARSA».

وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية: إن العلماء أشاروا إلى أن هذا الاكتشاف يعطي آمالاً جديدة للتقدم في محاربة الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية. وقالوا: «إن الدواء الجديد الذي تم اختباره على الفئران يمكن أن يستخدم لعلاج العدوى التي تصيب البشر، والتي لا تستجيب للمضادات الحيوية الروتينية».

وفي آخر الأبحاث ركز العلماء الأميركيون على مجموعة صغيرة ولكنها مهمة من العدوى المتكررة، والتي تظل البكتيريا تقاوم المضادات الحيوية عن طريق خمولها في الجسم، المجموعة المصابة بالعدوى تأثر حاليا على الأشخاص الذين لديهم غرسات طبية، أو معهم حالات معينة مثل التليف الكيسي. وقام فريق البحث باختبار آثار 82000 جزيء صناعي على الديدان الأسطوانية المصابة بالـ«MARSA»، أو البكتيريا المقاومة للميثيسيلين.

واختاروا اثنين من بين المركبات الـ185 التي أظهرت بعض التأثير، حيث أظهرا تأثيراً أكبر، فكلاهما ينتمي إلى عائلة من الجزيئات المعروفة باسم «الرتينوئيدات»، والتي تم تطويرها أصلاً في الستينات لعلاج حب الشباب والسرطان، وهي تشبه كيميائيا فيتامين أ.

اختبارات

وأظهرت الاختبارات على اثنين من «الرتينوئيدات»، جنباً إلى جنب مع النمذجة الحاسوبية، أن المركبات لم تقتصر على خلايا البكتيريا العنقودية أحادية المقاومة للميكروتين فقط، بل قتلت الخلايا الخاملة أيضاً.

وعملت الأدوية على جعل الأغشية التي تحيط بالبكتيريا أكثر تسريباً، وهو نفس التأثير الذي تعطيه الرتينوئيدات عندما تستخدم بالترادف مع مضاد حيوي حالي يدعى جنتاميسين وذلك كان يعطي مفعولاً أفضل بكثير.

واستدرك التقرير بالقول: مع ذلك كان هناك جانب سلبي، فالأدوية لم تكن فعالة ضد مجموعة كاملة من البكتيريا المقاومة، في حالات مرضية تكون في حاجة ماسة للمضادات الحيوية الجديدة.

وهذه المجموعة مسؤولة عن التهابات المسالك البولية، وحشرات المعدة، والسيلان، والالتهاب الرئوي والطاعون. وأوضح التقرير أن الأدوية لا تزال تبشر بالخير لعلاج عدوى «MARSA» الثابتة، والتي يمكن أن تكون قاتلة للمرضى المتأثرين.

وبين العلماء في دراستهم كيف قاموا بتعديل واحد من مركبات الريتينوئيد لجعله أقل سمية، ثم حقنوه في فأر مع ما يعتبر عموما عدوى «MARSA» المقاومة للمعالجة. وأشاروا إلى أن العقار لم يقم فقط بإزالة العدوى، بل قام بذلك دون التسبب في أي آثار جانبية واضحة.

 

التجارة أفضل علاج للتحيز

 

هناك بلدان كثيرة تعرض بالفعل أشكالا مختلفة من التأمين ضد البطالة، التي يمكن أن تقترن بأدوات أخرى. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، نجد أن المجال يتسع لتقديم إعانات الدخل المؤقتة إلى أن يتسنى للعاملين تعزيز مهاراتهم. والمجال يتسع أيضا لزيادة حركية العمالة بتقديم مساعدات إعادة التوطين والمزايا التقاعدية القابلة للنقل.
وفي الوقت نفسه، بإمكان معظم البلدان المساهمة بدور أكبر في تحسين برامج تدريب العمالة وتوسيع نطاقها. فتجارب كندا والسويد مثلا تبين أن التدريب على رأس العمل أكثر فعالية من التعلم في الفصول الدراسية.
وسياسات سوق العمل الجيدة ضرورية – لكنها غير كافية.
وينبغي أن تعمل كل البلدان على إعادة ابتكار نظمها التعليمية لمواكبة العصر الرقمي، وهذا لا يقتصر على إضافة بضعة دروس جديدة في الترميز، لكنه يتعلق بتشجيع التفكير النقدي، وحل المشكلات على نحو مستقل، والتعلم مدى الحياة الذي يساعد الناس على التكيف مع التغيير. إن الأمر يتعلق بالاستثمار في رأس المال البشري.
كيف إذن يستطيع الصندوق المساعدة في هذا الصدد؟
على المستوى العالمي، نحن نقوم بتحليل أسعار الصرف ومتابعة الاختلالات الاقتصادية العالمية.
وعلى مستوى كل بلد على حدة، نعمل مع كل بلداننا الأعضاء البالغ عددها 189 بلدا بشأن السياسات لمساعدتها على إلغاء الحواجز التجارية والاستثمارية – مع تشجيع زيادة انفتاح الاقتصادات، حيث يستطيع القطاع الخاص أن يزدهر ويوجد فرص العمل.
ونسعى جاهدين كل يوم لمساعدة بلداننا الأعضاء على الاستعداد لعصر التجارة الجديد، ونؤمن بأن تحسين التجارة يقتضي أن تكون أكثر إنتاجية، وأكثر ارتكازا على الخدمات، وأكثر احتوائية – حتى يجني الجميع ثمارها.
ولتحقيق هذه الأهداف، يتعين كذلك أن تقوم التجارة على جهود أكثر تعاونية على المستوى الدولي، وأكثر تركيزا على تعددية الأطراف، وهذه هي الخطوة الأخيرة التي تمكننا من بناء جسور اقتصادية أفضل.

تطويع النظام التجاري متعدد الأطراف
على مدار السبعين عاما الماضية، ظلت بلدان العالم تعمل معا لإيجاد نظام متميز حقا – نظام للقواعد والمسؤوليات المشتركة حقق تحولا كبيرا في عالم اليوم.
وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية وحدها، ظل هذا النظام متعدد الأطراف بالغ الأثر في انتشال مئات الملايين من براثن الفقر، مع تعزيز مستويات الدخل والمعيشة في كل البلدان.
واليوم أمام الحكومات فرصة للبناء على ما تم تحقيقه من تقدم حتى الآن، وتطويع هذا النظام لكي يوائم عصر التجارة الجديد.
وبعبارة أخرى، حتى مع إصلاح الجسور الاقتصادية لا بد لنا من الالتزام بالأساسيات الهندسية.
وهذا يعني الابتعاد تماما عن الحمائية؛ لأن قيود الاستيراد تلحق الضرر بالجميع، خاصة المستهلكين الفقراء.
ويعني أيضا القضاء على الممارسات التجارية غير العادلة – وضمان تكافؤ الفرص؛ وهو يعني ممارسة التجارة بناء على القواعد المستقرة – قواعد منظمة التجارة العالمية التي اتفق عليها كل البلدان الأعضاء الـ164؛ ويعني أيضا الانفتاح على أي أفكار جديدة. ماذا أعني بهذا؟
لقد شهدنا بالفعل اتفاقيات جديدة أو موسعة لمنظمة التجارة العالمية في السنوات الأخيرة – بما فيها اتفاقيات بشأن المشتريات الحكومية، وتكنولوجيا المعلومات، وتيسير التجارة.
ولكن هناك حكومات كثيرة تعاني قضايا مهمة لا تدخل حاليا في صلب قواعد منظمة التجارة العالمية. ومن هذه القضايا أشكال الدعم الحكومي المختلفة، والقيود على تدفقات البيانات، وحماية الملكية الفكرية.
ولمعالجة هذه القضايا، يمكننا استخدام اتفاقيات التجارة “محدودة الأطراف”؛ أي الصفقات بين البلدان ذات الفكر المتماثل، التي توافق على العمل في إطار منظمة التجارة العالمية.
ويمكن كذلك التفاوض بشأن اتفاقيات جديدة في منظمة التجارة العالمية في التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.
وفي هذه القضايا، يمكن أن نستلهم العزيمة من شراكة جديدة وشاملة وتحررية هي “الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ”– المعروفة باسم شراكة المحيط الهادئ – 11. فلأول مرة في اتفاقية للتجارة الموسعة، يضمن بلدان هذه الشراكة حرية تدفق البيانات عبر الحدود لموردي الخدمات والمستثمرين.
وعلى النسق نفسه، ينبغي تصميم صفقات التجارة الجديدة في القرن الـ21 بحيث تضمن تدفق البيانات مع توفير الحماية لخصوصية البيانات، وتشجيع الأمن الإلكتروني، وضمان حصول جهات التنظيم المالي على البيانات عند اللزوم دون خنق الابتكار.
وينبغي كذلك أن تراعي هذه الصفقات الجديدة مشاغل العمالة والبيئة. ولن يكون بالإمكان التصدي لهذه التحديات إلا في سياق العمل متعدد الأطراف؛ حيث تُحترم القواعد المستقرة، وتعمل البلدان على أساس الشراكة، ويلتزم الجميع بتوخي العدالة، وتكون البلدان مساءلة أمام بعضها، ويمكن النظر في النزاعات وتسويتها بكفاءة.
وهنا، اسمحوا لي بأن أختتم حديثي بهذه العبارات التي قالها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو منذ أكثر من 200 عام:
“التجارة أفضل علاج للتحيز. هناك قاعدة عامة تقريبا أنه أينما نشأت المواطنة السليمة، تقوم التجارة، وحيثما توجد التجارة، تنشأ المواطنة السليمة. فالتجارة بطبيعتها تؤدي إلى تحقيق السلام”.
ويصدق هذا الأمر حتى الآن على الزمن الحالي، فمن خلال بناء الجسور الاقتصادية الجديدة، وتحديد ملامح عصر التجارة الجديد، وإزالة الحواجز، سنتمكن من تعزيز إقامة مجتمعات أكثر رخاء وأكثر سلاما .

