تاريخ راديكالي للعالم

منذ ملايين السنين، سادت وتلاشت إمبراطوريات عدة، وخلال هذه الفترات المختلفة، ناضل البشر دوماً؛ لإيجاد مجتمع أفضل مما كان عليه في السابق، إلا أنه في جميع أنحاء العالم؛ نجد ارتباطات مع الماضي، ربما أصبح من الضروري التوقف عندها، وإعادة التفكير فيها، هذا ما يتناوله نيل فولكنر في هذا الكتاب، متوقفاً عند تاريخ السلطة، وجشع المتحكمين فيها، ويناقش أيضاً جوانب التحرر والتقدم والتضامن، ويرى أنه إذا أنشأنا ماضينا على نحو جيد، يمكننا أيضاً أن نخلق مستقبلاً أفضل.
يعدّ عالم الآثار والمؤرخ والكاتب والناشط السياسي البريطاني نيل فولكنر من الأكاديميين الغربيين المنشغلين بمراجعة الأحداث التاريخية، وربط إسقاطاتها، من منظور ماركسي في الغالب، بالواقع المعيشي اليوم، في ظلّ الأزمة الرأسمالية العالمية، وهيمنة المؤسسات الكبرى.
يقول في مقدمته:
«يواجه العالم اليوم أزمة على مستوى ما حصل في ثلاثينات القرن الماضي؛ فالرأسمالية تعيش أزمة طويلة الأمد، بينما تعمل الأموَلة والتقشف على انكماش الطلب، وتعميق الكساد، وتوسيع نطاق اللامساواة الاجتماعية. النسيج الاجتماعي مفتت. والعلاقات الدولية تزداد حدّة، وتتخذ طابعاً عسكرياً. الحرب تهدد على عدة جبهات…والأحزاب الديمقراطية همّشت مع قبول الدوغما الموالية للسوق… ومع ذلك، فإن العقد الأخير قد شهد مستويات غير مسبوقة تاريخياً من المشاركة في الاحتجاجات الشعبية في الشوارع، منطوياً على حشودٍ شعبية عريضة للبدائل التقدمية».
لقد عدّ داعمو التدخل العسكري الغربي في العالم الإمبراطويات الماضية – كالإمبراطورية الرومانية والبريطانية كنماذج للحضارة. لقد أعيد تفسير «أوروبا القروسطية» كمثال للاقتصادات ال«نيو كلاسيكية»، التي يفضلها المصرفيون أصحاب الملايين. أما الثورات العظيمة، فقد أعاد المؤرخون التعديليون تفسيرها؛ لتظهر بما يشبه الانقلابات أو نزاعات الفصائل، في محاولة منهم لشطب الصراع الاجتماعي من التاريخ. أما المحاولات لتفسير الماضي- بحيث يمكننا فهم الحاضر وكفعل لتغيير المستقبل – فقد همشتها نظريات «ما بعد الحداثة»، التي تجادل بأن ليس للتاريخ أي بنية أو نمط أو معنى.
ويناقش فولكنر هذه النظريات فيقول: «إنها تظهر أحياناً بلبوس «الأبحاث الجديدة»؛ إذ إنه دأب المؤرخون على أن يبحثوا بين الأرشيفات؛ لجمع المعطيات والبيانات طوال الوقت، ربما يكون المؤرخون التعديليون الأفضل تزوداً بالمعلومات والمعطيات؛ لكن لا يبدو أنهم الأكثر حكمة».
ويشير إلى دور الفعل في حركة التاريخ، فيقول:»لقد علمنا الفيلسوف الألماني الكبير جورج (فيلهلم فريدريش) هيجل، أن الحقيقة هي الكل، إن سياق التاريخ غير محدد مسبقاً؛ ونتائجه غير حتمية؛ إذ يمكن أن يسير في اتجاهات مختلفة بحسب الأفعال الإنسانية«.
في التعريف بكتابه يقول فولكنر: بدأ هذا الكتاب كسلسلة من المقالات المنشورة بين عامي 2010 و 2012 على موقع يساري على شبكة الإنترنت. بعد ستة أعوام، نشر النص بشكل موسّع ككتاب. وقد فعلت هذا لثلاثة أسباب: أولاً؛ لأنني أدركت المواضيع الأساسية المغفلة، وأردت بذلك ملء الثغرات وتجاوزها. ثانياً؛ لأنني تلقيت الكثير من التعليقات النقدية، وأردت عمل التعديلات اللازمة، وثالثاً؛ بسبب أن التغيير الكبير في السياسات العالمية خلال الأعوام الستة الماضية يتطلب فصلاً أخيراً مفصلاً وموسعاً للتعامل مع الأزمة العالمية… لست، كما وصفني أحدهم، بالمؤرخ اللامبالي؛ لأنني أشارك كارل ماركس نظرته أن (تاريخ كل المجتمعات الموجودة حتى اليوم هو تاريخ الصراعات الطبقية). كما أتشارك معه بفكرة مفادها أن (الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، فيما المهم هو تغييره).
يأتي الكتاب الصادر عن منشورات«بلوتو برس» في أكتوبر/تشرين الأول 2018 في 512 صفحة موزعة على مقدمة وثمانية عشر فصلاً وخاتمة.
العالم بين أزمة الرأسمالية والفاشية
يقول فولكنر: الاقتصاد العالمي غارق في أزمة ركود طويلة الأمد. كما أن الإنسانية قادرة على إنتاج كميات غير مسبوقة من الثروة. نصف هذه الثروة تقريباً تحت سلطة البنوك، الشركات، الدول والأشخاص إضافة إلى مفرطي الثراء. هذه الكتلة من الفائض الهائل، التي ينتجها كدح القوة العاملة، لم تعد تستثمر بالشكل المنتج: إنها مستخدمة في تمويل نظام فاشل بعمق يقوم على الدين والمضاربة.
هذه «النيوليبرالية» المتطفلة هي جزء من أزمة أعرض للرأسمالية العالمية. تفتت اللامساواة وغياب العدالة في النسيج الاجتماعي. كما أن النظام العالمي في حالة انهيار. أما الفاشيون، العنصريون فيحصلون على المزيد من المساحة على الأرض، همشت الديمقراطية، وتقلصت الحريات المدنية. كما أن الاحتباس الحراري يهدد الكوكب والإنسانية كلها بكارثة مناخية.
يلاحظ محللو التيار السائد (الماينستريم) هذه المشاكل؛ لكنهم إما أن يلجأوا إلى التقليل من أهمية ذلك أو أنهم يتجاهلون الروابط بينها. «ويشير الكاتب للفكرة الماركسية، التي استقاها كارل ماركس من الفيلسوف الألماني هيجل، والتي مفادها أن (المجتمع كلٌّ معقد ومتناقض)؛ حيث كل شيء مرتبط بكل شيء آخر، وأن الخاص يمكن فهمه، فقط؛ عبر علاقته ضمن العام».
هذه كانت الفرضية الضمنية عبر هذا «التاريخ الراديكالي». ويتوجب علينا الآن تطبيق هذا النهج على الحقبة، التي نعيشها راهناً؛ إذ ليس باستطاعتنا فهم الأزمة المركبة، التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي في مطلع القرن الحادي والعشرين دون الإحالة إلى الفترة الطويلة، التي أوصلتنا إلى هذه النقطة».
في فقرة فرعية، بعنوان: «الفاشية الزاحفة» يقول فولكنر: «كانت واحدة من تلك اللحظات، التي تغير العالم فيها. ومثل انهيار جدار برلين عام 1989، وتفجير البرجين التوأم في 2001 والأزمة المالية في 2008، فإن انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2016 أرسل موجات صدمة خلال العالم».
لم يجد المحللون الكلمات المناسبة لوصف ما حدث.. ملياردير متهرب من الضرائب، كاره للنساء معترف بارتكاب إساءات، متنمر على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فخور بتعصبه، كاره لمعظم البشرية. هذا الرجل بالتحديد انتخب؛ ليشغل أقوى منصب سياسي في العالم. 63 مليون أمريكي انتخبوا هذا الشخص.
لكن ترامب هو جزء من ظاهرة عالمية: صعود طبقة من الحكام اليمينيين المتطرفين المستبدين… وعبر العالم، باتت الديمقراطية مهمشة والحريات المدنية مهددة وحقوق الإنسان منتهكة. وفي أوروبا تحديداً، بات هناك ما يمكن تسميته «الموجة الثانية» من الفاشية، التي من مظاهرها وصول الحكومة اليمينية المتطرفة للسلطة في كل من بولندا وهنغاريا. وحصول زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا على 34 في المئة من الأصوات في حملتها الرئاسية الأخيرة.
يستخدم مصطلح «فاشي» أحياناً بشكل فضفاض؛ لوصف أي سلوك سلطوي مستبد؛ لكن ما يثير القلق أكثر هي النزعة لتعريف المصطلح في إطاره الضيق والمحدد، وإنكار أنه قابل للتطبيق على الحركات اليمينية المتطرفة الموجودة اليوم؛ عادة على أساس أنها لا تمثل بشكل كاف صورة النازيين الألمان في فترة ما بين الحربين. وهذا خطأ كبير؛ لأن التاريخ يعيد نفسه؛ لكن ليس بشكل حرفي. إن تجربة ما بين الحربين ترينا أنه يمكن للفاشية أن تتخذ أشكالاً مختلفة. إنها حركة تحمل المعنى الحرفي للعملية (السيرورة)، التي تتغير من مكان إلى آخر، وتتبدل من زمن لآخر، وتتطور عبر التفاعل مع قوى أخرى في ظروف تاريخية متينة.
الثورة النيوليبرالية المضادة
يركز الكاتب على دور النيوليبرالية في إضعاف الحركة العمالية، وتعزيز الآلة الرأسمالية المهيمنة. يقول: «لقد أضعفت الثورة النيوليبرالية المضادة، التي انطلقت أواخر السبعينات المجتمع المدني عموماً، والحركة العمالية خصوصاً. لقد ظهرت الطبقة الحاكمة الدولية في الثمانينات؛ بعد عدد من الهزائم الكبيرة والعميقة، التي تعرضت لها الطبقة العاملة، ثم شهدت العقود الأربعة التالية، توزيعاً على نطاق واسع للثروة والسلطة في مصلحة رأس المال. لهذا، ربما نكون اليوم شهوداً على مرحلة ثانية من تلك الثورة المضادة؛ تصاعد راديكالي، عدم التمكين وإزالة الصفة السياسية للطبقة العاملة».
ليست الفاشية «أداة» مصممة لغرض تاريخي معين. إنها غير «متحكم بها» من سادة ومحرّكين رأسماليين. إنها تعبير مركّز للنيوليبرالية، العنصرية، كراهية الأجانب (الزينوفوبيا)، التحيز الجنسي، العسكرة، التعصب الديني، عبادة السلطة، الانفعال الذهاني، الذي يفيض في المجتمع الرأسمالي في وقت الأزمات.
لا يمكن للنخبة العالمية الاستمرار بالحكم وفق الأسلوب القديم؛ لكن البديل الوحيد الممكن والقابل للتطبيق للفقر، الحرب، الاحتباس الحراري هو تجريد النظام المحدد، الذي ترتكز عليه ثروة وسلطة هذه النخبة. وهذا ما ليس بمقدورهم فعله. لا يمكن للطبقة الحاكمة حلّ هذه الأزمة إلا بالانحدار نحو الهمجية. إن دور سادة رأس المال يجعلهم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، طبقة اجتماعية متطفلة دون وظيفة تاريخية.
لقد أخذ التقدم الإنساني بالاعتماد على إطاحة الطبقة النيوليبرالية الحاكمة، سلطة الدولة بأفراد الطبقة العاملة، والاعتراف بالحياة الاقتصادية والاجتماعية تحت الحكم الأهلي.
أما درس القرن ال21 فهو أنه لتحقيق النجاح؛ يتوجب تحقيق ذلك على المستوى العالمي. أما درس العقود الأربعة الماضية؛ فهو أن «الاشتراكية في دولة واحدة»؛ تعد وهماً مضللاً؛ لكن هل الثورة العالمية لا تزال ممكنة في القرن الحادي والعشرين؟
الثورات، بالعموم، غير متوقعة، ومعدية بشكل مؤثر. كما أنها آليات تغيير هائلة. انفجرت الثورة الفرنسية عام 1789، ثم بين أعوام 1789 و1794 بدأت تتشكل آليات عملية سياسية لقيادة الثورة… انحسرت الثورات بعد عام 1815؛ لكنها ما لبثت أن انطلقت مجدداً؛ أولاً في فرنسا عام 1830، ثم إثر موجة من العصيان عام 1848 في باريس، برلين، فيينا، بودابست، روما ومدن أوروبية أخرى. ومع أن الثوار قد هزموا، إلا أن الدافع للإصلاح الذي قدموه لم يكن ليتوقف. لقد عرف حكام أوروبا أنه كان عليهم إدارة التغيير من أعلى أو المخاطرة بمواجهة المزيد من الانفجارات من تحت. أصبحت فرنسا دولة، وتوحدت إيطاليا وتحولت ألمانيا إلى دولة-أمة حديثة. لقد أطلقت الثورة البلشفية (1917) سلسلة من ثورات رد الفعل من ألمانيا إلى الصين. أنهت الثورات في ألمانيا والنمسا-هنغاريا الحرب العالمية الأولى. وبدا أن الحركة الثورية ككل، بين 1917 و 1923 قد اقتربت من هدم النظام الرأسمالي العالمي برمته.
خطوات لفهم الثورة وحقيقتها الفعلية
في عام 1924، كتب المنظر الماركسي الهنغاري جورج لوكاش، في معرض تأملاته حول الحقبة العظيمة من الحرب والثورة، التي مرت للتو، في كتابه «حقيقة الثورة» ما يصلح لأن نستعيده في إطار عصر الأزمة،الذي نعيشه. كتب لوكاش، إن الماركسية «تفترض الحقيقة والفعلية العالمية للثورة البروليتارية. وبهذا المعنى، من ناحية الأساس الموضوعي للحقبة كلها ومفتاح فهمها، فإن الثورة البروليتارية تشكّل جوهر الماركسية…».
بالنسبة للوكاش، فإن ثورة الطبقة العاملة العالمية كانت إمكانية حيوية وحاضرة باستمرار. النقطة هنا، أن النظام القديم احتوى ضمنه الإمكانية المستمرة للثورة، وأن ذلك كان الحل الوحيد المرجح للمعاناة الإنسانية المتزايدة باستمرار.
ويورد فولكنر خمس نقاط يرى أنها ضرورية في سياق فهم أفضل لسيرورة الثورة ضد الرأسمالية والنيوليبرالية:
1) يتوجب علينا فهم ضرورة الحاجة لتغيير النظام. وعندما نتمكن من ربط الحملات، المحتجين والصراعات على تباينها ضمن هجوم عام على النظام الذي هو في الأساس مشاكل الإنسانية، حينها يمكننا أن نأمل بحل تلك الأزمات.
2) علينا أن نفهم الحاجة إلى الدولانيّة. وهذا يعني رفض كل أشكال العنصرية، النزعة القومية و«الشيوعية في دولة واحدة». وبناء شبكات عالمية للمقاومة والتضامن قادرة على تحدي السلطة العالمية للأثرياء.
3) كما أن علينا فهم مركزية الطبقة العاملة – المعرفة بنسبة ال 80 في المئة- لأي استراتيجية جدية لتغيير النظام.
4) يجب أن نبني شبكة من الحركات الاجتماعية الواسعة والجماعات الشعبية المشاركة لتنظيم، نشر وتعزيز صراعات الطبقة العالمية ضد النظام.
5) يتوجب علينا تنظيم أصحاب الرؤى الثورية ضمن شبكات من النشطاء القادرين على قيادة وتنظيم المقاومة العامة من الأسفل، وتحويل الغضب الشعبي إلى موجة من صراع الطبقة العاملة التي تتحول في النهاية إلى حركة ثورية عالمية جديدة يمكن مقارنتها، وإن كانت أكبر، من تلك في أعوام 1789، 1848، 1917، 1968 و 1989.
ويخلص الكاتب إلى فكرة مفادها: «بات العالم المختلف ضرورة تاريخية مطلقة. العالم الآخر ممكن. أما الثورة، بهذا المعنى، فهي «حقيقة فعلية». لكن هذا ليس يقيناً. يجب القتال لأجله. وإنجازاته تعتمد على ما سنفعله كلنا. لم تكن الرهانات التاريخية بأعلى مما هي عليه الآن».
نبذة عن الكاتب
** نيل فولكنر (1958) أكاديمي وعالم آثار ومؤرخ بريطاني. له الكثير من الأبحاث والمحاضرات المنشورة في دوريات ومواقع يسارية. من أحدث كتبه:«تاريخ ماركسي للعالم»(2013)، حرب لورانس العرب (2016)، تاريخ شعبي للثورة الروسية (2017) وآخر كتبه«تاريخ راديكالي للعالم» (2018).

