إمبراطوريات الضعفاء

 

كيف كان صعود الغرب استثناءً مؤقتاً للنظام العالمي المهيمن؟ ما الذي يفسر نهوض الدولة، وإنشاء أول نظام عالمي، وهيمنة الغرب؟ تؤكد الإجابة التقليدية أن التكنولوجيا والتكتيكات والمؤسسات المتفوقة التي أقامتها المنافسة العسكرية أعطت الأوروبيين ميزة حاسمة في الحرب على الحضارات الأخرى من عام 1500م فصاعداً. يشير هذا الكتاب إلى أن الأوروبيين لم يكن لديهم في الواقع تفوق عسكري عام في أوائل العصر الحديث. لكن كيف؟

كان الأوروبيون يشعرون بالرهبة من الإمبراطوريات الشرقية العظيمة في ذلك اليوم، والتي كانت رائدة في الابتكارات العسكرية الرئيسية وكانت تقوم بالغزوات منذ فجر التاريخ. وعلى ضوء الرأي القائل بأن الأوروبيين حققوا فوزاً دائماً، يؤكد شارمان أن إمبريالية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت تطوراً عابراً وشاذّاً نسبياً في السياسة العالمية انتهت بخسائر غربية خلال تمردات مختلفة. وإذا كان للقرن الحادي والعشرين أن تهيمن عليه قوى غير غربية مثل الصين، فإن هذا يمثل عودة إلى القاعدة السائدة في العصر الحديث.

يتوقف الكتاب عند فكرة أن أوروبا حكمت العالم بسبب الهيمنة العسكرية، وأن صعود الغرب كان استثناءً في النظام العالمي السائد. يعلق الكاتب على ذلك قائلاً: «إن التوسع الأوروبي من نهاية القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر قد دفع العالم إلى إنشاء أول أنظمة سياسية واقتصادية عالمية حقيقية. وقد بدأ ذلك برحلات شبه متزامنة عبر المحيط الأطلسي إلى الأمريكتين، وجنوباً وشرقاً حول ساحل إفريقيا، عبر المحيط الهندي إلى آسيا بواسطة مستكشفين مثل كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا جاما».

ويضيف: «غالباً ما يقال إن النمو اللاحق للوجود الأوروبي عبر المحيطات كان نتيجة لقوة عسكرية متفوقة: أسلحة أفضل، ومنظمات أفضل لاستخدامها، وهي تعرف باسم أطروحة الثورة العسكرية التي تفيد أن التوسع كان في المقام الأول نتيجة للجيوش والدول التي تفوقت على المعارضين في الخارج، لأن الأوروبيين كانوا أكثر تكيفاً مع متطلبات الحرب، بعد أن نجوا وتعلموا من المنافسة الشرسة في الداخل. يعتمد ذلك على افتراض أن المنافسة تنتج منظمات أكثر كفاءة تتكيف بشكل أفضل مع بيئتها، وذلك بفضل مزيج من التعلم العقلاني والاختيار الدارويني».

تشكيك في الرواية الغربية

في هذا الكتاب، يشكك المؤلف في كل عنصر من عناصر هذه الرواية، ويقترح شرحاً بديلاً، ويشير إلى أن الأوروبيين لم يتمتعوا بأي تفوق عسكري كبير في مواجهة المعارضين غير الغربيين في بداية العصر الحديث، حتى في أوروبا. كان التوسّع بمنزلة قصة عن الاحترام والتبعية الأوروبيين، بقدر ما كانت قصة الهيمنة. بدلاً من جيوش الدولة أو قوات البحرية، كان في طليعة التوسع عصابات صغيرة من المغامرين أو الشركات المأجورة التي اعتمدت على رعاية الحلفاء المحليين. وكان من العوامل الأساسية لنجاح الأوروبيين وبقائهم وجود استراتيجية بحرية تجنبت تحدي الأولويات البرية للسياسات المحلية، وحدوث الأوبئة في الأمريكتين تسبب في كارثة سكانية. «كان أعظم الغزاة وبناة الإمبراطورية في أوائل العصر الحديث في الواقع إمبراطوريات آسيوية، من العثمانيين في الشرق الأدنى، إلى المغول في جنوب آسيا، ومينغ ومانشو تشينغ في الصين. يساعد إبداء الاهتمام الواجب لهذه القوى العظمى في تصحيح مركزية أوروبا التي غالباً ما كانت متحيزة في الدراسات السابقة، وتثير تساؤلات حول قصص السبب والنتيجة التقليدية بشأن شن الحرب وصنع القوانين». يتناقض هذا المنظور البديل مع النظرة التقليدية للتوسع الأوروبي باعتباره مجهوداً موجهاً من قِبل الدولة، ويستند إلى استخدام نفس التكتيكات والتكنولوجيا كما في الحرب بين الأوروبيين. وهو يشكك في فكرة وجود صلات قوية بين السبب والنتيجة بين الأسلحة الجديدة والتكتيكات والجيوش الكبيرة الدائمة وصعود الدولة ذات السيادة. على نطاق أوسع، فإن الحجة المطروحة هنا تتناقض وتحل محل نموذج المنافسة العسكرية التي تنتج منظمات قتالية فعالة ومتكيفة من خلال مزيج من التعلم والإقصاء».

إن أهمية العملية التي تم بها إنشاء أول نظام عالمي واضحة من نواحٍ كثيرة. فقد كانت الحضارات القديمة والمعزولة في السابق على اتصال منتظم مع بقية العالم،؛حيث كانت هناك حركة للناس والبضائع والأفكار في جميع أنحاء العالم لأول مرة، مما أدى إلى تغيير المجتمعات والبيئة عقب ذلك.

نظام خارج السيطرة

«لقد كان لدينا نظام دولي مرتبط منذ حوالي 500 عام، وهي فترة غالباً ما تُعتبر مرادفة لعصر الهيمنة الغربية. والافتراضات التي دعمت دراسة النظام الدولي والنظريات التي تم تطويرها لتفسيرها تبدأ من فرضية الهيمنة العسكرية والسياسية الغربية. ولكن في الواقع، لأكثر من نصف الوقت كان هناك نظام عالمي، لم يسيطر عليه الغرب».

«على النقيض من ذلك، فإن الدول الأوروبية كانت ضعيفة مقارنة بالقوى العظمى الآسيوية مثل إمبراطوريات المغول أو مينغ وتشينغ الصينية من حيث عدد السكان والثروات والقوة العسكرية. وحقيقة أن هذا لم يتم الاعتراف به في كثير من الأحيان يوضح مدى تشويهنا العميق للتطور التاريخي للسياسة الدولية، وله انعكاسات كبيرة على فهمنا للماضي والحاضر والمستقبل. إن التحيزات في المكان والزمان لم تبالغ في تقدير أهمية القوى الأوروبية بشكل منهجي فقط، بل قللت من أهمية تلك الموجودة في مناطق أخرى، كما أنها حددت أيضاً طريقاً حاسماً واحداً لتطوير المؤسسات العسكرية باعتبارها تشكل القاعدة التاريخية».

«تاريخ الحرب أمر حاسم باعتباره المادة الخام لتوليد واختبار العديد من نظريات العلوم الاجتماعية. والقوة العسكرية هي المحدّد النهائي في السياسة العالمية. تشكّل أطروحة الثورة العسكرية التي تقول إن الحروب المتكررة بين القوة العظمى دفعت إلى الابتكار العسكري وبناء الدولة في أوروبا، والتي أعطت هذه الدول فيما بعد ميزة تنافسية استخدمتها للسيطرة على الأنظمة السياسية غير الأوروبية، حجر الأساس للكثير من العلوم الاجتماعية ذات التوجه التاريخي. فقد قدمت لنا فهماً لصعود الدولة ذات السيادة ونظام الدولة الحديثة. ولذلك نجد العلماء يهتمون بشكل متزايد بصعود وسقوط الأنظمة الدولية».

«المقدار الذي نعتقد أننا نعرفه عن الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية هو في الحقيقة منظور ضيق أوروبي مركزي حول الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية الغربية. ولدى أوائل العصر الحديث القدرة على الإجابة عن هذا السؤال بشكل فريد».

منظور تاريخي

«من المنظور التاريخي التقليدي لعصر «كولومبوس» أو «فاسكو دا جاما» للهيمنة الأوروبية التي يقودها الجيش، فإن احتمال وجود نظام عالمي لا يهيمن عليه الغرب، أثارته المخاوف بشأن القوى الناشئة مثل اليابان، أو الصين مؤخراً والهند، لم يسبق له مثيل تاريخياً، وهو قفزة في المجهول. كما أن وضع قوى آسيوية حديثة في سياقها الصحيح من شأنه أن يجعل هذا العالم المستقبلي يبدو أقل إثارة أو غرابة؛ وربما سيكون هناك عودة إلى القاعدة التاريخية بعد فترة قصيرة نسبياً من عدم التوازن. هذه هي إحدى الطرق التي يمكن من خلالها تغيير وجهات نظرنا حول الماضي، ويمكن أن تغير وجهات نظرنا عن الحاضر والمستقبل بشكل أساسي». عند النظر إلى الطريقة التي يروي بها التاريخ نظرياتنا عن كيفية عمل السياسة الدولية عبر الزمن، يقدّم الكاتب بعض الأفكار حول العلاقة بين تخصصات التاريخ والعلوم الاجتماعية. ويرى أن الخلاصة الرئيسية هي أن المؤرخين وعلماء الاجتماع يتشاركون في آراء متشابهة في الأغلب. ويؤكد أيضاً على ما يمكن للعاملين في العلوم الاجتماعية، وخاصة العلاقات الدولية والعلوم السياسية، أن يتعلموه من أعمال المؤرخين الأخيرة حول العلاقات بين الأوروبيين والحضارات الأخرى في إفريقيا وآسيا والأمريكتين لتحل محل أطروحة الثورة العسكرية. وأي جهد لفهم موضوع ضخم مثل إنشاء وعمل النظام العالمي الحديث يتطلب اطلاعاً على رؤى التخصصات المختلفة.

يشير الكاتب إلى أنه في كل النقاش الحاصل حول ذلك، قام عدد قليل من العلماء في وقت سابق باختبار الادّعاء بأن الثورة العسكرية ترتكز على الاستعمار الأوروبي. لكن إلى أي مدى وفرت الابتكارات العسكرية الأوروبية في الفترة ما بين 1450 و 1700 للأوروبيين بالفعل ميزة في الحرب؟

أطروحة الثورة العسكرية

يقدم المؤلف في الفصول الثلاثة من العمل أدلة توضح أن أطروحة الثورة العسكرية ببساطة لا تتلاءم مع أدلة الفتوحات الإسبانية في العالم الجديد، أو حتى البرتغالية والهولندية والإنجليزية في آسيا وإفريقيا. بادئ ذي بدء، كانت أساليب الحرب التي استخدمها الأوروبيون في الخارج مختلفة تماماً تقريباً عن الأساليب التي استخدموها في بلادهم. وباستثناء حالات نادرة، لم تتناسب التكتيكات ولا الجيوش ولا المنظمات مع أطروحات الثورة العسكرية وحرب القوة العظمى في أوروبا.

يقول الكاتب: «إن إطلاق النار على أيدي الفرسان الذين أصبحوا يسيطرون على الحرب في أوروبا الغربية والوسطى لم يستخدم في أي مكان آخر. فبدلاً من الجيوش الضخمة المنتشرة في أوروبا، تم التوسع في العالم الأوسع عبر قوات لحملات صغيرة. علاوة على ذلك، في معظم الحالات، كانت هذه القوات خاصة بشكل محدّد، حيث كانت عصابات من المغامرين أو «أصحاب الشركات المأجورة». وكانت الظروف المختلفة في المواقع المختلفة تستدعي ردوداً مختلفة، مما قوض فكرة وجود طريقة أوروبية واحدة للحرب».

والأهم من ذلك، بشكل عام، لم يكن هناك تفوق عسكري أوروبي عام على الحضارات الأخرى في هذه الفترة. حقق الغزاة انتصاراتهم الأكثر شهرة في الأمريكتين بفضل مزيج من حدوث الأوبئة والحلفاء المحليين ومواد الصلب البارد، بينما الهزائم الأقل شهرة تكذب أسطورة جيوشهم التي لا تقهر. وثبّت الأوروبيون أقدامهم في إفريقيا عن طريق الحكام الأفارقة. في مناسبات نادرة، تحدى البرتغاليون وغيرهم الحكومات الإفريقية في الحرب قبل عام 1800، فقد كانوا يتعرضون للخسارة عموماً. واعتمد الأوروبيون موقفاً عاماً من الاحترام والتبعية لإمبراطوريات آسيا الأكثر قوة بشكل واضح، من بلاد فارس، إلى المغول، إلى الصين واليابان.

مرة أخرى، كان البرتغاليون، والهولنديون، والإنجليز، والروس جميعهم على الطرف الذي يتلقى الهزائم الحادة في الحالات الاستثنائية التي اشتبكوا فيها مع هذه الإمبراطوريات. أخيراً، في أوروبا وفي البحر الأبيض المتوسط، قاتل الأوروبيون للصمود في وجه العثمانيين، لكنهم شعروا بخيبة أمل ثابتة في مشاريعهم العسكرية في شمال إفريقيا.

في ختام الكتاب يقول الكاتب: «إن النظام العالمي متعدد الأقطاب هو النمط السائد عبر التاريخ أكثر مما هو استثناء. وعلى الرغم من أن التوقعات صعبة، خاصة حول المستقبل، وتحديداً لعلماء الاجتماع، لكن إذا ما أصبحت الصين والهند من أعظم القوى في القرن الواحد والعشرين، فهذا يعني بأشكال عديدة العودة إلى الوضع القائم في فترة 1700 للميلاد. الأسئلة التي نسألها، ونفشل في طرحها، حول التاريخ لا تغيّر آراءنا فقط، بل تتساءل عن مكاننا، وعما يخفيه المستقبل لنا كذلك».

الكتاب صادر عن دار «برينستون» الجامعية في فبراير/‏ شباط 2019 باللغة الإنجليزية ضمن 216 صفحة. ويأتي في ثلاثة أقسام ما عدا المقدمة والخاتمة.

نبذة عن الكاتب

* أستاذ العلوم الدولية في جامعة باتريك شيهي في قسم السياسة والدراسات الدولية بجامعة كامبريدج وزميل بكلية كينغز من كتبه السابقة «دليل الطاغية لإدارة الثروات والنظام الدولي في التنوع». يعيش في لندن.

المدن المستدامة.. بيان للتغير الحقيقي

تشهد المناطق الحضرية في العالم مشكلات حقيقيّة بسبب جشع الشركات، وفقدان المساحات العامة، وأزمة عدم المساواة. ويسلط هذا الكتاب الضوء على كيفية دخول المدن في ممارسات غير مستدامة ومضرة، وإمكانية فتح طرق جديدة فعلية للتغيير الحقيقي نحو مستقبل أفضل. يستكشف بول تشاتيرتون تجارب المدن التي تسخّر القوة الإبداعية الجماعية، من خلال التركيز على خمسة محاور: التعاطف والخيال والتجريب والإنتاج المشترك والتحول؛ وأربعة أنظمة مدنية هي: التنقل والطاقة والمجتمع والطبيعة.

من المعروف أن أغلبية البشر على كوكبنا تعيش في المدن، وأنه خلال السنوات القليلة القادمة سوف يمثل المجتمع الحضري نحو ثلاثة أرباع إجمالي استخدام الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويرى الكاتب أن «وراء هذه العناوين، جدول أعمال واضح ومقلق؛ وهو دعوة إلى العمل لبقاء نوعنا والحفاظ على الأنظمة البيئية التي نعتمد عليها».

ويضيف: «بالنسبة لأي شخص يتدخل في كيفية تكشف المدن في المستقبل، نجد أن هناك مجموعة كاملة من المشكلات المعقدة والمستعصية التي تتطلب اهتماماً عاجلاً مثل: مواجهة آثار تغير المناخ، والتكيف معه؛ التنوع الحيوي وحماية النظم الإيكولوجية؛ خفض الاعتماد على استخدامات الوقود الأحفوري؛ تأمين مستويات لائقة من الرخاء والرفاهية؛ معالجة حالات ظهور البطالة والفقر، وبناء المؤسسات التي تعمل على تعزيز وتمكين وضمان المساواة من حيث النتائج والإجراءات؛ معرفة كيفية تحفيز التغييرات في الممارسات الاجتماعية؛ حماية الأطفال والبالغين المستضعفين وإعادة توجيه العمل والتعليم نحو تحديات المستقبل؛ وتطوير التحولات المالية والمؤسسية والثقافية اللازمة لدعم ذلك كله».

