Author: ADMIN
بقطرة دم واحدة.. اختبار جديد يكشف عن 20 نوعا من السرطان

واشنطن: قال باحثون أمريكيون، إنهم طوروا اختبار دم جديدا يمكنه الكشف عن 20 نوعا من مرض السرطان بدرجة عالية من الدقة تزيد عن 99%.
الدراسة أجراها باحثون بمعهد دانا فاربر للسرطان بالولايات المتحدة، وعرضوا نتائجها، في مؤتمر الجمعية الأوروبية لعلم الأورام الطبي، الذي يعقد في الفترة من 27 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2019، بمدينة برشلونة الإسبانية.
وأوضح الباحثون أن الاختبار الجديد يستخدم تقنية التسلسل الجيني من الجيل التالي لفحص الحمض النووي، بحثا عن علامات كيميائية صغيرة تؤثر على ما إذا كانت الجينات نشطة أو غير نشطة.
وتمت تجربة الاختبار الجديد على 3553 عينة دم، بينها 1530 عينة مأخوذة من مرضى مصابين بالسرطان، وباقي العينات مأخوذة من أشخاص لم يتم تشخيص إصابتهم بالسرطان وقت سحب الدم.
وتألفت عينات المرضى من أكثر من 20 نوعا من السرطان، بما في ذلك سرطان الثدي، القولون والمستقيم، المريء، المرارة، المعدة، الرأس والعنق، الرئة، سرطان الدم الليمفاوي، سرطان المبيض، والبنكرياس.
ونجح الاختبار في الحصول على إشارة سرطان من عينات مريض السرطان، وحدد بشكل صحيح نسيج الورم من حيث بدأ السرطان فيما يعرف بـ”نسيج المنشأ”.
وبلغت نسبة دقة الاختبار 99.4%، وهذا يعني أن 0.6% فقط من النتائج تشير بشكل غير صحيح إلى أن السرطان كان موجودا.
ووجد الباحثون أن خصوصية الاختبار، تكمن في قدرته على تحديد النتيجة الإيجابية للإصابة بالسرطان فقط عندما يكون الورم موجودا بالفعل، وهذه الخصوصية كانت عالية، وكذلك قدرته على تحديد العضو المصاب فيما يعرف بـ”نسيج المنشأ”.
ووفقا للفريق، يبحث الاختبار الجديد عن الحمض النووي، الذي تراقبه الخلايا السرطانية في مجرى الدم عندما تموت.
وعلى عكس “الخزعات السائلة”، التي تكشف عن الطفرات الوراثية أو غيرها من التعديلات المرتبطة بالسرطان في الحمض النووي، تركز التقنية الجديدة للاختبار على تعديلات الحمض النووي المعروفة باسم “مجموعات الميثيل”.
و”مجموعات الميثيل” هي وحدات كيميائية يمكن ربطها بالحمض النووي، في عملية تسمى المثيلة، للتحكم في الجينات “التي تعمل” ومثيلاتها “المتوقفة”.
وتبين أن الكشف عن الأنماط غير الطبيعية لـ”مجموعات الميثيل” تشير في كثير من الحالات إلى الإصابة بالسرطان ونوعه، بصورة أكثر دقة من من الطفرات الوراثية، وهو ما يميز الاختبار الجديد عن غيره من الاختبارات المتاحة حاليا.
وقال الدكتور جيفري أوكسنارد، قائد فريق البحث: “نتائج الاختبار تكشف أن المقايسات القائمة على “مجموعات الميثيل” تتفوق على الطرق التقليدية لتسلسل الحمض النووي، للكشف عن أشكال متعددة من السرطان في عينات الدم”.
وأضاف: “تظهر نتائج الدراسة الجديدة أن الاختبار الجديد وسيلة مجدية لفحص الأشخاص بحثاً عن السرطان واكتشافه مبكرا، وهذا يمكن المرضى من الحصول على العلاج الفعال في وقت مبكر من الإصابة”.
وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن مرض السرطان، يعد أحد أكثر مسببات الوفاة حول العالم، بنحو 13% من مجموع وفيات سكان العالم سنوياً.
وتتسبب سرطانات الرئة والمعدة والكبد والقولون والثدي وعنق الرحم في معظم الوفيات التي تحدث كل عام بسبب السرطان، وفق المنظمة. (الأناضول)
هكذا قد يعيق حسّك الإبداعي حياتك المهنية
نحن نعيش اليوم في عالم يُشيد بالإبداع ويُمجّد المُبدعين كنجوم روك صاعدين. لذلك، لن يلومك أحد عند افتراضك عدم وجود وسيلة تُساعدك على النجاح في حياتك المهنية إلا في حال امتلاكك لدرجة عالية جدا من الإبداع. على أي حال، بفضل الإبداع جعل كل من إيلون ماسك وجيف بيزوس العالم مكانا أفضل، أليس كذلك؟
لكن ذلك لا يمثل الحقيقة المطلقة. في الواقع، يلعب الإبداع دورا أقل مما نرغب الإفصاح عنه فيما يتعلق بتحديد نجاح المسار الوظيفي للأشخاص، الأمر الذي يجعلنا نعتبره في كثير من الأحيان مثل حس الفكاهة أو التواضع، وهو أمر نادر الوجود في مجال الأعمال بشكل خاص. علاوة على ذلك، ينبغي عليك التفكير في السلوكيات التي تُكافئ في مكان عملك، وتلك التي تُقابل بعقوبات حتى عندما يقع الترحيب بها على المستوى النظري.
فيما يتعلق بالمُحادثات التي تتطرق إلى مواضيع “التغاضي عن الإخفاق” و”الفشل السريع” و”التجارب الحيوية” وموضوع “التفكير غير التقليدي” النمطي، يُفضِّل مُعظم رؤساء العمل المُوظّفين الذين لا يجازفون في عملهم ويحققون نتائج مُتوقعة بطريقة يمكن التنبؤ بها دون إزعاج الآخرين أو التشكيك في وضع الشركة الراهن نظرا لأنهم ينظرون إلى الابتكار على أنه خطر.
في أحد مقالاتها التي تحظى بأهمية كُبرى في الوقت الراهن، ذكرت أُستاذة بكُلية هارفارد للأعمال تُدعى تيريزا أمابيل، منذ 20 سنة أنه على الرغم من تظاهر الشركات بدعم الإبداع، إلا أن العديد من المُمارسات الإدارية السائدة المتواجدة في عالم الأعمال تعيق الابتكار أو تمنعه فعليا. ومن بين هذه المُمارسات نجد الفشل في تعيين أشخاص في أدوار هادفة أو محفزة في جوهرها، ونقص الاستثمار في تطوير الخبرات، وعدم القدرة على التعامل مع الأشخاص الذين يقدمون أفكارا غير تقليدية أو غير عادية، على الرغم من أن هذه النقاط تعد بمثابة المُكوّنات الأساسية للإبداع.
إذا هل يمكن أن تكون مُبدعا للغاية من أجل مصلحتك الخاصة؟ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الصفات الإيجابية على غرار الذكاء العاطفي والتعاطف والطموح، تمتلك جوانب سلبية عندما تزيد عن حدها. ويتوقع المرء أن الكثير من الإبداع يعتبر بمثابة عقبة للوصول إلى طريق النجاح في الحياة المهنية، لا سيما إذا برز أو جرى التعبير عنه في بيئة تتعارض مع ذلك.
على أي حال، قد يكون هذا هو السبب وراء اختيار ليس فقط إيلون ماسك أو جيف بيزوس بل جل رجال الأعمال الناجحين، التوقف عن استخدام طرق العمل التقليدية للشركات. وفي بعض الحالات الأكثر تطرفا، على غرار ستيف جوبز أو أوبرا الذين يريان أنفسهما غير ملائمين كموظفين. وفيما يلي قائمة مرجعية بسيطة تُحدّد ما إذا كنت ستتمكن من النجاح في حال كنت أقل إبداعا، استنادا إلى العديد من النتائج التي توصل إليها العلم.
1- تشعر بالملل بسرعة في العمل ولا يمكنك التعامل بسهولة مع الأعمال المتكررة أو الروتينية
على الرغم من أنك قد تعتقد أن هذا ما يشعر به جميع الموظفين، إلا أن الأشخاص المبدعين للغاية هم من يندرجون ضمن هذه الفئة نظرا لأن معظم الموظفين يُفضّلون خبرات عمل يمكن التنبؤ بها ومألوفة وروتينية. في الواقع، تدل رغبة الأشخاص الذين يبحثون عن الخبرات والمُنفتحين على التجارب الجديدة على امتلاكهم درجة كبيرة من الإبداع. ومن الواضح أن هذه الفئة من الأشخاص ستدخل في مواجهات مع الغالبية العظمى المتواجدة في البيئة المكتبية، التي تتبنى النظام والتكرار كوسيلة للتنبؤ والمراقبة والإدارة.
2. لديك ميل لشرود بأفكارك وتُواجه مشاكل في التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة
بالنسبة لجميع الفوائد المُحتملة للوعي التام، يميل العقل الإبداعي إلى التصرف بطُرق مختلفة إلى حد ما، أي الانتقال من فكرة إلى أخرى. وفي حال وجدت نفسك في رحلة وهمية مع أفكارك خلال معظم اجتماعات العمل، أو يواجه زملائك الآخرون مشكلة في تتبع أفكارك، نظرا لكونك تنتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن تتمكن من التعبير عنها، فمن المحتمل أنك ستستفيد من تفكيرك التقليدي.