 

آلية الانتخابات في ظل الديمقراطية

 

مع انهيار الأحزاب التقليدية في جميع أنحاء العالم، ومع توقّع العديد من الخبراء حدوث «أزمة الديمقراطية»، تبقى قيمة الانتخابات كطريقة للاختيار من جانب من وكيف، يتم حكمنا موضع تساؤل. يحاول المنظّر الديمقراطي المعروف عالمياً آدم بيرزورسكي أن يسلط الضوء على عملية الانتخابات السياسية في ظل الديمقراطيات العالمية، ويطرح العديد من الأسئلة في هذا الكتاب، منها: ما فضائل ونقاط الضعف في الانتخابات؟ هل هناك قيود على ما يمكن تحقيقه واقعياً؟
في هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار «بولايتي» في 210 صفحات من القطع المتوسط يقدّم المنظّر الديمقراطي آدم بيرزورسكي، تحليلاً شاملاً للانتخابات والطرق التي تؤثر بها في حياتنا. ويشير إلى أن الانتخابات ناقصة بطبيعتها، لكنها تبقى أقل الطرق سوءاً في اختيار حكامنا. وفقاً لبروزورسكي، فإن أكبر قيمة للانتخابات – وهي بحد ذاتها موضع اعتزاز – هي أنها تعالج أي صراعات قد تنشأ في المجتمع بطريقة تحافظ على الحرية النسبية والسلام. ولكن تبقى المعضلة الصعبة وغير الواضحة، وهي إذا ما كان المرشحون سينجحون في القيام بتحقيق ذلك في ظل المناخ السياسي العالمي المضطرب في الوقت الراهن.

بعد المقدمة، يأتي الكتاب في قسمين أساسيين هما: أولاً: «كيف تعمل الانتخابات»؟ ويأتي في خمسة فصول هي: فكرة انتخاب الحكومات، حماية الممتلكات، التنافس على المنفعة اللاحزبية، خاتمة: ما المترسخ في الانتخابات؟ ثانياً: «ما الانتخابات التي يمكن ولا يمكن تحقيقها»؟ ويتألف القسم من سبعة فصول هي: مقدمة إلى القسم الثاني، العقلانية، التمثيل، والمحاسبة، وفرض التحكم على الحكومات، الأداء الاقتصادي، المساواة الاجتماعية والاقتصادية، السلام المدني، استنتاجات.

أزمة الديمقراطية

يقول الكاتب آدم بيرزورسكي إننا «نختار حكوماتنا عبر الانتخابات. تقترح الأحزاب السياسات وتقدّم المرشحين. ندلي بأصواتنا، ثم يتم الإعلان عن فوز أحدهم وفقاً لقواعد متأسسة بشكل مسبق. ينتقل الفائز إلى مكتب الحكومة والخاسر يعود إلى بيته. لبضع سنوات يحكمنا هؤلاء، وثم تكون هناك فرصة لنقرر إذا ما كنا سنعيد هؤلاء إلى مكاتبهم أو نرمي بالأشرار إلى الخارج. كل هذا أمر روتيني نتعامل معه على البديهة.
وفي توضيح لعلاقتنا بعملية الانتخاب يقول بيرزورسكي:»على الرغم من أن عملية الانتخابات معروفة ومألوفة، إلا أنها تبقى ظاهرة معقدة. ففي انتخاب نموذجي لواحد من اثنين، ينتهي الأمر بخسارة أحدهما. في الأنظمة الرئاسية، قليلاً ما يتلقى الفائز أكثر من 50 في المئة من الأصوات، والأنظمة البرلمانية متعددة الأحزاب، نادراً ما تكون الحصة الأكبر أعلى من 40 %. علاوة على ذلك، تجد العديد من الناس الذين صوتوا لأجل الفائزين يشعرون بالتخوف من أدائهم في المنصب. بالتالي يبقى العديد منا خائبي الأمل، سواء مع نتيجة أو أداء الفائز. ومع ذلك، تأتي الانتخابات بعد الانتخابات، وكثير منا يأمل أن يفوز مرشحنا المفضّل في المرة المقبلة وألا يخيّب أملنا«.
ويضيف في السياق ذاته:»الأمل والخيبة. الخيبة والأمل: هناك شيء ما غريب. التوضيح الوحيد الذي يمكنني التفكير فيه هو الرياضة: فريقي المفضل في كرة القدم، هو أرسنال، لم يفز بأي بطولة منذ سنوات، لكن مع كل موسم جديد أتأمّل أن يفوز بالبطولة. بعد كل هذا، في عوالم أخرى من الحياة، نضبط توقعاتنا وفق الخبرات الماضية. لكن ليس في الانتخابات. فالأغنية المغرية للانتخابات لا يمكن مقاومتها. هل الأمر لا عقلاني«؟
ويوضح الكاتب أن الأسئلة المتعلقة بقيمة الانتخابات كآلية بموجبها نختار بشكل جماعي من يحكمنا وكيف سيقومون بذلك قد أصبح أمراً ملحاً على نحو خاص في السنوات القليلة الأخيرة، قائلاً:»في العديد من الديمقراطيات، تشعر أعداد كبيرة من الناس أن الانتخابات تديم فقط حكم المؤسسة الحاكمة، أو حكم النخب أو حتى حكم الحزب، بينما على الطرف الآخر يشعر العديد بصعود الأحزاب الشعبوية، القمعية، وغالباً ما تكون عنصرية ولديها رهاب من الأجانب. توجد مثل هذه المواقف بشكل مكثف على الجانبين، وهذا بدوره يولّد انقسامات عميقة، وحالات استقطاب، ويفسّر الأمر من قبل العديد من المثقفين بأنه «أزمة الديمقراطية» أو على الأقل علامة على عدم الرضا عن مؤسسة الانتخابات نفسها.