«والمحير في هذه المسألة، أنه لا يوجد رأي متفق عليه بشأن المهمة المقبلة. ويتم تأطير التدخلات في تحديات المستقبل من خلال الطريقة التي نراها، والموجودة في العالم. فعلى سبيل المثال، تختلف وجهة نظر التحول الحضري وأولويات العمل من بنجلادش بشكل جذري عن تلك الموجودة في برادفورد، أو بوسطن. وبالنسبة إلى البعض، قد تعني تحديات الاستدامة الحضرية تجنب الموت على يد جيش الاحتلال، أو البحث عن الطعام والموارد الأساسية. بالنسبة للآخرين، قد يعني ذلك تحسين سلامة الطرق أو الحد من تلوث الهواء، أو استخدام البيانات لجعل المواصلات العامة أكثر كفاءة».

ويبرز الكتاب حقيقة أن إحدى المشاكل الرئيسية هي الطريقة التي نتناول بها الفكرة الحقيقية للاستدامة. «لقد أصبح مفهوم التنمية المستدامة مبتذلاً، بحيث بات بلا معنى. ويتعلق الأمر إلى حد كبير باستدامة الوضع الراهن من خلال سلة من الإصلاحات، وإيمان ساذج بقوة الترتيبات الاجتماعية – التقنية الجديدة. ولا يمكن تحقيق الاستدامة الحقيقية إلا من خلال تقصّ وبحث عميق وشاق، وإعادة توجيه المشروع العمراني السائد للأنواع البشرية خلال الرأسمالية المتأخرة في عصر الأنثروبوسين». (حقبة زيادة تدخل وتعاظم دور الإنسان في طبيعة الأرض مع زيادة المصانع وزيادة نسب الانبعاثات الصادرة منها).

نماذج عالمية

يشير الباحث والكاتب والناشط البروفيسور بول تشاتيرتون في مقدمته إلى العديد من المدن التي يمكن أن تقدم نماذج مستدامة، وتحقيق تغيير فعلي على أرض الواقع، يقول «في ديترويت وفيلادلفيا ونيو أورلينز، أنشأت مجموعات من الناس مجالس حضرية، وهي شبكة من الصالات للمقيمين الذين يسعون إلى التبادل الحضري. وفي ليفربول نشأت ورشة «جرانبي» من إعادة بناء الأحياء التي يقودها المجتمع المحلي وتصنع المنتجات التجريبية المصنوعة يدوياً. وفي إنديانابوليس، يأخذ الناس من أجل التقدم الحضري سلعاً غير مرغوبة، ويعيدون تدويرها لتحويلها إلى مواد تسهم في الخير العام. وفي بيركلي، تعد «هكر موم» أول فضاء للقرصنة مخصص للنساء، وهو فضاء مشترك للعمل على تقاسم الأدوات مع الصديقات المقربات، إلى جانب تبادل المعلومات ومناقشة قضايا المجتمع. وفي ليدز، يقوم «بلاي فول أني وير» باحتضان وتطوير وتصميم مشاريع تشاركية تضع الناس والتسلية في قلب المشاركة العامة والمكان. وفي مكسيكو سيتي، قام مجلس المجتمع المحلي لميرافال بتحويل شكل الساحات العامة المهجورة في الشركات المهمشة من خلال إنشاء مكتبات وغرف غداء ذات ميزانية منخفضة ومراكز صحية وترفيهية ومرافق إعادة تدوير».

ويضيف: «في دالاس، تقوم مؤسسة بتر بلوك بتطوير حلول مفتوحة المصدر لمساعدة المدن والجماعات المحلية والقادة الناشئين على إنشاء نماذج أولية سريعة في خدمة إيجاد الأماكن الإبداعية، ودعم الحياة العامة. وفي روتردام، يطور «بورفليرت» ملتقيات مؤقتة وخلاقة في المواقع المنسية ضمن المدينة، حيث يجمع الناس معاً للعمل الاجتماعي. وفي بيونس آيرس، خلق مجتمع «الكارتونيروس» (أو جامعو القمامة غير الرسميين) فرص عمل تعاونية مستقرة لأكثر المدن تهميشاً. وفي أوريجون، يشجع مشروع «مدينتك» على المشي لمعالجة الاعتماد على السيارات، وقد غطى نشطاء المجتمع المحلي المدينة بإشارات تروج لمسارات المشي وركوب الدراجات. وطورت «شبكة فانكوفر للفراغ العام» مشاريع لمعالجة الخصخصة المتزايدة في مجال الفراغ وتشجيع بدائل لها، مثل الحدائق المجتمعية والمجتمعات التي يمكن التنزه فيها، وأنشطة اللوحات الإعلانية».

«يمكن أن تستمر هذه القائمة من الأمثلة الملهمة. يحدث شيء كبير من دون أن يلاحظه أحد عبر المدن في جميع أنحاء العالم؛ فهناك عدد لا يحصى من المشاريع التي ينشئها الناس تعكس جميع مناحي وقطاعات الحياة، ولكن يواجهون خلالها العقبات. وبالرغم من الثقل الكبير لسلطة الشركات، وفقدان الحيز العام، والتسلسل الهرمي البيروقراطي، والتباينات المتأصلة، وحتى وجود الحرب والعنف، سيقوم الناس بإنشاء مشاريع تضع مؤشرات لعقود مستقبلية مختلفة جداً في المناطق الحضرية. فهم يطلقون العنان للطاقات الضخمة غير المستغلة للمدن المستدامة. قد تكون هذه الطاقات جزئية، وصغيرة الحجم وسريعة الزوال. وقد لا تحل الجهود المبذولة مشكلة الفقر أو عدم المساواة في المناطق الحضرية، أو تغير المناخ، إلا أنها تمثل كمية من الابتكار المدني، ويسعى القائمون عليها إلى تسخير الإمكانات أينما وجدوها. وهم يمتلكون فهماً سليماً وجذرياً، ونقداً لأساليب الأعمال المعتادة في التخطيط الحضري التي تدفع المدن إلى حدودها الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وهم متشككون في قدرة الإصلاحات التكنولوجية والحلول الرقمية الذكية بمفردها على إنقاذ المناطق الحضرية».

مدن بدون سيارات

يركز الكاتب في مناقشته على أربعة محاور تدور حول: المدن الخالية من السيارات، ومدن ما بعد الكربون، والمدن المدينة الحيوية، والمدينة المشتركة.

وفي الفصل الخاص بالمدن الخالية من السيارات، يستكشف الكثير من الأمثلة التي تشير إلى إطلاق نهج مختلف تماماً بخصوص التنقل، ويقول: «تزامناً مع وقف العمل بوسائط النقل التي تستخدم الوقود الأحفوري، نحتاج إلى فتح مدينة خالية من السيارات على نطاق واسع تحتوي على: ممرات للدراجات، طرق المشاة، وسائل النقل الجماعي السريع، وسهلة التوفر، وتصميم حضري للسيارات خفيفة الوزن وحياة الشوارع المتجددة. وعلاوة على ذلك، فإن الحاجة الحقيقية إلى مثل هذه الحركة الكثيفة تتطلب التقسيم والتخصيص.

 

وبمعزلٍ عن المركبات المزودة بالمحركات، فإن مجمل الفضاء الحضري الثمين بحاجة إلى إعادة التخصيص؛ لذلك لا يمكن فتح عقود النقل الآجلة البديلة إلا بالتزامن مع التحول في التخطيط، وتقسيم المناطق بحيث يؤدي ذلك إلى تضاؤل الحاجة إلى مجتمعٍ ضخم ومهدر؛ من الأحياء السكنية إلى مناطق العمل المركزية. وتحتاج المناطق الرئيسية إلى تقسيم، والعمل بدوره يحتاج إلى توزيع على نطاقٍ واسع، ثم المواد الغذائية، والترفيه، والبيع بالتجزئة بحاجة إلى إعادة البيع للسلع المستعملة وفصلها عن استخدام السيارات. وقد يبدو البدء بالسيارة محدوداً لكنه يشير إلى خطوات متعددة لإطلاق التغيير الحقيقي للمدن المستدامة».

ويضيف: «تعمل أنظمة المدن هذه معاً على وضع برنامج لفتح مدينة حيوية مبنية على أسس مشتركة، خالية من السيارات، وما بعد الكربون. ويعتبر هذا البرنامج خطة طموحة لكنها غير مكتملة تستكشف كيفية قيام المبتكرين بفتح المدن، بدءاً من الاعتماد على السيارات والشروع في التحول من المركبات التي تعمل على الوقود الأحفوري وصولاً إلى التمدن الخالي من الكربون، واستعادة الطبيعة الحضرية من خلال الابتعاد عن التصنيع المدمر للأنظمة البيئية، وإطلاق العنان للاقتصادات التي تلبي الحاجات المحلية للناس وتساهم في المشاركة الديمقراطية المتجددة».

مدن ما بعد الكربون

كما يتناول في الفصل الثاني، مدن ما بعد الكربون، ما بعد العصر الجيو سياسي للنفط والغاز والفحم، ويستكشف هذه الكتلة الجديدة من الطاقة الحضرية وكيفية البدء بالعمل في هذا الطريق الوعر؛ في ما يتعلق باتخاذ عمالقة الطاقة في الشركات إجراءات لضمان إزالة الكربنة بشكل جذري، وتحقيق المساواة، ويقول: «هذه ليست مجرد مرحلة انتقالية تخص التقنيات والبنية التحتية، بل هي عملية تتطلب إجراء تغيير واسع النطاق في الممارسات الاجتماعية والثقافية؛ فعملية خلق وتوفير الطاقة بحاجة إلى صياغة مجموعة مختلفة من القيم في مجتمعاتنا المملوءة بالطاقة وغير المتكافئة بشكل لا يصدق».

ويضيف على ما سبق: «ولذا فإن خفض وتقليص الطلب على الطاقة وإعادة توزيعها، وكذلك إعادة تنظيم هذه الطاقة تبقى من المواضيع الماثلة بقوة في جدول الأعمال في الوقت الذي تمهد فيه المدن الطريق أمام توفير الطاقة الخضراء لمواطنيها بأسعار معقولة».

المدن الحيوية والمشتركة

في الفصل الثالث الذي يتحدّث فيه عن المدينة الحيوية، يستكشف الكاتب إطلاق التوجهات الجديدة من خلال نهج جذري ناشئ للتعامل مع الطبيعة الحضرية، بما في ذلك استعادة الحياة البرية الحضرية، الزراعة المستدامة، حب الكائنات الحية، المحاكاة البيولوجية أو محاكاة الطبيعة، الزراعة الحضرية، المناظر الطبيعية الحضرية المنتجة باستمرار.

ويستكشف في الفصل الرابع فكرة المدينة المشتركة من خلال الابتكارات في مجال إيجاد الأماكن المجتمعية والاقتصادات والديمقراطية، معلقاً: «إن الأماكن المادية والأرض الفعلية والمناطق التي نعيش فيها ونشغلها تعطينا إحساساً بالمكان، وهي تحافظ علينا وتوفر لنا الرفاه والمأوى؛ ومع ذلك، فإن مسألة إيجاد المكان بقيت خاضعة لنظم التخطيط المجردة النافرة، والمشوهة بالسلوك البيروقراطي، وجشع الشركات وملكية الأراضي المركزة».

ويضيف: «علاوة على ذلك، فإن الاقتصادات الحضرية أصبحت، وبشكل متزايد، رهينة ل: كسب المال السريع، الاستثمار الداخلي المتقلب، هيمنة العلامات التجارية الكبرى، نظام عقود العمل الصفرية، تدني الأجور، وضعف المهارات وفرص التعليم. ومعظمها ليست موجهة نحو التحديات المقبلة، وبدلاً من ذلك تعمل وبشكل رئيسي على تغذية الاقتصادات والشركات غير المحلية عن طريق استغلال فائض القيمة من أماكنها الخاصة، وتجريد هذه الأماكن والاقتصادات من مواردها الأساسية خدمةً لاقتصادات أخرى. ولإبراز هذه النقيصة، نجد نماذج عدة من الحكومات والديمقراطيات الحضرية تتسم بعدم المساواة والتسلسل الهرمي في سلوكها بشكل كبير».

ويقول الكاتب في نهاية عمله: «على المستوى العملي، بالنسبة إلى المدن، هذه دعوة جادة لاتخاذ إجراءات جذرية، لفرض تغيير أساسي في السياسة الحضرية والمؤسسات والعمل. مدننا على مفترق طرق. وذلك يعني تحدياً للأجيال القادمة والفرص المتاحة أمامهم. لذا نحن بحاجة إلى أفكار وسياسات وإجراءات من شأنها إرساء قواعد مستقبل حضري مختلف عما هو عليه بصورة جذرية، أي تلك المبنية على المساواة والازدهار والاستدامة، وأيضاً تتصدى لحلول التحديات المعقدة المترابطة بشكل واقعي. مضيفاً: «لو تم إطلاق أي من هذه الإمكانات فعلينا أن نفكر بشكل كبير، ونعمل بهدوء، وننطلق فوراً. علينا ترتيب الأمور لمواجهة التحديات التي تعترضنا لتحقيق وتكرار هذا الإطلاق العظيم للاستدامة الحضرية الحقيقية».

كيف أنهت بكين عصر الهيمنة الغربية

تعرضت الصين للغزو والإذلال والنهب من قوى خارجية في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ لكنها اليوم تنظر إلى القرن الحادي والعشرين؛ من خلال عدسة الماضي. التاريخ له أهمية عميقة للحكام الحاليين في بكين، ويوضح هذا الكتاب الذي بين يدينا السبب؛ حيث يتناول ما يشكل رؤية الصين للعالم في القرن الراهن، ويبين طريقة الصينيين في التخلص من الهيمنة الغربية.

«القومية مهمة في الصين، وما يهم في الصين يهمّ الجميع» هكذا يرى مؤلف هذا الكتاب المعنون «خارج الصين: كيف أنهى الصينيون عصر الهيمنة الغربية؟» الوضع في الصين. ويجد أن القومية الصينية الجديدة ليست متجذرة في قوتها الحالية، ولكن في ذكريات مخجلة عن نقاط ضعفها السابقة.

يحلل روبيرت بيكرز بشكل مدروس وجذاب بشكل جيد، الحقائق، ويفصلها عن الأسطورة؛ عندما يتعلق الأمر بفهم طبيعة القومية الصينية. يعدّ كتابه معاينة بانورامية للتعبير القوي بشكل متزايد عن الهوية الوطنية للصين في القرن العشرين، ومواجهتها المؤلمة مع الإمبريالية الغربية، وكما قالت «نيويورك ريفيو أوف بوكس»: عن عمله بأنه«مدعوم بأبحاث واسعة في الأرشيف، كما أنه كُتِبَ بنثر دافئ، وغالباً لا يسعى إلى الإدانة أو الاحتفاء بالوجود الغربي في الصين. بدلاً من ذلك، إنه تذكير مهم حتى عندما يُنسى تاريخنا المشترك في الغرب، فإنه يتم تذكره كثيراً،- وفي بعض الأحيان بطريقة مثيرة للاستياء – في بكين وشنجهاي اليوم».

يعد الكتاب تاريخياً مكتوباً بشكل جميل عن تفاعلات الصين في القرن العشرين مع العالم الخارجي؛ لكن بدلاً من القصة الضيقة التي تعزز الشرعية والتي يروجها الحزب الشيوعي الصيني، يروي بيكرز حكاية أكثر تعقيداً بكثير لقوى الجذب والرفض والترابط التي حددت على الدوام تعاملاً متنوّعاً بين الصين والعالم. الروايات المفصلة لهذا الكتاب هي تصحيحات جوهرية للحكاية التي رواها الحكام الحاليون لبكين.

يأتي الكتاب في 12 فصلاً بعد قائمة الرسوم التوضيحية، وقائمة الخرائط، وقائمة الاختصارات، والمقدمة، والفصول هي: «الهدنة، صنع الثورة، الأرض الجيدة، مناقشة الأمر، الصين في العقل، القرود تركب الكلاب السلوقية، حلفاء من نفس النوع، الخبراء الأجانب، ضوء آسيا، الوحوش والشياطين، الأعمال غير المكتملة، مسكون بالتاريخ».

التخلص من الهيمنة

يتتبع بيكرز العملية الطويلة والمؤلمة في كثير من الأحيان، التي استعاد بها الصينيون سيطرتهم على بلدهم. ويصف الفاسدين، والحداثة المتوهجة في شنجهاي قبل الحرب، والرقع الصغيرة في كثير من الأحيان من الأراضي الخارجية التي تسيطر عليها القوى الأجنبية، ومؤسسات هونج كونج وماكاو، والوسائل التي لا تعد ولا تحصى من التهديدات المسلحة، والتكنولوجيا، والحيل القانونية التي كانت الصين خاضعة لها حتى، تدريجياً، خرجت من قبضة السيطرة الغربية. هذا الاستعباد التعددي والجزئي للصين هو قصة لا تشمل القوى الأوروبية واليابان فحسب؛ بل الولايات المتحدة أيضاً.