كيف تصنع الهند مكانتها في العالم؟

 

تتبع الهند سياسة التروي والصبر في سياستها الداخلية والخارجية، ولا تزال تعتمد على إرثها الكبير في سياسة عدم الانحياز، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. اليوم، تركز هذه الدولة العملاقة على تعزيز نموها، وتأسيس مكانة عالمية تتناسب وإمكاناتها الصاعدة. تناقش الكاتبة أليس آيرس هذه السياقات ضمن النظام العالمي المقبل وعلاقة الهند مع الولايات المتحدة، وضرورة لجوء الطرف الأمريكي إلى تغيير سياساته مع الهند لبناء شراكة حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل.
على مدى السنوات ال 25 الماضية، قفز النمو الاقتصادي الهائل في الهند إلى صفوف القوى الكبرى الناشئة في العالم، بعد أن عانى الشعب الهندي لفترة طويلة الفقر المدقع، حتى التسعينات من القرن الماضي، بسبب النظام الرقابي المرهق الذي حد من قدرة اقتصادهم على المنافسة على نطاق عالمي. منذ ذلك الحين، فتحت الحكومة الهندية تدريجياً الاقتصاد، فكانت النتائج مذهلة. لقد نمت الطبقة الوسطى في الهند بسرعة فائقة، ما يعني أن حجم البلاد الهائل، وعدد سكانها الضخم واقتصاداً يقدّر بتريليوني دولار، سيكون لها تأثير عالمي كبير سواء في التجارة العالمية وتغير المناخ والديمقراطية، وهي في كل هذه السياقات أصبحت دولة مهمة الآن، كما تقول مؤلفة الكتاب.
وترى أن الهند رغم وضوح مضيها على المسار الصحيح لتصبح قوة عظمى، فإنها لم تتخل عن كل سياساتها السابقة: فاستراتيجيتها لا تزال حمائية نسبياً، ولا تزال تناضل مع إرث مبادئ السياسة الخارجية منذ فترة طويلة القائمة على عدم الانحياز. وتقول: «تشمل ديمقراطية الهند النابضة بالحياة مجموعة كبيرة من الأحزاب التي تتبنى سياسات متباينة بشكل مذهل. ولا تتأثر الهند بسهولة بالنفوذ الأجنبي. وتحرص بعناية على استقلالها، ويعود ذلك جزئياً إلى ماضيها في ظل الاستعمار. لكل هذه الأسباب، تميل الهند إلى التحرك بحذر وتروٍ في المجال الدولي».

في هذا الكتاب، تنظر أليسا آيرس في كيفية تأثير التوتر بين ماضي الهند الذي ركز على الداخل واندماجها المستمر في الاقتصاد العالمي في مسارها. واليوم، يريد القادة الهنود على نحو متزايد أن يجدوا بلادهم في صفوف القوى العظمى في العالم، بل في الواقع، باعتبارها «قوة رائدة»، وفق كلمات رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
تنظر آيريس في الدور الذي من المحتمل أن تلعبه الهند مع تنامي مكانتها، مقيّمة العواقب والفرص بالنسبة للولايات المتحدة والدول الأخرى، مع قيام أكبر ديمقراطية في العالم بتحديد مكانها في العالم. وتضيف الكاتبة معلقة: «الهند تكسر قالب «الحليف» النموذجي، كما أن اتساعها وتاريخها وتنوعها يجعلها لا تضاهى بأي قوة ديمقراطية كبرى أخرى». من خلال التركيز على الكيفية التي يصوغ بها منظور الهند الفريد نهجه في الشؤون العالمية، فإن الكاتبة من خلال هذا العمل تقدّم فهماً لمعنى نهوض الهند.
يأتي الكتاب في ثلاثة أجزاء تضم فصولاً وفق الترتيب التالي: (الجزء الأول: التطلع إلى الخلف)، تمهيد، الفصل الأول: مقدمة. الثاني: الهند والعالم. الثالث: الانفتاح على العالم. (الجزء الثاني: الانتقال). الرابع: البحث عن مكان الهند الصحيح. الخامس: قوة حذرة. (الجزء الثالث: التطلع إلى المستقبل). السادس: الدور العالمي المتغير للهند. السابع: مستقبل اقتصادي متغير؟ الثامن: كيف يجب على الولايات المتحدة العمل مع الهند الصاعدة. الخاتمة. ملاحظة ببليوغرافية. قائمة المراجع.

الديمقراطية الهندية

تقول الكاتبة في بداية عملها: في الانتخابات الوطنية الهندية في عام 2014، ألقى المواطنون أكثر من نصف مليار بطاقة اقتراع في أكثر من 900 ألف مركز اقتراع؛ وهو عمل مثير للإلهام للامتياز الديموقراطي. وكانت تقارير تفيد أنه لإعجابه بحجم الديمقراطية الهندية، دفع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى إعطاء الأولوية لتعميق العلاقات. ومثل الأمريكيين، يفتخر المواطنون الهنود بديمقراطيتهم التي كان المرء يعتبرها في السنوات الأولى من استقلال الهند أمراً غير محتمل؛ نظراً للفقر والأمية الهائلين في البلاد. كل عملية انتخاب تعمل على توطيد رؤية مؤسسي الهند واعتقادهم في الحق العالمي بالتصويت، رغم كل الظروف.
وتتوقف عند رأي الأمريكيين بهذه الديمقراطية الهائلة قائلة: «لكن الأمريكيين في بعض الأحيان يتوقعون – عن طريق الخطأ – أن يروا أفكارهم الخاصة عن تعزيز الديمقراطية والمصلحة في تأييد النظام الليبرالي العالمي الذي تعكسه الهند، متنبئين بأن كلا البلدين يجدان أنظمتهما السياسية وتقاليدهما بالطريقة نفسها. يمكن أن يؤدي هذا الخطأ في التقدير إلى الارتباك وخيبة الأمل. الهند تقف ضدّ التدخلات الملموسة في سيادتها، وهذا نابع من تجربتها الاستعمارية. أصبح عدم التدخل مبدأ أساسياً، حينما عمل نهرو على تثبيته دولياً من خلال حركة عدم الانحياز. تنظر الهند إلى المقاربات النشطة فيما يتعلق بتعزيز الديمقراطية – إن لم يكن بناء على طلب صريح من البلد المضيف – كتدخل في السيادة.
إذا كانت حدود التعاون في مجال تعزيز الديمقراطية في البلدان الأخرى تنبع من مخاوف السيادة الهندية، فإن هذه المخاوف تصبح أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالعديد من المعايير الديمقراطية الليبرالية التي توليها السياسة الخارجية الأمريكية اهتماماً خاصاً بالتأييد في جميع أنحاء العالم: حرية التعبير، والحرية الدينية، وفضاء المجتمع المدني، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، ودعم تمكين المرأة، وغيرها الكثير. تنبع هذه التأكيدات من التركيز الأمريكي على حقوق الإنسان العالمية، والاعتقاد بأن أدوات السياسة الأمريكية يمكن ويجب أن تحدث فرقاً إيجابياً حول العالم كما تقول الكاتبة.
وترى أن التركيز الأمريكي على حقوق الإنسان يؤدي وظيفة رمزية «للقيم والمبادئ التي تقف عليها الولايات المتحدة». هذه المخاوف متضمنة في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في السلطة التنفيذية، وفي إشراف الكونجرس على الإدارة.

احترام الشؤون الداخلية للدول

في الواقع، يطلب الكونجرس الأمريكي – كأمر قانوني – تقارير سنوية من وزارة الخارجية حول حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، والاتجار بالأشخاص، والحرية الدينية. كما يطلب من وزارة العمل الأمريكية تقريراً مفصلاً عن عمالة الأطفال في جميع أنحاء العالم.
تعلق الكاتبة: بالنسبة للحكومة الهندية، فهذه مسائل تتعلق بالاختصاص القضائي المحلي. وتحضر إلى أذهانهم مسائل المسّ بالسيادة الوطنية. إن الدستور الهندي يكرس حقوق الإنسان، والمساواة بين المرأة والرجل، وحرية الدين، والحماية من التمييز، وغير ذلك. لكن الحكومة الهندية ترى أن هذه القضايا هي أمور داخلية بحتة. ومع وجود استثناءات نادرة في الجوار، ترتبط عادة بمجموعة تصويت محلية، فإن الهند عموماً لا تؤيد حقوق الإنسان خارج حدودها. كما أنها لا تدعم عادة قرارات دولة واحدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. قامت»هيومن رايتس ووتش«مؤخراً بتقييم سجل التصويت لدى الهند في مجلس حقوق الإنسان على أنه إحدى أقل الدول دعماً لتفويض المجلس بشأن التصدي للأوضاع في الدول. وهذا يتعلق بوكالة تابعة للأمم المتحدة كانت الهند عضواً فيها منذ إنشائها في عام 2007.
ترى الهند أن الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، تفتقر إلى الشرعية لإصدار الحكم على الأوضاع داخل حدود البلدان الأخرى كما تذكر المؤلفة، موضحة أكثر: عند إصدار لجنة أمريكية بياناً عن الحرية الدينية الدولية، خرج بيان من وزارة الشؤون الخارجية في 2015 يعكس هذا المنظور بشكل جيد قائلاً: «نحن لا نأخذ في الاعتبار هذا التقرير».
وتضيف الكاتبة: في الوقت نفسه، توفر تجربة الهند التي تجري الانتخابات على أساس شبه ثابت إمكانات كبيرة لمزيد من الشراكة. فعلى الصعيد الدولي، تدافع الهند عن الديمقراطية، وتقف على أهبة الاستعداد لتقديم المشورة إذا طلب منها ذلك، وقد دعمت بقوة صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية ومجتمع الديمقراطيات. مع التركيز على هذا الواقع، يجب على الولايات المتحدة أن تتشارك مع الهند في بذل المزيد من الجهود في الجوانب الانتخابية للديمقراطية، والإبقاء على التركيز على العناصر الموجودة داخل منطقة الراحة الخاصة بنيودلهي.