إعادة القرار للشعب

يتوقف الكاتب عند نتائج استطلاع يظهر أن الناس بشكل عام، والشباب منهم بشكل خاص، يعتبرون مسألة الديمقراطية أقل ضرورة عما كان عليه في الماضي، فقد كان حماسهم أكثر فيما مضى، لكن لم يعد الأمر كما قبل، حيث كان جل طموحهم هو أن يعيشوا في بلد يحكم بشكل ديمقراطي. بحسب الاستطلاع كلهم يدعمون ما يتردد من أن الديمقراطية تعيش في أزمة.
ويعلق الكاتب على هذه الفكرة قائلاً: ومع ذلك، لا شيء «غير ديمقراطي» حول نصر دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أو صعود الأحزاب المعادية للمؤسسات الحاكمة في أوروبا. حتى أنه يكون أكثر تناقضاً عند قول الشيء نفسه حول نتائج الاستفتاءات المتنوعة، سواء فيما يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو بشأن الإصلاح الدستوري في إيطاليا (لكن بشكل ضمني جميع أوروبا)؛ فالاستفتاءات يفترض أن تكون أداة «الديمقراطية المباشرة» التي تعتبر من قبل البعض متفوقة على الديمقراطية التمثيلية. علاوة على ذلك، ففي الوقت الذي يطلق فيه علامة «فاشي» من دون مبالاة لتشويه سمعة هذه الأحزاب السياسية، نجد أن هذه الأحزاب، على خلاف الأحزاب في فترة الثلاثينات، لا تدافع عن استبدال الانتخابات بطريقة أخرى لاختيار الحكّام. ربّما يرونها بشعة، لكن هذه الأحزاب تقوم بحملاتها تحت شعار إعادة السلطة المغتصبة من قبل النخب إلى «الناس»، إذ يرون في هذا تقوية للديمقراطية».
ويضيف: «في الكلمات الدعائية لترامب كان يقول: حركتنا هي لأجل استبدال المؤسسة السياسية الفاسدة والفاشلة بحكومة جديدة تتحكمون بها أنتم، أيها الشعب الأمريكي». واليمينية الفرنسية مارين لوبان وعدت «بالدعوة إلى إجراء استفتاء على أوروبا، حيث تقررون فيه أنتم، أيها الشعب». ببساطة إنهم ليسوا ضد الديمقراطية. كما أنهم من خلال عملهم، ليس هناك من هو ضد الديمقراطية بشأن أناس يريدون أن تكون لديهم حكومة«قوية أو على قدر من الكفاءة ومؤثرة»، بحسب الاستجابات إلى أسئلة الاستطلاعات التي زادت بشكل متتالٍ خلال السنوات الأخيرة، وفيها يفسر بعض المعلقين ذلك بأن ما يحدث عرض من أعراض تراجع الدعم للديمقراطية.

التوجّه نحو الإصلاحات

وفي سياق توضيحه أكثر يجد الكاتب أن عدم الرضا عن نتائج الانتخابات لا يمكن اعتبارها بنفس سوية حالات عدم الرضا عن الانتخابات كآلية اتخاذ القرار الجمعي، ويقول:»صحيح أن إيجاد نفسك على الجانب الخاسر لا يمكن القبول به. لكن تظهر الاستطلاعات حقاً أن نسبة الرضا عن الديمقراطية أعلى بين من صوتوا لأجل الفائزين. تظهر في الانتخابات العديد من المنصات التي يتحدث فيها الفائزون أكثر من الخاسرين، لكن على العموم، يقدّر الناس ويصوتون لحزب يمثّلهم ويعبّر عن آرائهم، حتى وإن انتهى بهم الأمر على الجانب الخاسر. (بناء على دراسة هاردينغ في 2011 التي غطت 40 استطلاعاً من 38 دولة بين 2001 و2006).
عندما ينهض الناس للاحتجاج ضد «المؤسسة الحاكمة»، غالباً ما يقصدون أنهم إما أن الحزب لا يمثّل آراءهم أو أن الحكومات تتغير من دون تحقيق أي تأثير في حياتهم، مشيرين إلى أن الانتخابات لا تولّد التغيير. لكننا، والغالبية العظمى كذلك، نستطيع تقدير آلية الانتخابات حتى وإن كانت نتائجها لا تروق لنا».
يعاين الكاتب العديد من الأسئلة، ويحاول في إجاباته التعامل مع الانتخابات كما هي بشكل واقعي، مع كل العيوب والأخطاء الموجودة فيها، ودراسة فرض تأثيراتها في الأشكال المتنوعة لوجودنا الجمعي، ومن هذه الأسئلة:«لماذا ينبغي ولماذا يتوجّب علينا أن نقدّر الانتخابات كطريقة لأجل اختيار من يحكمنا والطريقة التي حكمنا بها؟ ما فضائلهم، نقاط ضعفهم، وحدودهم»؟
يشير الكاتب إلى أن بعض الانتقادات الشعبية للانتخابات، بشكل خاص من هؤلاء الذين لا يقدمون أي خيار ويعتبرون أن المشاركة الانتخابية الفردية غير فعالة، يجدهم مخطئين، بناء على فهمهم غير الصحيح للانتخابات كآلية بموجبها نقوم باتخاذ قرار جماعي.
ويفترض أنه في المجتمعات التي يكون فيها للناس آراء ومصالح متضاربة، يكون البحث عن العقلانية أو «العدالة» أمراً ميؤوساً منه، لكن تلك الانتخابات تقدّم توجيهات وتعليمات للحكومة لتقليل حجم عدم الرضا مع كيفية حكمنا. ويقول:«سواء اتبعت الحكومات هذه التعاليم أو التوجيهات وسواء عملت الانتخابات على إزالة الحكومات التي لا تتبعها حينها تكون أكثر شكوكية؛ الحكومات التي تكون سيئة جداً تكون خاضعة لقوانين انتخابية، لكن هامشها للتهرب من المسؤولية كبير جداً».
ويعبّر الكاتب عن خشيته تجاه عملية الانتخابات قائلاً: «أخشى أن التوقع الدائم والمستمر للانتخابات بفرض تأثيرها في خفض التفاوت الاقتصادي يتسم بالهشاشة في المجتمعات التي تكون فيها الملكية الإنتاجية في يد قلة من الناس، وتوزع فيها الأسواق بشكل غير متساوٍ الدخل (الرأسمالية)».
ويضيف:«قيمة الانتخابات الكبرى هو أنها على الأقل تحت بعض الشروط تسمح لنا بالتحرك في حرية نسبية وسلام مدني مهما كانت الصراعات الموجودة في المجتمع، فهي تمنع العنف. هذه وجهة نظر تدافع عن الاعتدال السياسي (تشرشلية)، والمقتنعون بها يقرّون أن الانتخابات ليست جميلة جداً، ولم تكن أبداً «عادلة» جداً، وهي عاجزة عن مواجهة بعض الحواجز التي تظهر أمامهم في مجتمعات محددة».
في التعامل مع آلية الانتخابات يرى الكاتب أنه لا طريقة سياسية لاختيار حكامنا، ويقول: لا يمكن لأي نظام سياسي أن يجعل المشاركة السياسية للجميع فعّالة بشكل فردي. لا يمكن لنظام سياسي أن يكون وكيلاً مثالياً للمواطنين. لا يمكن لنظام سياسي أن ينتج ويحافظ على درجة المساواة الاقتصادية في المجتمعات الحديثة التي يكون فيها العديد من الناس مهووسين بالهيمنة. السياسة بأي شكل أو نمط، لديها حدود في صياغة وتحويل المجتمعات والتأثير فيها. هذه حقيقة حياتية معاشة. أعتقد أنه من المهم معرفة هذه الحدود، لكي لا ننتقد الانتخابات لعدم تحقيقها ما لا يمكن لأي ترتيبات سياسية أن تحققها. ولكن هذا لا يعني الرضا والتسليم بالوضع القائم مع كل مشكلاته. إدراك الحدود يساعد في توجيه جهودنا نحو هذه الحدود، ويوضح الاتجاهات لأجل الإصلاحات المناسبة.
في خاتمة هذا العمل لا يبدو الكاتب متفائلاً أمام ما يحدث من حالات استقطاب سياسي على مستوى عال في العالم، ولكن يعبر عن رغبته في عدم التوجه نحو انقسامات فعلية تؤدي إلى صراعات في مجتمعات بقيت لفترة من دون حروب.

نبذة عن الكاتب

ولد أستاذ العلوم السياسية الكاتب البولندي- الأمريكي آدم بيرزورسكي 1940 في وارسو، بولندا. تخرّج في جامعة وارسو في عام 1961. وبعد ذلك بوقت قصير، انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على درجة الدكتوراه في جامعة نورث ويسترن في عام 1966. يعدّ اليوم من بين أهم المنظّرين والمحللين المهمين للمجتمعات الديمقراطية، ونظرية الديمقراطية والاقتصاد السياسي.
يعمل حالياً أستاذاً في قسم السياسة في قسم ويلف فاميلي للسياسة في جامعة نيويورك. حاضر في العديد من الجامعات منها: جامعة شيكاغو، حيث حصل على لقب مارتن رايرسون كأستاذ الخدمة المتميز، كما حاضر في جامعات خلال زيارات إلى الهند وتشيلي وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وسويسرا. منذ عام 1991، كان عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، وشارك عام 2001 في جائزة وودرو ويلسون لكتاب الديمقراطية والتنمية. في 2010، حصل على جائزة يوهان سكايت في العلوم السياسية «لرفع المعايير العلمية المتعلقة بتحليل العلاقات بين الديمقراطية والرأسمالية والتنمية الاقتصادية». له العديد من الكتب البارزة منها: الرأسمالية والديمقراطية الاجتماعية (1985)؛ «الديمقراطية والسوق: الإصلاحات السياسية والاقتصادية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية» (1991)؛ «الدول والأسواق: الكتاب الأول في الاقتصاد السياسي» (2003)؛ «الديمقراطية وسيادة القانون» (2003).