يقول الكاتب: يجب فهم هذا التاريخ المعقد ليس لأجل التكفير عن خطايا الماضي؛ بل لإدراك المناظر الدولية في الصين بكل تناقضاتها، وعنفها، و«كوزموبوليتانيتها»، وطموحاتها. إن قصة الوجود الأجنبي في الصين في القرنين التاسع عشر والعشرين مهمة للغاية؛ بحيث لا يمكن تركها في أيدي الدولة الحزبية الصينية ونصها المعتمد.

ويضيف: «الرواية المقررة لهذه القصة جزئية، وتخدم نفسها بنفسها، وهي محرضة في نهاية المطاف. إن النزعة القومية الجديدة في الصين، والتي سمعنا المتظاهرين الغاضبين مراراً وهم يطالبون بالحرب وقتل اليابانيين؛ بحيث يمكن أن تنذر باحتمالات كارثية. لكن هذه ليست مشكلة يابانية فقط، ولا توجد دولة متواطئة في تدهور الصين بعد ثلاثينات القرن التاسع عشر – والتي تشمل معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة».

تعقيدات صينية

ويوضح الكاتب موقفه في العمل: ولأن التزود بالحقائق على نحو فاعل قد يساعدنا على فهم جذور ذلك الغضب؛ لذا كان هدفي في هذا الكتاب هو إظهار ذلك العالم بكل تعقيداته وكل سياقاته، وكلمة «تعقيد» هذه ليست غطاءً خفياً للحنين إلى الماضي أو أسلوباً تبريرياً لأمر ما. كان للوجود الأجنبي في الصين خلال القرن العشرين الحصة الأكبر من التعصب الأعمى، العنصرية، العنف، الجشع، وعدم الاكتراث الفظ والوضيع. هذه المظاهر يمكن ملاحظتها بوفرة في متحف الصين الوطني.

ويشير إلى أنه «في هذا العالم أيضاً، يمكنك أن تجد التعاون، التعايش، الائتلاف، والتحالف. كما تحدثت أصوات أخرى كثيرة عن الصين ووقفت معها ضد أعدائها، وضد الجهل والإجحاف في الخارج، وفي شوارع الصين. وهذا كله لا يزال غائباً عن شاشات العرض في بكين. كان هناك أيضاً خداع الذات والغرور، فضلاً عن قلق إنساني حقيقي واهتمام فني مجرد من الهدف. لقد كان هذا عالماً تداخلت فيه ضرورات أو معايير العالم الذي تمارس فيه القوة الاستعمارية مع (وساعدت في تشكيل) أشكال جديدة من العولمة وحركة الناس والسلع والأفكار».

«لقد كان العالم الذي أدمج فيه الناس في الصين كل أنواع الابتكارات القادمة من الخارج في النواحي الحياتية العديدة، وبنفس القدر صنعت ثقافتهم الجديدة بشكل ممتزج، وغير منضبط، جميع أنواع المكونات الأجنبية والأصلية معاً. الصينيون ومن جميع الأشكال السياسية لم يعملوا مع أو ضد الممارسة غير المنصفة وغير العادلة للسلطة السياسية الأجنبية في الصين، ومعاملة الصين في المحافل والمنظمات الدولية. أما الحزب الشيوعي الصيني فلا يحتكر الفضيلة القومية، وكان هو نفسه متواطئاً في استمرار تدهور السيادة الصينية خلال خمسينات القرن العشرين».

وقال الرئيس الصيني شي جين بينج في نوفمبر 2012 في ختام زيارته للمتحف الوطني: «لقد عانت الأمة الصينية من مشقات وتضحيات غير طبيعية في تاريخ العالم الحديث». وهي أمة شعبها «لم يستسلم أبداً، ناضل بلا انقطاع، وفي النهاية قرّر مصيره».

يقول الكاتب: خطاب الرئيس الصيني هذا، ومنذ ذلك الحين، وعد ب «حلم الصين»؛ «التجديد العظيم للأمة الصينية» والطموح الفردي، على غرار آمال المغنية الصينية آي جينغ في أغنيتها «عامي 1997». إن حلم الصين يرتكز على قصة كابوسٍ صيني لا يهدأ. نحن بحاجة إلى الاعتراف بهذه الحقيقة وفهمها، ولكن ليس بالضرورة تصديقها.

احتجاجات وتظاهرات

«خلال العقود الثلاثة الماضية كانت هناك سلسلة من التظاهرات الغاضبة والاحتجاجات، والمواجهات والإدانات الشديدة التي بدت أنها تؤذن بمرحلة جديدة وحازمة في علاقات الصين مع بقية دول العالم. وقد اندلعت هذه الأحداث؛ بسبب النزاعات الإقليمية، والقصف غير المتعمّد للسفارة الصينية في صربيا عام 1999 من قبل الطائرات الحربية لحلف شمال الأطلسي، والاحتجاجات على حمل الشعلة الأولمبية بالتتابع عام 2008، والمواجهات بين الطائرات العسكرية الأمريكية والصينية، وبسبب العديد من الخلافات الأخرى.

وقد انطوت هذه الأحداث على بيانات شديدة اللهجة صادرة عن زعماء ودبلوماسيين، كذلك إجراءات احتوتها الحكومة الصينية وخططت لها بدقة. كانت هناك تظاهرات سلمية فضلاً عن هجمات عنيفة على ممتلكات أجنبية في المدن الصينية. لقد رأينا أيضاً رواجاً للجدل القومي الفج الذي يحث الصين على قول»لا«؛»مرفوض«(أو ما هو أسوأ) للحكومات الأجنبية. ولكن إلى حدٍ كبير حالات كهذه هي استجابة الناس العاديين العفوية للأحداث، وليس خطاب الدولة بالذات.

«إن عمق الشعور وقوة اللغة المستخدمة فاجأت المراقبين الأجانب باستمرار، ولكن ما أثار حيرة الكثيرين هو حقيقة الحضور الكبير لإشارات العودة إلى الماضي في كل جولة من الاحتجاجات؛ الغضب شيء، ولكن هذا الوعي التاريخي بالتأكيد هو شيء آخر. فالبعض من هذه الأحداث التي اشتعل فتيلها؛ بسبب الماضي نفسه والاعتراض عليه، وعلى محتوى الكتب اليابانية، على سبيل المثال، أو بعض السلع الصينية المنشأ التي عرضت للبيع في مجمعات المزاد العالمية«.

»تعد النزاعات والحوادث والأحداث من الأشياء المعتادة في العلاقات بين الدول، ولكن لماذا يكون التعبير عن الردود تجاه هذه الوقائع في الصين عنيفاً للغاية في كثير من الأحيان، ولماذا يتم صياغتها بشكلٍ روتينيٍ على النحو الذي هي عليه؟ لماذا الاهتمام بالماضي؟ عصر خضعت فيه الصين لغزوٍ أجنبي، عندما وقعت أجزاء من البلاد تحت سيطرة يابانية أو بريطانية كمستعمرات، عندما كانت الزوارق الحربية البريطانية والأمريكية والفرنسية تقوم بدوريات في نهر اليانغزي، وحكم اليابانيون والبريطانيون والروس والألمان أجزاء من عشرات المدن الكبرى، وقد مضى أكثر من سبعين عاماً على ذلك، أليس ذلك مجرد تاريخ، مضى وانتهى تماماً الآن؟«

القومية الجديدة في الصين

»ينبغي فهم النزعة القومية الجديدة في الصين. هذه النزعة التي تكشفت بالتزامن مع التنمية الاقتصادية التي تهز عصر البلاد، وهي إلى حدٍ كبير، نتيجة منطقية لتلك القوة الجديدة المكتسبة بمشقة. يمكننا أن نتوقع بشكلٍ معقول أن تقوم الصين القوية اقتصادياً بتأكيد ذاتها في العالم، وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يستغرق القليل من الوقت للتعود عليه، إلا أنه سيحدث.

لكننا لا نستطيع أن نفهم هذه الظاهرة بشكلٍ صحيح، أو نتعلم كيفية التعامل معها، ما لم نفهم مدى عمق جذورها ليس في قوة الصين الحالية، ولكن في ضعفها في الماضي. علماً أن هذه النزاعات قد تشكلت في سياق تاريخ البلاد الحديث وتجربتها على أيدي القوى الأجنبية منذ أربعينات القرن التاسع عشر.

«تنظر الصين إلى القرن الحادي والعشرين من خلال عدسة التاريخ؛ فهي تقدر أحداث الحاضر والتحديات التي تواجهها من خلال تلك التي جرت في القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا ما نظرنا نحن أيضاً من خلال هذه العدسة فيمكننا أن نرى مدى عمق وطرق تموضع جذور النزعة القومية الجديدة للصين في عواصم الإمبراطوريات الأجنبية، وفي مستعمراتها وغيرها من الفروع في الصين نفسها. لكن بدلاً من الاكتفاء بالاعتراف بذلك، فإن خلاف هذا الكتاب هو أنه يمكننا فهم الحاضر فقط، إذا ما فهمنا فعلاً هذا الماضي، وإذا ما عرفنا المزيد عنه. إن هذا ليس مجرد خطاب، إنه تاريخ باقٍ لا يموت!».

ولعل ما قاله صحفي في «فايننشال تايمز» عن الكتاب خير ختام لهذا الملخص: «سعى كل نظام تم تأريخه في هذا الكتاب إلى تقليد التاريخ ليخدم أغراضه، ونظام اليوم ليس استثناءً… ومع الفوارق الدقيقة في الوقت الذي تتم فيه مهاجمة الرواية القومية للحزب الشيوعي، فإن كتاب بيكرز يذكرنا بأهمية الكشف عن حقائق الماضي المتضاربة والمتناقضة».

نبذة عن الكاتب

* كاتب ومؤرخ، له العديد من المؤلفات منها: الإمبراطورية التي صنعتني: رجل إنجليزي محنك في شنجهاي (منشورات بينغوين)، والتزاحم على الصين: الشياطين الأجانب في إمبراطورية تشينغ 1832-1914 (منشورات بينغوين).

* ولد روبرت بيكرز في ويلتشير، وعاش في قواعد القوات الجوية الملكية في جميع أنحاء إنجلترا، وفي ألمانيا وهونج كونج. درس في لندن، وحصل على زمالات في أكسفورد وكامبريدج قبل أن يشغل منصباً في جامعة بريستول عام 1997؛ حيث أصبح الآن أستاذاً للتاريخ.

ترجمة: نضال إبراهيم

 

ناشيونال جيوغرافيك : لماذا قد يكون عام 2019 الأكثر سخونة في التاريخ؟

 

يحذر العلماء أنه من المتوقع أن تزداد درجة حرارة كوكبنا بشكل كبير نتيجة للتغيرات المناخية، بالإضافة لاحتمالية حدوث ظاهرة «النينو».

 

كتب ستيفان ليهي في مقدمة مقاله الذي نشره موقع «ناشيونال جيوغرافيك» أنه من المحتمل للغاية حدوث ظاهرة «النينو» هذا العام؛ مما سيؤدي إلى زيادة الظروف الجوية المتطرفة التي تفاقمت بالفعل بسبب التغيرات المناخية، وهذا يؤدي إلى احتمالية أن يكون عام 2019 هو العام الأكثر سخونة على مر تاريخ كوكب الأرض، كما يقول العلماء.

يروي ستيفان أنه من المحتمل بنسبة 80% أن موجة النينو قد تكونت بالفعل بشكل كامل، وأنها ستستمر حتى نهاية فبراير (شباط) 2019 على الأقل وفقًا لما ذكره مركز التنبؤات المناخية في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. ازدادت تأثيرات ظاهرة النينو في السنوات الأخير لتصبح أكثر حدة نتيجة للاحتباس الحراري، وهذه التأثيرات ستسوء أكثر وأكثر مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وفقًا لدراسة حديثة تم نشرها في مجلة

«Geophysical Research Letters».

 

وعن هذا الصدد تقول الدكتورة سامانثا ستيفنسون المشاركة في الدراسة، وعالمة المناخ في جامعة كاليفورنيا: «مع وجود ظاهرة النينو من الممكن للغاية أن تكون سنة 2019 هي السنة الأكثر سخونة على مر التاريخ».

لقد كانت السنوات الأكثر سخونة في تاريخنا هي السنوات الأربعة الأخيرة من 2015 إلى 2018، والسبب في ذلك هو زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري، والتي وصلت إلى مستويات قياسية وفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO). إن مناخ الأرض على مدار 406 شهرًا الأخيرة كان أكثر سخونة من متوسطات الحرارة المسجلة على مدار القرن العشرين، وهذا يعني أن من يبلغ من العمر 32 عامًا لم يشهد شهرًا من حياته درجة حرارته أقل من المتوسط.

عن ذلك تقول نائبة الأمين العام للمنظمة إيلينا مانانكوفا: «إن كل زيادة ولو بسيطة في حرارة الأرض تُحدث فارقًا في صحة الإنسان، وسهولة الحصول على الغذاء والمياه العذبة، وفي احتمالية انقراض الحيوانات والنباتات، وكذلك في قدرة الشعاب المرجانية والحياة البحرية على البقاء والاستمرار».

مخاطر الحرارة
يقول ستيفان: «إن زيادة حرارة الأرض يعني المزيد من الظروف المناخية المتطرفة الخطيرة والمدمرة، مثل موجات الحر وحرائق الغابات، والجفاف، والفيضانات، والعواصف القوية. على سبيل المثال خلال عام 2018 حدث 70 إعصارًا، وعاصفة استوائية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية مقارنة بمتوسط يبلغ 53 إعصارًا وعاصفة. وتسببت العواصف القوية غير المسبوقة بدمار في جزر ماريانا، والفلبين، وفيتنام، وكوريا، ومملكة تونغا. أما في الولايات المتحدة فقد تسبب الإعصاران: فلورنس، ومايكل، في أضرار اقتصادية هائلة وخسائر كبيرة في الأرواح، حسبما أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في بيانها السنوي».

 

أدت موجات الحر إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية خلال عام 2018؛ لأن الجو كان حارًا للغاية، لدرجة لا تسمح بالعمل، أو حتى الذهاب للخارج بأمان. وتسببت موجات الحر تلك في ضياع 153 مليار ساعة من العمل في العام الماضي، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2000 وفقًا لتقرير عام 2018 من مجلة «Lancet Countdown» حول الصحة والتغيرات المناخية والصادر في 28 نوفمبر (تشرين الثاني).

انتهت آخر موجة من موجات النينو في عام 2016، حيث ارتبطت بالموت الكارثي للشعاب المرجانية في الحاجز المرجاني العظيم والجفاف الشديد في أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأجزاء من المحيط الهادئ، وجنوب شرق آسيا، وحرائق الغابات في إندونيسيا وكندا. وفي حين لا يُتوقع أن تكون موجة النينو القادمة بنفس الشدة، إلا أنها يمكن أن تتسبب في ظروف مناخية خطيرة في مناطق مختلفة من العالم، كما يحذر العلماء.

تشكل ظاهرة النينو ونقيضها – ظاهرة النينا – دورة طبيعية يمكن أن تدوم من بضعة أشهر إلى عامين أو ثلاثة. وعندما تحدث أي منهما، فإن أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم يمكن أن تتأثر، حيث يكون لها آثار على المحاصيل والمجاعات واحتياجات التدفئة والتبريد في المنازل والمباني، بالإضافة إلى مخاطر الحرائق وموت الشعاب المرجانية والظروف الجوية المتطرفة. ويقول الباحثون إن تأثيرات ظاهرتي النينو والنينا قد أصبحت أكثر حدة خلال العشرين سنة الماضية بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة للاحتباس الحراري.

يقول عالم المناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا مايكل مان: «إن الاحتباس الحراري الناجم عن البشر، بالإضافة لارتفاع درجات الحرارة الطبيعية، يزيد من احتمالات أن يكون أي عام جديد تحدث فيه ظاهرة النينو هو العام الأسخن على الإطلاق في تاريخ البشرية».

شارك مايكل مان عام 2018 في تأليف دراسة تربط بين تغيّر المناخ، وموجات الجفاف والحر الأخيرة، والحرائق الهائلة، والفيضانات في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. وخلصت الدراسة إلى أن هذه الظواهر الجوية المدمرة ستزيد بنسبة 50% في المتوسط، وقد تزيد إلى 300% بسبب تغير المناخ وحده لو لم يتحرك العالم بسرعة لخفض انبعاثات الكربون الناتجة من حرق الوقود الأحفوري.