العلاقة الأمريكية-الهندية

بحكم خبرتها في الهند وآسيا، ترى الكاتبة في نهاية كتابها أن العلاقة بين الولايات المتحدة والهند، بقيت راكدة لعقود خلال الحرب الباردة، واليوم مع ممارستها الديمقراطية تسعى الولايات المتحدة إلى الشراكة معها في القرن الواحد والعشرين، وهي تظهر بين القوى العظمى في العالم، وهذا بدوره سوف يظهر على الأرجح تغيراً في السياسة الأمريكية تجاهها.
تقول الكاتبة هنا: الولايات المتحدة فقدت الهند في القرن العشرين، واليوم ستسعى إليها في القرن الواحد والعشرين، حيث إن الهند دولة قوية ومؤثّرة في منطقة المحيط الهندي المتقلبة تقدّم نموذجاً للنجاح الاقتصادي والديمقراطي الذي يقف على خلاف النموذج الذي قدمته الصين، وهذا يخلق تحالفاً آسيوياً للقوة. الهند شريك «لا غنى عنه»، كما قال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث ستكون هناك روابط اقتصادية قوية معها، حتى وإن كان هناك بعض الخلافات القوية تطفو على السطح، كما سيكون هناك تعاون معها بشأن القضايا الحساسة في المحيط الهندي والقلاقل في منطقة آسيا-المحيط الهادي، وسيكون على الولايات المتحدة التشاور معها مراراً وتكراراً بشأن مسائل السلام والصراعات حول العالم، ومعها ستتطلع الولايات المتحدة نحو المستقبل في سبيل صياغته بشكل تعاوني.
وتضيف الكاتبة: من وجهة النظر هذه، هذا يشير إلى نظام عالمي سيكون للهند فيه حضور منتظم وواضح في مساعينا الاقتصادية العالمية، ودبلوماسيتنا، واعتباراتنا الأمنية والدفاعية. سوف تتوقع الهند من هذا النظام العالمي فهم خصائصها ومساهماتها، بينما تصوغ لنفسها سياقها الخاص بها وفق ممارسة القوة العالمية التي تستتبعها. إن التعامل مع صعود الهند، ورغبتها في إيجاد صوت لها في المؤسسات العالمية الكبرى التي تتفق بشكل أفضل مع دورها السياسي والاقتصادي الأكبر، سيتطلب في بعض الأحيان دبلوماسية قاسية. وهذا سيعني إدراك أن نيودلهي سوف تفضّل غالباً نهجاً حذراً على نحو أكثر بالنسبة لفتح السوق المحلية، وبالنسبة للاستجابة الدبلوماسية الملائمة للإحباطات الديمقراطية في العالم الثالث، واستخدام القوة على المستوى الدولي.
وتختتم عملها بالقول: ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقع أن قواعد اللعبة التي كانت تمارسها بالنسبة للعلاقات الثنائية سوف تتطلب تعديلات على كل مرة عندما يتعلق الأمر بالهند، إذ إن نيودلهي سوف تسعى إلى وضع شروطها الخاصة بها بدلاً من قبول النموذج الأمريكي الجاهز، وتوقيعه على بياض. وتقول: نيودلهي ليست مهتمة ب«نصيحتنا»، لكن في محادثة بين نظيرين، بشكل دقيق كما ترى نفسها، على الولايات المتحدة أن تبقي هذا الأمر في ذهنها، لتقوم بعمل أفضل يمهّد أمام جيلنا المقبل القدرة عل الفهم والعمل مع هذا البلد المعقد وهو يشق طريقه إلى القيادة، محققاً لنفسه مكانه الخاص به في العالم.

نبذة عن الكاتب

أليسا آيرس من أكبر الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية في الهند وباكستان وجنوب آسيا. وهي تعمل في مجال السياسة الخارجية، ومؤلفة حائزة العديد من الجوائز، وتتمتع بخبرة كبيرة في القطاعات الحكومية وغير الربحية والخاصة.
عملت آيرس في السابق نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لجنوب آسيا من 2010 حتى 2013، حيث كانت تغطي منطقة ديناميكية تضم 1.3 مليار شخص (بنغلاديش، وبوتان، والهند، وجزر المالديف، ونيبال، وسريلانكا)، وقدمت توجيهات سياسية لأربع سفارات أمريكية وأربع قنصليات.
قبل أن تخدم في إدارة أوباما، كانت آيرس المديرة المؤسّسة لممارسات الهند وجنوب آسيا في شركة (مكلارتي أسوشيتش)، وهي الشركة الاستشارية الاستراتيجية الدولية التي اتخذت من واشنطن مقراً لها، في الفترة من 2008 إلى 2010. وقد عملت سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية كمساعدة خاصة لوكيل الوزارة للشؤون السياسية.
لها العديد من المؤلفات منها كتابها عن القومية والثقافة والسياسة في باكستان بعنوان»تحدث مثل دولة» نشرته مطبعة جامعة كامبردج في عام 2009. وحصلت على جائزة كتاب المعهد الأمريكي للدراسات الباكستانية 2011-2012. آيرس تتحدث الهندية والأوردية، وفي منتصف التسعينات عملت مترجمة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. حصلت على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من كلية هارفارد، ودرجة الماجستير والدكتوراه من جامعة شيكاغو بتقدير امتياز.

فقدان التفوق العسكري

 

يبدو أن الجيش الأمريكي فشل في مضاهاة الدعايات المتعددة حول تفوقه، خاصة عند النظر إلى السجل المتواضع من الإنجازات العسكرية التي حققها. فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم. يتوقف هذا العمل عند التفوق العسكري الأمريكي، ومدى صحته وتأثيره، ويسلط الضوء على القوة الروسية والصينية التي باتت في حكم المنافس لها.
للثقافة الأمريكية الاستثنائية جذور عميقة في المؤسسة الأمريكية الحاكمة، التي لاحظها ألكسيس دي توكفيل في عمله المؤثر «الديمقراطية في أمريكا» في عام 1837. ولكن في حين أن الاستثنائية ليست فريدة من نوعها بالنسبة لأمريكا، فإن شدة إيمانها وعواقبها العالمية هي الفريدة. وقد أدت هذه النظرة عن استثنائية الولايات المتحدة إلى إساءة تفسير العوامل المسببة للأحداث الرئيسة في القرنين الماضيين بشكل فادح، وفي بعض الأحيان يكون عمداً. وبناءً عليه، تم استخلاص الاستنتاجات المغلوطة، وإعطاء دروس خاطئة للغاية. ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في الفكر العسكري الأمريكي وتطبيقه الفعلي للقوة العسكرية.

يستكشف هذا الكتاب الفرق الكبير بين المقاربة الروسية والأمريكية للحرب، والتي تتجلى في جميع جوانب الأنشطة من الفن والاقتصاد، إلى الثقافات الوطنية المتعلقة بها. كما يوضح حقيقة أن «النخبة» الأمريكية لم تعد تعتقد أن الحقائق والقوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية الروسية تعمل على معالجة قدرات روسيا الجديدة والعالية في مجالات الحرب التقليدية وكذلك الحرب الإلكترونية والفضاء؛ ويدرس بعمق عدة طرق يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن تدخل في صراع مع روسيا وما يجب فعله لتفاديه.
يقع الكتاب في 250 صفحة صادر عن دار «كلاريتي بريس» في مايو 2018 باللغة الإنجليزية. ويتكون جدول المحتويات فيه من مقدمة بعنوان: «النرجسية الأمريكية الخطيرة»، وثمانية فصول هي: الأول: المقاييس الحقيقية للقوة العسكرية. الثاني: ولادة الميثولوجيا العسكرية الأمريكية الحديثة. الثالث: عدد من التفسيرات الخاطئة للحرب العالمية الثانية. الرابع: عجز النخب الأمريكية عن فهم حقائق الحرب. الخامس: العجز التربوي والرسوم الكاريكاتورية الثقافية. السادس: التهديد بالتضخم والتصوير الإيديولوجي وأسئلة السياسة العقائدية. السابع: الفشل في التعامل مع التجديد الجيوسياسي الحديث. الثامن: شبح «القوة المجوفة». وفي نهاية العمل يقدّم الكاتب خلاصة تحت عنوان: «تهديد سوء التقدير العسكري الأمريكي الضخم»، ثم ينهيه بخاتمة بعنوان: قواعد بوتين في اللعبة: السلام من خلال القوة.

حقيقة مخفية

يرى الكاتب أندري مارتيانوف بحكم خلفيته العسكرية وخبرته في المجال العسكري الأكاديمي، أن البعد التكنولوجي «للاستراتيجية» الأمريكية قد طغى تماماً على أي اهتمام بالمتطلبات الاجتماعية والثقافية والتشغيلية وحتى التكتيكية للصراع العسكري (والسياسي).
ويرى أنه «مع ظهور حرب باردة جديدة مع روسيا، تدخل الولايات المتحدة فترة جديدة من الاضطراب الجيوسياسي، وهي غير مستعدة لها تماماً سواء فكرياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو ثقافياً، لمواجهة حقيقة كانت مخفية خلال السنوات السبعين الماضية خلف ستار من خداع استراتيجي لا ينتهي بشأن روسيا».
كما يقول الكاتب: «قد يؤدي مجيء نظام الدفاع الجوي الثوري S-500 إلى إغلاق المجال الجوي لروسيا وحلفائها بالكامل في وجه أي تهديدات جوية أو بالستية. هذه التطورات وحدها تقلل تماماً من قيمة الملاحة القتالية في خط المواجهة للقوات الجوية الأمريكية التي تكلفها أرقاماً فلكية، واستثمارها الهائل في الفوائد المحدودة جداً للاختراق والتسلل».
ويضيف: «تقنيات الكشف عن أشعة ضوئية ستجعل جميع النفقات على الشبح، دون استثناء، مجرد إهدار للمال والموارد. وكما هو معروف لا يوجد خبراء أفضل في كيفية إهدار الموارد من أولئك الذين يرعاهم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي».

القوة البحرية

 

كما يتوقف الكاتب عند القوات البحرية العسكرية الأمريكية قائلاً: «الوضع ليس أفضل في البحر. إن إطلاق الصاروخ زيركون هايبر-سونيك 3 إم 22 في عام 2017 يعيد بالفعل تعريف الحرب البحرية، ويجعل حتى المناطق البحرية النائية منطقة»بدون شراع»لأي مقاتلة أمريكية كبرى على السطح، وخاصة حاملات الطائرات. وفي الوقت الحالي، وفي المستقبل المنظور، لا توجد أي تكنولوجيا قادرة على اعتراض مثل هذا الصاروخ». مضيفاً: «لا تزال البحرية الأمريكية تحتفظ بقوة تحت سطح البحر من الطراز العالمي، ولكن حتى هذه القوة ستواجه صعوبات كبيرة عند مواجهة تحدي الغواصات غير النووية القاتلة الصامتة والقادرة، إلى جانب القوات البحرية المضادة للغواصات البحرية والقوية، على إغلاق سواحلها بالكامل أمام أي نوع من التهديد. وبمجرد الوصول من خلال السواحل والبحر وحتى بعض المناطق في المحيطات، يتم إغلاقها، كما هي الآن، بالتالي فإن أحد الركائز الأساسية لعقيدة واستراتيجية البحرية الأمريكية أي القدرة على إظهار القوة ينهار..».
ويستشهد برأي الراحل سكوت شوغر الذي تحدث عن التناقض البحري الأمريكي قائلاً: «عندما تتجاهل قوة قارية مثل الولايات المتحدة حواجزها الدفاعية الطبيعية وتبني أساطيل قتالية كبيرة، فإنها تحولت من واقع جيوسياسي إلى نوع من التظاهر المزعج. هذا النوع من البحرية موجود فقط لهزيمة القوات البحرية الأخرى التي تحمل النزعة ذاتها. وهذا لا يمكن تبريره إلا في حالة وجود أساطيل أخرى مماثلة لتلك الموجودة بالفعل».
ويضيف: «لا توجد سفن بحرية تتمحور حول الناقلات، بخلاف البحرية الأمريكية، ولن تكون موجودة في المستقبل القريب حيث إن جميع اللاعبين البحريين الرئيسيين في العالم، باستثناء الولايات المتحدة والقوات البحرية الملكية البريطانية، اتخذوا من عقيدة القتل المميت حتى الصميم نمطاً لهم، واستمروا بالاستثمار في قدرات خطيرة ضد النقل البحري عبر مجموعة كبيرة من المنصات، مع الاتحاد السوفييتي، ومع روسيا اليوم، التي تعمل على تطوير الأسلحة الفتاكة الفائقة والضخمة. وتصبح صواريخ كروز الجديدة التي تستطيع تنفيذ هجوم بعيد المدى، أدوات فعالة للغاية في الردع والقوة ضد أي نوع من الخصوم».
كما يستشهد الكاتب برأي القومى الأمريكي المتشدد بات بوتشانان الذي قال بمرارة: «لم يعد أحد في مأمن، بعد الآن». فالولايات المتحدة، سواء كانت راغبة أو غير راغبة، خلال العشرين سنة الماضية، من خلال سلسلة من المغامرات العسكرية التي تم تصويرها بشكل سيىء وخاطئ إلى حد كبير، كشفت الحدود المأساوية لقوتها وقدراتها العسكرية والجيوسياسية، ولاحظ العالم ذلك. وبعيداً عن التبادل النووي، لا يمكن للولايات المتحدة أن تهزم روسيا أو الصين بشكل تقليدي في مواقعها الجغرافية المباشرة. إن القوة العظمى العسكرية – التي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بها بالتأكيد – والتي لا تستطيع هزيمة أي قوة عظمى أخرى، هي بالكاد تجسيد جيد للمصطلحات العسكرية الفائقة التي تستخدمها لوصف نفسها».
ويرى أن إعلان أمريكا باستمرار عن نفسها على أنها كلية القدرة عسكرياً دون تقديم دليل مقبول عالمياً يثبت هذا القدر من القوة، فذلك لا يشكل حالة صحية لمثل هذه الادعاءات. وهذه ليست الطريقة التي تدار بها الأشياء في الواقع، كما هو الحال مع أي شيء في الحياة. يمكن لحملات الإعلان والدعاية أن تمضي بعيداً، وتصبح أقل فعالية بشكل متزايد كلما مر الوقت دون تقديم سجل إنجاز حقيقي. لكن المشكلة مع الجيش الأمريكي هي أعمق من ذلك….