ترجمة: نضال إبراهيم

حياة على الحدود

 

اختفت أزمة الهجرة واللاجئين في أوروبا عن نشرات الأخبار مؤخراً، رغم أن تأثيرها على الأجندة السياسية استمر في جميع أنحاء القارة. وعلى الرغم من أن هناك مشاهد مأساوية، كما هو الحال مع الصورة المروعة للطفل السوري آلان كردي المسجّى على شاطئ بودرم التركي، إلا أنه في معظم الأحيان تضيع القصص الفردية للفارين من الحروب وسط الهستيريا الإعلامية الغربية التي تدعو إلى تخفيض أعداد المهاجرين وإغلاق أبواب القلعة – أوروبا. تحاول الصحفية هسياو-هونج باي في عملها هذا نقل حقيقة القصص الإنسانية المؤثرة التي يحاول الكثير من الأوروبيين إبقاءها بعيداً عن الأعين والأذهان.
سافرت هسياو-هونج باي إلى مناطق ودول عديدة بهدف لقاء المهاجرين وطالبي اللجوء الذين كانوا يصلون للتو إلى شواطئ لامبيدوزا أو صقلية، وكيف كان يتم استيعابهم في مخيمات استقبال سيئة. وتتطرق في تفاصيل الكتاب إلى حياة طالبي اللجوء في إيطاليا وألمانيا، حيث واجه البعض منهم مضايقات من المجموعات اليمينية المتطرفة، وعاش آخرون ظروفاً مروعة في المخيمات على ساحل شمال غرب فرنسا.

يقع الكتاب الصادر حديثاً عن «نيو إنترناشيناليست» في 240 صفحة من القطع المتوسط باللغة الإنجليزية. ويحتوي على ستة أقسام هي: بوابة لأوروبا، تجارة استقبال اللجوء في صقلية، السير من تحت الأرض، التوجّه شمالاً؛ جيتوهات أوروبا، غابة باريس.

أزمة اللاجئين

تقول الكاتبة إن كلمات مثل «أزمة اللاجئين» أو «أزمة المهاجرين» من المصطلحات التي تستخدمها وسائل الإعلام الأوروبية السائدة لتخبرنا عن حالة الأشخاص الذين لا يملكون رؤوس الأموال، والفارين من الصراعات، والحروب. هذه المصطلحات المستخدمة تدخل في سياق لعبة الأرقام، وزرع فكرة لدى الرأي العام أن «أوروبا لا يمكن أن تحتمل أكثر من ذلك». في نهاية المطاف، يتم من خلال هذه المصطلحات الحفاظ على مفهوم «نحن» و«هم» وترسيخها.
وتضيف: «عندما قرأت لأول مرة هذه المصطلحات الإعلامية، واستمعت إلى اللغة المستخدمة في التعامل مع وصول اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، كانت الأسئلة التي أردت طرحها هي: من يعرّفها على أنها «أزمة»؟ لماذا هي «أزمة»؟ ما هي طبيعة «الأزمة»؟».
وترى أنه في العالم غير المتكافئ الذي نعيش فيه، حيث شمال الكرة الأرضية يحدد ويكتب التاريخ نيابة عن الجنوب، يتم نشر معرفتنا للعالم والتحكم فيها من خلال المؤسسات القوية للنخب الحاكمة في الشمال، وفهمنا للأحداث العالمية وغالباً ما يتم تشكيلها وتوجيهها من قبل هذه المؤسسات.
على عكس الرأي السائد الذي ينظر إلى وصول اللاجئين والمهاجرين من ناحية الأمن وإدارة الهجرة، يطرح هذا الكتاب نهجاً بديلاً يضع القراء في قلب الصورة الحقيقية. وتقول الكاتبة: «بصفتي شخصاً لم يولد في بريطانيا، وعاش فقط هنا منذ أن كان عمره 21 عاماً، فهمت دائماً ماذا يعني أن تكون «غريباً»، ومدى صعوبة إسماع صوتك إلى الرأي العام. خاصة أن المؤسسات الإيديولوجية النافذة، مثل وسائل الإعلام، تحرص على عدم إسماع قصة «الغريب» إلا نادراً، وعندما يحدث ذلك، غالباً ما تُعرض القصة كإحصائيات وبيانات مجرّدة من الحالة الإنسانية. وبطريقة ما، من خلال عمل وسائل الإعلام، الواقع المأساوي لعشرات الآلاف من الأرواح التي فقدت في البحر لم يحرك ساكناً».

الموت على أبواب أوروبا

يتم تصوير اللاجئين والمهاجرين، في أحسن الأحوال، كضحايا بحسب ما تقول الكاتبة. وتوضح أنه في الذهنية الجمعية العامة، ليس لديهم وجوه أو أسماء. وسعت في عملها إلى تغيير هذه الصورة من خلال تناول القصة من جانب آخر، من عيون اللاجئين والمهاجرين، وتعمقت في حقيقة الأشخاص الذين فروا من الاضطهاد والنزاع والفقر المدقع، حيث خاطروا بحياتهم لعبور البحر، ثم وجدوا أنفسهم عالقين في نظام غير مصمم لتوفير الحماية لهم، ولكنه غالباً ما يسعى إلى الاستفادة منهم والحفاظ على تهميشهم. تتناول الكاتبة قصة الذين تشكلت حياتهم ومصائرهم على حدود أوروبا، حيث اتبعت رحلتهم أثناء انتقالهم من ملجأ إلى آخر، من الجنوب إلى الشمال، ومن بلد إلى بلد، ووثقت ظروفهم وتطلعاتهم.
بذلت الكاتبة جهداً بحثياً كبيراً في الأرقام والإحصائيات أيضاً، ومما تذكره في الكتاب: «فقد أكثر من خمسة آلاف مهاجر حياتهم عبر البحر المتوسط ​​وبحر إيجة في عام 2016، حيث غرقوا أو خنقوا أو سحقوا أثناء العبور. لقد مات أكثر من 25 ألف مهاجر أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا أو البقاء فيها منذ عام 2000. وفي منتصف عام 2017، شهدنا الآلاف يفقدون حياتهم في البحر أثناء رحلتهم إلى أوروبا».
وتضيف: «بالنسبة لأولئك الذين قاموا بالرحلة عبر البحر وتمكنوا من الوصول إلى أوروبا، بدأت مرحلتهم التالية من البؤس. ترى ذلك البؤس في أنظمة استقبال اللجوء عبر دول الاتحاد الأوروبي في الخطوط الأمامية، والناجمة عن تعهيد المرافق وخصخصتها. ترى ذلك في «نظام النقاط الساخنة» الذي تفرضه المفوضية الأوروبية، والذي يعمل فقط كإجراء يرفض الأكثرية ويحمي أقل عدد منهم.. ترى البؤس عند المهاجرين الذين يواجهون البرد القارس والثلوج دون ملاجئ في جزيرة ليسبوس لأنهم كانوا محاصرين وسط حالة من الغموض، كنتيجة مباشرة للاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ترى مهاجرين ليس لديهم مكان يلجؤون إليه وينامون في الشوارع، وسط أوروبا الغربية «المتحضرة». ومع وجود مؤسسات قوية، كان من الصعب على الدوام تحدي المفهوم السائد للهجرة، وتصحيح رواياتهم عن اللاجئين والمهاجرين، وأصبح الأمر أعقد بشكل متزايد منذ الأزمة المالية. لقد نمت الأحزاب والجماعات اليمينية المتطرفة بشكل مطرد، مستفيدة من الأوقات الاقتصادية السيئة. في العقد الماضي، ساهمت سياسات التقشف التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي في استياء متزايد، حيث كان هناك قدر كبير من سوء توجيهه ضد «الأجانب»، وبعبارة أخرى، ضدّ اللاجئين والمهاجرين».