3- تحب التفكير ولكن تكره التنفيذ
في الواقع، يعتبر الابتكار بمثابة التطبيق العملي للإبداع والذي يكون دائما نتاج لعمل جماعي فعالٍ لتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات فعلية. هذا هو السبب في أن الكثير من الأشخاص المبدعين لا ينجحون أبدا في خلق شيء مبتكر. وتتمثل أحد التحديات التي تقف أمامك إذا كنت من الأشخاص الذين يحبون إنتاج الأفكار ولكن لا ينفذونها في العمل في تكوين فريق يتألف من أشخاص يمكن أن يكملوا الجانب الذي ينقص شخصيتك فيما يخص التنفيذ والمتابعة وتقديم النتائج.
ما لم تحظ بمستوى دراسي عالي وتملك شخصية مؤثرة، ولديك فريق يقف خلفك لمساعدتك في تحويل أفكارك إلى ابتكارات فعلية، ينبغي ألا تفترض أن أفكارك تمثل ثروة للمنظمة. في الواقع، لا يعد الافتقار إلى الأفكار الإبداعية هو السبب الرئيسي الكامن وراء صراع العديد من الشركات مع الابتكار، بل عدم القدرة على العمل لتحويل هذه الأفكار إلى ابتكارات فعالة، ناهيك عن أن الأشخاص الذين يمتلكون حسا إبداعيا لا يبذلون الكثير من الجهود لمواجهة هذا التحدي.
4- لديك مشاكل مع الأشخاص الأعلى رتبة منك ولا ترغب في أن يملي عليك أحد ما ينبغي عليك فعله
على غرار أي سمة أخرى مرغوب بها على الصعيد الاجتماعي، ينسجم الإبداع مع الميول السلوكية التي تعد ذات قيمة أقل. ويتمثل أحد هذه الاتجاهات هو عدم القدرة على الامتثال أو اتباع القواعد. وفي الواقع، نحن ما زلنا نشيد بالأشخاص غير الملتزمين الذين يغيرون العالم ويصبحون مصدر إلهام للكثيرين. لكن بحكم الطبيعة، تطلب أي منظمة أو نظام أو مجتمع توظيف الأشخاص الذين يتأقلمون مع المعايير ويمتثلون للقواعد التي تضعها، ما من شأنه أن يجعل المواهب المتمردة الناجحة نادرة للغاية نظرا لأنهم يمثلون استثناء للقاعدة وينجحون في تحدي الصعاب.
وتجدر الإشارة إلى أن معظم الناس الذين يتعاملون مع الأشخاص الأعلى رتبة منهم ويغضبون عندما يملي أحد عليهم ما يجب عليهم فعله، يظلون يكافحون من أجل تحقيق النجاح في حياتهم المهنية. لكن من المؤكد، حتى أكثر الأشخاص الناجحين غير الملتزمين مروا بمراحل في حياتهم أُجبروا على الامتثال للقواعد الموضوعة، وحتى أنهم وافقوا على القيام بأشياء لا يريدون فعلها.
5- لديك ميل إلى المبالغة في تقدير مواهبك
نظرا لأن جميع الأشخاص الذين يمتلكون حسّا إبداعيا يفرطون في الثقة بالنفس أو متكبرين، فلطالما كان هناك دليل على وجود علاقة إيجابية تربط بين الإبداع والميول النرجسية. فإذا ما كنت معجبا بشدّة بالأفكار التي تقدمها، فمن المحتمل أن تبدو لك أفكار الآخرين تافهة أو غبية، ناهيك عن أنك تشعر أنك لا تحصل على المديح والائتمان الذي تستحقه بسبب اقتراحك لمثل هذه الأفكار الرائعة، أو أن زملائك ورئيسك في العمل يرتكبون خطأ فادحا بتجاهلهم اقتراحاتكم.
بالطبع، قد تكون سمة الثقة مفرطة ملائمة بالنسبة لك، حيث أنها تساعدك على إقناع الآخرين أنك أفضل مما أنت عليه بالفعل. كما قلت في كتابي الأخير، هذا هو السبب في أن الكثير من الرجال غير الأكفاء يصبحون قادة لأنه من المفارقات أن عدم إدراكهم لحدود قدراتهم المهنية يمكن أن يجعل تلك الحدود بالذات غير مرئية للآخرين. ومع ذلك، ستدفع الثقة المفرطة الناس إلى الاستهانة بالمخاطر وارتكاب أخطاء كان بالإمكان تفاديها؛ وتجعلهم لا يكترثون للتعليقات ولا يتضايقون بشدة منها. من جانب آخر، عندما يدرك الآخرون أنك لست موظفا جيدا كما كنت تظن نفسك، فسيعتبرونك متعجرفًا وستصبح مكروها.
المصدر: بيزنس إنسايدر
تقدّم الرجال في السن قد يسبب مشاكل خلقية للأجنّة.. والحل: تجميد الحيوانات المنوية!

تواجه النساء في المجتمعات الشرقية ضغوطاً اجتماعية لإنجاب الأطفال قبل بلوغ سن معين، خوفاً من أن يسبب تأخر الإنجاب مشاكل وراثية للجنين، أو أن يصبح الحمل أمراً صعباً مع اقتراب المرأة من سن اليأس.
لكنَّ دراسةً جديدة خلصت إلى أنَّ ما يُسمى بـ «الساعة البيولوجية» تشكل مصدر قلقٍ للرجال أيضاً، إذ وجدت أنَّ عمر الرجل يمكن أن يؤثر على خصوبته وسلامة زوجته أثناء حملها، وعلى صحة أطفاله على المدى الطويل، مقترحةً على الرجال تجميد الحيوانات المنوية.
ويشير المشرفون على الدراسة إلى أنَّ المزيد من الرجال قد يرغبون في التفكير في حفظ حيواناتهم المنوية، حال قرروا تأخير تأسيس عائلة.
الدراسة الني نُشرَّت في دورية Maturitas راجعت السجلات الطبية للآباء المتقدمين في السن (تتراروح أعمارهم بين سن 35 إلى 45). وسلطت الدراسة الضوء على الأبحاث التي تعرض مجموعةً متنوعة من المخاطر الصحية المتزايدة التي قد تقاسيها زوجات وأبناء هؤلاء الرجال المتقدمين في السن.
عند الأمهات الحوامل، يرتبط الحمل بطفلٍ من أب متقدم في السن بارتفاع خطر الإصابة بسكري الحمل ومقدمات الارتعاج (حالة تؤدي الإصابة بها إلى ارتفاع ضغط الدم وتورم القدمين والساقين). ويبدو أنَّ عمر الأب أيضاً يزيد من خطر ولادة أطفال خِداج بأوزانٍ ضئيلة. ويبدو أنَّ احتمال تعرُّض الأطفال للإصابة بأمراضٍ مثل التوحد وانفصام الشخصية وبعض أنواع سرطانات الأطفال، يزيد لدى الأطفال الذين ينجبهم آباءٌ متقدمون في السن.
وتنطبق العديد من هذه المخاطر نفسها على الأمهات المتقدمات في السن، لكنَّ الدراسة تقول إنَّ الأطباء نادراً ما ينبهون الرجال المتقدمين في السن، الذين نادراً ما يواجهون نقداً لاذعاً من أفراد أسرهم أو المجتمع ككل أيضاً، إلى تأثُّر ساعاتهم البيولوجية بالسن.
وقالت مُعدة الدراسة غلوريا باخمان، «رغم أنَّه من المقبول على نطاق واسع أن التغيرات الفسيولوجية التي تحدث في النساء بعد سن 35 يمكن أن تؤثر على الحمل وصحة الطفل، لا يدرك معظم الرجال أنَّ تقدمهم في السن يُمكن أن يكون له تأثير مماثل».
وتشمل هذه التغيرات عند الرجال انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون (هرمون الذكورة)، وتراكم الطفرات الوراثية الضارة في خلايا الحيوانات المنوية، وانخفاض عام في عدد الحيوانات المنوية وكفاءتها.
ومثلما هو الحال مع النساء، لا يمكن لهذه التغيرات أن تؤثر على فرص نجاح الحمل والإنجاب فحسب، بل وأيضاً على صحة الأطفال. ومع توفر الخصوبة، على الأقل، تكون هذه المخاطر قائمة أيضاً حتى عندما يحاول الرجال المتقدمون في السن إنجاب أطفال من نساء تقل أعمارهن عن 25 عاماً.
لا تتطلع غلوريا وزملاؤها المشاركون في الدراسة إلى إحراج أو تثبيط الرجال الذين يرغبون في إنجاب الأطفال عندما يتقدمون في السن. لكنهم يشيرون إلى نقطة صحيحة وهي أنَّ «التباين بين التفسير المجتمعي لخصوبة الرجل والمرأة ودور كل منهما يظهر بجلاء في افتراضاتنا حول دور الجنسين والإنجاب وتنظيم الأسرة».
ويمتد هذا التباين نفسه إلى العلم، إذ أنَّ الأبحاث التي تُجرى حول الطريقة التي تؤثر بها مقومات الأب على صحة الأطفال الذي يشارك في إحضارهم إلى العالم أقل بكثير من مثيلاتها على النساء.
ويُعتبَّر هذا البحث مهماً، نظراً لأنَّ أعداد الرجال المتقدمين في السن الذين ينجبون أطفالاً ازدادت أكثر من أي وقت مضى، ويستشهد الباحثون بدراسة أظهرت أنَّ 10% من الأطفال أصبحوا يولدون لآباء تزيد أعمارهم عن 45 عاماً، مقارنة بنسبة 4% منذ أربعة عقود.
ولهذا السبب، تدعو الدراسة الجديدة، الأطباء إلى تنبيه كبار السن من الرجال وزوجاتهن إلى حقائق ومخاطر إنجاب الأطفال، مثلما ينبهون النساء اليوم.