كما يشير ستيفان إلى أن عادة ما تتسبب ظاهرة النينو في هطول أمطار غزيرة على ولاية كاليفورنيا، وإذا حدث ذلك في فصل الشتاء، فقد يؤدي إلى فيضانات مفاجئة، وانهيارات طينية بعد أن قضت حرائق الغابات على 1.6 مليون فدان في هذا الخريف، حسبما تذكر الدكتورة سامانثا ستيفنسون. لقد دُمر ما يقرب من 14 ألف منزل خلال تلك الحرائق، والآن بدأت بالفعل العواصف الأولى في الموسم في حدوث الفيضانات والانهيارات الطينية.

وفي حين تجلب ظاهرة النينو الأمطار والطقس البارد إلى جنوب الولايات المتحدة، إلا أنها تجلب الحرارة والجفاف إلى أستراليا، وكذلك تتسبب في جفاف الشتاء في جنوب شرق أفريقيا وشمال البرازيل. إذ اندلعت بالفعل غابات حرائق كارثية في شرق أستراليا، إلى جانب موجة الحر التي بلغت درجات الحرارة خلالها أكثر 111 درجة فهرنهايت (44 درجة مئوية) في نهاية نوفمبر.

ومع استمرار الاحتباس الحراري من المحتمل أن تؤدي موجات النينو المستقبلية إلى حدوث ظروف جوية أكثر برودة ورطوبة في الولايات المتحدة؛ مما يزيد من مخاطر الفيضانات. وفي الوقت ذاته ستزيد موجات النينا من أخطار حرائق الغابات والجفاف في جنوب غرب الولايات المتحدة، حسبما تقول الدكتورة سامانثا.

وتضيف أنه في حين أن تأثيرات ظواهر النينو/النينا تتضخم في عالم أكثر حرارة، فإنه من غير المعروف ما إذا كان تغير المناخ سيؤثر في احتمالية حدوث هذه الظواهر، أو قوتها في المستقبل على حد قولها.

 

لماذا تحدث ظاهرة النينو؟

يشير الكاتب إلى أن النينو والنينا هما على التوالي المرحلتان الباردة والدافئة لدورة التردد الجنوبي – النينو (ENSO)، والتي تنظم الحرارة في المنطقة الاستوائية الشرقية للمحيط الهادئ. في الظروف المناخية الطبيعية يسود ضغط جوي مرتفع في شرق المحيط الهادئ، بينما يسود ضغط جوي منخفض في غربه، ويولد الفرق في الضغط الرياح التجارية التي تهب من الشرق إلى الغرب على سطح المحيط الهادئ الاستوائي؛ مما يدفع المياه الدافئة إلى الغرب، ثم تطفو المياه العميقة الباردة في الشرق لتحل محل المياه الدافئة

 

خلال موجات النينو تكون الاختلافات في الضغط أكثر وضوحًا، وتهب الرياح التجارية بقوة أكبر، وبالتالي تزداد كثافة التيارات المائية الباردة في شرق المحيط الهادئ. من ناحية أخرى يؤدي ارتفاع ضغط الهواء السطحي خلال ظاهرة النينو في غرب المحيط الهادئ وانخفاض الضغط على سواحل الأمريكتين إلى إضعاف الرياح التجارية أو تغيير اتجاهها؛ مما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المياه في شرق المحيط الهادئ.

السبب في إطلاق اسم «النينو» على هذه الظاهرة هم صيادو بيرو، وتعني المسيح الطفل (نينو تعني الطفل باللغة الإسبانية)، وذلك لأن الآثار الناتجة عن سخونة المياه السطحية في المحيط الهادئ – مثل سقوط الأمطار على الصحاري الجافة في بيرو – تظهر في فترة أعياد الميلاد.

على مدى أشهر – وأحيانًا على مدى سنوات – تتبدد الحرارة الموجودة في الطبقة السطحية من المحيط الهادئ، وترتفع المياه الأبرد إلى السطح بمساعدة التغيرات في الرياح التجارية. ويتسبب ذلك إما في العودة إلى الظروف الطبيعية، أو إلى حدوث ظاهرة النينيا (وتعني «الفتاة» باللغة الإسبانية) التي تجلب الماء البارد، والغني بالمغذيات، والذي يعتبر نعمةً للحياة البحرية؛ مما يؤدي لوجود عدد أكبر من الأسماك، وزيادة صيد الأسماك قبالة ساحل بيرو

 

«نيويورك تايمز»: هل حقًّا يمكنك أن تثق في معلومات «جوجل» الطبية

 

يقول المثل إنَّ «درهم وقايةٍ خيرٌ من دينار علاج»، وربما كان هذا هو أحد أسباب لجوء الناس إلى الإنترنت للحصول على معلوماتٍ تتعلَّق بأعراض الأمراض التي يُعانونها وعلاجاتها، فضلًا عن سرعته ومجَّانيته بالطبع.

لكنَّ الإنترنت مساحةٌ مفتوحةٌ للجميع، وليس هناك ما يمنع البعض من إضافة معلوماتهم الخاطئة إليه. وفي حالة المعلومات الطبية؛ ربما تُشكِّل تلك المعلومات خطرًا جمًا على حياتك، بحسب حيدر واريك، طبيب أمراض القلب، الذي ألقى الضوء على ذلك الخطر في مقالٍ  نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

يشير حيدر إلى قصةٍ حدثت خلال أحد صفوف اليوجا. حيث شَعَرَت سيدةٌ ما بسحبةٍ غريبةٍ في رقبتها وشعورٍ غير مألوفٍ بالنسبة لها. واقترح صديقها أن تُسرع إلى غرفة الطوارئ. فاتضح أنَّها كانت تُعاني نوبةً قلبية.

يُوضح الطبيب أنَّ حياة السيدة لم تَكُن مُتوافقةً مع الصورة النمطية لشخصٍ يُحتمل أن يُصاب بنوبةٍ قلبية. إذ كانت تُمارس الرياضة وتهتم بتغذيتها، ولا تدخن السجائر. لكن بمراجعة تاريخها الطبي، وجد حيدر أنَّ مستوى الكوليسترول لديها مُرتفعٌ للغاية. كان طبيب قد وصف لها أحد أدوية الستاتينات لخفض الكوليسترول، لكنَّها امتنعت عن تناول الدواء بسبب الأشياء المُرعبة التي قرأتها عن الستاتينات على الإنترنت. لقد كانت واحدةً من ضحايا داء المعلومات الطبية الخاطئة الذي سيتحول قريبًا إلى أحد الأوبئة المعاصرة.

في حين حظيت المعلومات الزائفة بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في السياسة، يرى حيدر أنَّ المعلومات الطبية المُضلِّلة يُمكن أن تُوقع عددًا أكبر من الضحايا. وكما هو الحال مع الأخبار الكاذبة عمومًا، تميل الأكاذيب الطبية للانتشار أكثر من الحقائق على الإنترنت، ولها تداعياتٌ شديدة الخطورة.

يُشير حيدر في هذا الصدد إلى الدراسات العديدة التي أظهرت أنَّ فوائد الستاتينات تتخطى مخاطرها بمراحل، وخاصةً بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضةً للإصابة بالأمراض القلبية. لكنَّ تلك العقاقير تتعرض للهجوم على الإنترنت بواسطة مجموعةٍ متنوعةٍ من المهووسين والأشخاص الذين يبيعون علاجاتٍ بديلة، وأولئك الذين يرغبون فقط في زيادة أعداد المشاهدات والإعجابات. وتُبالغ العديد من صفحات الإنترنت ومنشورات الشبكات الاجتماعية في عرض المخاطر النادرة، وتسليط الضوء على مزاعمَ لا أساس لها، بدايةً من التأكيد على أنَّ الستاتينات تُسبِّب السرطان، ووصولًا إلى اقتراح أنَّ الكولسترول المُنخفض هو أمرٌ سيئٌ لصحتك في الواقع. ووجدت دراسةٌ أُجريت عام 2016 أنَّ التقارير التي تقارن بين مخاطر وفوائد الستاتينات بصورةٍ مُبسَّطة ترتبط بتوقف المرضى عن تعاطي العقاقير المُخفِّضة للكولسترول، وهو الأمر المُرتبط بارتفاع نسبة الإصابة بالنوبات القلبية

 

ويُمكن أن تُؤدي المعلومات الطبية الكاذبة إلى تعريض المرضى لآثارٍ جانبيةٍ أكبر نتيجة «تأثير نوسيبو». إذ يوضح حيدر أنَّ المرضى يستفيدون في بعض الأحيان من التدخُّل الطبي نتيجة قناعتهم بجدواه، ويُعرف هذا بـ«تأثير البلاسيبو». أما تأثير «نوسيبو» فهو عكس ذلك. إذ يُمكن أن يُعاني المرضى تأثيرًا جانبيًا لمجرد أنَّهم يتوقَّعون ذلك. وهذا حقيقيٌ للغاية في ما يتعلَّق بالستاتينات. ففي التجارب المُعماة، لا تزيد احتمالية شعور الأشخاص الذين يتعاطون الستاتينات بآلامٍ عضليةٍ عن الأشخاص الذين يتعاطون العلاج الوهمي. لكن في التجارب السريرية، أبلغ قرابة خُمْسِ المرضى الذين يتعاطون الستاتينات عن آثارٍ جانبية قادت كثيرًا منهم للتوقف عن تعاطي العقار، وفقًا لإحدى الدراسات.

ويشير حيدر إلى عنصرٍ آخر مهم على قائمة المعلومات الطبية الكاذبة، وهو اللقاحات. إذ عُثِرَ مؤخرًا على جثة عالم أوبئةٍ في مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في الولايات المتحدة بجوار ضفة نهر في أعقاب إثارته للمخاوف بشأن لقاح الإنفلونزا، وفقًا لتقريرٍ مُضلِّلٍ انتشر انتشارًا كبيرًا. وفي الشهر الماضي، كرَّر مارك جرين، عضو الكونجرس المُنتخب حديثًا والطبيب المُقيم في ولاية تينيسي، الكذبة المُفنَّدة عن أنَّ اللقاحات يُمكن أن تُسبِّب الإصابة بالتوحُّد (وقال لاحقًا إنَّ تعليقاته «أُسيء فهمها»).

وأدَّت المخاوف الكاذبة عن أنَّ لقاح فيروس الورم الحليمي البشري يُسبِّب نوباتٍ وآثارًا جانبيةً أخرى إلى تقليل نسب التغطية في اليابان من 70% إلى أقل من 1% خلال السنوات الأخيرة. ويتعرَّض الأطباء الذين يُوفِّرون لقاح شلل الأطفال في باكستان لهجماتٍ مُتكرِّرة من المسلحين لأنَّهم يعتقدون أنَّ اللقاح مُعَدُّ لإصابة السكان المحليين بالعُقم.

ويُوضح حيدر أنَّ السرطان يُعَدُّ من الأهداف الكبرى الأخرى بالنسبة لمن ينشرون المعلومات الطبية المُضلِّلة، وكثيرٌ منهم يكسبون قوتهم من العلاجات البديلة. تقرأ في إحدى تلك التقارير الإخبارية الكاذبة التي أشار لها حيدر: «رغم أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ الأورام السرطانية سيئة، لكنَّها في الواقع الطريقة التي يُحاول بها جسدك احتواء الخلايا الضارة. فضلًا عن أنَّ التدخُّل الجراحي يزيد من خطر انتشار الخلايا الضارة. ويلزم الحذر من أنَّ الأدوية الموصوفة طبيًا تجعل الجسد حامضيًا، مما يزيد الطفرات الخلوية التي لا يُمكن التحكُّم بها».

وأشار حيدر إلى دراسةٍ أخرى أُجريت عام 2017، ووجدت أنَّ مرضى السرطان الذين يلجأون إلى علاجاتٍ بديلةٍ مثل الحمية الغذائية والأعشاب والمُكمِّلات الغذائية عوضًا عن العلاجات التقليدية تزيد احتمالية وفاتهم بنسبة 2.5%. ويرى الكاتب أنَّ الأشخاص الذين ينصحون المرضى بالعدول عن استخدام العلاجات القائمة على الأدلة أياديهم مُخضَّبةٌ بالدماء، لأنَّهم استغلوا مخاوف الناس.

ورغم سعي الأطباء والممرضين المحموم لإثناء مرضاهم عن اللجوء إلى الإنترنت من أجل الحصول على إجابات، فإنَّ المرضى مستمرون في البحث عن أعراضهم وأدويتهم على جوجل، لأنَّ الإنترنت لا يتطلَّب موعدًا مسبقًا وانتظارًا طويلًا، ولا يتعجَّل ولا يحكم عليك ولا يحتاج إلى مبلغٍ كبيرٍ من المال، فضلًا عن أنه يُقدِّم معلوماتٍ يسهُل فهمها.

 

ويُؤكِّد حيدر على أهمية أن تعترف شركات وادي السيليكون بهذه المشكلة، ويرى ضرورة تحميل مُحركات البحث ومنصات الشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت المسؤولية عن ترويج واستضافة المعلومات الكاذبة؛ لأنَّ صحة البشر على المحك

 

ويعتقد حيدر أنَّ المجتمع العلمي ينبغي له أن يؤدي دوره في تثقيف العامة بشأن المفاهيم الرئيسية في الأبحاث، مثل الفارق بين الدراسات القائمة على الملاحظة والتجارب المنضبطة العشوائية. ويضيف أيضًا أنَّ الشفافية تُعَدُّ أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على ثقة العامة، وتقارير مثل التقرير الذي نُشر عن باحثي معاهد الصحة الوطنية، الذين تواطؤوا وحصلوا على تمويل من شركة كحولياتٍ كُبرى مقابل دراسةٍ عن فوائد تناول الكحول باعتدال، تُثبِت مدى سهولة تقويض تلك الثقة.

 

وفي نهاية حديثه، يحُثُّ حيدر الصحفيين على تأدية وظيفتهم بطريقةٍ أفضل في ما يتعلَّق بنشر المعلومات الدقيقة. إذ تميل المواقع الإخبارية إلى تغطية الدراسات المشوقة عوضًا عن التجارب المُنضبطة المعمَّاة، لأنَّه من المستبعد أن تخرج الأخيرة بنتائجَ مفاجئة. ويُبالغ هذا النوع من التغطية في تقدير الفوائد، التي تدَّعي على سبيل المثال أنَّ الستاتينات يُمكنها أن تُعالج السرطان أو تساعد الرجال على زيادة الانتصاب، فضلًا عن أنَّها تُبالغ في التأكيد على المخاطر المُحتملة، مثل افتراض وجود رابطٍ مُضلِّلٍ بين العقار ومرض الخرف. (ورغم أنَّ عددًا قليلًا فقط من الناس ظهرت عليهم أعراض فقدان الذاكرة المُؤقت إثر تعاطي الستاتينات، لم تتوصَّل أي تجربةٍ منضبطةٍ معمَّاة إلى وجود ارتباطٍ بين العقار والإعاقات الإدراكية مثل الخرف).

لكنَّ حيدر يوضح أنَّ تقديم الحقائق الطبية ربما لا يكون كافيًا لحل تلك المشكلة. إذ يُمكن أن يؤدي تحدِّي المفاهيم الطبية الخاطئة لدى المريض إلى عنادهم وإيمانهم بصدق معتقداتهم. وليُقنع حيدر مريضته أنَّ تعاطي الستاتينات يصُبُّ في مصلحتها، شرح لها الأسباب الطبية، وقصَّ عليها قصةً شخصية: إثر إصابة والده بنوبةٍ قلبية، طلب حيدر من أطبائه منحه الستاتينات بأعلى جرعةٍ مُمكنة. وأوضح لها أنَّ الستاتينات لا تضمن عدم تعرُّضه لنوبةٍ قلبيةٍ أخرى، لكنَّه أراد أن يتمتَّع والده بأفضل حياةٍ ممكنة. وحينها فقط وافقت على أخذ الوصفة الطبية.

ويُشدِّد حيدر على أنَّ الفوز بمعركة المعلومات يتطلَّب أن يقدم الأطباء والباحثون العلم في صورة قصص. وهذا هو السبيل الوحيد لرأب الصدع بين الطب والجموع، وهو الصدع الذي يستغلُّه حاليًا تُجَّار المعلومات الطبية المُضلِّلة

 

من أجل صحة أفضل.. هذه فحوصات العام الجديد

مع بداية كل عام جديد، يجب تذكر الاختبارات والتحاليل والفحوصات الطبية التي ربما آن أوان إجرائها بحسب عمر كل شخص، وبهذه المناسبة وقبل أن يبدأ العام الجديد ينشر موقع “WebMD” عدداً من الفحوصات التي يجب تذكر إجراؤها في المواعيد والتوقيتات المناسبة:

1- الفحص البدني الروتيني

يذهب البعض إلى الطبيب سنويا لإجراء فحص شامل للتأكد من أن صحتهم على ما يرام. ويوجد جدل حول ما إذا كان الجميع بحاجة لإجراء هذه الفحوصات، إلا أن الأمر يحسمه بشكل عام عوامل محددة:
• العمر
• الصحة العامة
• عوامل الخطر لمشاكل معينة

2- قياس كتلة الجسم

يقوم الطبيب بقياس الطول والوزن من أجل حساب مؤشر_كتلة_الجسم الذي يعتمد على المعادلة بين الطول والوزن، ويساعد الحفاظ على مؤشر كتلة الجسم في حدود المعدلات الصحية، على حماية الإنسان من أمراض القلب والسكري من النوع 2 وبعض أنواع السرطان.