قوانين صارمة

وبحكم وجودها في بريطانيا، تنتقد الكاتبة السياسة البريطانية في مسألة اللجوء قائلة: «فشلت بريطانيا دائما في الوفاء بالتزاماتها الدولية لاستقبال اللاجئين، وتهربت من مسؤولياتها حتى عندما أصبحت أعداد أكبر من اللاجئين تدخل أوروبا في عام 2015. وبعد تعهد ديفيد كاميرون الذي يرثى له، فقد قررت حكومته أخذ 20 ألف لاجئ سوري من مخيمات اللاجئين بحلول عام 2020، ورئيسة الوزراء تيريزا ماي ذهبت أبعد من ذلك، ليس فقط ضد عمليات الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، التي وصفتها بأنها عامل جذب، ولكن أيضاً «جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لطالبي اللجوء عند وصولهم إلى بريطانيا، وأبقت خدمات الاستقبال في مراكز اللجوء بيد شركات خاصة، وباتت تقدم لطالبي اللجوء دعماً مالياً غير كاف، وعرّضتهم لظروف معيشية مروعة».
وتضيف: «تستمر حكومة حزب المحافظين في رفض المشاركة في استقبال اللاجئين: تم تقديم ثلاثة بالمئة فقط من طلبات اللجوء في أوروبا في بريطانيا. في عام 2016، تلقت بريطانيا فقط حوالي 39 ألف طلب لجوء، مقارنة بحوالي 723 ألف طلب في ألمانيا، وحوالي 124 ألف طلب في إيطاليا، وحوالي 86 ألف طلب في فرنسا. أصبحت السياسات المناهضة للاجئين والمهاجرين التيار الأبرز في جميع أنحاء أوروبا الغربية».
كما تتوقف الكاتبة عند سياقات اللجوء في عدد من الدول من بينها هنغاريا، التي تقول الكاتبة عنها: «في هنغاريا، رئيس الوزراء فيكتور أوربان من فيدس – الاتحاد المدني المجري اليميني من أشد المعجبين بدونالد ترامب. وبالإضافة إلى إغلاق الحدود مع كرواتيا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وضع المزيد من الضوابط على الشرطة بين البلدين، واقترح احتجاز اللاجئين في معسكرات حدودية حيث يتم تقييد حرية تنقلهم بالكامل».
وتتحدث عن الدنمارك أيضاً قائلة: «في عام 2016، أصدرت الدنمارك قانوناً صارماً يسمح لسلطات الشرطة الدنماركية بالبحث والاستيلاء على الأشياء الثمينة لدى طالبي اللجوء (تقدر قيمتها بأكثر من 10000 كرونة، أو 1600 دولار)، وذلك لتغطية تكاليف السكن والطعام. والأسوأ من ذلك هو أن القانون الدنماركي يضمن أيضاً أن على اللاجئ الانتظار ثلاث سنوات قبل أن يتمكن من تقديم طلب لمّ شمل لعائلته للقدوم إلى الدنمارك».
لطالما كان لدى الدنمارك – بحسب الكاتبة – مستوى منخفض من طلبات اللجوء يتراوح بين ثلاثة وخمسة آلاف طلب سنوياً قبل عام 2014. وحتى عندما فرّ عشرات الآلاف من سوريا وحاولوا الدخول إلى أوروبا، لم تستقبل الدنمارك سوى 15 ألف طلب لجوء في عام 2014، ولم يُمنح سوى 6 آلاف شخص منهم تصريح الإقامة. في عام 2015، عندما كانت ألمانيا تستقبل حوالي 800 ألف طالب لجوء، كان لدى الدنمارك فقط 18.500 طلب، ولم يتم منح سوى 10 آلاف منهم حق الإقامة.

اختبار ضمير أوروبا

في بلد لم يتأثر مشهده الاقتصادي بوجود اللاجئين والمهاجرين، لا شك أن الخوف من «الغزو» هو نتيجة للتلاعب السياسي كما ترى المؤلفة. وتستشهد بما قاله المؤلف الدنماركي مارتن بيترسن الذي كتب بشكل مكثف عن الهجرة في أوروبا، والذي يشعر بالفزع والحزن لأن الأغلبية في البرلمان الدنماركي صوتت على هذه القوانين. بحث بيترسن في رحلة اللاجئين وظروفهم في لامبيدوزا في بداية الألفية، واستوحى كتاباته من الصحفي الإيطالي فابريزيو جاتي الذي قام بأعمال سرية من أجل الكشف عن مصير اللاجئين البائسين في أوروبا. شهد بيترسن نفسه الظروف المعيشية غير الإنسانية والمعاملة القاسية للاجئين والمهاجرين – مثل الضرب واستخدام اللغة العنصرية – في مراكز الاستقبال الإيطالية، والذي أعاد تسمية «حديقة الحاويات» في روايته «خروج سوجارتاون».
تؤيد الكاتبة ما ذهب إليه بيترسن في القول أن وصول اللاجئين هو اختبار لضمير أوروبا ونظامها الأخلاقي. ومما تذكره من كلام بيترسن: «قبل بضعة أعوام، كان عدد قليل جداً من الناس في الدنمارك يعرفون أو كانوا مهتمين بما يحدث في لامبيدوزا ومالطا واليونان وإيطاليا وإسبانيا. لكن منذ سبتمبر/أيلول 2015 عندما شوهد اللاجئون السوريون وتم تصويرهم وهم يسيرون شمالاً على طول الطرق السريعة في جنوب جزيرة جوتلاند السويدية، أعتقد أن أعين الكثير من الناس تفتحت. وكانت ردود الفعل كثيرة. من الرجل الذي بصق على اللاجئين من جسر فوق الطريق السريع، إلى الناس الذين توجهوا نحو الحدود الألمانية في سياراتهم وأوصلوا اللاجئين إلى كوبنهاجن، حتى يتمكنوا من الوصول إلى السويد بشكل أسرع. بعض الدنماركيين الذين ساعدوا السوريين حوكموا، وربما عوقبوا بتهمة الاتجار بالبشر، رغم أنهم في هذه الحالة كانوا ينقلون اللاجئين السوريين، بدون أي أجر، من الحدود الألمانية إلى العبّارات أو الجسر إلى السويد.
بيترسن يشعر بالخزي من السياسات الدنماركية بحق طالبي اللجوء. حتى أن حزب يمين الوسط الحاكم، فينستري، المدعوم من قبل حزب الشعب الدنماركي المناهض للمهاجرين كان يريد إغلاق الحدود، قال علناً إن هذه القوانين يتم إصدارها بشكل أساسي لإبقاء الناس بعيداً وإخافتهم من طلب اللجوء في الدنمارك. ولسوء الحظ، 20٪ من الدنماركيين يصوتون لحزب الشعب الدنماركي، ويحبّون هذا القانون. حتى البعض يريد قوانين أكثر صرامة».
تجد الكاتبة أن هناك قلة من الكتّاب والصحفيين يواجهون عقبات صعبة، خاصة عند الإبلاغ عن الهجرة وتقديم الحقائق بصدق. ويكون التحدي الأول دائماً الابتعاد عن حدود وسائل الإعلام السائدة والخطاب السياسي المهيمن، وذلك من خلال طرح بعض الأسئلة مثل: من يحدد «الأزمة»، لماذا هي «أزمة»، وما هي طبيعة «الأزمة»؟
يكشف هذا العمل البحثي عن العنف الهيكلي الذي وضعته النخبة في الشمال، ونظرتهم إلى اللاجئين والمهاجرين المحاصرين في نظام الهجرة المتبع في الاتحاد الأوروبي، وتصنيفهم على أنهم مجرد أرقام في الميزانيات العمومية لسلسلة استقبال اللجوء، حيث يتم التعامل مع احتياجاتهم وتطلعاتهم على أنها غير ذات صلة.
ونختم بما تقوله الكاتبة: «إن الأزمة الحقيقية التي نواجهها هي أزمة عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستجابة لأشخاص من الجنوب يفرون من ظروف بائسة بحثاً عن ملجأ وإقامة. الأزمة الحقيقية هي فشل الاتحاد الأوروبي الهائل في إحباط هؤلاء».