الحل في تجميد الحيوانات المنوية؟
وأضافوا أنه مثلما تلجأ بعض النساء إلى تجميد بويضاتهن كإجراء احترازي، فينبغي على الرجال صغار السن الذين لا يتوقعون أن يكونوا آباءً في المستقبل القريب ولكن يريدون أن يحظوا بفرصة الإنجاب يوماً، أن يخططوا للمستقبل.
وقال القائمون على الدراسة، «على صعيد المجتمع، ربما ينبغي تشجيع الرجال على حفظ حيواناتهم المنوية قبل بلوغهم سن الـ 35 أو، على الأقل، قبل بلوغهم سن 45 عاماً لتقليل المخاطر المتزايدة على صحة الأم والجنين والمولود التي ثبت أنها تحدث نتيجة شيخوخة الحيوانات المنوية».
وبالطبع، قد لا تكون الحيوانات المنوية هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُفسر هذا الرابط بين الآباء المتقدمين في السن والعواقب الصحية الأسوأ التي قد تُصيب أطفالهم وزوجاتهم الحوامل. فقد تكون هناك اعتبارات أخرى، مثل نوعية العلاقات بين الرجال المتقدمون في السن وزوجاتهم أو أطفالهم (إذ يمكن للحمل الذي يصحبه التوتر، على سبيل المثال، أن يؤثر سلباً على الأم والطفل).
لكن بغض النظر عن سبب هذا الرابط، تجدر الإشارة إلى أن معظم الأطفال، حتى أولئك الذين يولدون لآباء متقدمين في السن، سيدخلون عالمنا دون أي مضاعفات صحية خطيرة.
إمبراطوريات الضعفاء

كيف كان صعود الغرب استثناءً مؤقتاً للنظام العالمي المهيمن؟ ما الذي يفسر نهوض الدولة، وإنشاء أول نظام عالمي، وهيمنة الغرب؟ تؤكد الإجابة التقليدية أن التكنولوجيا والتكتيكات والمؤسسات المتفوقة التي أقامتها المنافسة العسكرية أعطت الأوروبيين ميزة حاسمة في الحرب على الحضارات الأخرى من عام 1500م فصاعداً. يشير هذا الكتاب إلى أن الأوروبيين لم يكن لديهم في الواقع تفوق عسكري عام في أوائل العصر الحديث. لكن كيف؟
كان الأوروبيون يشعرون بالرهبة من الإمبراطوريات الشرقية العظيمة في ذلك اليوم، والتي كانت رائدة في الابتكارات العسكرية الرئيسية وكانت تقوم بالغزوات منذ فجر التاريخ. وعلى ضوء الرأي القائل بأن الأوروبيين حققوا فوزاً دائماً، يؤكد شارمان أن إمبريالية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت تطوراً عابراً وشاذّاً نسبياً في السياسة العالمية انتهت بخسائر غربية خلال تمردات مختلفة. وإذا كان للقرن الحادي والعشرين أن تهيمن عليه قوى غير غربية مثل الصين، فإن هذا يمثل عودة إلى القاعدة السائدة في العصر الحديث.
يتوقف الكتاب عند فكرة أن أوروبا حكمت العالم بسبب الهيمنة العسكرية، وأن صعود الغرب كان استثناءً في النظام العالمي السائد. يعلق الكاتب على ذلك قائلاً: «إن التوسع الأوروبي من نهاية القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر قد دفع العالم إلى إنشاء أول أنظمة سياسية واقتصادية عالمية حقيقية. وقد بدأ ذلك برحلات شبه متزامنة عبر المحيط الأطلسي إلى الأمريكتين، وجنوباً وشرقاً حول ساحل إفريقيا، عبر المحيط الهندي إلى آسيا بواسطة مستكشفين مثل كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا جاما».
ويضيف: «غالباً ما يقال إن النمو اللاحق للوجود الأوروبي عبر المحيطات كان نتيجة لقوة عسكرية متفوقة: أسلحة أفضل، ومنظمات أفضل لاستخدامها، وهي تعرف باسم أطروحة الثورة العسكرية التي تفيد أن التوسع كان في المقام الأول نتيجة للجيوش والدول التي تفوقت على المعارضين في الخارج، لأن الأوروبيين كانوا أكثر تكيفاً مع متطلبات الحرب، بعد أن نجوا وتعلموا من المنافسة الشرسة في الداخل. يعتمد ذلك على افتراض أن المنافسة تنتج منظمات أكثر كفاءة تتكيف بشكل أفضل مع بيئتها، وذلك بفضل مزيج من التعلم العقلاني والاختيار الدارويني».
تشكيك في الرواية الغربية
في هذا الكتاب، يشكك المؤلف في كل عنصر من عناصر هذه الرواية، ويقترح شرحاً بديلاً، ويشير إلى أن الأوروبيين لم يتمتعوا بأي تفوق عسكري كبير في مواجهة المعارضين غير الغربيين في بداية العصر الحديث، حتى في أوروبا. كان التوسّع بمنزلة قصة عن الاحترام والتبعية الأوروبيين، بقدر ما كانت قصة الهيمنة. بدلاً من جيوش الدولة أو قوات البحرية، كان في طليعة التوسع عصابات صغيرة من المغامرين أو الشركات المأجورة التي اعتمدت على رعاية الحلفاء المحليين. وكان من العوامل الأساسية لنجاح الأوروبيين وبقائهم وجود استراتيجية بحرية تجنبت تحدي الأولويات البرية للسياسات المحلية، وحدوث الأوبئة في الأمريكتين تسبب في كارثة سكانية. «كان أعظم الغزاة وبناة الإمبراطورية في أوائل العصر الحديث في الواقع إمبراطوريات آسيوية، من العثمانيين في الشرق الأدنى، إلى المغول في جنوب آسيا، ومينغ ومانشو تشينغ في الصين. يساعد إبداء الاهتمام الواجب لهذه القوى العظمى في تصحيح مركزية أوروبا التي غالباً ما كانت متحيزة في الدراسات السابقة، وتثير تساؤلات حول قصص السبب والنتيجة التقليدية بشأن شن الحرب وصنع القوانين». يتناقض هذا المنظور البديل مع النظرة التقليدية للتوسع الأوروبي باعتباره مجهوداً موجهاً من قِبل الدولة، ويستند إلى استخدام نفس التكتيكات والتكنولوجيا كما في الحرب بين الأوروبيين. وهو يشكك في فكرة وجود صلات قوية بين السبب والنتيجة بين الأسلحة الجديدة والتكتيكات والجيوش الكبيرة الدائمة وصعود الدولة ذات السيادة. على نطاق أوسع، فإن الحجة المطروحة هنا تتناقض وتحل محل نموذج المنافسة العسكرية التي تنتج منظمات قتالية فعالة ومتكيفة من خلال مزيج من التعلم والإقصاء».
إن أهمية العملية التي تم بها إنشاء أول نظام عالمي واضحة من نواحٍ كثيرة. فقد كانت الحضارات القديمة والمعزولة في السابق على اتصال منتظم مع بقية العالم،؛حيث كانت هناك حركة للناس والبضائع والأفكار في جميع أنحاء العالم لأول مرة، مما أدى إلى تغيير المجتمعات والبيئة عقب ذلك.
نظام خارج السيطرة
«لقد كان لدينا نظام دولي مرتبط منذ حوالي 500 عام، وهي فترة غالباً ما تُعتبر مرادفة لعصر الهيمنة الغربية. والافتراضات التي دعمت دراسة النظام الدولي والنظريات التي تم تطويرها لتفسيرها تبدأ من فرضية الهيمنة العسكرية والسياسية الغربية. ولكن في الواقع، لأكثر من نصف الوقت كان هناك نظام عالمي، لم يسيطر عليه الغرب».
«على النقيض من ذلك، فإن الدول الأوروبية كانت ضعيفة مقارنة بالقوى العظمى الآسيوية مثل إمبراطوريات المغول أو مينغ وتشينغ الصينية من حيث عدد السكان والثروات والقوة العسكرية. وحقيقة أن هذا لم يتم الاعتراف به في كثير من الأحيان يوضح مدى تشويهنا العميق للتطور التاريخي للسياسة الدولية، وله انعكاسات كبيرة على فهمنا للماضي والحاضر والمستقبل. إن التحيزات في المكان والزمان لم تبالغ في تقدير أهمية القوى الأوروبية بشكل منهجي فقط، بل قللت من أهمية تلك الموجودة في مناطق أخرى، كما أنها حددت أيضاً طريقاً حاسماً واحداً لتطوير المؤسسات العسكرية باعتبارها تشكل القاعدة التاريخية».
«تاريخ الحرب أمر حاسم باعتباره المادة الخام لتوليد واختبار العديد من نظريات العلوم الاجتماعية. والقوة العسكرية هي المحدّد النهائي في السياسة العالمية. تشكّل أطروحة الثورة العسكرية التي تقول إن الحروب المتكررة بين القوة العظمى دفعت إلى الابتكار العسكري وبناء الدولة في أوروبا، والتي أعطت هذه الدول فيما بعد ميزة تنافسية استخدمتها للسيطرة على الأنظمة السياسية غير الأوروبية، حجر الأساس للكثير من العلوم الاجتماعية ذات التوجه التاريخي. فقد قدمت لنا فهماً لصعود الدولة ذات السيادة ونظام الدولة الحديثة. ولذلك نجد العلماء يهتمون بشكل متزايد بصعود وسقوط الأنظمة الدولية».
«المقدار الذي نعتقد أننا نعرفه عن الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية هو في الحقيقة منظور ضيق أوروبي مركزي حول الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية الغربية. ولدى أوائل العصر الحديث القدرة على الإجابة عن هذا السؤال بشكل فريد».