3- ضغط الدم

يتم قياس ضغط_الدم في الشرايين للتأكد من عدم وجود ارتفاع ضغط الدم، وبالتالي تقل احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. ويعتبر معدل ضغط الدم الطبيعي أقل من 120/80. ويحدد الأطباء ارتفاع ضغط الدم، بمعدل 140/ 90 أو أعلى. ويجب فحص ضغط الدم على الأقل كل سنتين. فإذا كان مرتفعا، يجب قياسه مرة كل شهر على الأقل، أو بحسب ما يحدده الطبيب.

4- الكولسترول

إن تحليل مستويات الكولسترول هو قياس لمقدار الدهون في الدم. ويمكن أن يؤدي ارتفاع الكولسترول إلى أمراض القلب والسكتة الدماغية. ويجب فحص الكولسترول كل 4-6 سنوات، إذا كنت أكبر من 20 سنة ولا تعاني من أمراض القلب أو الأوعية الدموية. ويقترح بعض الخبراء أن ينتظر الرجال حتى سن 35 عاما والنساء ينتظرن حتى 45 عاما، لبدء الخضوع لفحص الكولسترول، إلا إذا كان هناك احتمالات مخاطر الإصابة بأمراض القلب.

5- فحوصات سرطان القولون والمستقيم

يتم إجراء اختبارات سرطان_القولون أو المستقيم عن طريق البحث عن وجود دم فيهما أو وجود نمو أنسجة تسمى الأورام الحميدة. فإذا لم يكن لدى الشخص احتمالات للإصابة بالسرطان، يمكن أن يبدأ في إجراء الفحوصات عند بلوغ 50 سنة.

6- اختبار سكر الدم

هو تحليل بسيط لقياس مستوى السكر (ويسمى أيضًا الجلوكوز) في الدم. ويعد وسيلة للتحقق من مرض السكري أو مقدماته. يمكن أن يخضع الشخص لأول اختبار فحص سكر الدم في سن 45، لكن يوصى بشدة بإجراء الاختبار – حتى لو كنت أصغر سناً – إذا كنت تعاني من زيادة الوزن، أو لديك عوامل خطر الإصابة بداء السكري مثل ارتفاع ضغط الدم. وفي هذه الحالة، يجب قياس سكر الدم كل 3 سنوات على الأقل.

7- فحص الجلد

تعد من الأمور الجيدة أن يهتم كل شخص بالتحقق من أي تغييرات في الشامات والنمش أو أي علامات أخرى على بشرته. ينصح الخبراء بالفحص الذاتي للبشرة مرة واحدة شهريا. عندما يتم اكتشاف سرطانات الجلد مبكراً يمكن معالجتها والشفاء منها بسهولة.

8- فحص الثدي بالماموغرام

يجب أن تخضع الإناث لفحص للثدي كل 3 سنوات بدءًا من العشرينات من عمرهن. وبمجرد بلوغ سن 40، يجب أن تخضع للفحص كل عام بواسطة الأشعة السينية. وهذه الفحوصات تعطي فرصة للتعرف على أي تغييرات في الثديين، والتي ربما تدل على الإصابة بسرطان الثدي. ويمكن أيضًا إجراء الاختبارات الذاتية بشكل دوري.

9- اختبار عنق الرحم

يجرى اختبار عنق الرحم، الذي يسمى أيضا “مسحة عنق الرحم”، لاكتشاف ما إذا كان هناك سرطانات في عنق الرحم، ابتداء من سن 21 إلى 29، ويجب أن تخضع النساء للاختبار كل 3 سنوات. أما المرحلة العمرية بين 30 و64، فيجب أن تحصل على كل من اختبار عنق الرحم واختبار فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) كل 5 سنوات، أو مجرد اختبار عنق الرحم كل 3 سنوات.

10- الفحص البدني للذكور

ويشمل الفحص البدني الروتيني للرجال للتحقق من عدم وجود فتق، أو أنواع من العدوى. كما يمكن فحص البروستاتحسب عمر الشخص.

11- اختبار الأسنان

يتم استخدام الفرشاة والخيط كل يوم للحفاظ على صحة الفم والأسنان. ولكن ربما يكون من الجيد أيضا أن يقوم طبيب الأسنان بالكشف عن التجاويف أو أمراض اللثة وغيرها من المشاكل في الفم. يحتاج الشخص في أغلب الأحوال في زيارة طبيب الأسنان مرة أو مرتين سنويا.

تاريخ راديكالي للعالم

منذ ملايين السنين، سادت وتلاشت إمبراطوريات عدة، وخلال هذه الفترات المختلفة، ناضل البشر دوماً؛ لإيجاد مجتمع أفضل مما كان عليه في السابق، إلا أنه في جميع أنحاء العالم؛ نجد ارتباطات مع الماضي، ربما أصبح من الضروري التوقف عندها، وإعادة التفكير فيها، هذا ما يتناوله نيل فولكنر في هذا الكتاب، متوقفاً عند تاريخ السلطة، وجشع المتحكمين فيها، ويناقش أيضاً جوانب التحرر والتقدم والتضامن، ويرى أنه إذا أنشأنا ماضينا على نحو جيد، يمكننا أيضاً أن نخلق مستقبلاً أفضل.
يعدّ عالم الآثار والمؤرخ والكاتب والناشط السياسي البريطاني نيل فولكنر من الأكاديميين الغربيين المنشغلين بمراجعة الأحداث التاريخية، وربط إسقاطاتها، من منظور ماركسي في الغالب، بالواقع المعيشي اليوم، في ظلّ الأزمة الرأسمالية العالمية، وهيمنة المؤسسات الكبرى.
يقول في مقدمته:
«يواجه العالم اليوم أزمة على مستوى ما حصل في ثلاثينات القرن الماضي؛ فالرأسمالية تعيش أزمة طويلة الأمد، بينما تعمل الأموَلة والتقشف على انكماش الطلب، وتعميق الكساد، وتوسيع نطاق اللامساواة الاجتماعية. النسيج الاجتماعي مفتت. والعلاقات الدولية تزداد حدّة، وتتخذ طابعاً عسكرياً. الحرب تهدد على عدة جبهات…والأحزاب الديمقراطية همّشت مع قبول الدوغما الموالية للسوق… ومع ذلك، فإن العقد الأخير قد شهد مستويات غير مسبوقة تاريخياً من المشاركة في الاحتجاجات الشعبية في الشوارع، منطوياً على حشودٍ شعبية عريضة للبدائل التقدمية».
لقد عدّ داعمو التدخل العسكري الغربي في العالم الإمبراطويات الماضية – كالإمبراطورية الرومانية والبريطانية كنماذج للحضارة. لقد أعيد تفسير «أوروبا القروسطية» كمثال للاقتصادات ال«نيو كلاسيكية»، التي يفضلها المصرفيون أصحاب الملايين. أما الثورات العظيمة، فقد أعاد المؤرخون التعديليون تفسيرها؛ لتظهر بما يشبه الانقلابات أو نزاعات الفصائل، في محاولة منهم لشطب الصراع الاجتماعي من التاريخ. أما المحاولات لتفسير الماضي- بحيث يمكننا فهم الحاضر وكفعل لتغيير المستقبل – فقد همشتها نظريات «ما بعد الحداثة»، التي تجادل بأن ليس للتاريخ أي بنية أو نمط أو معنى.
ويناقش فولكنر هذه النظريات فيقول: «إنها تظهر أحياناً بلبوس «الأبحاث الجديدة»؛ إذ إنه دأب المؤرخون على أن يبحثوا بين الأرشيفات؛ لجمع المعطيات والبيانات طوال الوقت، ربما يكون المؤرخون التعديليون الأفضل تزوداً بالمعلومات والمعطيات؛ لكن لا يبدو أنهم الأكثر حكمة».
ويشير إلى دور الفعل في حركة التاريخ، فيقول:»لقد علمنا الفيلسوف الألماني الكبير جورج (فيلهلم فريدريش) هيجل، أن الحقيقة هي الكل، إن سياق التاريخ غير محدد مسبقاً؛ ونتائجه غير حتمية؛ إذ يمكن أن يسير في اتجاهات مختلفة بحسب الأفعال الإنسانية«.
في التعريف بكتابه يقول فولكنر: بدأ هذا الكتاب كسلسلة من المقالات المنشورة بين عامي 2010 و 2012 على موقع يساري على شبكة الإنترنت. بعد ستة أعوام، نشر النص بشكل موسّع ككتاب. وقد فعلت هذا لثلاثة أسباب: أولاً؛ لأنني أدركت المواضيع الأساسية المغفلة، وأردت بذلك ملء الثغرات وتجاوزها. ثانياً؛ لأنني تلقيت الكثير من التعليقات النقدية، وأردت عمل التعديلات اللازمة، وثالثاً؛ بسبب أن التغيير الكبير في السياسات العالمية خلال الأعوام الستة الماضية يتطلب فصلاً أخيراً مفصلاً وموسعاً للتعامل مع الأزمة العالمية… لست، كما وصفني أحدهم، بالمؤرخ اللامبالي؛ لأنني أشارك كارل ماركس نظرته أن (تاريخ كل المجتمعات الموجودة حتى اليوم هو تاريخ الصراعات الطبقية). كما أتشارك معه بفكرة مفادها أن (الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، فيما المهم هو تغييره).
يأتي الكتاب الصادر عن منشورات«بلوتو برس» في أكتوبر/تشرين الأول 2018 في 512 صفحة موزعة على مقدمة وثمانية عشر فصلاً وخاتمة.
العالم بين أزمة الرأسمالية والفاشية
يقول فولكنر: الاقتصاد العالمي غارق في أزمة ركود طويلة الأمد. كما أن الإنسانية قادرة على إنتاج كميات غير مسبوقة من الثروة. نصف هذه الثروة تقريباً تحت سلطة البنوك، الشركات، الدول والأشخاص إضافة إلى مفرطي الثراء. هذه الكتلة من الفائض الهائل، التي ينتجها كدح القوة العاملة، لم تعد تستثمر بالشكل المنتج: إنها مستخدمة في تمويل نظام فاشل بعمق يقوم على الدين والمضاربة.
هذه «النيوليبرالية» المتطفلة هي جزء من أزمة أعرض للرأسمالية العالمية. تفتت اللامساواة وغياب العدالة في النسيج الاجتماعي. كما أن النظام العالمي في حالة انهيار. أما الفاشيون، العنصريون فيحصلون على المزيد من المساحة على الأرض، همشت الديمقراطية، وتقلصت الحريات المدنية. كما أن الاحتباس الحراري يهدد الكوكب والإنسانية كلها بكارثة مناخية.
يلاحظ محللو التيار السائد (الماينستريم) هذه المشاكل؛ لكنهم إما أن يلجأوا إلى التقليل من أهمية ذلك أو أنهم يتجاهلون الروابط بينها. «ويشير الكاتب للفكرة الماركسية، التي استقاها كارل ماركس من الفيلسوف الألماني هيجل، والتي مفادها أن (المجتمع كلٌّ معقد ومتناقض)؛ حيث كل شيء مرتبط بكل شيء آخر، وأن الخاص يمكن فهمه، فقط؛ عبر علاقته ضمن العام».
هذه كانت الفرضية الضمنية عبر هذا «التاريخ الراديكالي». ويتوجب علينا الآن تطبيق هذا النهج على الحقبة، التي نعيشها راهناً؛ إذ ليس باستطاعتنا فهم الأزمة المركبة، التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي في مطلع القرن الحادي والعشرين دون الإحالة إلى الفترة الطويلة، التي أوصلتنا إلى هذه النقطة».
في فقرة فرعية، بعنوان: «الفاشية الزاحفة» يقول فولكنر: «كانت واحدة من تلك اللحظات، التي تغير العالم فيها. ومثل انهيار جدار برلين عام 1989، وتفجير البرجين التوأم في 2001 والأزمة المالية في 2008، فإن انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2016 أرسل موجات صدمة خلال العالم».
لم يجد المحللون الكلمات المناسبة لوصف ما حدث.. ملياردير متهرب من الضرائب، كاره للنساء معترف بارتكاب إساءات، متنمر على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فخور بتعصبه، كاره لمعظم البشرية. هذا الرجل بالتحديد انتخب؛ ليشغل أقوى منصب سياسي في العالم. 63 مليون أمريكي انتخبوا هذا الشخص.
لكن ترامب هو جزء من ظاهرة عالمية: صعود طبقة من الحكام اليمينيين المتطرفين المستبدين… وعبر العالم، باتت الديمقراطية مهمشة والحريات المدنية مهددة وحقوق الإنسان منتهكة. وفي أوروبا تحديداً، بات هناك ما يمكن تسميته «الموجة الثانية» من الفاشية، التي من مظاهرها وصول الحكومة اليمينية المتطرفة للسلطة في كل من بولندا وهنغاريا. وحصول زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا على 34 في المئة من الأصوات في حملتها الرئاسية الأخيرة.
يستخدم مصطلح «فاشي» أحياناً بشكل فضفاض؛ لوصف أي سلوك سلطوي مستبد؛ لكن ما يثير القلق أكثر هي النزعة لتعريف المصطلح في إطاره الضيق والمحدد، وإنكار أنه قابل للتطبيق على الحركات اليمينية المتطرفة الموجودة اليوم؛ عادة على أساس أنها لا تمثل بشكل كاف صورة النازيين الألمان في فترة ما بين الحربين. وهذا خطأ كبير؛ لأن التاريخ يعيد نفسه؛ لكن ليس بشكل حرفي. إن تجربة ما بين الحربين ترينا أنه يمكن للفاشية أن تتخذ أشكالاً مختلفة. إنها حركة تحمل المعنى الحرفي للعملية (السيرورة)، التي تتغير من مكان إلى آخر، وتتبدل من زمن لآخر، وتتطور عبر التفاعل مع قوى أخرى في ظروف تاريخية متينة.
الثورة النيوليبرالية المضادة
يركز الكاتب على دور النيوليبرالية في إضعاف الحركة العمالية، وتعزيز الآلة الرأسمالية المهيمنة. يقول: «لقد أضعفت الثورة النيوليبرالية المضادة، التي انطلقت أواخر السبعينات المجتمع المدني عموماً، والحركة العمالية خصوصاً. لقد ظهرت الطبقة الحاكمة الدولية في الثمانينات؛ بعد عدد من الهزائم الكبيرة والعميقة، التي تعرضت لها الطبقة العاملة، ثم شهدت العقود الأربعة التالية، توزيعاً على نطاق واسع للثروة والسلطة في مصلحة رأس المال. لهذا، ربما نكون اليوم شهوداً على مرحلة ثانية من تلك الثورة المضادة؛ تصاعد راديكالي، عدم التمكين وإزالة الصفة السياسية للطبقة العاملة».
ليست الفاشية «أداة» مصممة لغرض تاريخي معين. إنها غير «متحكم بها» من سادة ومحرّكين رأسماليين. إنها تعبير مركّز للنيوليبرالية، العنصرية، كراهية الأجانب (الزينوفوبيا)، التحيز الجنسي، العسكرة، التعصب الديني، عبادة السلطة، الانفعال الذهاني، الذي يفيض في المجتمع الرأسمالي في وقت الأزمات.
لا يمكن للنخبة العالمية الاستمرار بالحكم وفق الأسلوب القديم؛ لكن البديل الوحيد الممكن والقابل للتطبيق للفقر، الحرب، الاحتباس الحراري هو تجريد النظام المحدد، الذي ترتكز عليه ثروة وسلطة هذه النخبة. وهذا ما ليس بمقدورهم فعله. لا يمكن للطبقة الحاكمة حلّ هذه الأزمة إلا بالانحدار نحو الهمجية. إن دور سادة رأس المال يجعلهم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، طبقة اجتماعية متطفلة دون وظيفة تاريخية.
لقد أخذ التقدم الإنساني بالاعتماد على إطاحة الطبقة النيوليبرالية الحاكمة، سلطة الدولة بأفراد الطبقة العاملة، والاعتراف بالحياة الاقتصادية والاجتماعية تحت الحكم الأهلي.
أما درس القرن ال21 فهو أنه لتحقيق النجاح؛ يتوجب تحقيق ذلك على المستوى العالمي. أما درس العقود الأربعة الماضية؛ فهو أن «الاشتراكية في دولة واحدة»؛ تعد وهماً مضللاً؛ لكن هل الثورة العالمية لا تزال ممكنة في القرن الحادي والعشرين؟
الثورات، بالعموم، غير متوقعة، ومعدية بشكل مؤثر. كما أنها آليات تغيير هائلة. انفجرت الثورة الفرنسية عام 1789، ثم بين أعوام 1789 و1794 بدأت تتشكل آليات عملية سياسية لقيادة الثورة… انحسرت الثورات بعد عام 1815؛ لكنها ما لبثت أن انطلقت مجدداً؛ أولاً في فرنسا عام 1830، ثم إثر موجة من العصيان عام 1848 في باريس، برلين، فيينا، بودابست، روما ومدن أوروبية أخرى. ومع أن الثوار قد هزموا، إلا أن الدافع للإصلاح الذي قدموه لم يكن ليتوقف. لقد عرف حكام أوروبا أنه كان عليهم إدارة التغيير من أعلى أو المخاطرة بمواجهة المزيد من الانفجارات من تحت. أصبحت فرنسا دولة، وتوحدت إيطاليا وتحولت ألمانيا إلى دولة-أمة حديثة. لقد أطلقت الثورة البلشفية (1917) سلسلة من ثورات رد الفعل من ألمانيا إلى الصين. أنهت الثورات في ألمانيا والنمسا-هنغاريا الحرب العالمية الأولى. وبدا أن الحركة الثورية ككل، بين 1917 و 1923 قد اقتربت من هدم النظام الرأسمالي العالمي برمته.
خطوات لفهم الثورة وحقيقتها الفعلية
في عام 1924، كتب المنظر الماركسي الهنغاري جورج لوكاش، في معرض تأملاته حول الحقبة العظيمة من الحرب والثورة، التي مرت للتو، في كتابه «حقيقة الثورة» ما يصلح لأن نستعيده في إطار عصر الأزمة،الذي نعيشه. كتب لوكاش، إن الماركسية «تفترض الحقيقة والفعلية العالمية للثورة البروليتارية. وبهذا المعنى، من ناحية الأساس الموضوعي للحقبة كلها ومفتاح فهمها، فإن الثورة البروليتارية تشكّل جوهر الماركسية…».
بالنسبة للوكاش، فإن ثورة الطبقة العاملة العالمية كانت إمكانية حيوية وحاضرة باستمرار. النقطة هنا، أن النظام القديم احتوى ضمنه الإمكانية المستمرة للثورة، وأن ذلك كان الحل الوحيد المرجح للمعاناة الإنسانية المتزايدة باستمرار.
ويورد فولكنر خمس نقاط يرى أنها ضرورية في سياق فهم أفضل لسيرورة الثورة ضد الرأسمالية والنيوليبرالية:
1) يتوجب علينا فهم ضرورة الحاجة لتغيير النظام. وعندما نتمكن من ربط الحملات، المحتجين والصراعات على تباينها ضمن هجوم عام على النظام الذي هو في الأساس مشاكل الإنسانية، حينها يمكننا أن نأمل بحل تلك الأزمات.
2) علينا أن نفهم الحاجة إلى الدولانيّة. وهذا يعني رفض كل أشكال العنصرية، النزعة القومية و«الشيوعية في دولة واحدة». وبناء شبكات عالمية للمقاومة والتضامن قادرة على تحدي السلطة العالمية للأثرياء.
3) كما أن علينا فهم مركزية الطبقة العاملة – المعرفة بنسبة ال 80 في المئة- لأي استراتيجية جدية لتغيير النظام.
4) يجب أن نبني شبكة من الحركات الاجتماعية الواسعة والجماعات الشعبية المشاركة لتنظيم، نشر وتعزيز صراعات الطبقة العالمية ضد النظام.
5) يتوجب علينا تنظيم أصحاب الرؤى الثورية ضمن شبكات من النشطاء القادرين على قيادة وتنظيم المقاومة العامة من الأسفل، وتحويل الغضب الشعبي إلى موجة من صراع الطبقة العاملة التي تتحول في النهاية إلى حركة ثورية عالمية جديدة يمكن مقارنتها، وإن كانت أكبر، من تلك في أعوام 1789، 1848، 1917، 1968 و 1989.
ويخلص الكاتب إلى فكرة مفادها: «بات العالم المختلف ضرورة تاريخية مطلقة. العالم الآخر ممكن. أما الثورة، بهذا المعنى، فهي «حقيقة فعلية». لكن هذا ليس يقيناً. يجب القتال لأجله. وإنجازاته تعتمد على ما سنفعله كلنا. لم تكن الرهانات التاريخية بأعلى مما هي عليه الآن».
نبذة عن الكاتب
** نيل فولكنر (1958) أكاديمي وعالم آثار ومؤرخ بريطاني. له الكثير من الأبحاث والمحاضرات المنشورة في دوريات ومواقع يسارية. من أحدث كتبه:«تاريخ ماركسي للعالم»(2013)، حرب لورانس العرب (2016)، تاريخ شعبي للثورة الروسية (2017) وآخر كتبه«تاريخ راديكالي للعالم» (2018).