نبذة عن الكاتبة

هسياو-هونج باي من مواليد 1968 تايبيه،( الصين الوطنية). نشرت وتنشر في العديد من الصحف والمواقع العالمية باللغة الإنجليزية والصينية. ومؤلفة للعديد من الأعمال منها كتاب همسات الصينيين: قصة جيش العمال المخفي لبريطانيا(2008)، وصل للقائمة القصيرة في جائزة أورويل للكتاب لعام 2009، رمال متفرقة: قصة المهاجرين الريفين في الصين(2012)، وفائزة بجائزة بريد آند روزيس في 2013، والمخفي: تجارة العاملات لأجل الجنس في بريطانيا2013، شعب أبيض غاضب: وجهاً لوجه مع اليميني البريطاني المتطرف (2016). تعيش باي في المملكة المتحدة منذ عام 1991، وتحمل شهادات الماجستير من جامعة ويلز، وجامعة دورهام وجامعة وستمنستر. وهي حاصلة على درجة البكالوريوس من جامعة فو جين الكاثوليكية في نيو تايبيه.

ترجمة: نضال إبراهيم

صعود «الترامبوية»

 

كان الكاتب ديفيد فروم يجمع الأكاذيب، والتشويش، والتجاهل الصارخ للقيود التقليدية المفروضة على مكتب الرئاسة الأمريكية لفترة طويلة، وساعدته بشكل خاص فترة عمله في البيت الأبيض ككاتب خطابات لجورج بوش، حيث شهد الطرق التي كانت فيها الرئاسة مقيدة، ليس بموجب القانون، بل بالتقاليد، والأعراف، والاحتجاج العام، لكن كلها ضعفت الآن. يجد في عمله هذا أنه سواء دامت رئاسة ترامب عامين، أو أربعة، أو سبعة أعوام أخرى، فإن طبيعة الرئاسة تغيرت إلى الأسوأ، ومن المرجح أن تظل كذلك لعقود من الزمن.
في كتابه الجديد هذا المقسم إلى اثني عشر فصلاً، الذي يقع في 320 صفحة من القطع المتوسط الصادر عن دار «هاربر» للنشر باللغة الإنجليزية، يوضح فروم أن العمل الشاق للانتعاش في الرئاسة الأمريكية يبدأ من الداخل الأمريكي. ويشير إلى أن «ترامبوكراسي»، أو «الترامبوية» توضح كيف أن ترامب يمكن أن يدفع أمريكا نحو الليبرالية، وعواقب ذلك على الشعب الأمريكي، وشعوب العالم، والتدابير الممكن القيام بها لمنعها.

ولتوضيح عنوان الكتاب، ننطلق من كلمة «الديمقراطية» التي في مناهج التربية المدنية في المدارس تعود بأصلها إلى كلمتين إغريقيتين هما «الناس» و«الحكم». وسمّى هذا الكتاب «ترامبوكراسي» لأنه دراسة الحكم القائم في الولايات المتحدة، وليس دراسة شخصية ترامب. الموضوع هو سلطة الرئيس ترامب: كيف استطاع أن يكسبها؟ كيف استخدمها؟ ولماذا مع ذلك لم تتم مراجعتها بشكل مؤثر؟
يقول الكاتب حول ذلك: «أي رئيس أمريكي ليس زعيم قبيلة، يحكم بالكاريزما الشخصية لديه، أو بقوة مجردة. الرئيس (ربما يوماً ما الرئيسة) يمارس مهامه عبر الأنظمة؛ عبر حزب في الكونجرس والولايات؛ عبر منظمات إعلامية داعمة؛ عبر شبكات سياسية وطنية من المتبرعين والناخبين؛ عبر مئات الطواقم المتضمنة في مصطلح «البيت الأبيض»؛ وعبر آلاف الموظفين القدامى الذين معاً يديرون الفرع التنفيذي».
ويضيف: «كذب ترامب بالطبع بشكل سيئ، بشأن تاريخه الخاص في ما يتعلق بحرب العراق. وكرر فانتازيا بشأن معارضة الحرب بشدة، مضمونها أن الرئيس جورج دبليو بوش أرسل ممثلين له إلى ترامب يناشدونه ليبقى هادئاً. كل هذا كان غير صحيح تماماً. ومع ذلك، لا يهم إذا كان غير صادق حول تاريخه الشخصي، إلا أنه حطم كل التابوهات التي أسكتت الصدق والنزاهة في الآخرين».

كسر القيود

هذا الكتاب هو قصة الذين يمكّنون، ويدعمون، ويتعاونون مع دونالد ترامب. العديد من هؤلاء الناس وجدوا طرقاً للتعبير عن عدم راحتهم الشخصية، وانزعاجهم من ترامب. تلك التعابير يمكن أن تكون على نحو صحيح بدرجة أقل، أو أكثر. ربما تصبح في أحد الأيام مهمة، كما يقول الكاتب. ويضيف أنه «في الوقت الذي يتخلى فيه أنصار ترامب عنه، سيبقى في حالة من العزلة والعجز، وسيصبح سناً ميتاً في لثة الحكومة الأمريكية. ومع تلك الفرصة التي اكتشفها، والخطر الذي قدّمه لن ينتهي مع الحياة المهنية لدونالد ترامب. فنقاط الضعف التي استغلها ترامب سوف تبقى نقاط ضعف قائمة. وكذلك مزّقت القرارات السياسية والاتجاهات الاقتصادية بعمق الولايات المتحدة المعاصرة، إلى جانب ترسيم خطوط الطبقة، والعرق، والدين، والأصل الوطني، والهوية الثقافية. حتى إن الروابط بين الرجال والنساء أصبحت ضعيفة. تلك ليست ادعاءات بلاغية، بل حقائق قابلة للقياس. التنوع يستدعي عدم الثقة، وعدم الثقة المتبادلة بين الأمريكيين كانت المصدر السياسي الأكثر أهمية لدونالد ترامب».
ويضيف الكاتب: «من روسيا إلى جنوب إفريقيا، ومن تركيا إلى الفلبين، ومن فنزويلا إلى المجر، حطم القادة السلطويون القيود المفروضة على قوتهم. وتآكلت حرية وسائل الإعلام والقضاء في ظلهم. صحيح أنه لا يزال الحق في التصويت قائماً، لكن الحق في أن يُحسب صوت واحد بنزاهة لم يعد موجوداً. حتى إنه في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2016، أصبح انحدار الديمقراطية العالمي مصدر قلق لشعوب أخرى في أنحاء العالم. هذا التفاؤل الذي يبعث على الرضا عن النفس قوبل بالصعود السياسي لدونالد ترامب».
ويشير الكتاب إلى مكمن الخطورة قائلاً: «الأزمة على الأمريكيين، هنا والآن. بهدوء، وثبات، يدمّر ترامب وإدارته المبادئ والممارسات المقبولة للديمقراطية الأمريكية، وربما بشكل لا رجعة فيه. وبينما هو وعائلته يجمعون الثروة، تقع الرئاسة نفسها في أيدي الجنرالات والممولين الذين يحيطون به».