منظور تاريخي
«من المنظور التاريخي التقليدي لعصر «كولومبوس» أو «فاسكو دا جاما» للهيمنة الأوروبية التي يقودها الجيش، فإن احتمال وجود نظام عالمي لا يهيمن عليه الغرب، أثارته المخاوف بشأن القوى الناشئة مثل اليابان، أو الصين مؤخراً والهند، لم يسبق له مثيل تاريخياً، وهو قفزة في المجهول. كما أن وضع قوى آسيوية حديثة في سياقها الصحيح من شأنه أن يجعل هذا العالم المستقبلي يبدو أقل إثارة أو غرابة؛ وربما سيكون هناك عودة إلى القاعدة التاريخية بعد فترة قصيرة نسبياً من عدم التوازن. هذه هي إحدى الطرق التي يمكن من خلالها تغيير وجهات نظرنا حول الماضي، ويمكن أن تغير وجهات نظرنا عن الحاضر والمستقبل بشكل أساسي». عند النظر إلى الطريقة التي يروي بها التاريخ نظرياتنا عن كيفية عمل السياسة الدولية عبر الزمن، يقدّم الكاتب بعض الأفكار حول العلاقة بين تخصصات التاريخ والعلوم الاجتماعية. ويرى أن الخلاصة الرئيسية هي أن المؤرخين وعلماء الاجتماع يتشاركون في آراء متشابهة في الأغلب. ويؤكد أيضاً على ما يمكن للعاملين في العلوم الاجتماعية، وخاصة العلاقات الدولية والعلوم السياسية، أن يتعلموه من أعمال المؤرخين الأخيرة حول العلاقات بين الأوروبيين والحضارات الأخرى في إفريقيا وآسيا والأمريكتين لتحل محل أطروحة الثورة العسكرية. وأي جهد لفهم موضوع ضخم مثل إنشاء وعمل النظام العالمي الحديث يتطلب اطلاعاً على رؤى التخصصات المختلفة.
يشير الكاتب إلى أنه في كل النقاش الحاصل حول ذلك، قام عدد قليل من العلماء في وقت سابق باختبار الادّعاء بأن الثورة العسكرية ترتكز على الاستعمار الأوروبي. لكن إلى أي مدى وفرت الابتكارات العسكرية الأوروبية في الفترة ما بين 1450 و 1700 للأوروبيين بالفعل ميزة في الحرب؟
أطروحة الثورة العسكرية
يقدم المؤلف في الفصول الثلاثة من العمل أدلة توضح أن أطروحة الثورة العسكرية ببساطة لا تتلاءم مع أدلة الفتوحات الإسبانية في العالم الجديد، أو حتى البرتغالية والهولندية والإنجليزية في آسيا وإفريقيا. بادئ ذي بدء، كانت أساليب الحرب التي استخدمها الأوروبيون في الخارج مختلفة تماماً تقريباً عن الأساليب التي استخدموها في بلادهم. وباستثناء حالات نادرة، لم تتناسب التكتيكات ولا الجيوش ولا المنظمات مع أطروحات الثورة العسكرية وحرب القوة العظمى في أوروبا.
يقول الكاتب: «إن إطلاق النار على أيدي الفرسان الذين أصبحوا يسيطرون على الحرب في أوروبا الغربية والوسطى لم يستخدم في أي مكان آخر. فبدلاً من الجيوش الضخمة المنتشرة في أوروبا، تم التوسع في العالم الأوسع عبر قوات لحملات صغيرة. علاوة على ذلك، في معظم الحالات، كانت هذه القوات خاصة بشكل محدّد، حيث كانت عصابات من المغامرين أو «أصحاب الشركات المأجورة». وكانت الظروف المختلفة في المواقع المختلفة تستدعي ردوداً مختلفة، مما قوض فكرة وجود طريقة أوروبية واحدة للحرب».
والأهم من ذلك، بشكل عام، لم يكن هناك تفوق عسكري أوروبي عام على الحضارات الأخرى في هذه الفترة. حقق الغزاة انتصاراتهم الأكثر شهرة في الأمريكتين بفضل مزيج من حدوث الأوبئة والحلفاء المحليين ومواد الصلب البارد، بينما الهزائم الأقل شهرة تكذب أسطورة جيوشهم التي لا تقهر. وثبّت الأوروبيون أقدامهم في إفريقيا عن طريق الحكام الأفارقة. في مناسبات نادرة، تحدى البرتغاليون وغيرهم الحكومات الإفريقية في الحرب قبل عام 1800، فقد كانوا يتعرضون للخسارة عموماً. واعتمد الأوروبيون موقفاً عاماً من الاحترام والتبعية لإمبراطوريات آسيا الأكثر قوة بشكل واضح، من بلاد فارس، إلى المغول، إلى الصين واليابان.
مرة أخرى، كان البرتغاليون، والهولنديون، والإنجليز، والروس جميعهم على الطرف الذي يتلقى الهزائم الحادة في الحالات الاستثنائية التي اشتبكوا فيها مع هذه الإمبراطوريات. أخيراً، في أوروبا وفي البحر الأبيض المتوسط، قاتل الأوروبيون للصمود في وجه العثمانيين، لكنهم شعروا بخيبة أمل ثابتة في مشاريعهم العسكرية في شمال إفريقيا.
في ختام الكتاب يقول الكاتب: «إن النظام العالمي متعدد الأقطاب هو النمط السائد عبر التاريخ أكثر مما هو استثناء. وعلى الرغم من أن التوقعات صعبة، خاصة حول المستقبل، وتحديداً لعلماء الاجتماع، لكن إذا ما أصبحت الصين والهند من أعظم القوى في القرن الواحد والعشرين، فهذا يعني بأشكال عديدة العودة إلى الوضع القائم في فترة 1700 للميلاد. الأسئلة التي نسألها، ونفشل في طرحها، حول التاريخ لا تغيّر آراءنا فقط، بل تتساءل عن مكاننا، وعما يخفيه المستقبل لنا كذلك».
الكتاب صادر عن دار «برينستون» الجامعية في فبراير/ شباط 2019 باللغة الإنجليزية ضمن 216 صفحة. ويأتي في ثلاثة أقسام ما عدا المقدمة والخاتمة.
نبذة عن الكاتب
* أستاذ العلوم الدولية في جامعة باتريك شيهي في قسم السياسة والدراسات الدولية بجامعة كامبريدج وزميل بكلية كينغز من كتبه السابقة «دليل الطاغية لإدارة الثروات والنظام الدولي في التنوع». يعيش في لندن.
المدن المستدامة.. بيان للتغير الحقيقي
تشهد المناطق الحضرية في العالم مشكلات حقيقيّة بسبب جشع الشركات، وفقدان المساحات العامة، وأزمة عدم المساواة. ويسلط هذا الكتاب الضوء على كيفية دخول المدن في ممارسات غير مستدامة ومضرة، وإمكانية فتح طرق جديدة فعلية للتغيير الحقيقي نحو مستقبل أفضل. يستكشف بول تشاتيرتون تجارب المدن التي تسخّر القوة الإبداعية الجماعية، من خلال التركيز على خمسة محاور: التعاطف والخيال والتجريب والإنتاج المشترك والتحول؛ وأربعة أنظمة مدنية هي: التنقل والطاقة والمجتمع والطبيعة.
من المعروف أن أغلبية البشر على كوكبنا تعيش في المدن، وأنه خلال السنوات القليلة القادمة سوف يمثل المجتمع الحضري نحو ثلاثة أرباع إجمالي استخدام الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويرى الكاتب أن «وراء هذه العناوين، جدول أعمال واضح ومقلق؛ وهو دعوة إلى العمل لبقاء نوعنا والحفاظ على الأنظمة البيئية التي نعتمد عليها».
ويضيف: «بالنسبة لأي شخص يتدخل في كيفية تكشف المدن في المستقبل، نجد أن هناك مجموعة كاملة من المشكلات المعقدة والمستعصية التي تتطلب اهتماماً عاجلاً مثل: مواجهة آثار تغير المناخ، والتكيف معه؛ التنوع الحيوي وحماية النظم الإيكولوجية؛ خفض الاعتماد على استخدامات الوقود الأحفوري؛ تأمين مستويات لائقة من الرخاء والرفاهية؛ معالجة حالات ظهور البطالة والفقر، وبناء المؤسسات التي تعمل على تعزيز وتمكين وضمان المساواة من حيث النتائج والإجراءات؛ معرفة كيفية تحفيز التغييرات في الممارسات الاجتماعية؛ حماية الأطفال والبالغين المستضعفين وإعادة توجيه العمل والتعليم نحو تحديات المستقبل؛ وتطوير التحولات المالية والمؤسسية والثقافية اللازمة لدعم ذلك كله».
«والمحير في هذه المسألة، أنه لا يوجد رأي متفق عليه بشأن المهمة المقبلة. ويتم تأطير التدخلات في تحديات المستقبل من خلال الطريقة التي نراها، والموجودة في العالم. فعلى سبيل المثال، تختلف وجهة نظر التحول الحضري وأولويات العمل من بنجلادش بشكل جذري عن تلك الموجودة في برادفورد، أو بوسطن. وبالنسبة إلى البعض، قد تعني تحديات الاستدامة الحضرية تجنب الموت على يد جيش الاحتلال، أو البحث عن الطعام والموارد الأساسية. بالنسبة للآخرين، قد يعني ذلك تحسين سلامة الطرق أو الحد من تلوث الهواء، أو استخدام البيانات لجعل المواصلات العامة أكثر كفاءة».