 

روسيا العنيدة

 

خلال الحرب الجورجية-الروسية في أغسطس 2008، والتي شهدت محاولة من الدولة الجورجية للسيطرة على منطقة جنوب أوسيتيا الانفصالية والمؤيدة لروسيا والمستقلة بحكم الأمر الواقع، مما أدى إلى تدخل عسكري روسي. وصفت روسيا العمليات لجيشها الثامن والخمسين ب«فرض السلام بالإكراه». ويعلق الكاتب على ذلك: «إنه وصف اصطلاحي مناسب عندما نتذكر ما كان على المحك في ذلك الوقت. في الحقيقة، انتصر الروس في تلك الحرب، وأجبروا جورجيا، حقاً، على القبول بوضع سلمي أكثر. وفق فلسفة المنظر والكاتب العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فإن روسيا قد حققت الهدف الأساسي من الحرب من خلال إجبار العدو على المضي وفق إرادتها، والتي كانت تهدف إلى إبقاء السلام والاستقرار في المنطقة. الروس، كما أظهرت الأحداث في السنوات ال19 الماضية، لم تعد لديهم أوهام حول إمكانية من أي نوع بشأن وسيط غربي متحضر مع الغرب مجتمعاً، أقله مع الولايات المتحدة التي تستمر في العيش ضمن فقاعتها التي تعزل فيها روسيا عن أي صوت خارجي من أصوات المنطق والسلام»، وفي نهاية تعليقه يقول: «السجل الأمريكي العسكري الكئيب خلال العقود القليلة الماضية لا يتطلب أي إسهاب خاص، لأنه سجل من الكوارث الإنسانية والعسكرية».
ويشير إلى أن كلمة فلاديمير بوتين في 1 مارس، 2018 أمام الجمعية الاتحادية الروسية لم تكن حول انتخابات روسيا الرئاسية المقبلة، كما يشير إلى ذلك العديد في الغرب المهووس بالانتخابات. بدلاً من ذلك، كانت كلمته محاولة لإجبار النخب الأمريكية بطريقة مماثلة، على الالتزام بالسلام، أو على الأقل الالتزام بشكل من العقلانية، بالنظر إلى أنها (أي النخبة) منفصلة تماماً عن الوقائع العسكرية، والجيوسياسية، والاقتصادية لتشكيلات القوى الجديدة الناشئة في العالم.
ويضيف: «كما كانت الحالة مع جورجيا في 2008، فإن توضيح بوتين لقوى الفرض الروسية كانت قائمة على القوة العسكرية، فبرغم العيوب الفعلية الموجودة، استطاع الجيش الروسي التخلص من القوة الجورجية المدربة أمريكياً والمجهزة بشكل جزئي في غضون خمسة أيام، فتكنولوجية الجيش الروسي وطواقمه، والفن العملياتي لديه كانت ببساطة أفضل بكثير. من الواضح أن مثل هذا السيناريو السريع وغير المؤلم بشكل نسبي غير ممكن بين روسيا والولايات المتحدة، ما لم يتم نسف الأسطورة الأمريكية عن التفوق التكنولوجي والانخراط العسكري المعد مسبقاً».

 

هل تنحدر الإمبراطورية؟

 

في ختام هذا العمل البحثي العميق والدقيق يقول الكاتب إنه «لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة دولة عظمى ويوجد بين شعبها نوابغ بشكل حقيقي. إنها دولة قوية وقوة عظمى مع تاريخ قصير لكنه ساطع. ولا يزال رواد الأعمال وعمالقة التكنولوجيا الأمريكيون يبهرون العالم كل يوم. لكن في الواقع، هناك انحدار حقيقي لكل ذلك، إنه تعفن حقيقي يصبح أكثر وضوحاً مع مرور كل يوم. وقد سبق أن حدث هذا الأمر مع إمبراطوريات أخرى، أبرزها وأحدثها الإمبراطورية البريطانية العظمى.
ويقول:»اليوم، نلاحظ المستوى الكارثي لحالة الابتعاد عن التصنيع في الولايات المتحدة، مع عدم تعافي أهم المراكز في الولايات المتحدة من أزمة 2008، أو عندما نرى أن الأزمة الأفيونية تضرب المدن الأمريكية، أو عندما نحصي العدد الحقيقي للناس الذين لا يزالون عاطلين عن العمل، أو كانوا في السابق من دون عمل، نضطر إلى تذكر مصير أم أمريكا: الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وكيف أن السيناريو ذاته يتكرر، مع بعض التعديلات، أمام أعيننا في الولايات المتحدة.
لكن إذا كان الرحيل البريطاني من العظمة متوارياً ضمن الأحداث المؤثرة في الحرب العالمية الثانية، ومع اعتبار الانسحاب من قناة السويس ختاماً قانونياً لها، فإن الرحيل الأمريكي يهدّد بإعلان حرب عالمية نووية حرارية، والتي يمكن أن تبيد الحضارة الإنسانية برمتها، وهذه عاقبة يجب منعها بكل السبل الممكنة».

 

نبذة عن الكاتب

 

أندريه مارتيانوف خبير في القضايا العسكرية والقوات البحرية الروسية. ولد في باكو، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام 1963. تخرج من أكاديمية (Kirov Naval Red Banner)، وشغل منصب ضابط في موقع سفن وطاقم خفر السواحل السوفييتية حتى عام 1990. شارك في الأحداث في القوقاز التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. في منتصف تسعينات القرن الماضي، انتقل إلى الولايات المتحدة حيث يعمل حالياً كمدير مختبري في مجموعة طيران تجاري. وهو مدون على مدونة معهد البحرية الأمريكية باستمرار.

 

 

 

اليابان في القرن الأمريكي

 

لم تتأثر أي دولة بصعود الولايات المتحدة إلى القوة العالمية أكثر من اليابان، فقد أدت سياسة الرئيس فرانكلين روزفلت المتشددة المتمثلة في الاستسلام غير المشروط إلى النهاية الكارثية لحرب آسيا والمحيط الهادئ. يعاين هذا الكتاب كيفية استجابة اليابان، بتراثها المحافظ، إلى السياسة الأمريكية في فرض نظام ليبرالي جديد عليها، ويتناول التطورات الحاصلة على السياسة الخارجية اليابانية في القرن الواحد والعشرين.
كان الثمن الذي دفعته اليابان لإنهاء الاحتلال الأمريكي هو تحالف الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الذي ضمن هيمنة أمريكا في المنطقة. ورغم أن اليابان ما تزال تعاني صدمة بسبب تجربتها في زمن الحرب، إلا أنها طورت استراتيجية كبيرة من الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية حتى تتمكن الدولة من التركيز على النمو الاقتصادي. لكن منذ البداية، وعلى الرغم من التوقعات الأمريكية، أعادت اليابان العمل بالإصلاحات الأمريكية لتلائم ظروفها الخاصة وتفضيلاتها الثقافية، مشكلة بذلك الاختلافات اليابانية بشكل واضح ومميز في الرأسمالية والديمقراطية والمؤسسات الاجتماعية.

اليوم، مع تراجع النظام العالمي ما بعد الحرب، اليابان تمر بتغيير جوهري في سياستها الخارجية، لتعود إلى دور نشط ومستقل في السياسة العالمية لم تشهدها منذ عام 1945. مع قضائه فترة طويلة في أبحاثه عن اليابان والولايات المتحدة، يقدّم كينيث بايل تاريخاً مدروساً لعلاقة البلدين في وقت تتغير فيه طبيعة هذا التحالف. فقد بدأت اليابان تتخلص من القيود التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، مع تداعيات على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودورها في الجغرافيا السياسية الآسيوية.
يأتي الكتاب في 472 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن مطبعة جامعة هارفارد (15 أكتوبر، 2018) ويتكون من 11 فصلاً بعد مقدمة بعنوان «ألفة غير طبيعية»، والفصول هي: 1 قوتان صاعدتان. 2 سياسة الاستسلام غير المشروط. 3 قرار استخدام القنبلة الذرية. 4 ثورة أمريكية في اليابان. 5 تبعية اليابان. 6 لأجل روح اليابان. 7 تحالف غريب. 8 الرأسمالية المنافسة. 9 المجتمع الياباني غير المتقارب. 10 الديمقراطية في اليابان. 11 اليابان في شفق القرن الأمريكي.

فرض الهيمنة الأمريكية

يبدأ الكتاب مع القضية المركزية في خصومتهما، وهي الرؤى المتباينة بشكل كبير حول كيفية فرض النظام في منطقة آسيا-المحيط الهادئ. وهذه الخصومة متشابهة بطريقة ما للتنافس الصيني-الأمريكي في أوائل القرن الواحد والعشرين، فكلا البلدين أراد نظاماً إقليمياً يتطابق مع قيمه ومصالحه. بعد الحرب العالمية الأولى، أسست الولايات المتحدة نظاماً متعدد الطبقات قصير المدى بهدف احتواء الأهداف التوسعية اليابانية على حساب الصين الضعيفة والمنقسمة. هذا النظام المليء بالعيوب بقيادة الولايات المتحدة، والذي عمل على ترسيخ المبادئ الليبرالية لتقرير المصير، والتجارة الحرة (الباب المفتوح)، وتقييد الأسلحة البحرية، والأمن الجماعي، فشل في تقديم أي آلية إلزام. واليابان، كأول قوة صاعدة في آسيا ومتعارضة في قيمها مع الحضارة الغربية – قبل ظهور القوة الحالية في زمننا – سرعان ما أصبحت في حالة من التحدي مع الولايات المتحدة. فاليابان اعتبرت أنها أثبتت أن إنجازات حضارتها يمكن أن تطرد القوة الغربية، وتشكل نظاماً آسيوياً جديداً. وفي الحقيقة أثارت خصومتهما لتحديد نظامين إقليميين، نيران الأخطاء والتفسيرات الخاطئة، التي كثفها الشعور القومي المتفشي، والحقد العرقي، مما أفضى إلى أكبر صراع شهدته آسيا عبر تاريخها.
في الحرب العالمية الثانية، في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربر، شنت الولايات المتحدة حملة لتخليص العالم من الفاشية والنزعة العسكرية، ولم تكن مدفوعة فقط بالأهداف المحددة للمصلحة الوطنية، بل أيضاً بالإرادة لأجل إنشاء سلام دائم، والرئيس فرانكلين روزفلت أصر على اتباع سياسة الإخضاع غير المشروط للقوى الفاشية، لكي يمتلك مطلق الحرية في تأسيس نظام عالمي مركزه الولايات المتحدة. ولكن حكمة سياسة الاستسلام غير المشروط كما كانت مطبقة في حرب آسيا-الباسيفيك هي محل شك.
كانت الحرب العالمية الثانية هي الحرب الخارجية الوحيدة التي شنتها أمريكا لتحقيق الاستسلام غير المشروط. في كل حرب كان يتم السعي إلى مفاوضات سلام، لكن ببساطة بدلاً من أن يدفع الأمريكيون اليابانيين للعودة إلى حدودهم الأصلية، طالبوا بحقهم في إعادة تشكيل وصناعة اليابان من الجذور إلى الأغصان. وجاء تطبيق سياسة الاستسلام غير المشروط على حساب الحياة البشرية، حيث لحق بها الدمار. وقد مهدت المقاومة الأخيرة للقادة اليابانيين، الطريق أمام نهاية كارثية للحرب التي طالت، ودفعت إلى معركة أوكيناوا العنيفة، وقصف أكثر من ستين مدينة يابانية، ولجوء الأمريكيين إلى استخدام القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي.

تحالف أمريكي – ياباني

 

خلقت الولايات المتحدة مؤسسات دولية جديدة لأجل الحرب الباردة. وفي آسيا، كان هناك التحالف الياباني-الأمريكي. فاليابان كانت تابعة لنظام الحرب الباردة الأمريكي بشكل واضح. فقد أبدع يوشيدا شيغيرو، الذي شغل موقع رئيس الوزراء الياباني في المرة الأولى (1946-1947) والمرة الثانية (1948-1954)، في قبول التحالف العسكري مع الولايات المتحدة على المدى الطويل، وسمح بإنشاء القواعد الأمريكية في بلاده مقابل إنهاء الاحتلال. وهذا التحالف وضع اليابان إلى جانب الولايات المتحدة في الصراع ضد الكتلة السوفييتية، وشكّل بشكل مؤثر سياق اليابان ما بعد الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن الاحتلال انتهى بشكل رسمي في 1952، إلا أن وزير الخارجية جون فوستر دالاس وصف بشكل خاص أن التحالف، في الواقع، أشبه ما يكون باستمرار للاحتلال.
ويشير الكاتب إلى أن التحالف أصبح متناقضاً وملتوياً، مفتقداً إلى الهدف المشترك. بالنسبة للأمريكيين، أصبح وسيلة للتحكم بالسياسة الخارجية اليابانية، ضامناً أن اليابان لن تختار الحيادية في الحرب الباردة، كما تسمح بوجود القواعد العسكرية الأمريكية التي تعد حاسمة جدا في العقيدة الأمريكية للانتشار والتوسع أكثر. والقادة اليابانيون وجدوا بنجاح طرقاً للتأقلم مع خضوعهم للنظام الأمريكي في الحرب الباردة. كما صاغوا استراتيجية فريدة في السعي إلى مصالحهم الاقتصادية في الوقت الذي أذعنوا فيه بشكل سلبي للهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية. ومن خلال الاعتماد على الضمان الأمني الذي قدمته القواعد الأمريكية، وعلى المساعدة الأمريكية السخية، والتكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق، كرّس اليابانيون مصادرهم وجهودهم لبناء قوة اقتصادية استعادت لليابان الهيبة والتأثير الدوليين، في حين وجهت انخراطها النشط في صراعات الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة.

الحداثة اليابانية

 

ومن جهة أخرى يقول الكاتب إن اليابانيين دخلوا في صراع طويل لإعادة صياغة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الليبرالية المفروضة من الولايات المتحدة لكي تتلاءم مع ظروفها التاريخية وتفضيلاتها الثقافية. على الرغم من ثقة الأمريكيين بعالمية قيمهم، واعتقادهم أن التقدم سوف يدفع باليابان لتواكب نموذج المؤسسات الأمريكية، إلا أن اليابان التزمت بسياق مختلف، وصاغت طريقها الخاص إلى الحداثة. فبدلاً من تبني مبادئ الاقتصاديات الكلاسيكية وقوانين السوق الحرة والمؤسسات التي أنشأها الاحتلال، قام الاقتصاديون اليابانيون بصياغة استراتيجية اقتصادية ذكية للاستفادة من مبادئ التجارة الحرة للنظام الاقتصادي الدولي الجديد. وهذا دفعهم ليصلوا باقتصادهم إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، وأصبحت نموذجاً للدول الصاعدة اقتصادياً، وتحدياً للنموذج الاقتصادي الليبرالي، كما قادت إلى الصراعات التجارية اليابانية-الأمريكية الثنائية.
يجد الكاتب أنه رغم التدخل الأمريكي لإعادة بناء الاقتصاد السياسي والمجتمع وفقاً للقيم الغربية الليبرالية، إلا أن اليابان في الوقت نفسه احتفظت بالنظام المحلي الفريد الخاص بها، حتى إن كانت تستوعب ببطء العملية الديمقراطية. فثقل الثقافة اليابانية وتاريخها لا يمكن أن يلغى بنمط عالمي مفترض من التطور.
ويشير الكاتب إلى أنه مع بدايات القرن الواحد والعشرين، بدأ النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة في التآكل، وأن فترة الهيمنة الأمريكية الاستثنائية لليابان ما بعد الحرب أصبحت تختفي. ففي آسيا، باتت القوة في تغير متواصل بشكل لم يسبق له مثيل، إذ إنها تنتقل بسرعة إلى القوى الصاعدة الجديدة في المنطقة، فإطار القواعد والمؤسسات التي أنشئت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تشهد تحدياً من قبل الصين، لأنها أصبحت عتيقة الطراز، ولا تعكس التوزيع المتغير للقوة الدولية.
ويضيف: «النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يخضع لتغيرات أصيلة في الطرق التي يتم فيها اختبار التفوق الأمريكي في منطقة آسيا-الباسيفيك، وتخلق علاقة تبادلية أكثر وجديدة مع اليابان تكون حاسمة للاستراتيجية الأمريكية للإبقاء على قدرتها للقيادة. بالاستجابة إلى مستقبل غير محدد للنظام الإقليمي، تخضع اليابان إلى تغير عميق في سياستها الخارجية، فقادتها أعادوا تفسير دستورهم ليسمح لهم بالدفاع الجماعي، وأسسوا بنية تحتية للأمن القومي، وتبنوا سياسة خارجية استفزازية. بكلمات رئيس وزرائها القومي، شينزو آبي في 2013:«اليابان عائدة». في 2016، عندما كان شينزو آبي يحضر نفسه لزيارة مصالحة تاريخية إلى النصب التذكاري الحربي في بيرل هاربر، وذلك رداً على زيارة أوباما قبل شهور إلى هيروشيما، قال آبي: (أود أن أبيّن أن«عصر ما بعد الحرب»قد وصل إلى نهاية كاملة)».