فشل النظام

يلجأ الكاتب في عمله إلى تسليط الضوء على الناخبين الأمريكيين أكثر من المرشحين؛ على الاتجاهات طويلة المدى، وليس الحوادث الدراماتيكية؛ على اللعبة كما يتم تنفيذها. ويقول: «حتى قبل أن يدفع دونالد ترامب نفسه كمرشح رئاسي كانت السياسة الأمريكية تتجه نحو التطرف واللا استقرار. هيمن ترامب على فرصة سوداء، لكن تلك الفرصة فتحها ووسعها الآخرون له. انتخاب ترامب كان فشل النظام، لكن النظام لم يفشل خارج السماء الزرقاء الصافية.
المؤسسات لا تهتم لنفسها. بل تهتم بالطريقة التي تعمل بها، أو تفشل في خدمة شعب هذه البلاد. «الترامبوية» تركت الأمريكيين في وضع أقل أمناً أمام المخاطر الخارجية».
كما يشير إلى أنه «حتى الآن، خطورة تحدّي ترامب للديمقراطية الأمريكية تبقى موضع جدل وشك. بعض الجمهوريين من ذوي الذهنية التقليدية سوف يشيرون إلى الإحباطات السياسية وصنع القرار الفوضوي لإدارة ترامب بأنه تطمين. كيف يمكنه أن يكون أوتوقراطياً عندما ينفذ أجندته في الكونجرس من دون إتقان؟ لا يمكنه فعل شيء لخمس عشرة دقيقة متواصلة، فضلاً عن إطاحته نظام حكومة دام أكثر من مئتي سنة. الفرضية المنتهية في هذه التطمينات هي أن القادة الوحيدين الذين يجب أن نخشاهم هم أولئك الاستراتيجيون، المنهجيون، والحاذقون، وأن التهديدات الوحيدة التي يجب على الديمقراطية أن تقلق بشأنها هي الهجمات السرية والمفتوحة على شرعيتها. مؤسسو الجمهورية الأمريكية عرفوا ذلك على نحو أفضل. أحد المفكرين السياسيين الذي ترك تأثيراً كبيراً فيهم هو الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الذي حذر من «أن أي مجتمع حر يجب أن تتم حراسته ليس فقط ضد «الجرائم» التي يقوم بها القادة المتنفذون، بل أيضاً ضد الإهمال، والأخطاء، ومسألة إهمال حب الوطن، النماذج الخطيرة، بذور الفساد التي لا تسير في مواجهة القوانين، بل تتملص منها، وهذا الأمر لا يدمر القوانين، بل يضعفها».
ويقول الكتاب أيضاً «بالتالي الآن، الشيء الذي يُخشى منه في رئاسة ترامب ليس الإطاحة الفجة بالدستور، بل الشلل الخفي للحوكمة، ليس المواجهة المفتوحة للقوانين، بل التدمير التراكمي للأعراف وقواعد السلوك، ليس نشر قوة الدولة لتخويف المعارضين، بل إثارة العنف الخاص لجعل المناصرين متطرفين. ترامب لا يعمل وفق استراتيجية، بل وفق الغريزة. مهارته الكبرى تكمن في الكشف عن نقاط ضعف خصومه، ووصفه كل واحد منهم بأنه: «قليل الطاقة»، «صغير»، «فاسد»، «كاذب».
بالطريقة نفسها، يستشعر ترامب فطرياً النقاط الضعيفة في النظام السياسي الأمريكي، وفي الثقافة السياسية الأمريكية. راهن ترامب على أن الأمريكيين شعروا بالامتعاض من اختلافاتهم أكثر من ابتهاجهم بديمقراطيتهم المشتركة. حتى الآن، الرهان نجح.
وعن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية يعلق: «كسب ترامب الرئاسة بفضل جزء كبير من الناخبين الذين يشعرون بالاشمئزاز من واقع لم يعد ينفعهم، ويقدم لهم شيئاً. كانت التركيبة الأكبر والأكثر إخلاصاً من أولئك الناخبين رجالاً شعروا بالتقليل من قيمتهم في الحياة الاقتصادية، وبعدم الاحترام على المستوى الثقافي. ترامب لم يبقِ على إيمانه بهؤلاء الناخبين، لكنهم أبقوا على إيمانهم به. وبسبب خشية الحزب من فقد الناخبين، يبقى متعلقاً بترامب. العديد من أعضاء حزبه يشجبون أفعاله، لكنهم يبقون الأمر بعيداً عن العامة، حيث يبقون داعمين له أمامهم».

انقسامات داخلية

يرى الكاتب أن الرئيس ترامب وضع الولايات المتحدة في حالة من الفوضى لتعزيز سلطته الشخصية. أقنع الملايين من الأمريكيين بتجاهل المعلومات التي يحتاجونها ك«أخبار كاذبة» من «إعلام فاسد». وسمح للدول الأجنبية والسياسيين المحليين بالعبث بنزاهة الانتخابات الأمريكية لمصلحته. ويطالب بأن يتجاهل الضباط الكبار القانون لأجل الولاء الشخصي له. وركز السلطة في أيادي رجال عسكريين أفضل منه، لكنها ليست في أياد صحيحة لحكومة مدنية. عزل الحلفاء، وأرضى الأعداء، ودفع الأمور نحو الأسوأ بسبب أشياء صغيرة. أثار بقسوة الانقسامات العرقية والطبقية التي مكّنته في المقام الأول. أغنى نفسه في الحكومة بطريقة تثبط همّة كل ضابط نزيه، وتدعو المخادعين لمحاكاته.
يجد الكاتب أن الصحف الأمريكية تشير إلى أن الديمقراطية تموت في الظلام، لكنه يجد أنه سيكون «من الدقة بمكان إذا قلنا إنها تموت عبر درجات. ضاعت الديمقراطية الدستورية، وهي في الحقيقة ضاعت بسبب الممثلين السياسيين الذين انتهكوا قواعدها بالتناوب لتحقيق هدف ملح وفوري. كل واحد منهم ينتهك القاعدة، ثم يأتي التالي ليبرر له، في دورة من الانتقام تنتهي فقط في الإلغاء الرسمي وغير الرسمي للنظام الدستوري».
ويذكر أن الديمقراطية الدستورية تأسست في المقام الأول على الالتزام بقواعد اللعبة. الخاسرون في أي جولة من اللعبة يقبلون بخسارتهم، لأنهم يؤمنون بأن دورهم سيأتي مرة أخرى في القريب، والفائزون يقبلون بالحدود وفق مكاسبهم، لأنهم يتوقعون أنه في المرة القادمة ربما يحققون أرقاماً بين الخاسرين.
ويعلق على ذلك: «منذ سنة 1992، تطورت لعبة السياسة كثيراً إلى شكل من تمارين الذخيرة الحية. ربما توضح نهاية الحرب الباردة القسوة المكثفة للمنافسة، ومنذ 1990 كان اهتمام النخب الأمريكية قليلاً ما يتجه نحو قلاقل الأمن القومي. كما أن التباطؤ في النمو الاقتصادي منذ سنة 2000 وصدمة الأزمة المالية والركود الكبير قد أصابت السياسة أيضاً، عندما يبدو أن هناك القليل المتوفر، يتقاتل الناس بقسوة أكثر على ما بقي».
ويشير إلى أن الإحباطات والأخطاء في السياسة الحكومية منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001، عبر حرب العراق، وعبر التعافي الضعيف من الركود الكبير، تحركت كفة ميزان السلطة بسرعة أكبر من جانب إلى آخر، مغرية كل طرف بالاستحواذ على المزيد طالما أنه يستطيع، مدركاً أن الفرصة لن تدوم للأبد.
ويذكر في ختام عمله: «في الوقت الذي يكون الرئيس ترامب قاسياً، جاهلاً، كسولاً خائناً، أنانياً، حاقداً، جشعاً، يترتب علينا أن نكون متسامحين، لطفاء، كرماء، وطنيين، مثابرين، وعلى قدر المسؤولية، ونبلّغ عن الأخطاء. وفي الوقت الذي يكون فيه داعمو ترامب مستهزئين، وغير مبالين، وقاصري النظر، ومتبلدي الذهن، وحاقدين، في المقابل على معارضي ترامب أن يكونوا مثاليين، ومتبصرين، وحكماء، وتوفيقيين، وذوي حساسية أخلاقية عالية. قالت امرأة حكيمة: إنهم ينحدرون نحو الأسفل، ونحن نصعد نحو الأعلى».
ويضيف: «أولئك المواطنون الذين يتخيلون تحدي الاستبداد من داخل مجمعات محصّنة لم يفهموا أبداً كيف يتم تهديد الحرية بشكل فعلي في وضع بيروقراطي حديث؛ ليس بالإملاء أو العنف، لكن من خلال العملية البطيئة المثبّطة من الفساد والتضليل. والطريقة التي يجب الدفاع عنها ليست بسلاح الهواة، بل بإصرار لا يهدأ على الصدق، والنزاهة، ومهنية المؤسسات الأمريكية وأولئك الذين يقودونها.
نحن نعيش أكثر التحديات خطورة للحكومة الحرة للولايات المتحدة الأمريكية التي صادفها أي شخص على قيد الحياة. ما يحدث تالياً يعود إليك. لا تكن خائفاً. هذه اللحظة من الخطر يمكن أن تكون أفضل ساعة لك كمواطن، وكأمريكي».