ويبرز الكتاب حقيقة أن إحدى المشاكل الرئيسية هي الطريقة التي نتناول بها الفكرة الحقيقية للاستدامة. «لقد أصبح مفهوم التنمية المستدامة مبتذلاً، بحيث بات بلا معنى. ويتعلق الأمر إلى حد كبير باستدامة الوضع الراهن من خلال سلة من الإصلاحات، وإيمان ساذج بقوة الترتيبات الاجتماعية – التقنية الجديدة. ولا يمكن تحقيق الاستدامة الحقيقية إلا من خلال تقصّ وبحث عميق وشاق، وإعادة توجيه المشروع العمراني السائد للأنواع البشرية خلال الرأسمالية المتأخرة في عصر الأنثروبوسين». (حقبة زيادة تدخل وتعاظم دور الإنسان في طبيعة الأرض مع زيادة المصانع وزيادة نسب الانبعاثات الصادرة منها).
نماذج عالمية
يشير الباحث والكاتب والناشط البروفيسور بول تشاتيرتون في مقدمته إلى العديد من المدن التي يمكن أن تقدم نماذج مستدامة، وتحقيق تغيير فعلي على أرض الواقع، يقول «في ديترويت وفيلادلفيا ونيو أورلينز، أنشأت مجموعات من الناس مجالس حضرية، وهي شبكة من الصالات للمقيمين الذين يسعون إلى التبادل الحضري. وفي ليفربول نشأت ورشة «جرانبي» من إعادة بناء الأحياء التي يقودها المجتمع المحلي وتصنع المنتجات التجريبية المصنوعة يدوياً. وفي إنديانابوليس، يأخذ الناس من أجل التقدم الحضري سلعاً غير مرغوبة، ويعيدون تدويرها لتحويلها إلى مواد تسهم في الخير العام. وفي بيركلي، تعد «هكر موم» أول فضاء للقرصنة مخصص للنساء، وهو فضاء مشترك للعمل على تقاسم الأدوات مع الصديقات المقربات، إلى جانب تبادل المعلومات ومناقشة قضايا المجتمع. وفي ليدز، يقوم «بلاي فول أني وير» باحتضان وتطوير وتصميم مشاريع تشاركية تضع الناس والتسلية في قلب المشاركة العامة والمكان. وفي مكسيكو سيتي، قام مجلس المجتمع المحلي لميرافال بتحويل شكل الساحات العامة المهجورة في الشركات المهمشة من خلال إنشاء مكتبات وغرف غداء ذات ميزانية منخفضة ومراكز صحية وترفيهية ومرافق إعادة تدوير».
ويضيف: «في دالاس، تقوم مؤسسة بتر بلوك بتطوير حلول مفتوحة المصدر لمساعدة المدن والجماعات المحلية والقادة الناشئين على إنشاء نماذج أولية سريعة في خدمة إيجاد الأماكن الإبداعية، ودعم الحياة العامة. وفي روتردام، يطور «بورفليرت» ملتقيات مؤقتة وخلاقة في المواقع المنسية ضمن المدينة، حيث يجمع الناس معاً للعمل الاجتماعي. وفي بيونس آيرس، خلق مجتمع «الكارتونيروس» (أو جامعو القمامة غير الرسميين) فرص عمل تعاونية مستقرة لأكثر المدن تهميشاً. وفي أوريجون، يشجع مشروع «مدينتك» على المشي لمعالجة الاعتماد على السيارات، وقد غطى نشطاء المجتمع المحلي المدينة بإشارات تروج لمسارات المشي وركوب الدراجات. وطورت «شبكة فانكوفر للفراغ العام» مشاريع لمعالجة الخصخصة المتزايدة في مجال الفراغ وتشجيع بدائل لها، مثل الحدائق المجتمعية والمجتمعات التي يمكن التنزه فيها، وأنشطة اللوحات الإعلانية».
«يمكن أن تستمر هذه القائمة من الأمثلة الملهمة. يحدث شيء كبير من دون أن يلاحظه أحد عبر المدن في جميع أنحاء العالم؛ فهناك عدد لا يحصى من المشاريع التي ينشئها الناس تعكس جميع مناحي وقطاعات الحياة، ولكن يواجهون خلالها العقبات. وبالرغم من الثقل الكبير لسلطة الشركات، وفقدان الحيز العام، والتسلسل الهرمي البيروقراطي، والتباينات المتأصلة، وحتى وجود الحرب والعنف، سيقوم الناس بإنشاء مشاريع تضع مؤشرات لعقود مستقبلية مختلفة جداً في المناطق الحضرية. فهم يطلقون العنان للطاقات الضخمة غير المستغلة للمدن المستدامة. قد تكون هذه الطاقات جزئية، وصغيرة الحجم وسريعة الزوال. وقد لا تحل الجهود المبذولة مشكلة الفقر أو عدم المساواة في المناطق الحضرية، أو تغير المناخ، إلا أنها تمثل كمية من الابتكار المدني، ويسعى القائمون عليها إلى تسخير الإمكانات أينما وجدوها. وهم يمتلكون فهماً سليماً وجذرياً، ونقداً لأساليب الأعمال المعتادة في التخطيط الحضري التي تدفع المدن إلى حدودها الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وهم متشككون في قدرة الإصلاحات التكنولوجية والحلول الرقمية الذكية بمفردها على إنقاذ المناطق الحضرية».
مدن بدون سيارات
يركز الكاتب في مناقشته على أربعة محاور تدور حول: المدن الخالية من السيارات، ومدن ما بعد الكربون، والمدن المدينة الحيوية، والمدينة المشتركة.
وفي الفصل الخاص بالمدن الخالية من السيارات، يستكشف الكثير من الأمثلة التي تشير إلى إطلاق نهج مختلف تماماً بخصوص التنقل، ويقول: «تزامناً مع وقف العمل بوسائط النقل التي تستخدم الوقود الأحفوري، نحتاج إلى فتح مدينة خالية من السيارات على نطاق واسع تحتوي على: ممرات للدراجات، طرق المشاة، وسائل النقل الجماعي السريع، وسهلة التوفر، وتصميم حضري للسيارات خفيفة الوزن وحياة الشوارع المتجددة. وعلاوة على ذلك، فإن الحاجة الحقيقية إلى مثل هذه الحركة الكثيفة تتطلب التقسيم والتخصيص.

وبمعزلٍ عن المركبات المزودة بالمحركات، فإن مجمل الفضاء الحضري الثمين بحاجة إلى إعادة التخصيص؛ لذلك لا يمكن فتح عقود النقل الآجلة البديلة إلا بالتزامن مع التحول في التخطيط، وتقسيم المناطق بحيث يؤدي ذلك إلى تضاؤل الحاجة إلى مجتمعٍ ضخم ومهدر؛ من الأحياء السكنية إلى مناطق العمل المركزية. وتحتاج المناطق الرئيسية إلى تقسيم، والعمل بدوره يحتاج إلى توزيع على نطاقٍ واسع، ثم المواد الغذائية، والترفيه، والبيع بالتجزئة بحاجة إلى إعادة البيع للسلع المستعملة وفصلها عن استخدام السيارات. وقد يبدو البدء بالسيارة محدوداً لكنه يشير إلى خطوات متعددة لإطلاق التغيير الحقيقي للمدن المستدامة».
ويضيف: «تعمل أنظمة المدن هذه معاً على وضع برنامج لفتح مدينة حيوية مبنية على أسس مشتركة، خالية من السيارات، وما بعد الكربون. ويعتبر هذا البرنامج خطة طموحة لكنها غير مكتملة تستكشف كيفية قيام المبتكرين بفتح المدن، بدءاً من الاعتماد على السيارات والشروع في التحول من المركبات التي تعمل على الوقود الأحفوري وصولاً إلى التمدن الخالي من الكربون، واستعادة الطبيعة الحضرية من خلال الابتعاد عن التصنيع المدمر للأنظمة البيئية، وإطلاق العنان للاقتصادات التي تلبي الحاجات المحلية للناس وتساهم في المشاركة الديمقراطية المتجددة».
مدن ما بعد الكربون
كما يتناول في الفصل الثاني، مدن ما بعد الكربون، ما بعد العصر الجيو سياسي للنفط والغاز والفحم، ويستكشف هذه الكتلة الجديدة من الطاقة الحضرية وكيفية البدء بالعمل في هذا الطريق الوعر؛ في ما يتعلق باتخاذ عمالقة الطاقة في الشركات إجراءات لضمان إزالة الكربنة بشكل جذري، وتحقيق المساواة، ويقول: «هذه ليست مجرد مرحلة انتقالية تخص التقنيات والبنية التحتية، بل هي عملية تتطلب إجراء تغيير واسع النطاق في الممارسات الاجتماعية والثقافية؛ فعملية خلق وتوفير الطاقة بحاجة إلى صياغة مجموعة مختلفة من القيم في مجتمعاتنا المملوءة بالطاقة وغير المتكافئة بشكل لا يصدق».
ويضيف على ما سبق: «ولذا فإن خفض وتقليص الطلب على الطاقة وإعادة توزيعها، وكذلك إعادة تنظيم هذه الطاقة تبقى من المواضيع الماثلة بقوة في جدول الأعمال في الوقت الذي تمهد فيه المدن الطريق أمام توفير الطاقة الخضراء لمواطنيها بأسعار معقولة».
المدن الحيوية والمشتركة
في الفصل الثالث الذي يتحدّث فيه عن المدينة الحيوية، يستكشف الكاتب إطلاق التوجهات الجديدة من خلال نهج جذري ناشئ للتعامل مع الطبيعة الحضرية، بما في ذلك استعادة الحياة البرية الحضرية، الزراعة المستدامة، حب الكائنات الحية، المحاكاة البيولوجية أو محاكاة الطبيعة، الزراعة الحضرية، المناظر الطبيعية الحضرية المنتجة باستمرار.