صياغة تحالف جديد

 

على مدى الفترة الطويلة ما بعد الحرب – يرى الكاتب – أن كلاً من اليابان والولايات المتحدة اقتربا من بعضهما في نموذجهما الخاص بهما. فقد أخذت الرأسمالية التطورية لليابان طريقاً مختلفاً بشكل مميز عن رأسمالية السوق الحرة الأمريكية، لكن مع تحقيق هدفها في اللحاق بالركب، تبنت اليابان أشكالاً أكثر للاقتصادات الليبرالية. وبالطريقة ذاتها، تقدمت الديمقراطية اليابانية عبر مراحلها الخاصة، حيث إن الأشكال الديمقراطية اكتسبت تأثيراً أكبر، ولو أنها على طريقة يابانية واضحة. وأيضاً، وجد المجتمع الياباني انفتاحاً أكبر على أشكال جديدة من الفردانية من النمط الياباني.
باختصار، ببطء وعلى مراحل، تغيرت اليابان بطرق تبدو أنها تردم درجة الاختلاف بين المجتمع الأمريكي والياباني، حتى أن أمريكا نفسها تتغير. واليابان، على أي حال، تبقى اليابان. ولا تزال مسألة إذا ما كان سيحدث التقاء أكبر في المستقبل بين الجانبين غير واضحة.
ويقول في خاتمة الكتاب: «اليوم نشترك كأمريكيين مع اليابانيين بعديد الأشياء أكثر مما مضى، وبالتالي يمكن أن نأمل في تشكيل نظام عالمي جديد ومستقر يعكس قيمنا الليبرالية، ويحافظ على السلام عبر توازن حيوي للقوة. وأي تشكيل لنظام تشاركي مع شرعية سوف يتطلب استراتيجية طويلة المدى تتسم بالصبر، من شأنها أن تبدأ مع فهم الواقع الناشئ الذي يبين أن آسيا سوف تكون منطقة الحداثات المتعددة».

الكاتب في سطور:

– كينيث بايل أستاذ كرسي هنري إم جاكسون للتاريخ والدراسات الآسيوية في جامعة واشنطن، والرئيس المؤسس للمكتب الوطني للبحوث الآسيوية. وهو مؤلف ومحرّر للعديد من الكتب حول اليابان الحديثة وتاريخها، وفي إحدى الكتب اشترك في تأليفها مع مايكل أرماكوست، السفير السابق في اليابان. من عام 1978 إلى عام 1988 كان الدكتور بايل مديراً لكلية هنري م. جاكسون للدراسات الدولية في جامعة واشنطن. وقد عينه الرئيس بوش الأب لرئاسة لجنة الصداقة بين اليابان والولايات المتحدة (1992-1995)، وهي وكالة فدرالية تدير صندوقاً بقيمة 50 مليون دولار لدعم الدراسات اليابانية في الولايات المتحدة والدراسات الأمريكية في اليابان. وفي الوقت نفسه، شغل منصب الرئيس المشارك لمؤتمر الولايات المتحدة واليابان بشأن التبادل الثقافي والتربوي، وهي المنظمة الثنائية الرسمية للإشراف على العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين.
تخرج الأستاذ بايل من أكاديمية فيليبس، وأندوفر (1954)، وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية هارفارد (1958)، وشهادة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز (1965). حصل على زمالة مؤسسة فورد في المركز المشترك بين الجامعات للدراسات اليابانية في طوكيو (1961-1964). في عام 1999، قامت حكومة اليابان بتقليده بأهم وسام في الإمبراطورية، وهو وسام الشمس المشرقة، لمساهماته في المنح الدراسية والتبادل الثقافي بين البلدين.

ترجمة : نضال إبراهيم

 

 

 

مباشرة من مطبخك.. حارب العدوى بـ9 مضادات حيوية طبيعية

 

قد تنقذ المضادات الحيوية antibiotics حياة المريض في بعض الأحيان، فهي تقتل البكتيريا الضارة التي قد تهدد حياة الإنسان في بعض الأوقات. فالمضادات الحيوية يتم الاستعانة بها حول العالم للتخلص من أعداد هائلة من الأمراض ومكافحة العدوى بشتى أنواعها. إلا أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية قد يفقدها فعاليتها، كما قد يؤدي أيضاً إلى تطور أنواع عنيدة من الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية.

يذكر أن البكتيريا، مثل أي كائن حي، تتكيف على الأوضاع من أجل البقاء. لذا يزداد كل يوم عدد الوفيات حول العالم جراء البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

لكن، وعلى مر التاريخ حارب الإنسان البكتيريا الضارة التي هددت حياته، لكنه كان يعتمد على المواد الطبيعية التي تحيط به، من أعشاب وتوابل وغيرها من الخضراوات والفواكه.. ونورد هنا، على ذمة موقع “ديلي هيلث بوست Daily Health Post”، مجموعة من المضادات الحيوية الطبيعية، ومنها:

 

 

الثوم

هذا النبات يمتاز برائحته النفاذة، حيث إن مركبات الكبريت هي التي تعطيه تلك الرائحة القوية، كما أن تلك المركبات هي اللتي تعطيه الخواص المقوية للمناعة.

فالثوم يتميز بخصائصه المضادة للبكتيريا، حتى تلك الأنواع العنيدة، حيث يمنعها الثوم من مقاومة المضادات الحيوية. كما أن الثوم يقاوم الفيروسات والفطريات ويقي من السرطان.

 

 

الزنجبيل

يتميز الزنجبيل بخصائصه الدوائية المتعددة، خاصة المقاومة للبكتيريا العنيدة.

 

 

خل التفاح

يتميز خل التفاح من قدرته على قتل بعض أنواع البكتيريا القاتلة وكذلك بعض أنواع الفطريات والخميرة. كما أن خل التفاح لا يسبب أي ضرر للغشاء المخاطي، لذا فهو علاج فعال لالتهاب الحلق. كما أنه مفيد جداً في تخليص الجسم من السموم، لكن لا يجب الإفراط في استخدامه.

 

 

 

أوراق الزيتون

لا تخفى الفوائد العديدة لزيت الزيتون، إلا أن الكثيرين لا يعرفون أن لأوراق الزيتون فوائد عديدة أيضاً، فهي غنية بمضادات الأكسدة، وتساعد في خفض مستوى الكوليسترول، كما أن تلك الأوراق تساعد في الحفاظ على مستوى السكر في الدم. وتحتوي أوراق الزيتون على مركبات تقتل البكتيريا والفيروسات.

 

 

البصل

البصل قريب في خصائصه من الثوم، فهو يقاوم البكتيريا الضارة، ويخفض الحمى، ويقلل من أعراض الغثيان، ويقاوم عدوى الأذن، ويخفف من آلام الجهاز التنفسي، إضافة للعديد من الفوائد الدوائية الأخرى. كما أن الغشاء الرقيق بين طبقات البصل يمكن أن يستخدم موضعياً لوقف النزيف في حالة الحروق، وتخفيف الألم وقتل الجراثيم.

 

 

فيتامين “C”

هو من أفضل الأطعمة المضادة للبكتيريا والفيروسات، حيث إنه يعزز من مناعة الجسم. ويحتوي فيتامين “C” على مضاد حيوي مباشر، كما أنه يساعد الجسم في إنتاج الأجسام المضادة طبيعياً. ومن الأغذية الغنية بفيتامين “C” الفليفلة والتوت البري والبروكلي والحمضيات والخضراوات ذات الأوراق الخضراء الداكنة والكيوي والبابايا والبازلاء والطماطم.

 

 

مستخرج حبوب الغريب فروت

يتم استخدام مستخرج حبوب الغريب فروت لمعالجة العدوى البكتيرية والفيروسية. كما يستخدم أيضاً في الزراعة لمحاربة البكتيريا والفطريات والعفن والطفيليات.

 

 

الفجل الحار

يستخدم الفجل الحار في علاج عدوى الجيوب الأنفية، حيث ينشّط تدفق الدم في الوجه ويتخلص من المخاط بالجهاز التنفسي العلوي. لذا فإن الفجل الحار يعتبر علاجا فعالا لنزلات البرد والأنفلونزا واحتقان الرئة.

 

 

القرفة

يستخدم مسحوق القرفة كمضاد فعال للبكتيريا والفطريات بأنواعها المتعددة، ويحفز تدفق الدم، كما أنه يخفض من مستوى السكر بالدم.

الإمبراطورية الأمريكية: تاريخ عالمي

 

هل تختلف الإمبراطورية الأمريكية عن غيرها من الإمبراطوريات؟ هل هي الوريث الشرعي للإمبراطورية البريطانية؟ بماذا تختلف عن غيرها؟ نتعرّف إلى الكثير من التفاصيل في هذا العمل البانورامي الذي يقدم منظوراً عالمياً جديداً عن تاريخ الولايات المتحدة. ويعتمد المؤلف على خبرته في التاريخ الاقتصادي والإمبراطوري لبريطانيا، وأوروبا، وينطلق من الحقبة الاستعمارية إلى الوقت الراهن، لإظهار كيف أن الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، اتبعتا مسارات مماثلة طوال هذه الفترة الطويلة، وكيف امتد اعتماد أمريكا على بريطانيا وأوروبا لاحقاً.
في رواية شاملة تمتد على مدى ثلاثة قرون، يصف هوبكنز كيف أن ثورة مستعمرات البر الرئيسي كانت نتاج أزمة أصابت دول أوروبا الإمبريالية بشكل عام، وكيف أن تاريخ الجمهورية الأمريكية بين 1783 و1865 كان رداً على إنهاء النفوذ البريطاني، ولكن لتحقيق توسع مستمر.

ويبيّن المؤرخ البريطاني المتقاعد كيف أنّ تأسيس دولة أمريكية صناعية بعد الحرب الأهلية، بالتوازي مع التطورات في أوروبا الغربية، عزز تأثيرات مشابهة مزعزعة للاستقرار، ووجدت هذه الدولة منفذاً للإمبريالية من خلال اكتساب إمبراطورية معزولة في منطقة الكاريبي، والمحيط الهادئ. ويقول: «عكست فترة الحكم الاستعماري التي أعقبت تاريخ الإمبراطوريات الأوروبية شكلاً من تبريراتها الإيديولوجية، والعلاقات الاقتصادية والمبادئ الإدارية. وبعد عام 1945، أدى تحول عميق في طابع العولمة إلى إنهاء عصر الإمبراطوريات الإقليمية العظيمة».
موضوع الكتاب هو أحد أوجه التاريخ الأمريكي، وليس كل التاريخ الأمريكي، إذ يجد هوبكنز أن الموضوع لا يزال ضخماً، والمخاطر فيه هائلة.

حصار الكوت

يبدأ هوبكنز عمله بالحديث عن حصار الكوت (العراق) في الحرب العالمية الأولى، فقد كانت المدينة تابعة للإمبراطورية العثمانية، ولقي البريطانيون فيها بقيادة اللواء تشارلز فيرير تاونشند، هزيمة نكراء بآلاف القتلى، والجرحى. وكانت من أكبر المعارك حينها، وشكلت ضربة للإمبراطورية البريطانية التي بدأت بالانحدار من حينها، بعد أن كانت تلعب دور الشرطي العالمي من 1815 إلى 1914.
يقول هوبكنز: «قد يكون من غير المتوقع البدء بالحديث عن تاريخ الإمبراطورية البريطانية في كتاب يحمل عنوان «الإمبراطورية الأمريكية»، حتى إن اللواء تاونشند نفسه ما كان ليتوقع أن يأتي فشله في السيطرة على الكوت في سياق تحليلي بشأن الغزو الأمريكي للعراق في بداية القرن الواحد والعشرين. ومع ذلك، تتم إعادة اكتشاف التاريخ عندما يختلّ النظام العالمي، خاصة من قبل المحللين الذين يعودون إلى الأحداث الماضية لفهم جذور المشكلات الراهنة. فصدمة «11 سبتمبر» ربّما لم تغيّر العالم، كما قيل وقتها، كما أنها من غير شك حفّزت السياسة الخارجية الأمريكية، وشجّعت تقديرات جديدة بعيدة المدى لدور الولايات المتحدة في دعم ومضايقة النظام العالمي، وولّدت نوعاً هائلاً من دراسات الإمبراطورية».
ويضيف: «بهذه الطريقة، ينظر إلى النهاية المخزية لمسيرة تاونشند كحكاية رمزية لصعود وسقوط الإمبراطوريات. على العموم، تم الاختلاف على مغزى القصة. بالنسبة لبعض المراقبين، امتد تأثير حصار الكوت على أكثر من الكتيبة السادسة. هذا الحصار هيمن على الإمبراطورية البريطانية في ذروتها، وكانت اللحظة التي بدأ فيها الانحدار الحتمي، وسلمّت الإمبراطورية البريطانية عصا الحكم إلى وصي جديد وأكثر شراسة للحضارة الغربية وهي: الولايات المتحدة».
ويشير إلى أنه «من وجهة النظر هذه، فإن تاونشند كان سجين القوى الدورية التي كانت متنفذة إلى درجة كافية لتقوم بدعم، أو إسقاط الدول العظمى حتى»، ويرى أن «أحداث 1915، مثل التي حدثت في 2003، يمكن أن تكون لها نتيجة واحدة. فكل السلالات الصينية فقدت في النهاية «وصايتها على السماء»؛ والإغريق علموا أن «التكبر البشري» تجاوز قوة الإلهة «نمسيس» في الميثولوجيا الإغريقية؛ وابن خلدون وضع مراحل النمو، والتوسع، والتدهور للإمبراطوريات؛ والإيطالي جيامباتيستا فيكو وضع ثلاثة عصور متكررة للإمبراطوريات؛ كما أن نظرية المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي عن صعود وسقوط الحضارات جعل منه شخصية شهيرة في الولايات المتحدة. ويستمرّ «الانحداريون» الحداثيون في جسّ نبض الدولة في لحظات الكآبة، ويعيدون التأكيد على أن النهاية قريبة».