كيف تصنع الهند مكانتها في العالم؟

 

تتبع الهند سياسة التروي والصبر في سياستها الداخلية والخارجية، ولا تزال تعتمد على إرثها الكبير في سياسة عدم الانحياز، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. اليوم، تركز هذه الدولة العملاقة على تعزيز نموها، وتأسيس مكانة عالمية تتناسب وإمكاناتها الصاعدة. تناقش الكاتبة أليس آيرس هذه السياقات ضمن النظام العالمي المقبل وعلاقة الهند مع الولايات المتحدة، وضرورة لجوء الطرف الأمريكي إلى تغيير سياساته مع الهند لبناء شراكة حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل.
على مدى السنوات ال 25 الماضية، قفز النمو الاقتصادي الهائل في الهند إلى صفوف القوى الكبرى الناشئة في العالم، بعد أن عانى الشعب الهندي لفترة طويلة الفقر المدقع، حتى التسعينات من القرن الماضي، بسبب النظام الرقابي المرهق الذي حد من قدرة اقتصادهم على المنافسة على نطاق عالمي. منذ ذلك الحين، فتحت الحكومة الهندية تدريجياً الاقتصاد، فكانت النتائج مذهلة. لقد نمت الطبقة الوسطى في الهند بسرعة فائقة، ما يعني أن حجم البلاد الهائل، وعدد سكانها الضخم واقتصاداً يقدّر بتريليوني دولار، سيكون لها تأثير عالمي كبير سواء في التجارة العالمية وتغير المناخ والديمقراطية، وهي في كل هذه السياقات أصبحت دولة مهمة الآن، كما تقول مؤلفة الكتاب.
وترى أن الهند رغم وضوح مضيها على المسار الصحيح لتصبح قوة عظمى، فإنها لم تتخل عن كل سياساتها السابقة: فاستراتيجيتها لا تزال حمائية نسبياً، ولا تزال تناضل مع إرث مبادئ السياسة الخارجية منذ فترة طويلة القائمة على عدم الانحياز. وتقول: «تشمل ديمقراطية الهند النابضة بالحياة مجموعة كبيرة من الأحزاب التي تتبنى سياسات متباينة بشكل مذهل. ولا تتأثر الهند بسهولة بالنفوذ الأجنبي. وتحرص بعناية على استقلالها، ويعود ذلك جزئياً إلى ماضيها في ظل الاستعمار. لكل هذه الأسباب، تميل الهند إلى التحرك بحذر وتروٍ في المجال الدولي».

في هذا الكتاب، تنظر أليسا آيرس في كيفية تأثير التوتر بين ماضي الهند الذي ركز على الداخل واندماجها المستمر في الاقتصاد العالمي في مسارها. واليوم، يريد القادة الهنود على نحو متزايد أن يجدوا بلادهم في صفوف القوى العظمى في العالم، بل في الواقع، باعتبارها «قوة رائدة»، وفق كلمات رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
تنظر آيريس في الدور الذي من المحتمل أن تلعبه الهند مع تنامي مكانتها، مقيّمة العواقب والفرص بالنسبة للولايات المتحدة والدول الأخرى، مع قيام أكبر ديمقراطية في العالم بتحديد مكانها في العالم. وتضيف الكاتبة معلقة: «الهند تكسر قالب «الحليف» النموذجي، كما أن اتساعها وتاريخها وتنوعها يجعلها لا تضاهى بأي قوة ديمقراطية كبرى أخرى». من خلال التركيز على الكيفية التي يصوغ بها منظور الهند الفريد نهجه في الشؤون العالمية، فإن الكاتبة من خلال هذا العمل تقدّم فهماً لمعنى نهوض الهند.
يأتي الكتاب في ثلاثة أجزاء تضم فصولاً وفق الترتيب التالي: (الجزء الأول: التطلع إلى الخلف)، تمهيد، الفصل الأول: مقدمة. الثاني: الهند والعالم. الثالث: الانفتاح على العالم. (الجزء الثاني: الانتقال). الرابع: البحث عن مكان الهند الصحيح. الخامس: قوة حذرة. (الجزء الثالث: التطلع إلى المستقبل). السادس: الدور العالمي المتغير للهند. السابع: مستقبل اقتصادي متغير؟ الثامن: كيف يجب على الولايات المتحدة العمل مع الهند الصاعدة. الخاتمة. ملاحظة ببليوغرافية. قائمة المراجع.

الديمقراطية الهندية

تقول الكاتبة في بداية عملها: في الانتخابات الوطنية الهندية في عام 2014، ألقى المواطنون أكثر من نصف مليار بطاقة اقتراع في أكثر من 900 ألف مركز اقتراع؛ وهو عمل مثير للإلهام للامتياز الديموقراطي. وكانت تقارير تفيد أنه لإعجابه بحجم الديمقراطية الهندية، دفع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى إعطاء الأولوية لتعميق العلاقات. ومثل الأمريكيين، يفتخر المواطنون الهنود بديمقراطيتهم التي كان المرء يعتبرها في السنوات الأولى من استقلال الهند أمراً غير محتمل؛ نظراً للفقر والأمية الهائلين في البلاد. كل عملية انتخاب تعمل على توطيد رؤية مؤسسي الهند واعتقادهم في الحق العالمي بالتصويت، رغم كل الظروف.
وتتوقف عند رأي الأمريكيين بهذه الديمقراطية الهائلة قائلة: «لكن الأمريكيين في بعض الأحيان يتوقعون – عن طريق الخطأ – أن يروا أفكارهم الخاصة عن تعزيز الديمقراطية والمصلحة في تأييد النظام الليبرالي العالمي الذي تعكسه الهند، متنبئين بأن كلا البلدين يجدان أنظمتهما السياسية وتقاليدهما بالطريقة نفسها. يمكن أن يؤدي هذا الخطأ في التقدير إلى الارتباك وخيبة الأمل. الهند تقف ضدّ التدخلات الملموسة في سيادتها، وهذا نابع من تجربتها الاستعمارية. أصبح عدم التدخل مبدأ أساسياً، حينما عمل نهرو على تثبيته دولياً من خلال حركة عدم الانحياز. تنظر الهند إلى المقاربات النشطة فيما يتعلق بتعزيز الديمقراطية – إن لم يكن بناء على طلب صريح من البلد المضيف – كتدخل في السيادة.
إذا كانت حدود التعاون في مجال تعزيز الديمقراطية في البلدان الأخرى تنبع من مخاوف السيادة الهندية، فإن هذه المخاوف تصبح أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالعديد من المعايير الديمقراطية الليبرالية التي توليها السياسة الخارجية الأمريكية اهتماماً خاصاً بالتأييد في جميع أنحاء العالم: حرية التعبير، والحرية الدينية، وفضاء المجتمع المدني، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، ودعم تمكين المرأة، وغيرها الكثير. تنبع هذه التأكيدات من التركيز الأمريكي على حقوق الإنسان العالمية، والاعتقاد بأن أدوات السياسة الأمريكية يمكن ويجب أن تحدث فرقاً إيجابياً حول العالم كما تقول الكاتبة.
وترى أن التركيز الأمريكي على حقوق الإنسان يؤدي وظيفة رمزية «للقيم والمبادئ التي تقف عليها الولايات المتحدة». هذه المخاوف متضمنة في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في السلطة التنفيذية، وفي إشراف الكونجرس على الإدارة.

احترام الشؤون الداخلية للدول

في الواقع، يطلب الكونجرس الأمريكي – كأمر قانوني – تقارير سنوية من وزارة الخارجية حول حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، والاتجار بالأشخاص، والحرية الدينية. كما يطلب من وزارة العمل الأمريكية تقريراً مفصلاً عن عمالة الأطفال في جميع أنحاء العالم.
تعلق الكاتبة: بالنسبة للحكومة الهندية، فهذه مسائل تتعلق بالاختصاص القضائي المحلي. وتحضر إلى أذهانهم مسائل المسّ بالسيادة الوطنية. إن الدستور الهندي يكرس حقوق الإنسان، والمساواة بين المرأة والرجل، وحرية الدين، والحماية من التمييز، وغير ذلك. لكن الحكومة الهندية ترى أن هذه القضايا هي أمور داخلية بحتة. ومع وجود استثناءات نادرة في الجوار، ترتبط عادة بمجموعة تصويت محلية، فإن الهند عموماً لا تؤيد حقوق الإنسان خارج حدودها. كما أنها لا تدعم عادة قرارات دولة واحدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. قامت»هيومن رايتس ووتش«مؤخراً بتقييم سجل التصويت لدى الهند في مجلس حقوق الإنسان على أنه إحدى أقل الدول دعماً لتفويض المجلس بشأن التصدي للأوضاع في الدول. وهذا يتعلق بوكالة تابعة للأمم المتحدة كانت الهند عضواً فيها منذ إنشائها في عام 2007.
ترى الهند أن الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، تفتقر إلى الشرعية لإصدار الحكم على الأوضاع داخل حدود البلدان الأخرى كما تذكر المؤلفة، موضحة أكثر: عند إصدار لجنة أمريكية بياناً عن الحرية الدينية الدولية، خرج بيان من وزارة الشؤون الخارجية في 2015 يعكس هذا المنظور بشكل جيد قائلاً: «نحن لا نأخذ في الاعتبار هذا التقرير».
وتضيف الكاتبة: في الوقت نفسه، توفر تجربة الهند التي تجري الانتخابات على أساس شبه ثابت إمكانات كبيرة لمزيد من الشراكة. فعلى الصعيد الدولي، تدافع الهند عن الديمقراطية، وتقف على أهبة الاستعداد لتقديم المشورة إذا طلب منها ذلك، وقد دعمت بقوة صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية ومجتمع الديمقراطيات. مع التركيز على هذا الواقع، يجب على الولايات المتحدة أن تتشارك مع الهند في بذل المزيد من الجهود في الجوانب الانتخابية للديمقراطية، والإبقاء على التركيز على العناصر الموجودة داخل منطقة الراحة الخاصة بنيودلهي.