ويستكشف في الفصل الرابع فكرة المدينة المشتركة من خلال الابتكارات في مجال إيجاد الأماكن المجتمعية والاقتصادات والديمقراطية، معلقاً: «إن الأماكن المادية والأرض الفعلية والمناطق التي نعيش فيها ونشغلها تعطينا إحساساً بالمكان، وهي تحافظ علينا وتوفر لنا الرفاه والمأوى؛ ومع ذلك، فإن مسألة إيجاد المكان بقيت خاضعة لنظم التخطيط المجردة النافرة، والمشوهة بالسلوك البيروقراطي، وجشع الشركات وملكية الأراضي المركزة».
ويضيف: «علاوة على ذلك، فإن الاقتصادات الحضرية أصبحت، وبشكل متزايد، رهينة ل: كسب المال السريع، الاستثمار الداخلي المتقلب، هيمنة العلامات التجارية الكبرى، نظام عقود العمل الصفرية، تدني الأجور، وضعف المهارات وفرص التعليم. ومعظمها ليست موجهة نحو التحديات المقبلة، وبدلاً من ذلك تعمل وبشكل رئيسي على تغذية الاقتصادات والشركات غير المحلية عن طريق استغلال فائض القيمة من أماكنها الخاصة، وتجريد هذه الأماكن والاقتصادات من مواردها الأساسية خدمةً لاقتصادات أخرى. ولإبراز هذه النقيصة، نجد نماذج عدة من الحكومات والديمقراطيات الحضرية تتسم بعدم المساواة والتسلسل الهرمي في سلوكها بشكل كبير».
ويقول الكاتب في نهاية عمله: «على المستوى العملي، بالنسبة إلى المدن، هذه دعوة جادة لاتخاذ إجراءات جذرية، لفرض تغيير أساسي في السياسة الحضرية والمؤسسات والعمل. مدننا على مفترق طرق. وذلك يعني تحدياً للأجيال القادمة والفرص المتاحة أمامهم. لذا نحن بحاجة إلى أفكار وسياسات وإجراءات من شأنها إرساء قواعد مستقبل حضري مختلف عما هو عليه بصورة جذرية، أي تلك المبنية على المساواة والازدهار والاستدامة، وأيضاً تتصدى لحلول التحديات المعقدة المترابطة بشكل واقعي. مضيفاً: «لو تم إطلاق أي من هذه الإمكانات فعلينا أن نفكر بشكل كبير، ونعمل بهدوء، وننطلق فوراً. علينا ترتيب الأمور لمواجهة التحديات التي تعترضنا لتحقيق وتكرار هذا الإطلاق العظيم للاستدامة الحضرية الحقيقية».
كيف أنهت بكين عصر الهيمنة الغربية

تعرضت الصين للغزو والإذلال والنهب من قوى خارجية في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ لكنها اليوم تنظر إلى القرن الحادي والعشرين؛ من خلال عدسة الماضي. التاريخ له أهمية عميقة للحكام الحاليين في بكين، ويوضح هذا الكتاب الذي بين يدينا السبب؛ حيث يتناول ما يشكل رؤية الصين للعالم في القرن الراهن، ويبين طريقة الصينيين في التخلص من الهيمنة الغربية.
«القومية مهمة في الصين، وما يهم في الصين يهمّ الجميع» هكذا يرى مؤلف هذا الكتاب المعنون «خارج الصين: كيف أنهى الصينيون عصر الهيمنة الغربية؟» الوضع في الصين. ويجد أن القومية الصينية الجديدة ليست متجذرة في قوتها الحالية، ولكن في ذكريات مخجلة عن نقاط ضعفها السابقة.
يحلل روبيرت بيكرز بشكل مدروس وجذاب بشكل جيد، الحقائق، ويفصلها عن الأسطورة؛ عندما يتعلق الأمر بفهم طبيعة القومية الصينية. يعدّ كتابه معاينة بانورامية للتعبير القوي بشكل متزايد عن الهوية الوطنية للصين في القرن العشرين، ومواجهتها المؤلمة مع الإمبريالية الغربية، وكما قالت «نيويورك ريفيو أوف بوكس»: عن عمله بأنه«مدعوم بأبحاث واسعة في الأرشيف، كما أنه كُتِبَ بنثر دافئ، وغالباً لا يسعى إلى الإدانة أو الاحتفاء بالوجود الغربي في الصين. بدلاً من ذلك، إنه تذكير مهم حتى عندما يُنسى تاريخنا المشترك في الغرب، فإنه يتم تذكره كثيراً،- وفي بعض الأحيان بطريقة مثيرة للاستياء – في بكين وشنجهاي اليوم».
يعد الكتاب تاريخياً مكتوباً بشكل جميل عن تفاعلات الصين في القرن العشرين مع العالم الخارجي؛ لكن بدلاً من القصة الضيقة التي تعزز الشرعية والتي يروجها الحزب الشيوعي الصيني، يروي بيكرز حكاية أكثر تعقيداً بكثير لقوى الجذب والرفض والترابط التي حددت على الدوام تعاملاً متنوّعاً بين الصين والعالم. الروايات المفصلة لهذا الكتاب هي تصحيحات جوهرية للحكاية التي رواها الحكام الحاليون لبكين.
يأتي الكتاب في 12 فصلاً بعد قائمة الرسوم التوضيحية، وقائمة الخرائط، وقائمة الاختصارات، والمقدمة، والفصول هي: «الهدنة، صنع الثورة، الأرض الجيدة، مناقشة الأمر، الصين في العقل، القرود تركب الكلاب السلوقية، حلفاء من نفس النوع، الخبراء الأجانب، ضوء آسيا، الوحوش والشياطين، الأعمال غير المكتملة، مسكون بالتاريخ».
التخلص من الهيمنة
يتتبع بيكرز العملية الطويلة والمؤلمة في كثير من الأحيان، التي استعاد بها الصينيون سيطرتهم على بلدهم. ويصف الفاسدين، والحداثة المتوهجة في شنجهاي قبل الحرب، والرقع الصغيرة في كثير من الأحيان من الأراضي الخارجية التي تسيطر عليها القوى الأجنبية، ومؤسسات هونج كونج وماكاو، والوسائل التي لا تعد ولا تحصى من التهديدات المسلحة، والتكنولوجيا، والحيل القانونية التي كانت الصين خاضعة لها حتى، تدريجياً، خرجت من قبضة السيطرة الغربية. هذا الاستعباد التعددي والجزئي للصين هو قصة لا تشمل القوى الأوروبية واليابان فحسب؛ بل الولايات المتحدة أيضاً.
يقول الكاتب: يجب فهم هذا التاريخ المعقد ليس لأجل التكفير عن خطايا الماضي؛ بل لإدراك المناظر الدولية في الصين بكل تناقضاتها، وعنفها، و«كوزموبوليتانيتها»، وطموحاتها. إن قصة الوجود الأجنبي في الصين في القرنين التاسع عشر والعشرين مهمة للغاية؛ بحيث لا يمكن تركها في أيدي الدولة الحزبية الصينية ونصها المعتمد.
ويضيف: «الرواية المقررة لهذه القصة جزئية، وتخدم نفسها بنفسها، وهي محرضة في نهاية المطاف. إن النزعة القومية الجديدة في الصين، والتي سمعنا المتظاهرين الغاضبين مراراً وهم يطالبون بالحرب وقتل اليابانيين؛ بحيث يمكن أن تنذر باحتمالات كارثية. لكن هذه ليست مشكلة يابانية فقط، ولا توجد دولة متواطئة في تدهور الصين بعد ثلاثينات القرن التاسع عشر – والتي تشمل معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة».
تعقيدات صينية
ويوضح الكاتب موقفه في العمل: ولأن التزود بالحقائق على نحو فاعل قد يساعدنا على فهم جذور ذلك الغضب؛ لذا كان هدفي في هذا الكتاب هو إظهار ذلك العالم بكل تعقيداته وكل سياقاته، وكلمة «تعقيد» هذه ليست غطاءً خفياً للحنين إلى الماضي أو أسلوباً تبريرياً لأمر ما. كان للوجود الأجنبي في الصين خلال القرن العشرين الحصة الأكبر من التعصب الأعمى، العنصرية، العنف، الجشع، وعدم الاكتراث الفظ والوضيع. هذه المظاهر يمكن ملاحظتها بوفرة في متحف الصين الوطني.
ويشير إلى أنه «في هذا العالم أيضاً، يمكنك أن تجد التعاون، التعايش، الائتلاف، والتحالف. كما تحدثت أصوات أخرى كثيرة عن الصين ووقفت معها ضد أعدائها، وضد الجهل والإجحاف في الخارج، وفي شوارع الصين. وهذا كله لا يزال غائباً عن شاشات العرض في بكين. كان هناك أيضاً خداع الذات والغرور، فضلاً عن قلق إنساني حقيقي واهتمام فني مجرد من الهدف. لقد كان هذا عالماً تداخلت فيه ضرورات أو معايير العالم الذي تمارس فيه القوة الاستعمارية مع (وساعدت في تشكيل) أشكال جديدة من العولمة وحركة الناس والسلع والأفكار».
«لقد كان العالم الذي أدمج فيه الناس في الصين كل أنواع الابتكارات القادمة من الخارج في النواحي الحياتية العديدة، وبنفس القدر صنعت ثقافتهم الجديدة بشكل ممتزج، وغير منضبط، جميع أنواع المكونات الأجنبية والأصلية معاً. الصينيون ومن جميع الأشكال السياسية لم يعملوا مع أو ضد الممارسة غير المنصفة وغير العادلة للسلطة السياسية الأجنبية في الصين، ومعاملة الصين في المحافل والمنظمات الدولية. أما الحزب الشيوعي الصيني فلا يحتكر الفضيلة القومية، وكان هو نفسه متواطئاً في استمرار تدهور السيادة الصينية خلال خمسينات القرن العشرين».