حاجة العالم إلى «زعامة»

معلقون آخرون تراجعوا عن التشاؤمية العنيدة التي بسطت هيمنتها على المستقبل، كما يرى هوبكنز، ويعلق على ذلك: «في رأيهم، كانت الولايات المتحدة هي السليل الشرعي للإمبراطورية البريطانية. ومصير تاونشند حدّد تحوّل المسؤوليات العالمية من قريب مسن إلى خلف فتي. وقدّم المنظرون السياسيون في الولايات المتحدة حججاً لدعم مزاعم أن العالم كان بحاجة إلى زعيم مهيمن، ومسيطر ليمنع حدوث الفوضى العالمية».
ويوضح أكثر: «جي أي. هوبسون توقع هذا الأمر في وقت سابق. فقد أشار بقوله إن الفلاسفة السياسيون في العديد من العصور توقعوا أن الإمبراطورية هي الضامن المناسب الوحيد للسلام، والتسلسل الهرمي للدول تطابق على نطاق أكبر النظام الإقطاعي ضمن دولة واحدة».
ويضيف: «علاوة على ذلك، يمكن التعلم من دروس التاريخ، إذ نجد أنه من خلال جمع القدرة التحويلية للتكنولوجيا المتقدمة، مع الرؤى النافذة للعلوم الاجتماعية الحديثة، يمكن لأي قوة عظمى أن تنزع السلاح من المعارضين لها، وتنشر التقدم عبر العالم، وتتجنب الانحدار. وبالانطلاق من هذا الموقف المشجّع، فقد تربّعت الولايات المتحدة على قمة عملية التطور الطولي الذي يملك أصولاً في تفاؤلية التنوير. فقد اعتقد كل من هيجل وماركس، في طريقتيهما المختلفتين جداً، أن القوى الجدلية سوف تحمل المجتمع إلى مستويات أعلى من الإنجاز. وبالنسبة لهنري مين، ألزمت العملية تغيراً من الحالة إلى العقد. وربط هيربرت سبينسر التطور الاجتماعي بالفردانية الثورية.
تالكوت بيرسونس عرف كيفية تحويل «التقليدي» إلى مجتمعات «حديثة». وأنتج «انتصار» سنوات التسعينات «نهاية التاريخ»».
بهذه الطريقة غير المتوقعة، يقدّم النظر في حصار الكوت أجندة تتضمن العديد من القضايا الأساسية في تاريخ الإمبراطوريات. فعلى وجه الخصوص، وضعت هذه الواقعة وتفسيراتها المرتبطة بها بعد غزو العراق في 2003، قيمة حالة الولايات المتحدة في سياق أبعد بكثير من حدودها الوطنية. وكانت إحدى الطرق لتحقيق هذا الموضوع هي من خلال التأكيد على الملحمة الوطنية في سياق عالمي، وإمبريالي بشكل محدد.

 

 

 

ارتباط تاريخي

يرى هوبكنز أن العولمة والإمبراطوريات مترابطة عبر ثلاثة قرون في هذه الدراسة. فالإمبراطوريات كانت تلعب دور المبتكرين الحازمين، ووكلاء العولمة. قائلاً: «سارت نبضات التوسّع والانكماش في انسجام: سلاسل السبب والنتيجة سارت في كلا الاتجاهين.
ومراحل العولمة الأساسية الثلاث المعرّفة في هذه الدراسة خضعت لأزمات تحويلية في نهاية القرن الثامن عشر، وفي أواخر القرن التاسع عشر، وفي منتصف القرن العشرين. وكان لكل مرحلة تأثير عميق في ثروات ومسار الإمبراطوريات. وكل تحوّل كان يتم عبر عملية جدلية غيّرت التراكيب الاقتصادية والسياسية للإمبراطورية، وغيّرت التوزع الجغرافي للحكم الإمبريالي، إلا أن نظرة عالمية تغيّر السؤال المطروح خلال بعض المواضيع الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة. الأجوبة التي تقدّمها ينبغي أن تربط مصالح المجموعتين المختلفتين من المتخصصين: مؤرخو الولايات المتحدة ومؤرخو الإمبراطورية».
ويشير إلى أن التاريخ الذي يظهر من هذه المراحل المختلفة للعولمة الإمبريالية يقدّم قراءة بديلة لبعض التطبيقات المماثلة لمصطلح «الإمبراطورية». فتاريخ مستعمرات البر الرئيسي لبريطانيا في أمريكا الشمالية قبل 1783 يمكن أن تعاد صياغته لإظهار كيف أن النبضات المتحولة من خلال بدايات العولمة الحديثة كانت مدعومة أولاً ثم قوّضت التوسع الإمبريالي الذي عززته الحكومة المالية- العسكرية.
ويضيف: «السنوات بين 1783 و1945، التي يعرّفها المؤرخون بشكل رئيسي كقصة نمو الدولة ومسعاها إلى الحرية والديمقراطية، يمكن أن ينجذب أيضاً إلى نطاق التاريخ الإمبريالي. وفي الوقت الحاضر، الإمبريالية والإمبراطورية تقومان بظهور محدود فقط، بشكل نموذجي في دراسات التوسع القاري، وعلى ما يبدو في الوقائع الشاذة مثل: الحرب مع إسبانيا في 1898. وإذا ما تم النظر إلى التاريخ كتمرين مطوّل في إنهاء الاستعمار، فإنه على أي حال، يمكن فهم الفترة التي تعود إلى الحرب الأهلية كبحث عن الحكم الذاتي، خلالها بقيت الولايات المتحدة خاضعة لنفوذ بريطاني غير رسمي. والسنوات بين الحرب الأهلية والحرب الأمريكية – الإسبانية يمكن حينها أن تتم إعادة صياغتها لتؤكد على العمليات المشتركة لبناء الدولة، والتصنيع، وتحقيق الاستقلال الموضوعي، وتأسيس إمبراطورية تمتد إلى ما وراء البحار».

حدود القوّة الأمريكية

دشنت الحرب مع إسبانيا مرحلة جديدة في تاريخ الإمبراطورية الأمريكية. فقد أصبحت الولايات المتحدة قوة استعمارية في الباسيفيك والكاريبي؛ ورغم ذلك فسجلها في توصيل نسختها من «مهمة التحضر» الغربية موجودة الآن تحت المراقبة. مع ذلك، فإن دراسة الحكم الاستعماري الأمريكي بين 1898 وإنهاء الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية تعتبر واحدة من أكثر المواضيع المهملة في تاريخ الولايات المتحدة، وتقدّم آفاقاً بحثية لجيل جديد من المؤرخين بحسب الكاتب.
ويقول حول ذلك: «إن عملية إنهاء الاستعمار في منتصف القرن العشرين ضمت إلى التغيرات في شخصية العولمة التي شكّلت عالماً متعدد الأعراق يتجاوز الحدود الوطنية. هذه المرحلة الجديدة كانت غير متوافقة مع خلق، أو إبقاء الإمبراطوريات الإقليمية. ومع ذلك، بعد 1945، خلق مصطلح «الإمبراطورية» الأمريكية ظهوره الأخير في دراسات تتحدث عن القوة الأمريكية غير الرسمية، وغير المباشرة، المفروضة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويتم استكشاف هذه المفارقة الواضحة في نهاية هذه الدراسة البحثية التي تقيّم حدود القوة الأمريكية في عصر عولمة ما بعد الاستعمار.
ومن خلال وضع الفترة ككل في سياق الإمبراطوريات الغربية، بشكل عام، والنموذج البريطاني، بشكل خاص، من الممكن إدراك التوجهات المشتركة في ما اعتبر غالباً بطريقة، أو بأخرى، كقصة وطنية منفصلة.
ويمكن رؤية الثورة الأمريكية كامتداد لأزمة المقاطعات الخارجية التي كانت تنزل على الحكومات العسكرية- المالية لأوروبا في أواخر القرن الثامن عشر. وفي الفترة بعد 1783، لم تكن كثيراً قصة صعود «الحرية والديمقراطية» كشكل من الصراع بين المحافظين والإصلاحيين على شكل الدولة ما بعد الثورية التي عكست صراعات متشابهة في أوروبا بعد 1815.
ويرى هوبكنز أن «عملية بناء دولة صناعية-وطنية ردّدت صدى التطورات في أوروبا، من بينها التمدد إلى الإمبريالية العسكري. وفي معاينة لفترة الحكم الإمبريالي اللاحقة، يظهر أنه، بعد 1898، الإمبراطورية المنفصلة في جزيرة، والتي كسبتها الولايات المتحدة، عاينت نفس طرق الحكم التي عاينتها الإمبراطوريات الغربية الأخرى، وشعرت بنفس تذبذبات الثروة، ووصلت إلى نهايتها في الوقت نفسه، وللأسباب نفسها».
ويعود في خاتمة عمله إلى حصار الكوت ليقول إن «الرسالة من حصار الكوت هي أن الفشل في تقدير التغير الأساسي في الظروف التي تتم فيها ممارسة القوة، والطبيعة المتغيرة للقوة نفسها، حمل نتائج هائلة بالنسبة ل «النظام والفوضى» في العالم».
ويختم عمله قائلاً: «إن المستنقع في العراق، الذي يتميز بسهولة الانجذاب إليه، وبطء الغوص فيه، يعيد التأكيد على حكمة ابن خلدون في اعتقاده أن التاريخ هو، أو ينبغي أن يكون، فناً عملياً مطلوباً لأجل «اكتساب التفوق في الحكم». وعلى الرغم من أن «دروس التاريخ» محل نقاش، إلا أنه يمكن مناقشة مزاياه وعيوبه، على الأقل، لضمان أن السياسات تتشكل في ضوء الأدلة، وليس في وجهها. اليوم، المؤرخون غير ملتزمين بوضع أنفسهم في خطر جسدي نيابة عن حكوماتهم الوطنية، لأسباب ليس أقلها، على خلاف ابن خلدون، أنهم الآن أبعدوا عن ممرات السلطة»؛ وعلى الرغم من العلاقة بين المعرفة المختلة والسياسات المختلفة، لابد من السعي إلى إسماع الصوت رغم القوة الكبيرة التي تواجه المؤرخين والخبراء، كما يقول المؤلف.

نبذة عن الكاتب

أي. ج. هوبكنز، من مواليد 1938، أستاذ متقاعد لتاريخ الكومنولث في جامعة كامبريدج، والرئيس السابق لكرسي والتر بريسكوت ويب في التاريخ في جامعة تكساس في أوستن. له العديد من المؤلفات من بينها: «التاريخ العالمي: التفاعلات بين الدولي والمحلي»؛ و»العولمة في تاريخ العالم»، و»الإمبريالية البريطانية: 1688-2015»؛ و»التاريخ الاقتصادي لغرب أفريقيا». ويعيش حالياً في كامبريدج( إنجلترا).

ترجمة : نضال إبراهيم

 

 

الصين وملء الفراغ فى إفريقيا

لطالما كانت القارة الإفريقية مركزا للشد والجذب بين القوى الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة، إلا أن سياسات هذه الأخيرة فى مختلف الإدارات التى تعاقبت على الحكم، وبخاصة بعد محاولة تفردها فى قيادة النظام العالمى، أعطت لهذه القارة مسارات أخرى فى تعاملها مع العديد من القوى الصاعدة اقتصاديا وبخاصة الصين، حيث بدت بكين وكأنها تستعد لملء الفراغ الذى تركته كل من واشنطن وموسكو وغيرهما للعديد من الأسباب والاعتبارات.