العلاقة الأمريكية-الهندية

بحكم خبرتها في الهند وآسيا، ترى الكاتبة في نهاية كتابها أن العلاقة بين الولايات المتحدة والهند، بقيت راكدة لعقود خلال الحرب الباردة، واليوم مع ممارستها الديمقراطية تسعى الولايات المتحدة إلى الشراكة معها في القرن الواحد والعشرين، وهي تظهر بين القوى العظمى في العالم، وهذا بدوره سوف يظهر على الأرجح تغيراً في السياسة الأمريكية تجاهها.
تقول الكاتبة هنا: الولايات المتحدة فقدت الهند في القرن العشرين، واليوم ستسعى إليها في القرن الواحد والعشرين، حيث إن الهند دولة قوية ومؤثّرة في منطقة المحيط الهندي المتقلبة تقدّم نموذجاً للنجاح الاقتصادي والديمقراطي الذي يقف على خلاف النموذج الذي قدمته الصين، وهذا يخلق تحالفاً آسيوياً للقوة. الهند شريك «لا غنى عنه»، كما قال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث ستكون هناك روابط اقتصادية قوية معها، حتى وإن كان هناك بعض الخلافات القوية تطفو على السطح، كما سيكون هناك تعاون معها بشأن القضايا الحساسة في المحيط الهندي والقلاقل في منطقة آسيا-المحيط الهادي، وسيكون على الولايات المتحدة التشاور معها مراراً وتكراراً بشأن مسائل السلام والصراعات حول العالم، ومعها ستتطلع الولايات المتحدة نحو المستقبل في سبيل صياغته بشكل تعاوني.
وتضيف الكاتبة: من وجهة النظر هذه، هذا يشير إلى نظام عالمي سيكون للهند فيه حضور منتظم وواضح في مساعينا الاقتصادية العالمية، ودبلوماسيتنا، واعتباراتنا الأمنية والدفاعية. سوف تتوقع الهند من هذا النظام العالمي فهم خصائصها ومساهماتها، بينما تصوغ لنفسها سياقها الخاص بها وفق ممارسة القوة العالمية التي تستتبعها. إن التعامل مع صعود الهند، ورغبتها في إيجاد صوت لها في المؤسسات العالمية الكبرى التي تتفق بشكل أفضل مع دورها السياسي والاقتصادي الأكبر، سيتطلب في بعض الأحيان دبلوماسية قاسية. وهذا سيعني إدراك أن نيودلهي سوف تفضّل غالباً نهجاً حذراً على نحو أكثر بالنسبة لفتح السوق المحلية، وبالنسبة للاستجابة الدبلوماسية الملائمة للإحباطات الديمقراطية في العالم الثالث، واستخدام القوة على المستوى الدولي.
وتختتم عملها بالقول: ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقع أن قواعد اللعبة التي كانت تمارسها بالنسبة للعلاقات الثنائية سوف تتطلب تعديلات على كل مرة عندما يتعلق الأمر بالهند، إذ إن نيودلهي سوف تسعى إلى وضع شروطها الخاصة بها بدلاً من قبول النموذج الأمريكي الجاهز، وتوقيعه على بياض. وتقول: نيودلهي ليست مهتمة ب«نصيحتنا»، لكن في محادثة بين نظيرين، بشكل دقيق كما ترى نفسها، على الولايات المتحدة أن تبقي هذا الأمر في ذهنها، لتقوم بعمل أفضل يمهّد أمام جيلنا المقبل القدرة عل الفهم والعمل مع هذا البلد المعقد وهو يشق طريقه إلى القيادة، محققاً لنفسه مكانه الخاص به في العالم.

نبذة عن الكاتب

أليسا آيرس من أكبر الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية في الهند وباكستان وجنوب آسيا. وهي تعمل في مجال السياسة الخارجية، ومؤلفة حائزة العديد من الجوائز، وتتمتع بخبرة كبيرة في القطاعات الحكومية وغير الربحية والخاصة.
عملت آيرس في السابق نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لجنوب آسيا من 2010 حتى 2013، حيث كانت تغطي منطقة ديناميكية تضم 1.3 مليار شخص (بنغلاديش، وبوتان، والهند، وجزر المالديف، ونيبال، وسريلانكا)، وقدمت توجيهات سياسية لأربع سفارات أمريكية وأربع قنصليات.
قبل أن تخدم في إدارة أوباما، كانت آيرس المديرة المؤسّسة لممارسات الهند وجنوب آسيا في شركة (مكلارتي أسوشيتش)، وهي الشركة الاستشارية الاستراتيجية الدولية التي اتخذت من واشنطن مقراً لها، في الفترة من 2008 إلى 2010. وقد عملت سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية كمساعدة خاصة لوكيل الوزارة للشؤون السياسية.
لها العديد من المؤلفات منها كتابها عن القومية والثقافة والسياسة في باكستان بعنوان»تحدث مثل دولة» نشرته مطبعة جامعة كامبردج في عام 2009. وحصلت على جائزة كتاب المعهد الأمريكي للدراسات الباكستانية 2011-2012. آيرس تتحدث الهندية والأوردية، وفي منتصف التسعينات عملت مترجمة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. حصلت على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من كلية هارفارد، ودرجة الماجستير والدكتوراه من جامعة شيكاغو بتقدير امتياز.

فقدان التفوق العسكري

 

يبدو أن الجيش الأمريكي فشل في مضاهاة الدعايات المتعددة حول تفوقه، خاصة عند النظر إلى السجل المتواضع من الإنجازات العسكرية التي حققها. فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم. يتوقف هذا العمل عند التفوق العسكري الأمريكي، ومدى صحته وتأثيره، ويسلط الضوء على القوة الروسية والصينية التي باتت في حكم المنافس لها.
للثقافة الأمريكية الاستثنائية جذور عميقة في المؤسسة الأمريكية الحاكمة، التي لاحظها ألكسيس دي توكفيل في عمله المؤثر «الديمقراطية في أمريكا» في عام 1837. ولكن في حين أن الاستثنائية ليست فريدة من نوعها بالنسبة لأمريكا، فإن شدة إيمانها وعواقبها العالمية هي الفريدة. وقد أدت هذه النظرة عن استثنائية الولايات المتحدة إلى إساءة تفسير العوامل المسببة للأحداث الرئيسة في القرنين الماضيين بشكل فادح، وفي بعض الأحيان يكون عمداً. وبناءً عليه، تم استخلاص الاستنتاجات المغلوطة، وإعطاء دروس خاطئة للغاية. ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في الفكر العسكري الأمريكي وتطبيقه الفعلي للقوة العسكرية.

يستكشف هذا الكتاب الفرق الكبير بين المقاربة الروسية والأمريكية للحرب، والتي تتجلى في جميع جوانب الأنشطة من الفن والاقتصاد، إلى الثقافات الوطنية المتعلقة بها. كما يوضح حقيقة أن «النخبة» الأمريكية لم تعد تعتقد أن الحقائق والقوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية الروسية تعمل على معالجة قدرات روسيا الجديدة والعالية في مجالات الحرب التقليدية وكذلك الحرب الإلكترونية والفضاء؛ ويدرس بعمق عدة طرق يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن تدخل في صراع مع روسيا وما يجب فعله لتفاديه.
يقع الكتاب في 250 صفحة صادر عن دار «كلاريتي بريس» في مايو 2018 باللغة الإنجليزية. ويتكون جدول المحتويات فيه من مقدمة بعنوان: «النرجسية الأمريكية الخطيرة»، وثمانية فصول هي: الأول: المقاييس الحقيقية للقوة العسكرية. الثاني: ولادة الميثولوجيا العسكرية الأمريكية الحديثة. الثالث: عدد من التفسيرات الخاطئة للحرب العالمية الثانية. الرابع: عجز النخب الأمريكية عن فهم حقائق الحرب. الخامس: العجز التربوي والرسوم الكاريكاتورية الثقافية. السادس: التهديد بالتضخم والتصوير الإيديولوجي وأسئلة السياسة العقائدية. السابع: الفشل في التعامل مع التجديد الجيوسياسي الحديث. الثامن: شبح «القوة المجوفة». وفي نهاية العمل يقدّم الكاتب خلاصة تحت عنوان: «تهديد سوء التقدير العسكري الأمريكي الضخم»، ثم ينهيه بخاتمة بعنوان: قواعد بوتين في اللعبة: السلام من خلال القوة.

حقيقة مخفية

يرى الكاتب أندري مارتيانوف بحكم خلفيته العسكرية وخبرته في المجال العسكري الأكاديمي، أن البعد التكنولوجي «للاستراتيجية» الأمريكية قد طغى تماماً على أي اهتمام بالمتطلبات الاجتماعية والثقافية والتشغيلية وحتى التكتيكية للصراع العسكري (والسياسي).
ويرى أنه «مع ظهور حرب باردة جديدة مع روسيا، تدخل الولايات المتحدة فترة جديدة من الاضطراب الجيوسياسي، وهي غير مستعدة لها تماماً سواء فكرياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو ثقافياً، لمواجهة حقيقة كانت مخفية خلال السنوات السبعين الماضية خلف ستار من خداع استراتيجي لا ينتهي بشأن روسيا».
كما يقول الكاتب: «قد يؤدي مجيء نظام الدفاع الجوي الثوري S-500 إلى إغلاق المجال الجوي لروسيا وحلفائها بالكامل في وجه أي تهديدات جوية أو بالستية. هذه التطورات وحدها تقلل تماماً من قيمة الملاحة القتالية في خط المواجهة للقوات الجوية الأمريكية التي تكلفها أرقاماً فلكية، واستثمارها الهائل في الفوائد المحدودة جداً للاختراق والتسلل».
ويضيف: «تقنيات الكشف عن أشعة ضوئية ستجعل جميع النفقات على الشبح، دون استثناء، مجرد إهدار للمال والموارد. وكما هو معروف لا يوجد خبراء أفضل في كيفية إهدار الموارد من أولئك الذين يرعاهم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي».

القوة البحرية

 

كما يتوقف الكاتب عند القوات البحرية العسكرية الأمريكية قائلاً: «الوضع ليس أفضل في البحر. إن إطلاق الصاروخ زيركون هايبر-سونيك 3 إم 22 في عام 2017 يعيد بالفعل تعريف الحرب البحرية، ويجعل حتى المناطق البحرية النائية منطقة»بدون شراع»لأي مقاتلة أمريكية كبرى على السطح، وخاصة حاملات الطائرات. وفي الوقت الحالي، وفي المستقبل المنظور، لا توجد أي تكنولوجيا قادرة على اعتراض مثل هذا الصاروخ». مضيفاً: «لا تزال البحرية الأمريكية تحتفظ بقوة تحت سطح البحر من الطراز العالمي، ولكن حتى هذه القوة ستواجه صعوبات كبيرة عند مواجهة تحدي الغواصات غير النووية القاتلة الصامتة والقادرة، إلى جانب القوات البحرية المضادة للغواصات البحرية والقوية، على إغلاق سواحلها بالكامل أمام أي نوع من التهديد. وبمجرد الوصول من خلال السواحل والبحر وحتى بعض المناطق في المحيطات، يتم إغلاقها، كما هي الآن، بالتالي فإن أحد الركائز الأساسية لعقيدة واستراتيجية البحرية الأمريكية أي القدرة على إظهار القوة ينهار..».
ويستشهد برأي الراحل سكوت شوغر الذي تحدث عن التناقض البحري الأمريكي قائلاً: «عندما تتجاهل قوة قارية مثل الولايات المتحدة حواجزها الدفاعية الطبيعية وتبني أساطيل قتالية كبيرة، فإنها تحولت من واقع جيوسياسي إلى نوع من التظاهر المزعج. هذا النوع من البحرية موجود فقط لهزيمة القوات البحرية الأخرى التي تحمل النزعة ذاتها. وهذا لا يمكن تبريره إلا في حالة وجود أساطيل أخرى مماثلة لتلك الموجودة بالفعل».
ويضيف: «لا توجد سفن بحرية تتمحور حول الناقلات، بخلاف البحرية الأمريكية، ولن تكون موجودة في المستقبل القريب حيث إن جميع اللاعبين البحريين الرئيسيين في العالم، باستثناء الولايات المتحدة والقوات البحرية الملكية البريطانية، اتخذوا من عقيدة القتل المميت حتى الصميم نمطاً لهم، واستمروا بالاستثمار في قدرات خطيرة ضد النقل البحري عبر مجموعة كبيرة من المنصات، مع الاتحاد السوفييتي، ومع روسيا اليوم، التي تعمل على تطوير الأسلحة الفتاكة الفائقة والضخمة. وتصبح صواريخ كروز الجديدة التي تستطيع تنفيذ هجوم بعيد المدى، أدوات فعالة للغاية في الردع والقوة ضد أي نوع من الخصوم».
كما يستشهد الكاتب برأي القومى الأمريكي المتشدد بات بوتشانان الذي قال بمرارة: «لم يعد أحد في مأمن، بعد الآن». فالولايات المتحدة، سواء كانت راغبة أو غير راغبة، خلال العشرين سنة الماضية، من خلال سلسلة من المغامرات العسكرية التي تم تصويرها بشكل سيىء وخاطئ إلى حد كبير، كشفت الحدود المأساوية لقوتها وقدراتها العسكرية والجيوسياسية، ولاحظ العالم ذلك. وبعيداً عن التبادل النووي، لا يمكن للولايات المتحدة أن تهزم روسيا أو الصين بشكل تقليدي في مواقعها الجغرافية المباشرة. إن القوة العظمى العسكرية – التي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بها بالتأكيد – والتي لا تستطيع هزيمة أي قوة عظمى أخرى، هي بالكاد تجسيد جيد للمصطلحات العسكرية الفائقة التي تستخدمها لوصف نفسها».
ويرى أن إعلان أمريكا باستمرار عن نفسها على أنها كلية القدرة عسكرياً دون تقديم دليل مقبول عالمياً يثبت هذا القدر من القوة، فذلك لا يشكل حالة صحية لمثل هذه الادعاءات. وهذه ليست الطريقة التي تدار بها الأشياء في الواقع، كما هو الحال مع أي شيء في الحياة. يمكن لحملات الإعلان والدعاية أن تمضي بعيداً، وتصبح أقل فعالية بشكل متزايد كلما مر الوقت دون تقديم سجل إنجاز حقيقي. لكن المشكلة مع الجيش الأمريكي هي أعمق من ذلك….

 

روسيا العنيدة

 

خلال الحرب الجورجية-الروسية في أغسطس 2008، والتي شهدت محاولة من الدولة الجورجية للسيطرة على منطقة جنوب أوسيتيا الانفصالية والمؤيدة لروسيا والمستقلة بحكم الأمر الواقع، مما أدى إلى تدخل عسكري روسي. وصفت روسيا العمليات لجيشها الثامن والخمسين ب«فرض السلام بالإكراه». ويعلق الكاتب على ذلك: «إنه وصف اصطلاحي مناسب عندما نتذكر ما كان على المحك في ذلك الوقت. في الحقيقة، انتصر الروس في تلك الحرب، وأجبروا جورجيا، حقاً، على القبول بوضع سلمي أكثر. وفق فلسفة المنظر والكاتب العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فإن روسيا قد حققت الهدف الأساسي من الحرب من خلال إجبار العدو على المضي وفق إرادتها، والتي كانت تهدف إلى إبقاء السلام والاستقرار في المنطقة. الروس، كما أظهرت الأحداث في السنوات ال19 الماضية، لم تعد لديهم أوهام حول إمكانية من أي نوع بشأن وسيط غربي متحضر مع الغرب مجتمعاً، أقله مع الولايات المتحدة التي تستمر في العيش ضمن فقاعتها التي تعزل فيها روسيا عن أي صوت خارجي من أصوات المنطق والسلام»، وفي نهاية تعليقه يقول: «السجل الأمريكي العسكري الكئيب خلال العقود القليلة الماضية لا يتطلب أي إسهاب خاص، لأنه سجل من الكوارث الإنسانية والعسكرية».
ويشير إلى أن كلمة فلاديمير بوتين في 1 مارس، 2018 أمام الجمعية الاتحادية الروسية لم تكن حول انتخابات روسيا الرئاسية المقبلة، كما يشير إلى ذلك العديد في الغرب المهووس بالانتخابات. بدلاً من ذلك، كانت كلمته محاولة لإجبار النخب الأمريكية بطريقة مماثلة، على الالتزام بالسلام، أو على الأقل الالتزام بشكل من العقلانية، بالنظر إلى أنها (أي النخبة) منفصلة تماماً عن الوقائع العسكرية، والجيوسياسية، والاقتصادية لتشكيلات القوى الجديدة الناشئة في العالم.
ويضيف: «كما كانت الحالة مع جورجيا في 2008، فإن توضيح بوتين لقوى الفرض الروسية كانت قائمة على القوة العسكرية، فبرغم العيوب الفعلية الموجودة، استطاع الجيش الروسي التخلص من القوة الجورجية المدربة أمريكياً والمجهزة بشكل جزئي في غضون خمسة أيام، فتكنولوجية الجيش الروسي وطواقمه، والفن العملياتي لديه كانت ببساطة أفضل بكثير. من الواضح أن مثل هذا السيناريو السريع وغير المؤلم بشكل نسبي غير ممكن بين روسيا والولايات المتحدة، ما لم يتم نسف الأسطورة الأمريكية عن التفوق التكنولوجي والانخراط العسكري المعد مسبقاً».

 

هل تنحدر الإمبراطورية؟

 

في ختام هذا العمل البحثي العميق والدقيق يقول الكاتب إنه «لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة دولة عظمى ويوجد بين شعبها نوابغ بشكل حقيقي. إنها دولة قوية وقوة عظمى مع تاريخ قصير لكنه ساطع. ولا يزال رواد الأعمال وعمالقة التكنولوجيا الأمريكيون يبهرون العالم كل يوم. لكن في الواقع، هناك انحدار حقيقي لكل ذلك، إنه تعفن حقيقي يصبح أكثر وضوحاً مع مرور كل يوم. وقد سبق أن حدث هذا الأمر مع إمبراطوريات أخرى، أبرزها وأحدثها الإمبراطورية البريطانية العظمى.
ويقول:»اليوم، نلاحظ المستوى الكارثي لحالة الابتعاد عن التصنيع في الولايات المتحدة، مع عدم تعافي أهم المراكز في الولايات المتحدة من أزمة 2008، أو عندما نرى أن الأزمة الأفيونية تضرب المدن الأمريكية، أو عندما نحصي العدد الحقيقي للناس الذين لا يزالون عاطلين عن العمل، أو كانوا في السابق من دون عمل، نضطر إلى تذكر مصير أم أمريكا: الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وكيف أن السيناريو ذاته يتكرر، مع بعض التعديلات، أمام أعيننا في الولايات المتحدة.
لكن إذا كان الرحيل البريطاني من العظمة متوارياً ضمن الأحداث المؤثرة في الحرب العالمية الثانية، ومع اعتبار الانسحاب من قناة السويس ختاماً قانونياً لها، فإن الرحيل الأمريكي يهدّد بإعلان حرب عالمية نووية حرارية، والتي يمكن أن تبيد الحضارة الإنسانية برمتها، وهذه عاقبة يجب منعها بكل السبل الممكنة».