وقال الرئيس الصيني شي جين بينج في نوفمبر 2012 في ختام زيارته للمتحف الوطني: «لقد عانت الأمة الصينية من مشقات وتضحيات غير طبيعية في تاريخ العالم الحديث». وهي أمة شعبها «لم يستسلم أبداً، ناضل بلا انقطاع، وفي النهاية قرّر مصيره».
يقول الكاتب: خطاب الرئيس الصيني هذا، ومنذ ذلك الحين، وعد ب «حلم الصين»؛ «التجديد العظيم للأمة الصينية» والطموح الفردي، على غرار آمال المغنية الصينية آي جينغ في أغنيتها «عامي 1997». إن حلم الصين يرتكز على قصة كابوسٍ صيني لا يهدأ. نحن بحاجة إلى الاعتراف بهذه الحقيقة وفهمها، ولكن ليس بالضرورة تصديقها.
احتجاجات وتظاهرات
«خلال العقود الثلاثة الماضية كانت هناك سلسلة من التظاهرات الغاضبة والاحتجاجات، والمواجهات والإدانات الشديدة التي بدت أنها تؤذن بمرحلة جديدة وحازمة في علاقات الصين مع بقية دول العالم. وقد اندلعت هذه الأحداث؛ بسبب النزاعات الإقليمية، والقصف غير المتعمّد للسفارة الصينية في صربيا عام 1999 من قبل الطائرات الحربية لحلف شمال الأطلسي، والاحتجاجات على حمل الشعلة الأولمبية بالتتابع عام 2008، والمواجهات بين الطائرات العسكرية الأمريكية والصينية، وبسبب العديد من الخلافات الأخرى.
وقد انطوت هذه الأحداث على بيانات شديدة اللهجة صادرة عن زعماء ودبلوماسيين، كذلك إجراءات احتوتها الحكومة الصينية وخططت لها بدقة. كانت هناك تظاهرات سلمية فضلاً عن هجمات عنيفة على ممتلكات أجنبية في المدن الصينية. لقد رأينا أيضاً رواجاً للجدل القومي الفج الذي يحث الصين على قول»لا«؛»مرفوض«(أو ما هو أسوأ) للحكومات الأجنبية. ولكن إلى حدٍ كبير حالات كهذه هي استجابة الناس العاديين العفوية للأحداث، وليس خطاب الدولة بالذات.
«إن عمق الشعور وقوة اللغة المستخدمة فاجأت المراقبين الأجانب باستمرار، ولكن ما أثار حيرة الكثيرين هو حقيقة الحضور الكبير لإشارات العودة إلى الماضي في كل جولة من الاحتجاجات؛ الغضب شيء، ولكن هذا الوعي التاريخي بالتأكيد هو شيء آخر. فالبعض من هذه الأحداث التي اشتعل فتيلها؛ بسبب الماضي نفسه والاعتراض عليه، وعلى محتوى الكتب اليابانية، على سبيل المثال، أو بعض السلع الصينية المنشأ التي عرضت للبيع في مجمعات المزاد العالمية«.
»تعد النزاعات والحوادث والأحداث من الأشياء المعتادة في العلاقات بين الدول، ولكن لماذا يكون التعبير عن الردود تجاه هذه الوقائع في الصين عنيفاً للغاية في كثير من الأحيان، ولماذا يتم صياغتها بشكلٍ روتينيٍ على النحو الذي هي عليه؟ لماذا الاهتمام بالماضي؟ عصر خضعت فيه الصين لغزوٍ أجنبي، عندما وقعت أجزاء من البلاد تحت سيطرة يابانية أو بريطانية كمستعمرات، عندما كانت الزوارق الحربية البريطانية والأمريكية والفرنسية تقوم بدوريات في نهر اليانغزي، وحكم اليابانيون والبريطانيون والروس والألمان أجزاء من عشرات المدن الكبرى، وقد مضى أكثر من سبعين عاماً على ذلك، أليس ذلك مجرد تاريخ، مضى وانتهى تماماً الآن؟«
القومية الجديدة في الصين
»ينبغي فهم النزعة القومية الجديدة في الصين. هذه النزعة التي تكشفت بالتزامن مع التنمية الاقتصادية التي تهز عصر البلاد، وهي إلى حدٍ كبير، نتيجة منطقية لتلك القوة الجديدة المكتسبة بمشقة. يمكننا أن نتوقع بشكلٍ معقول أن تقوم الصين القوية اقتصادياً بتأكيد ذاتها في العالم، وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يستغرق القليل من الوقت للتعود عليه، إلا أنه سيحدث.
لكننا لا نستطيع أن نفهم هذه الظاهرة بشكلٍ صحيح، أو نتعلم كيفية التعامل معها، ما لم نفهم مدى عمق جذورها ليس في قوة الصين الحالية، ولكن في ضعفها في الماضي. علماً أن هذه النزاعات قد تشكلت في سياق تاريخ البلاد الحديث وتجربتها على أيدي القوى الأجنبية منذ أربعينات القرن التاسع عشر.
«تنظر الصين إلى القرن الحادي والعشرين من خلال عدسة التاريخ؛ فهي تقدر أحداث الحاضر والتحديات التي تواجهها من خلال تلك التي جرت في القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا ما نظرنا نحن أيضاً من خلال هذه العدسة فيمكننا أن نرى مدى عمق وطرق تموضع جذور النزعة القومية الجديدة للصين في عواصم الإمبراطوريات الأجنبية، وفي مستعمراتها وغيرها من الفروع في الصين نفسها. لكن بدلاً من الاكتفاء بالاعتراف بذلك، فإن خلاف هذا الكتاب هو أنه يمكننا فهم الحاضر فقط، إذا ما فهمنا فعلاً هذا الماضي، وإذا ما عرفنا المزيد عنه. إن هذا ليس مجرد خطاب، إنه تاريخ باقٍ لا يموت!».
ولعل ما قاله صحفي في «فايننشال تايمز» عن الكتاب خير ختام لهذا الملخص: «سعى كل نظام تم تأريخه في هذا الكتاب إلى تقليد التاريخ ليخدم أغراضه، ونظام اليوم ليس استثناءً… ومع الفوارق الدقيقة في الوقت الذي تتم فيه مهاجمة الرواية القومية للحزب الشيوعي، فإن كتاب بيكرز يذكرنا بأهمية الكشف عن حقائق الماضي المتضاربة والمتناقضة».
نبذة عن الكاتب
* كاتب ومؤرخ، له العديد من المؤلفات منها: الإمبراطورية التي صنعتني: رجل إنجليزي محنك في شنجهاي (منشورات بينغوين)، والتزاحم على الصين: الشياطين الأجانب في إمبراطورية تشينغ 1832-1914 (منشورات بينغوين).
* ولد روبرت بيكرز في ويلتشير، وعاش في قواعد القوات الجوية الملكية في جميع أنحاء إنجلترا، وفي ألمانيا وهونج كونج. درس في لندن، وحصل على زمالات في أكسفورد وكامبريدج قبل أن يشغل منصباً في جامعة بريستول عام 1997؛ حيث أصبح الآن أستاذاً للتاريخ.
ترجمة: نضال إبراهيم
ناشيونال جيوغرافيك : لماذا قد يكون عام 2019 الأكثر سخونة في التاريخ؟

يحذر العلماء أنه من المتوقع أن تزداد درجة حرارة كوكبنا بشكل كبير نتيجة للتغيرات المناخية، بالإضافة لاحتمالية حدوث ظاهرة «النينو».
كتب ستيفان ليهي في مقدمة مقاله الذي نشره موقع «ناشيونال جيوغرافيك» أنه من المحتمل للغاية حدوث ظاهرة «النينو» هذا العام؛ مما سيؤدي إلى زيادة الظروف الجوية المتطرفة التي تفاقمت بالفعل بسبب التغيرات المناخية، وهذا يؤدي إلى احتمالية أن يكون عام 2019 هو العام الأكثر سخونة على مر تاريخ كوكب الأرض، كما يقول العلماء.
يروي ستيفان أنه من المحتمل بنسبة 80% أن موجة النينو قد تكونت بالفعل بشكل كامل، وأنها ستستمر حتى نهاية فبراير (شباط) 2019 على الأقل وفقًا لما ذكره مركز التنبؤات المناخية في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. ازدادت تأثيرات ظاهرة النينو في السنوات الأخير لتصبح أكثر حدة نتيجة للاحتباس الحراري، وهذه التأثيرات ستسوء أكثر وأكثر مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وفقًا لدراسة حديثة تم نشرها في مجلة
«Geophysical Research Letters».

وعن هذا الصدد تقول الدكتورة سامانثا ستيفنسون المشاركة في الدراسة، وعالمة المناخ في جامعة كاليفورنيا: «مع وجود ظاهرة النينو من الممكن للغاية أن تكون سنة 2019 هي السنة الأكثر سخونة على مر التاريخ».
لقد كانت السنوات الأكثر سخونة في تاريخنا هي السنوات الأربعة الأخيرة من 2015 إلى 2018، والسبب في ذلك هو زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري، والتي وصلت إلى مستويات قياسية وفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO). إن مناخ الأرض على مدار 406 شهرًا الأخيرة كان أكثر سخونة من متوسطات الحرارة المسجلة على مدار القرن العشرين، وهذا يعني أن من يبلغ من العمر 32 عامًا لم يشهد شهرًا من حياته درجة حرارته أقل من المتوسط.