فمعظم دول القارة السمراء الأربع والخمسين، شعرت فى العقدين الأخيرين بنوع من الإحباط، نتيجة السياسات الأمريكية التى تحولت من مبدأ المساعدات التى كانت تحولها إلى العديد من الدول، إلى مبدأ التعاون والشراكة على قاعدة الاستثمارات فى غير ملف وبخاصة النفطية، مقابل صرف النفوذ السياسى والعسكرى والأمنى، ومما أسهم أيضا فى تراجع هذه السياسات وضمورها مع موجة الإرهاب التى عصفت بالعديد من دول القارة، وبخاصة النفطية مثل نيجيريا والكونغو وليبيا وغيرها، وهو ما انعكس كعامل إضافى للتراجع الأمريكى.
فى المقابل لم تكن الصين بعيدة عن أجواء إفريقيا، فمنذ العام 1978 وبكين تفتح عينها على مجمل مقدرات القارة السمراء الاقتصادية والسياسية، وما أعطاها زخما إضافيا ضمور الأدوار الأخرى، ما فتح المجال واسعا للتدخل، وما كان مؤتمر «فوكاك» الذى نظمته الصين إلا مدخلا منظما لما تتطلع إليه من استثمارات وسياسات بديلة تميز موقعها فى دول القارة ومنظماتها المتنوعة، ذلك عبر خطوات ثابتة نحو استكمال استراتيجيتها الاقتصادية الشاملة، التى تخطت الأنماط التجارية التقليدية، التى تمثلت فى اتفاقات حرة وأُطر التعاون مع كثير من دول العالم، الأمر الذى جعل من القارة الإفريقية هدفا أساسيا لاستثمارات بكين أخيرا، وتحديدا منذ إعلانها مبدأ الشراكة والتعاون مع العديد من الحكومات عبر مشروعات كبيرة تتصل بالبنى التحتية لتلك الدول.
وقد عززت الصين نفوذها فى القارة الإفريقية، مع احتضانها للقادة الأفارقة وكبرى الشركات فى منتدى التعاون الصينى الإفريقى (فوكاك) الذى حضره أكثر من 30 رئيس دولة، وعدد من رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، والذى اختتم أعماله أخيرا برفض المسئولين الصينيين والأفارقة الانتقادات المُوجَهة للمشاريع الصينية، باعتبارها تراكم من عبء الديون الإفريقية.
وفى لغة الأرقام، تمكنت الصين خلال السنوات الخمس الماضية من تبوؤ المركز الأول كشريك تجارى للدول الإفريقية، ومرد ذلك إلى استثماراتها فى غير دولة، واعتماد سياسة المصالح المتبادلة، إضافة إلى عدم التدخل فى شؤون الدول الداخلية، كما تبنت سياسة القروض الميسرة والمساعدات غير المشروطة بمطالب محددة كحقوق الإنسان والحريات وغيرها من الشروط التى تضعها الدول الغربية عادة وبخاصة الولايات المتحدة. ووفقا للإحصاءات الصينية، بلغ حجم التبادل التجارى بين الصين والدول الإفريقية فى عام 2017 أكثر من 170 مليار دولار، بعدما لم يتعد 765 مليون دولار عام 1978، أى بنمو وصل إلى 14 % سنويا، فيما بلغ حجم التبادل التجارى بين واشنطن والقارة الإفريقية فى العام ذاته 39 مليار دولار. كما وصلت قيمة الاستثمارات من المؤسسات الصينية إلى القطاع غير المالى 3.1 مليار دولار فى العام 2017. كما أقامت الصين عقودا جديدة بقيمة 76.5 مليار دولار فى العام ذاته، كما تم إنجاز أعمال استثمارية وصلت إلى 51.2 مليار دولار. كما أنشأت الشركات الصينية الكثير من الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية والموانئ والمطارات ومرافق الاتصالات، ما شجع على جذب الاستثمارات الأجنبية إليها. كما تمكنت من الاستحواذ على مجال التنقيب عن النفط، بخاصة فى نيجيريا والكونغو والسودان.
فى المحصلة سعت الصين وبكل قواها للاستحواذ على أطر العلاقات المتينة مع دول القارة الإفريقية عبر منتدى «فوكاك»، ذلك كإطار تعاونى، والذى يبدو أنه سيكون كسياسة مدروسة لملء الفراغ الذى تسبب به ضمور أدوار العديد من القوى الفاعلة عالميا.

مفتاح السعادة

لا تتردد بتقديم المساعدة والدعم للأشخاص الذين يحتاجون إليها، إذ إن تقديمك يد العون يساعد في تعزيز صحتك وبث شعور السعادة في نفسك، فقد أظهرت الدراسات أن مساعدة الآخرين من شأنها أن تخفف الشعور بالتوتر والقلق. كيف ذلك؟

هناك مثل صيني يقول: “إذا أردت السعادة لمدة ساعة، خذ قيلولة. وإذا أردت السعادة لمدة يوم كامل، اذهب لصيد السمك. وإذا أردت السعادة لمدة عام، تحتاج إلى ثروة. أما إذا أردت السعادة لمدى الحياة، ساعد شخصاً ما”.

وقد أظهرت الدراسات إلى جانب التجارب الإنسانية أن مساعدة الآخرين تؤدي إلى تخفيف القلق، والشعور بالسعادة. فكيف ذلك؟

وجد الباحثون في جامعة بيتسبيرغ في الولايات المتحدة، أن تقديم الدعم والمساعدة للآخرين من شأنه أن  ينشط مساراً عصبياً في الدماغ يعزز من صحتنا. إذ يقوم هذا السلوك بتنشيط منطقة الدماغ، التي كانت مرتبطة سابقاً بالرعاية الأبوية. في الوقت نفسه، يقلل النشاط في اللوزة الدماغية، وهي البنية الدماغية التي ترتبط بالاستجابات للضغط والتوتر.

طلب الباحثون حسب (DW) من 45 متطوعاً تنفيذ مهمة تنطوي على “تقديم الدعم” بطريقة ما. خلال هذه المهمة، كانت لديهم الفرصة لكسب مكافآت لشخص قريب منهم، للعمل الخيري أو لأنفسهم. شعر المشاركون بارتباط اجتماعي أفضل خصوصاً عندما يؤدي الدعم الذي يقدمونه إلى تلقي الشخص الآخر مكافأة.

بعد ذلك، طُلب من المشاركين الخضوع لمهمة تقييم عاطفية عبر الرنين المغناطيسي، والذي يظهر مناطق الدماغ النشطة. وتبين من خلال المسح أن تقديم الدعم يؤدي حرفياً إلى تنشيط مناطق معينة من الدماغ. في حين ارتبط الدعم المباشر فقط بانخفاض النشاط في مركز الخوف من الدماغ.

كما دعمت دراسة أخرى شملت 382 مشاركاً، خضعوا لمهمة تصنيفات عاطفية مختلفة، نتيجة الدراسة الأولى، التي أفادت بأن مساعدة الآخرين بشكل مباشر تساعد على تقليل مستويات الخوف والتوتر، وتعزيز الشعور الإيجابي.

وتوصلت الدراسة إلى أن الدعم يساعد بتعزيز الروابط الاجتماعية والصحة، غير إن الآليات العصبية غير معروفة حتى الآن. فقد يعتمد تقديم الدعم على المناطق العصبية المرتبطة بسلوك الرعاية الأبوية.

وبالتالي، فإن الدراسات الحالية تقيم مساهمة المناطق العصبية المرتبطة بالرعاية الأبوية في تقديم الدعم للإنسان، وكاختبار نظري آخر، تدرس ما إذا كانت فوائد تقديم الدعم المستهدف لأشخاص مقربين، قد تمتد لتشمل تقديم دعم غير مستهدف لأسباب اجتماعية أكبر.

 

 

الأعمال الخيرية .. واستغلالها

 

تصبح الأعمال الخيرية عديمة النفع إذا ما قدمت بطريقة تخدم الغايات السياسية، أو كانت غطاء على قضايا فساد، أو شكلاً للتهرب من الضرائب بالنسبة للشركات. للجمعيات والمؤسسات الخيرية الأمريكية والأوروبية قصص بعيدة عن الأضواء، تخفي وراءها قضايا كبرى تضرّ بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بشكل متساوٍ. يحاول هذا الكتاب أن يكشف خبايا الجمعيات والأعمال الخيرية المرتبطة بالسياسيين والمشاهير، ويقدّم وجهة نظر بشأن كيفية تقديم الدعم للمتضررين والمحتاجين في العالم.
في كتابهما «ضد الأعمال الخيرية» يقدّم الكاتب الإسباني دانييل رافنتوس والمترجمة الأسترالية/‏الإسبانية جولي وارك تحليلاً متعدد الجوانب لفكرة العمل الخيري الذي يستهدف المنكوبين وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية والبيئية. يفنّد الكاتبان مفهوم الإحسان أو العمل الخيري من الجانب الفلسفي والاجتماعي والاقتصادي. ويقدمان رؤى تبدو للبعض صادمة حول واقع مسكوت عنه تغطيه الحملات الدعائية وتتستر عليه بروباجندا مدروسة تضيع معها المضامين الحقيقية للعمل الخيري.

يتألف الكتاب من جزأين؛ الأول «مشكلات» ويشمل مقدمة وثمانية فصول، والثاني «حل جزئي» ويضمّ فصلين. أما المقولة الرئيسية في الكتاب فتدور حول أهمية فهم أن العمل الخيري ليس هبة بقدر ما هو وجه من وجوه الليبرالية الجديدة.

العمل الخيري: الأصل والواقع

يكتب المؤلفان في المقدمة: «تعدّ كلمة لطيف، أو رؤوف kind ذات أصل جرمانيّ وترتبط بمعنى kin قريب أو نسيب. كان المعنى الأساسي للكلمة مرتبطاً بخاصية طبيعية أو فطرية، فبات، بالتالي، يعني طبقة متمايزة بخصائص موروثة، أو كما سيكون في القرن الرابع عشر، صفات مرتبطة بالكياسة أو الأفعال النبيلة التي تعبر عن المشاعر التي يكنها الأقرباء تجاه بعضهم. ثمة حسّ بالمساواة متضمن داخل هذه الكلمة، هناك أيضاً شيء من التآخي والاحترام.
أما الأعمال الخيرية، بمفهومها وشكلها المؤسساتي على الأقل، فقد تركت وراءها جميع تلك المعاني المبكرة مثل «الاستعداد لفعل الخير» و«المشاعر الخيّرة، والنية الطيبة والكياسة» لتأخذ بدلاً منها شكلها الحالي القائم على العلاقة بين مانحٍ ومتلقٍ، وهي تفتقد للمساواة على اعتبار أن المتلقي ليس في موقع من يمكنه القيام، أو الرد، بالمثل. لكنها مع ذلك لا تزال تظهر عادة كرأفة، وهذا يكون في الغالب طريقة لتغطية التفاوت القاسي المبنيّ داخل هذه العلاقة.
لهذا، مثلاً، كتب جاك لندن يقول: «العظمة التي تلقيها للكلب ليست بعمل خير. عمل الخير هو أن تشارك العظمة مع الكلب، عندما تكون جائعاً مثله».

فجوة طبقية واجتماعية

يشدد الكاتبان على الحاجة لوجود نظام اجتماعي عادل تنتفي فيه الحاجة للعمل الخيري فيكتبان: «النوع الأكثر شيوعاً من الأعمال الخيرية هو ذلك الذي أصبح مؤسساتياً، وهو الذي يكتب عنه الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي في روايته «كثبان النمل في سافانا»: «بينما نقوم بالعمل الخيري، دعونا لا ننسى بأن الحل الحقيقي يكمن في عالم تصبح الأعمال الخيرية فيه غير ضرورية» ومع ذلك، فقد أصبحت الكلمة الفاعلة في السياسة هي «التفرقة»؛ الفجوة الكبيرة بين شديدي الثراء الغالبية وذوي الفقر المدقع، والتفرقة بين الرجال والنساء، والمواطنين واللاجئين، البيض والسود، نشوب النزاع بين مجموعة إثنية وأخرى، دين ضد الأديان الأخرى، «التقدم» ضد الكوكب، الخاص ضد العام، وهكذا دواليك. أما الحكومة، ولا سيما إدارة ترامب، فإنها تحرض على التفرقة لصالح قلة قليلة ممن يمتلكون السلطة، ما يؤدي إلى حرب صريحة ضد المجال الشعبي، الشعب ذاته، والخير العام. وبهذا، فإن الأعمال الخيرية المؤسساتية تعزز من قوة أصحاب الملايين المتخففين من عبء الضرائب الذين يوزعون إحسانهم على مشاريع تعود عليهم بالفائدة، مما يزيد من هوّة هذه الفجوة.
عنوان كتابنا هو ضد الأعمال الخيرية، لكن يمكن له، بشكل مساو، أن يكون «من أجل الرأفة»، وسيكون بالتالي دعوة لحقوق الإنسان العالمية ومبادئها الثلاثة العظيمة؛ الحرية، والعدالة، والكرامة. ربما بإمكان أيّ كان أن يقول إنه يطمح لامتلاك هذه المبادئ والتمتع بها، لكنها في الواقع لا تُعطى عبر الإحسان والأعمال الخيرية، لأن المساواة والتآخي خصائص أساسية بذاتها.

المشاهير والعمل الخيري

إذا نظرنا لمسألة الأعمال الخيرية من ناحية الشخصيات الشهيرة (celebrity)، فإنها لا تزال تأخذ توجهاً معقداً أكثر وغريباً في بعض الأحيان. يبدو الجدال حول الغيرية مراوحاً بين لماذا يهتم الناس (عموماً، دون النظر بشكل جدي إلى حقيقة أن الأثرياء يتباهون بمظهر الغيرية بينما قد يكون الأشخاص العاديون أسخياء أو رؤوفين لكن لا يعلم كثير من الناس بذلك) بالآخرين على حساب مصالحهم الشخصية. لكن ثمة أسئلة أخرى. منها مثلاً، يعطي شديدو الثراء جزءاً صغيراً من ثرواتهم، فلماذا يشعرون بأنهم مكلفون بامتلاك ما يزيد عن حاجتهم بكثير؟ لماذا يتسامح المجتمع معهم، بل ويقدسهم؟
يكمن أحد الأجوبة على ذلك في أن هذه هي النيوليبرالية الصلبة، والتي ترتبط بالنزعة الاستهلاكية. بدورها، تحتاج النزعة الاستهلاكية إلى الدعاية، وهذا ما يقوم به بعض المشاهير، الإحسان وعمل الخير ليس بغية إفادة الجنس البشري، وإنما كنوع من التسويق الذاتي.

اقتصاد القطاع غير الربحي

يعد القطاع غير الربحي اليوم ثامن أكبر اقتصاد في العالم، بوجود 19 مليون موظف يتقاضون الرواتب. ينخرط الكثير منهم في مجال العمل الإنساني والإغاثي حين تستمر الأزمات لوقت أطول، وتكون الحاجات متزايدة بسرعة كما في حالة التغير المناخي، والاقتصادات المنهارة والصراعات المميتة في أنحاء عديدة من العالم.
يعلق الكاتبان هنا: «هناك الكثير مما يمكن انتقاده في طريقة عمل المنظمات غير الربحية الكبيرة والصغيرة في مجال العمل الإنساني، لكن اهتمامنا هنا لا ينصب على انتقاد أفعالها أو أفعال عمال الإغاثة الأفراد ممن تكون، غالباً، دوافعهم حميدة في الأصل». ويضيفان: «لكننا نركز على العمل الإنساني كنوع من الأعمال الخيرية التي تعمل ضمن أنظمة جائرة وتنتج إقطاعية من المنح السخية. لكن إذا كان هذا القطاع ضخماً لهذا الحد، فلماذا لا نرى الأشخاص الذين يفترض أن يخدمهم هذا القطاع ظاهرين كثيراً في وسائل الإعلام؟».