 

نبذة عن الكاتب

 

أندريه مارتيانوف خبير في القضايا العسكرية والقوات البحرية الروسية. ولد في باكو، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام 1963. تخرج من أكاديمية (Kirov Naval Red Banner)، وشغل منصب ضابط في موقع سفن وطاقم خفر السواحل السوفييتية حتى عام 1990. شارك في الأحداث في القوقاز التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. في منتصف تسعينات القرن الماضي، انتقل إلى الولايات المتحدة حيث يعمل حالياً كمدير مختبري في مجموعة طيران تجاري. وهو مدون على مدونة معهد البحرية الأمريكية باستمرار.

 

 

 

اليابان في القرن الأمريكي

 

لم تتأثر أي دولة بصعود الولايات المتحدة إلى القوة العالمية أكثر من اليابان، فقد أدت سياسة الرئيس فرانكلين روزفلت المتشددة المتمثلة في الاستسلام غير المشروط إلى النهاية الكارثية لحرب آسيا والمحيط الهادئ. يعاين هذا الكتاب كيفية استجابة اليابان، بتراثها المحافظ، إلى السياسة الأمريكية في فرض نظام ليبرالي جديد عليها، ويتناول التطورات الحاصلة على السياسة الخارجية اليابانية في القرن الواحد والعشرين.
كان الثمن الذي دفعته اليابان لإنهاء الاحتلال الأمريكي هو تحالف الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الذي ضمن هيمنة أمريكا في المنطقة. ورغم أن اليابان ما تزال تعاني صدمة بسبب تجربتها في زمن الحرب، إلا أنها طورت استراتيجية كبيرة من الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية حتى تتمكن الدولة من التركيز على النمو الاقتصادي. لكن منذ البداية، وعلى الرغم من التوقعات الأمريكية، أعادت اليابان العمل بالإصلاحات الأمريكية لتلائم ظروفها الخاصة وتفضيلاتها الثقافية، مشكلة بذلك الاختلافات اليابانية بشكل واضح ومميز في الرأسمالية والديمقراطية والمؤسسات الاجتماعية.

اليوم، مع تراجع النظام العالمي ما بعد الحرب، اليابان تمر بتغيير جوهري في سياستها الخارجية، لتعود إلى دور نشط ومستقل في السياسة العالمية لم تشهدها منذ عام 1945. مع قضائه فترة طويلة في أبحاثه عن اليابان والولايات المتحدة، يقدّم كينيث بايل تاريخاً مدروساً لعلاقة البلدين في وقت تتغير فيه طبيعة هذا التحالف. فقد بدأت اليابان تتخلص من القيود التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، مع تداعيات على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودورها في الجغرافيا السياسية الآسيوية.
يأتي الكتاب في 472 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن مطبعة جامعة هارفارد (15 أكتوبر، 2018) ويتكون من 11 فصلاً بعد مقدمة بعنوان «ألفة غير طبيعية»، والفصول هي: 1 قوتان صاعدتان. 2 سياسة الاستسلام غير المشروط. 3 قرار استخدام القنبلة الذرية. 4 ثورة أمريكية في اليابان. 5 تبعية اليابان. 6 لأجل روح اليابان. 7 تحالف غريب. 8 الرأسمالية المنافسة. 9 المجتمع الياباني غير المتقارب. 10 الديمقراطية في اليابان. 11 اليابان في شفق القرن الأمريكي.

فرض الهيمنة الأمريكية

يبدأ الكتاب مع القضية المركزية في خصومتهما، وهي الرؤى المتباينة بشكل كبير حول كيفية فرض النظام في منطقة آسيا-المحيط الهادئ. وهذه الخصومة متشابهة بطريقة ما للتنافس الصيني-الأمريكي في أوائل القرن الواحد والعشرين، فكلا البلدين أراد نظاماً إقليمياً يتطابق مع قيمه ومصالحه. بعد الحرب العالمية الأولى، أسست الولايات المتحدة نظاماً متعدد الطبقات قصير المدى بهدف احتواء الأهداف التوسعية اليابانية على حساب الصين الضعيفة والمنقسمة. هذا النظام المليء بالعيوب بقيادة الولايات المتحدة، والذي عمل على ترسيخ المبادئ الليبرالية لتقرير المصير، والتجارة الحرة (الباب المفتوح)، وتقييد الأسلحة البحرية، والأمن الجماعي، فشل في تقديم أي آلية إلزام. واليابان، كأول قوة صاعدة في آسيا ومتعارضة في قيمها مع الحضارة الغربية – قبل ظهور القوة الحالية في زمننا – سرعان ما أصبحت في حالة من التحدي مع الولايات المتحدة. فاليابان اعتبرت أنها أثبتت أن إنجازات حضارتها يمكن أن تطرد القوة الغربية، وتشكل نظاماً آسيوياً جديداً. وفي الحقيقة أثارت خصومتهما لتحديد نظامين إقليميين، نيران الأخطاء والتفسيرات الخاطئة، التي كثفها الشعور القومي المتفشي، والحقد العرقي، مما أفضى إلى أكبر صراع شهدته آسيا عبر تاريخها.
في الحرب العالمية الثانية، في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربر، شنت الولايات المتحدة حملة لتخليص العالم من الفاشية والنزعة العسكرية، ولم تكن مدفوعة فقط بالأهداف المحددة للمصلحة الوطنية، بل أيضاً بالإرادة لأجل إنشاء سلام دائم، والرئيس فرانكلين روزفلت أصر على اتباع سياسة الإخضاع غير المشروط للقوى الفاشية، لكي يمتلك مطلق الحرية في تأسيس نظام عالمي مركزه الولايات المتحدة. ولكن حكمة سياسة الاستسلام غير المشروط كما كانت مطبقة في حرب آسيا-الباسيفيك هي محل شك.
كانت الحرب العالمية الثانية هي الحرب الخارجية الوحيدة التي شنتها أمريكا لتحقيق الاستسلام غير المشروط. في كل حرب كان يتم السعي إلى مفاوضات سلام، لكن ببساطة بدلاً من أن يدفع الأمريكيون اليابانيين للعودة إلى حدودهم الأصلية، طالبوا بحقهم في إعادة تشكيل وصناعة اليابان من الجذور إلى الأغصان. وجاء تطبيق سياسة الاستسلام غير المشروط على حساب الحياة البشرية، حيث لحق بها الدمار. وقد مهدت المقاومة الأخيرة للقادة اليابانيين، الطريق أمام نهاية كارثية للحرب التي طالت، ودفعت إلى معركة أوكيناوا العنيفة، وقصف أكثر من ستين مدينة يابانية، ولجوء الأمريكيين إلى استخدام القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي.

تحالف أمريكي – ياباني

 

خلقت الولايات المتحدة مؤسسات دولية جديدة لأجل الحرب الباردة. وفي آسيا، كان هناك التحالف الياباني-الأمريكي. فاليابان كانت تابعة لنظام الحرب الباردة الأمريكي بشكل واضح. فقد أبدع يوشيدا شيغيرو، الذي شغل موقع رئيس الوزراء الياباني في المرة الأولى (1946-1947) والمرة الثانية (1948-1954)، في قبول التحالف العسكري مع الولايات المتحدة على المدى الطويل، وسمح بإنشاء القواعد الأمريكية في بلاده مقابل إنهاء الاحتلال. وهذا التحالف وضع اليابان إلى جانب الولايات المتحدة في الصراع ضد الكتلة السوفييتية، وشكّل بشكل مؤثر سياق اليابان ما بعد الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن الاحتلال انتهى بشكل رسمي في 1952، إلا أن وزير الخارجية جون فوستر دالاس وصف بشكل خاص أن التحالف، في الواقع، أشبه ما يكون باستمرار للاحتلال.
ويشير الكاتب إلى أن التحالف أصبح متناقضاً وملتوياً، مفتقداً إلى الهدف المشترك. بالنسبة للأمريكيين، أصبح وسيلة للتحكم بالسياسة الخارجية اليابانية، ضامناً أن اليابان لن تختار الحيادية في الحرب الباردة، كما تسمح بوجود القواعد العسكرية الأمريكية التي تعد حاسمة جدا في العقيدة الأمريكية للانتشار والتوسع أكثر. والقادة اليابانيون وجدوا بنجاح طرقاً للتأقلم مع خضوعهم للنظام الأمريكي في الحرب الباردة. كما صاغوا استراتيجية فريدة في السعي إلى مصالحهم الاقتصادية في الوقت الذي أذعنوا فيه بشكل سلبي للهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية. ومن خلال الاعتماد على الضمان الأمني الذي قدمته القواعد الأمريكية، وعلى المساعدة الأمريكية السخية، والتكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق، كرّس اليابانيون مصادرهم وجهودهم لبناء قوة اقتصادية استعادت لليابان الهيبة والتأثير الدوليين، في حين وجهت انخراطها النشط في صراعات الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة.

الحداثة اليابانية

 

ومن جهة أخرى يقول الكاتب إن اليابانيين دخلوا في صراع طويل لإعادة صياغة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الليبرالية المفروضة من الولايات المتحدة لكي تتلاءم مع ظروفها التاريخية وتفضيلاتها الثقافية. على الرغم من ثقة الأمريكيين بعالمية قيمهم، واعتقادهم أن التقدم سوف يدفع باليابان لتواكب نموذج المؤسسات الأمريكية، إلا أن اليابان التزمت بسياق مختلف، وصاغت طريقها الخاص إلى الحداثة. فبدلاً من تبني مبادئ الاقتصاديات الكلاسيكية وقوانين السوق الحرة والمؤسسات التي أنشأها الاحتلال، قام الاقتصاديون اليابانيون بصياغة استراتيجية اقتصادية ذكية للاستفادة من مبادئ التجارة الحرة للنظام الاقتصادي الدولي الجديد. وهذا دفعهم ليصلوا باقتصادهم إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، وأصبحت نموذجاً للدول الصاعدة اقتصادياً، وتحدياً للنموذج الاقتصادي الليبرالي، كما قادت إلى الصراعات التجارية اليابانية-الأمريكية الثنائية.
يجد الكاتب أنه رغم التدخل الأمريكي لإعادة بناء الاقتصاد السياسي والمجتمع وفقاً للقيم الغربية الليبرالية، إلا أن اليابان في الوقت نفسه احتفظت بالنظام المحلي الفريد الخاص بها، حتى إن كانت تستوعب ببطء العملية الديمقراطية. فثقل الثقافة اليابانية وتاريخها لا يمكن أن يلغى بنمط عالمي مفترض من التطور.
ويشير الكاتب إلى أنه مع بدايات القرن الواحد والعشرين، بدأ النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة في التآكل، وأن فترة الهيمنة الأمريكية الاستثنائية لليابان ما بعد الحرب أصبحت تختفي. ففي آسيا، باتت القوة في تغير متواصل بشكل لم يسبق له مثيل، إذ إنها تنتقل بسرعة إلى القوى الصاعدة الجديدة في المنطقة، فإطار القواعد والمؤسسات التي أنشئت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تشهد تحدياً من قبل الصين، لأنها أصبحت عتيقة الطراز، ولا تعكس التوزيع المتغير للقوة الدولية.
ويضيف: «النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يخضع لتغيرات أصيلة في الطرق التي يتم فيها اختبار التفوق الأمريكي في منطقة آسيا-الباسيفيك، وتخلق علاقة تبادلية أكثر وجديدة مع اليابان تكون حاسمة للاستراتيجية الأمريكية للإبقاء على قدرتها للقيادة. بالاستجابة إلى مستقبل غير محدد للنظام الإقليمي، تخضع اليابان إلى تغير عميق في سياستها الخارجية، فقادتها أعادوا تفسير دستورهم ليسمح لهم بالدفاع الجماعي، وأسسوا بنية تحتية للأمن القومي، وتبنوا سياسة خارجية استفزازية. بكلمات رئيس وزرائها القومي، شينزو آبي في 2013:«اليابان عائدة». في 2016، عندما كان شينزو آبي يحضر نفسه لزيارة مصالحة تاريخية إلى النصب التذكاري الحربي في بيرل هاربر، وذلك رداً على زيارة أوباما قبل شهور إلى هيروشيما، قال آبي: (أود أن أبيّن أن«عصر ما بعد الحرب»قد وصل إلى نهاية كاملة)».

صياغة تحالف جديد

 

على مدى الفترة الطويلة ما بعد الحرب – يرى الكاتب – أن كلاً من اليابان والولايات المتحدة اقتربا من بعضهما في نموذجهما الخاص بهما. فقد أخذت الرأسمالية التطورية لليابان طريقاً مختلفاً بشكل مميز عن رأسمالية السوق الحرة الأمريكية، لكن مع تحقيق هدفها في اللحاق بالركب، تبنت اليابان أشكالاً أكثر للاقتصادات الليبرالية. وبالطريقة ذاتها، تقدمت الديمقراطية اليابانية عبر مراحلها الخاصة، حيث إن الأشكال الديمقراطية اكتسبت تأثيراً أكبر، ولو أنها على طريقة يابانية واضحة. وأيضاً، وجد المجتمع الياباني انفتاحاً أكبر على أشكال جديدة من الفردانية من النمط الياباني.
باختصار، ببطء وعلى مراحل، تغيرت اليابان بطرق تبدو أنها تردم درجة الاختلاف بين المجتمع الأمريكي والياباني، حتى أن أمريكا نفسها تتغير. واليابان، على أي حال، تبقى اليابان. ولا تزال مسألة إذا ما كان سيحدث التقاء أكبر في المستقبل بين الجانبين غير واضحة.
ويقول في خاتمة الكتاب: «اليوم نشترك كأمريكيين مع اليابانيين بعديد الأشياء أكثر مما مضى، وبالتالي يمكن أن نأمل في تشكيل نظام عالمي جديد ومستقر يعكس قيمنا الليبرالية، ويحافظ على السلام عبر توازن حيوي للقوة. وأي تشكيل لنظام تشاركي مع شرعية سوف يتطلب استراتيجية طويلة المدى تتسم بالصبر، من شأنها أن تبدأ مع فهم الواقع الناشئ الذي يبين أن آسيا سوف تكون منطقة الحداثات المتعددة».

الكاتب في سطور:

– كينيث بايل أستاذ كرسي هنري إم جاكسون للتاريخ والدراسات الآسيوية في جامعة واشنطن، والرئيس المؤسس للمكتب الوطني للبحوث الآسيوية. وهو مؤلف ومحرّر للعديد من الكتب حول اليابان الحديثة وتاريخها، وفي إحدى الكتب اشترك في تأليفها مع مايكل أرماكوست، السفير السابق في اليابان. من عام 1978 إلى عام 1988 كان الدكتور بايل مديراً لكلية هنري م. جاكسون للدراسات الدولية في جامعة واشنطن. وقد عينه الرئيس بوش الأب لرئاسة لجنة الصداقة بين اليابان والولايات المتحدة (1992-1995)، وهي وكالة فدرالية تدير صندوقاً بقيمة 50 مليون دولار لدعم الدراسات اليابانية في الولايات المتحدة والدراسات الأمريكية في اليابان. وفي الوقت نفسه، شغل منصب الرئيس المشارك لمؤتمر الولايات المتحدة واليابان بشأن التبادل الثقافي والتربوي، وهي المنظمة الثنائية الرسمية للإشراف على العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين.
تخرج الأستاذ بايل من أكاديمية فيليبس، وأندوفر (1954)، وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية هارفارد (1958)، وشهادة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز (1965). حصل على زمالة مؤسسة فورد في المركز المشترك بين الجامعات للدراسات اليابانية في طوكيو (1961-1964). في عام 1999، قامت حكومة اليابان بتقليده بأهم وسام في الإمبراطورية، وهو وسام الشمس المشرقة، لمساهماته في المنح الدراسية والتبادل الثقافي بين البلدين.

ترجمة : نضال إبراهيم