نبذة عن الكاتب

– ديفيد ج. فروم من مواليد 30 يونيو/ خزيران 1960. معلق سياسي أمريكي كندي. كان كاتب خطابات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وفي وقت لاحق أصبح مؤلف أول كتاب بعنوان «من الداخل» حول رئاسة بوش. وهو محرر رئيسي في «ذا أتلانتيك» ومساهم في «إم إس إن بي سي»، ونائب رئيس وزميل مشارك في معهد آر ستريت. وهو ابن الصحفية الكندية الراحلة باربرا فروم. حاصل من جامعة ييل على درجة البكالوريوس في الآداب والماجستير في التاريخ عام 1982.
وحصل على دكتوراه في القانون من جامعة هارفارد في عام 1987. له العديد من المؤلفات منها: «عودة إلى الوراء: السياسة المحافظة التي يمكن أن تفوز مرة أخرى» (2007)؛ «نهاية الشر: كيف تكسب الحرب على الإرهاب؟» (2004)؛ «الرجل المناسب: الرئاسة المفاجئة لجورج دبليو بوش» (2003)؛ «كيف وصلنا إلى هنا؟ السبعينات: العقد الذي جلب لك الحياة الحديثة – نحو الأفضل أو الأسوأ» (2000)؛ «ما هو اليمين: الأغلبية المحافظة الجديدة وإعادة تشكيل أمريكا» (1997)؛ «سر رأس المال: لماذا تنتصر الرأسمالية في الغرب وتفشل في مكان آخر» (2003).

ترجمة: نضال إبراهيم

 

 

إمبراطورة الشرق.. من سوق الرقيق إلى القصر

 

في الثامن من مارس من كل عام، يحل الموعد الذي اختارته المنظومة الدولية لإعلان الاحتفال بما يوصف بأنه «يوم» المرأة أو هو «عيد» المرأة في أقوال أخرى.

والحاصل أن اليوم أو العيد المذكور يتيح السبيل أمام استعراض وتأمل سيرة النساء البارزات الشهيرات على مر التاريخ.

هنالك تستعيد المجامع الدولية سرديات الشهيرات، حيث تركت كل منهن بصمة واضحة وأثراً ملموساً في دفتر الكسب الإنساني، ومازالت سيرتها تشكل معْلماً بارزاً في الدفتر الزمني المذكور.

في هذا الإطار ترتسم في الذاكرة الإنسانية أسماء وألقاب ترتبط في سياقها «نون» النسوة مع «شين» الشهرة، وتتعانق على أديمها مفردات الحظوظ مع تصاريف الأقدار بالسلب أحياناً وبالإيجاب في أحيان أخرى.

هكذا مضت مسارات الحياة لسيدات شهيرات مازالت أسماؤهن لامعة وسِيَرهن متداولة على اختلاف الحقب الزمنية ومع تباين الثقافات والظروف والسياقات والحضارات.

ثم ها هي الدكتورة «ليزلي بييرس»، أستاذة التاريخ المرموقة في كبرى الجامعات الأميركية تعرض إلى قائمة النساء اللائي أتيح لهن القبض على، أو الاقتراب من مقاليد السلطة، بل والإمساك بصولجان الحكم عبر مراحل مختلفة من التاريخ: هي القائمة التي ضمت مثلاً من القاهرة «شجرة الدر» في الحقبة الأيوبية، وشملت قبلها من الإسكندرية «كليوباترا» في الحقبة البطلمية من حكم مصر.

ثم عمدت البروفيسور «ليزلي بييرس» إلى اختيار الدرس والتحليل لحقبة محورية أخرى في سياق تاريخ بلدان الشرق وهي الحقبة العثمانية التي دامت عدة قرون، ربما بدأت مع إنشاء تلك الدولة التركية في القرن الثالث عشر إلى حين زوالها عند بداية العقد الثالث من القرن العشرين.

هذه التصورات تبلورت في قصة حياة امرأة روتها أستاذة علم التاريخ في واحد من أحدث إصداراتها، وهو الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور، حيث صدر تحت العنوان المثير التالي: «إمبراطورة الشرق» ثم يزداد العنوان إثارة بعد أن تضيف مؤلفة الكتاب عنواناً شارحاً آخر هو: «كيف أتيح لجارية أوروبية أن تصبح ملكة الإمبراطورية العثمانية».

وعبر المحتويات التي تجاوزت 350 من صفحات كتابنا، جهدت المؤلفة في سرد ومتابعة وتحليل سيرة «روكسلانا»: هي بطلة الحكاية المثيرة تاريخياً وسياسياً التي شاءت لها أقدارها أن تولد في أصقاع منطقة تعرف باسم «روثنيا»، وهي منطقة تتوسط حالياً كلاً من بيلاروس (روسيا البيضاء) وأوكرانيا في شرقي القارة الأوروبية.

وكان ذلك على مدار الفترة التي امتدت من مطالع القرن السادس عشر وحتى انتصاف القرن المذكور.

لا تتردد مؤلفة كتابنا في تأكيد أن الاسم الأصلي لبطلة كتابها أصبح مفقوداً. وهكذا خلع عليها الأوروبيون اسم «روكسلانا» الذي دخلت به التاريخ كما قد نقول بدلاً من اللقب الذي شاع إبّان الفترة المذكورة أعلاه، وهو: «فتاة روثنيا».

هي الفتاة، (بالأدق الطفلة الشرق – أوروبية) التي اختطفها تجار الرقيق التتار، ولمّا يتجاوز عمرها الثالثة عشرة، وحملوها إلى سوق النخاسة في اسطنبول، ولكن رسمت لها الأقدار أن يضموها إلى حريم السلطان في عاصمة الإمبراطورية العثمانية التي كانت وقتئذ في أوج مجدها، حيث كان على رأسها السلطان سليمان القانوني.

وتوضح مؤلفتنا كيف أن الصبية الأوروبية لم تكتف بمجرد كونها جارية في صفوف الحريم: لقد قررت أن تطور نفسها. عكفت على تعلّم وإجادة اللغة التركية..

وبدأت مهاراتها ومواهبها تتجلى، فكان أن خلعوا عليها ألقاباً وأوصافاً تدل على نجابتها وخفة روحها. وكان أن اجتذبت اهتمام السلطان سليمان الذي جعلها المحظية رقم واحد في بلاطه، فكان أن أنجبت له أول أبنائه الذي حمل اسم «محمد» وأول بناته التي حملت اسم «مِحْرمة».

وتتوقف فصول الكتاب عند عام 1532 بالذات، وهي السنة التي شهدت إنجاب المرأة القادمة من شرق أوروبا طفلها السادس من أبناء السلطان، الذي لم يلبث أن أعلن زواجه الرسمي من «روكسلانا» التي تصفها المؤلفة أيضاً بأنها كان لها أكبر تأثير وأهم نفوذ لدى أعظم سلاطين الدولة العثمانية عبر تاريخها الطويل.

والحق أن الدكتورة «ليزلي بييرس» بذلت جهوداً حثيثة ومتعمقة في سياق بحثها الأكاديمي في بحث جوانب حياة الزوجة السلطانية المذكورة أعلاه، فكان أن عكفت على تدارس رسائل «روكسلانا» وتعليماتها إلى المبعوثين الأتراك في داخل الإمبراطورية وخارجها بل وخطاباتها الشخصية أيضاً.

في عام 1558 رحلت «روكسلانا» عن دنيا الأحياء بعد أن استطاعت خلال سنوات عمرها، التي تابعتها فصول كتابنا بالسرد والتحقيق والتحليل، أن تضفي تغييرات حاسمة في تصور مؤلفة الكتاب على وضعية المرأة في البلاط العثماني الإمبراطوري المطل على ضفاف البوسفور:

من مجرد دمية أو محظية أو تابعة ضمن صفوف الحريم، إلى حيث تمتعت حرم السلطان «سليمان القانوني» بمركز تأثير فاعل ومحوري ضمن مؤسسة الحكم في اسطنبول، وخاصة بعد أن أصبحت، وفي خطوة غير مسبوقة -كما قد نقول- الملكة الأولى، بل والوحيدة، في تاريخ البلاط العثماني.. بل تضفي المؤلفة على السيدة المذكورة فضل بدء إمبراطورية «بني عثمان» في استهلال المسيرة نحو التمدين والتحديث.

فكان أن ظلوا يصنّفون مسلكيتها وقدراتها وسيرتها في نفس الإطار التاريخي الذي يضم شهيرات النساء المعاصرات في ذلك التاريخ: بدءاً بكاترين دي مديتشي في فرنسا، وليس انتهاء بإليزابيث ملكة إنجلترا التي عاصرها «ويليام شكسبير» ولايزال المؤرخون ينسبون إلى اسمها حقبة الازدهار في تاريخ الإبداع الفني والأدبي في أرض الإنجليز.

الكتاب: إمبراطورة الشرق

المؤلفة: ليزلي بييرس

الناشر: مؤسسة بيزك بوكس

الصفحات:

329 صفحة