تسييس الأعمال الخيرية

يبدو جلياً أن دونالد ترامب، الذي قال في إنديانابوليس في 28 أبريل/‏نيسان 2016: لدينا الكثير، الكثير من الدول التي نعطيها المال الوفير، ولا نحصل مطلقاً على أي شيء في المقابل، وهذا سيتوقف سريعاً»، لا يفهم المبدأ الأساسي للأعمال الخيرية، فهي ليست هبة، ومع ذلك فإنه يدعي أنه محسنٌ متحمس ومحب للخير – وهو وصفٌ أزيل من السيرة الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي لمؤسسة ترامب في أواخر عام 2016، قبل انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. ويدعي أنه منح شخصياً مبلغ 100 مليون دولار للأعمال الخيرية خلال السنوات الخمس الماضية. لنقل إن الأعمال الخيرية من اختصاص مؤسسة دونالد جيه ترامب، وهي مؤسسة خاصة غير ربحية بموظفين غير مدفوعي الأجر. لكن في واقع الأمر، فإن الصحفي الحائز على جائزة بوليتزر ديفيد فارنتولد من صحيفة «واشنطن بوست» قد توصل في استقصاءاته إلى أن ترامب لم يتبرع بسنت واحد لمؤسسة دونالد جيه ترامب منذ عام 2008. بل إنه ببساطة يجتذب الأموال من الآخرين، وهو يعرف أن هذا غير قانوني على اعتبار أن المؤسسة غير مسجلة لتلقي مساهمات بهذه الطريقة.
هذه المؤسسة «العائلية» غير الاعتيادية تتلقى كل أموالها تقريباً من أشخاص آخرين. كانت الطريقة بسيطة. إذ ذهب دونالد ترامب إلى مؤسسة تشارلز إيفانز الخيرية في نيوجرسي، وطلب منهم تبرعاً لمؤسسة شرطة بالم بيتش. جمعت المؤسسة الخيرية مبلغ 150 ألف دولار وقدمته لمؤسسة دونالد جيه ترامب التي «تبرعت» به لاحقاً لمجموعة الشرطة التي تحمل اسم المؤسسة. يصبح الأمر أفضل عندما نعرف أن دونالد ترامب قد تلقى عام 2010 جائزة من مؤسسة شرطة بالم بيتش تقديراً منهم ل «دعمه الخيريّ». كما عقدت المؤسسة احتفالها في منتجع Mar -a- Lage الذي يملكه ترامب. وفي عام 2014، كشفت التقارير الضريبية أنهم دفعوا 276.436 ألف دولار لاستئجار المكان في تلك السنة وحدها.
وبحسب تحقيقات لوكالة أسوشيتد برس، فإن مؤسسة إريك ترامب (ابن دونالد ترامب) تستفيد من الأعمال الخيرية المرتبطة بعائلة ترامب وأفراد من مجلس الإدارة. إذ لوحظت دفعات مالية محوّلة باستمرار إلى أحد نوادي الجولف الخاصة المملوكة لدونالد ترامب ولمنظمات مرتبطة بعائلة ترامب من خلال المؤسسات أو العائلة أو العلاقات التي تدور حول المنح الخيرية.
ووفقاً لتقارير دائرة الإيرادات الداخلية، فقد جمعت مؤسسة إريك ترامب 7.3 مليون دولار بحجة دعم الأطفال المصابين بالسرطان، وجمع المبلغ بشكل رئيسي من مانحين ومتبرعين حريصين على التعامل مع عائلة ترامب (مثل الأشخاص الذين دفعوا 50 ألف دولار مقابل دعوة رباعية للعب الجولف والاستمتاع بالعشاء في حفل جمع أموال للمؤسسة عام 2015).

«بزنس» الصناديق الخيرية

أما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، فيفترض بمؤسسته الخيرية التي أصبحت تسمى الآن «غير الربحية»، أن تكون مكرسة للأعمال الخيرية المستقلة، مع وجود بلير كراع غير تنفيذي. لكنه كان حاضراً على الدوام كشخصية «سوبر ستار» تجذب الممولين المحتملين، حاصلاً على ملايين الجنيهات الإسترلينية من تبرعات أفراد أثرياء، والحكومة الأمريكية وحتى اليانصيب السويدي.
ثم هناك رجل الأعمال الأوكراني الكبير فيكتور بينتشوك، الذي منح مؤسسة توني بلير الخيرية مبلغ 320 ألف جنيه استرليني بغية مساعدة «الناس على فهم الدور الرئيسي الذي يلعبه الدين داخل المجتمع». كما منح بينتشوك 150 ألف دولار لمؤسسة ترامب، وبعده قام ترامب بمداخلة عبر الفيديو في منتدى «استراتيجية يالطا الأوروبية» السنوي عام 2015، وشدد فيه على ضرورة أن تتخذ الولايات المتحدة تدابير أشدّ في تعاملها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما قدّم 8.2 مليون دولار لصندوق مؤسسة كلينتون، لتستضيفه لاحقاً وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على العشاء.
ويشدد المؤلفان على الدور الكبير الذي يلعبه صندوق مؤسسة كلينتون الخيرية، التي ترتبط من خلال علاقات متينة مع عشرات رجال الأعمال النافذين والشركات الخاصة والشركات الحكومية وأخرى غير الحكومية لدعم الصندوق، وتلقي منح وهدايا بملايين الدولارات. وهي مبالغ يصفها الاقتصادي الأمريكي مايكل هدسون بأنها مخبأة في مرأى من أعين الجميع.
ففي عام 2001، إبان نهاية فترة رئاسة بيل كلينتون الثانية في البيت الأبيض، ادّعت المؤسسة، طبعاً، بأنها تستهدف «الحدّ من الفقر، وتطوير الصحة العالمية، وتقوية الاقتصادات، وحماية البيئة». لكن ما حصل في الواقع، أنه بحدود نهاية عام 2014، وصل مجموع أرصدة الصندوق ل 354 مليون دولار. أما أفراد عمل المؤسسة البالغ عددهم 486 شخصاً في 180 دولة فلم تكن لديهم سوى معرفة ضئيلة، أو معدومة، في العمل التنموي.

نبذة عن المؤلفين

– دانييل رافنتوس:
كاتب واقتصادي إسباني، يعيش في مدينة برشلونة. له عدد من المؤلفات منها: «الدخل الأساسي: الشروط المادية للحرية».
– جولي وارك:
هي كاتبة ومترجمة أسترالية تعيش في برشلونة. لها كتاب سابق بعنوان «بيان حقوق الإنسان».

 

ترجمة: نضال إبراهيم

 

8 طرق لعقاب طفلك دون ضرب أو صراخ

تتساءل عجوز مستغربة: كان أبي يجلدني بالحبل أثناء طفولتي عندما يغضب من تصرفاتي، ولما أصبحت أمًّا رفضت فعل ذلك مع أطفالي، ولكني كنت أتعامل معهم بحزم وقسوة دون ضرب، وكان ذلك يأتي دائمًا بالنتيجة المرجوة. أما الآن فأنا في حيرة كبيرة في التعامل مع حفيدتي، فطريقتي المعتادة في العقاب لم تفلح معها، ما الذي يتوجب علي فعله للتمكن من السيطرة على تصرفاتها؟ أم أن الزمن قد فاتني.

1- وقت مستقطع

إذا لم يلعب طفلك جيدًا أو بكى كثيرًا أو أحدث كثيرًا من الضجة، جهزي له مكانـًا واطلبي منه أن يجلس فيه هادئـًا لمدة دقيقة لكل سنة من عمره، في البداية سيرفض ذلك، ولكن بإصرارك  مرة وراء مره سيتعود.

(لا يجب أن يكون هذا الوقت المستقطع في غرفة الطفل حيث الألعاب حوله في كل مكان ، ولا يجب أن تصبح تلك طريقة العقاب الوحيدة فهناك طرق أفضل.)

 

2- صندوق المواسم

إذا أحدث الطفل إزعاجًا كبيرًا بإحدى ألعابه ولم ينصت إلى تعليماتك ومطالباتك بالهدوء أو أحدث بلعبة ضررًا ما، انتزعيها منه، ثم ضعيها في صندوق أطلقي عليه اسمًا، وليكن (صندوق المواسم)، ولتخرج تلك الألعاب يوم الجمعة فقط.

اللعبة التي يرفض طفلك أن ينظفها وراءه، أو يحاول كسرها، أو التي ينشغل بها ويتجاهل نداءك للغذاء، يفقدها.

(إذا عاقبت طفلك على شيء فلا يجب أن تتجاهله في المرتين القادمتين)

 

3- عوضني عن تفاهاتك

إذا تسبب طفلك في إضاعة وقت أحدهم بمشاغباته وأفعاله، اجعليه يقوم بتنفيذ بعض المهام لهم لتعويضهم عن الوقت الذي تسبب في إضاعته. إذا تسبب في إضاعة وجبة الغداء عليك اجعليه ينظف الصحون، فقط حاولي تعليمه أنه مسئول عن أفعاله، وأن لكل خطأ يرتكبه تداعيات وأثر على الآخرين.

(العقاب يجب أن يكون على قدر الخطأ)

 

4- الاعتذار لا يعيد دائمًا الود

مع الإيمان بأهمية الاعتذار و(أنا آسف)، إلا أن تلك الجملة لاتصدر دائمًا من القلب. إذا طلبت من طفلك أن يعتذر إلى شقيقته ليحصل على الآيس كريم، فغالبًا ما سيضطر إلى الكذب . ولكن أفضل من ذلك حاولي أن تسأليه عن أكثر ما يحب في شقيقته ثم اطلبي منه أن يخبرها ذلك بنفسه، فهذا أفضل كثيرًا من الاعتذار المنمق الأجوف.

(ضع القواعد الخاصة لأسرتك، وعاقب أطفالك على عدم التزامهم بها)

5- لا تستخدم صافرة التحكيم 

هناك شجارات دائمة في منزلك بين أبنائك؟ تضطر دائمًا إلى التحكيم بينهم واستخدام سلطاتك الأبوية للفصل بينهم  والضغط على الأصغر لينصت إلى كلام الكبير؟

لا تفعل ذلك، اطلب من أبنائك فقط أن يدخلوا إلى غرفتهم ولا يخرجوا حتى يصلوا إلى حل مقنع لك ولهم.

(ضع نظامًا للعقاب يلائم مراحل طفلك السنية، فطفلك صاحب الـ14عامًا لا يرغم على النوم في السابعة مساءً لأن أخاه ذا الست سنوات يفعل ذلك)

 

6- التجاهل

التجاهل يعلم الطفل طرق أخرى للتنفيث عن مشاعره ورغباته بدلًا من الصراخ وضرب الأرض بقدميه، ويعلم الطفل التخلص من تلك التصرفات التي يفتعلها لجذب الانتباه مثل: الأنين، نوبات الغضب، تكرار السؤال، فبدون جمهور ولا مستمعين لا فائدة من تلك الأفعال.

التجاهل يعني عدم التواصل عبر الأعين، لا حديث ولاتلامس أو(طبطبة). وفور استسلام الطفل وتوقفه عن الصراخ تحول بوجهك إليه وابدأ في إعطائه الاهتمام المطلوب لتسأله عما يريد بهدوء وتقنعه بسبب رفضك.

ولكن قبل ذلك احذر أن تضعف أنت أوتستلم قبل طفلك، فاستسلامك  يجعل تجاهلك يأتي بنتيجة عكسية، فمثلًا:

يطلب طفلك شيئـًا فترفض، يبدأ في الصراخ ويعلو صوته، تتجاهله، ولكن يستمر في الصراخ، حتى تمل، فتوافق، ثم صراخ، صراخ، صراخ وصراخ بصوت أعلى.

 

(لا تدمن التجاهل فتنسى طفلك  محشورًا بين مقعدك والحائط)

 

7- المدح

لا يمكنك عزل طفلك أو تجاهله أو معاقبته بدون إعطائه بعض الاهتمام قبل ذلك والإشادة بأفعاله الإيجابية. إذا وجدك الطفل تتجاهل أفعاله الإيجابية فسيضطر إلى فعل العكس لجذب الانتباه.

لديك ثلاثة أطفال، اثنان منهما يلعبان في هدوء والثالث يصرخ ويجري ويحاول استثارتهما ويحدث كثيرًا من الضجة والقلق. ماذا ستفعل؟؟
أغلب الآباء يركزون انتباهم على المشاغب ويتجاهلون الآخرين، ولكن بدلًا من ذلك حاول أن تتجاهل الثالث وتوجه إلى أخويه بالحديث اللطيف أمامه: ( إنني أحب فعلًا الطريقة الهادئة الرائعة التي تلعبان بها).

 

(بعض الآباء يخشى أن يؤدي الثناء إلى بناء طفل مدلل، ولكن هناك نوع واحد من الثناء يؤدي إلى ذلك (أنت أجمل وأذكى طفل في العالم والبشر في دول العالم الثالث في حاجة إليك).

 

8- المنح بدلًا من العقاب (أو العقاب الحلو)

اصنع نظامًا لتشجيع طفلك وتحميسه على تنفيذ الأوامر. ضع مجموعة من القواعد وامنحه درجات على درجة التزامه بها وفي نهاية الأسبوع مثلًا كافئه على ذلك، واجعل هناك مجالًا للتنافس بين الأخوه.

 

امنح طفلك درجات على

1- عطفه ومشاركته لألعابه.

2- ارتداء ملابسه أو دخوله المرحاض دون مساعدة.

3- تجميع ألعابه بعد انتهائه منها.

4- درجات شهرية عالية من مدرسته.

5- التقدم في مستوى القراءة والكتابة.

6- اللعب بهدوء.

تابع سلوكه عن قرب وامنحه درجات على الصبر وعدم المكابرة والتواضع، وحاول شرح معاني تلك الصفات له.