عن ذلك تقول نائبة الأمين العام للمنظمة إيلينا مانانكوفا: «إن كل زيادة ولو بسيطة في حرارة الأرض تُحدث فارقًا في صحة الإنسان، وسهولة الحصول على الغذاء والمياه العذبة، وفي احتمالية انقراض الحيوانات والنباتات، وكذلك في قدرة الشعاب المرجانية والحياة البحرية على البقاء والاستمرار».
مخاطر الحرارة
يقول ستيفان: «إن زيادة حرارة الأرض يعني المزيد من الظروف المناخية المتطرفة الخطيرة والمدمرة، مثل موجات الحر وحرائق الغابات، والجفاف، والفيضانات، والعواصف القوية. على سبيل المثال خلال عام 2018 حدث 70 إعصارًا، وعاصفة استوائية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية مقارنة بمتوسط يبلغ 53 إعصارًا وعاصفة. وتسببت العواصف القوية غير المسبوقة بدمار في جزر ماريانا، والفلبين، وفيتنام، وكوريا، ومملكة تونغا. أما في الولايات المتحدة فقد تسبب الإعصاران: فلورنس، ومايكل، في أضرار اقتصادية هائلة وخسائر كبيرة في الأرواح، حسبما أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في بيانها السنوي».

أدت موجات الحر إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية خلال عام 2018؛ لأن الجو كان حارًا للغاية، لدرجة لا تسمح بالعمل، أو حتى الذهاب للخارج بأمان. وتسببت موجات الحر تلك في ضياع 153 مليار ساعة من العمل في العام الماضي، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2000 وفقًا لتقرير عام 2018 من مجلة «Lancet Countdown» حول الصحة والتغيرات المناخية والصادر في 28 نوفمبر (تشرين الثاني).
انتهت آخر موجة من موجات النينو في عام 2016، حيث ارتبطت بالموت الكارثي للشعاب المرجانية في الحاجز المرجاني العظيم والجفاف الشديد في أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأجزاء من المحيط الهادئ، وجنوب شرق آسيا، وحرائق الغابات في إندونيسيا وكندا. وفي حين لا يُتوقع أن تكون موجة النينو القادمة بنفس الشدة، إلا أنها يمكن أن تتسبب في ظروف مناخية خطيرة في مناطق مختلفة من العالم، كما يحذر العلماء.
تشكل ظاهرة النينو ونقيضها – ظاهرة النينا – دورة طبيعية يمكن أن تدوم من بضعة أشهر إلى عامين أو ثلاثة. وعندما تحدث أي منهما، فإن أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم يمكن أن تتأثر، حيث يكون لها آثار على المحاصيل والمجاعات واحتياجات التدفئة والتبريد في المنازل والمباني، بالإضافة إلى مخاطر الحرائق وموت الشعاب المرجانية والظروف الجوية المتطرفة. ويقول الباحثون إن تأثيرات ظاهرتي النينو والنينا قد أصبحت أكثر حدة خلال العشرين سنة الماضية بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة للاحتباس الحراري.
يقول عالم المناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا مايكل مان: «إن الاحتباس الحراري الناجم عن البشر، بالإضافة لارتفاع درجات الحرارة الطبيعية، يزيد من احتمالات أن يكون أي عام جديد تحدث فيه ظاهرة النينو هو العام الأسخن على الإطلاق في تاريخ البشرية».
شارك مايكل مان عام 2018 في تأليف دراسة تربط بين تغيّر المناخ، وموجات الجفاف والحر الأخيرة، والحرائق الهائلة، والفيضانات في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. وخلصت الدراسة إلى أن هذه الظواهر الجوية المدمرة ستزيد بنسبة 50% في المتوسط، وقد تزيد إلى 300% بسبب تغير المناخ وحده لو لم يتحرك العالم بسرعة لخفض انبعاثات الكربون الناتجة من حرق الوقود الأحفوري.
كما يشير ستيفان إلى أن عادة ما تتسبب ظاهرة النينو في هطول أمطار غزيرة على ولاية كاليفورنيا، وإذا حدث ذلك في فصل الشتاء، فقد يؤدي إلى فيضانات مفاجئة، وانهيارات طينية بعد أن قضت حرائق الغابات على 1.6 مليون فدان في هذا الخريف، حسبما تذكر الدكتورة سامانثا ستيفنسون. لقد دُمر ما يقرب من 14 ألف منزل خلال تلك الحرائق، والآن بدأت بالفعل العواصف الأولى في الموسم في حدوث الفيضانات والانهيارات الطينية.
وفي حين تجلب ظاهرة النينو الأمطار والطقس البارد إلى جنوب الولايات المتحدة، إلا أنها تجلب الحرارة والجفاف إلى أستراليا، وكذلك تتسبب في جفاف الشتاء في جنوب شرق أفريقيا وشمال البرازيل. إذ اندلعت بالفعل غابات حرائق كارثية في شرق أستراليا، إلى جانب موجة الحر التي بلغت درجات الحرارة خلالها أكثر 111 درجة فهرنهايت (44 درجة مئوية) في نهاية نوفمبر.
ومع استمرار الاحتباس الحراري من المحتمل أن تؤدي موجات النينو المستقبلية إلى حدوث ظروف جوية أكثر برودة ورطوبة في الولايات المتحدة؛ مما يزيد من مخاطر الفيضانات. وفي الوقت ذاته ستزيد موجات النينا من أخطار حرائق الغابات والجفاف في جنوب غرب الولايات المتحدة، حسبما تقول الدكتورة سامانثا.
وتضيف أنه في حين أن تأثيرات ظواهر النينو/النينا تتضخم في عالم أكثر حرارة، فإنه من غير المعروف ما إذا كان تغير المناخ سيؤثر في احتمالية حدوث هذه الظواهر، أو قوتها في المستقبل على حد قولها.
لماذا تحدث ظاهرة النينو؟
يشير الكاتب إلى أن النينو والنينا هما على التوالي المرحلتان الباردة والدافئة لدورة التردد الجنوبي – النينو (ENSO)، والتي تنظم الحرارة في المنطقة الاستوائية الشرقية للمحيط الهادئ. في الظروف المناخية الطبيعية يسود ضغط جوي مرتفع في شرق المحيط الهادئ، بينما يسود ضغط جوي منخفض في غربه، ويولد الفرق في الضغط الرياح التجارية التي تهب من الشرق إلى الغرب على سطح المحيط الهادئ الاستوائي؛ مما يدفع المياه الدافئة إلى الغرب، ثم تطفو المياه العميقة الباردة في الشرق لتحل محل المياه الدافئة

خلال موجات النينو تكون الاختلافات في الضغط أكثر وضوحًا، وتهب الرياح التجارية بقوة أكبر، وبالتالي تزداد كثافة التيارات المائية الباردة في شرق المحيط الهادئ. من ناحية أخرى يؤدي ارتفاع ضغط الهواء السطحي خلال ظاهرة النينو في غرب المحيط الهادئ وانخفاض الضغط على سواحل الأمريكتين إلى إضعاف الرياح التجارية أو تغيير اتجاهها؛ مما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المياه في شرق المحيط الهادئ.
السبب في إطلاق اسم «النينو» على هذه الظاهرة هم صيادو بيرو، وتعني المسيح الطفل (نينو تعني الطفل باللغة الإسبانية)، وذلك لأن الآثار الناتجة عن سخونة المياه السطحية في المحيط الهادئ – مثل سقوط الأمطار على الصحاري الجافة في بيرو – تظهر في فترة أعياد الميلاد.
على مدى أشهر – وأحيانًا على مدى سنوات – تتبدد الحرارة الموجودة في الطبقة السطحية من المحيط الهادئ، وترتفع المياه الأبرد إلى السطح بمساعدة التغيرات في الرياح التجارية. ويتسبب ذلك إما في العودة إلى الظروف الطبيعية، أو إلى حدوث ظاهرة النينيا (وتعني «الفتاة» باللغة الإسبانية) التي تجلب الماء البارد، والغني بالمغذيات، والذي يعتبر نعمةً للحياة البحرية؛ مما يؤدي لوجود عدد أكبر من الأسماك، وزيادة صيد الأسماك قبالة ساحل بيرو
«نيويورك تايمز»: هل حقًّا يمكنك أن تثق في معلومات «جوجل» الطبية

يقول المثل إنَّ «درهم وقايةٍ خيرٌ من دينار علاج»، وربما كان هذا هو أحد أسباب لجوء الناس إلى الإنترنت للحصول على معلوماتٍ تتعلَّق بأعراض الأمراض التي يُعانونها وعلاجاتها، فضلًا عن سرعته ومجَّانيته بالطبع.
لكنَّ الإنترنت مساحةٌ مفتوحةٌ للجميع، وليس هناك ما يمنع البعض من إضافة معلوماتهم الخاطئة إليه. وفي حالة المعلومات الطبية؛ ربما تُشكِّل تلك المعلومات خطرًا جمًا على حياتك، بحسب حيدر واريك، طبيب أمراض القلب، الذي ألقى الضوء على ذلك الخطر في مقالٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
يشير حيدر إلى قصةٍ حدثت خلال أحد صفوف اليوجا. حيث شَعَرَت سيدةٌ ما بسحبةٍ غريبةٍ في رقبتها وشعورٍ غير مألوفٍ بالنسبة لها. واقترح صديقها أن تُسرع إلى غرفة الطوارئ. فاتضح أنَّها كانت تُعاني نوبةً قلبية.
يُوضح الطبيب أنَّ حياة السيدة لم تَكُن مُتوافقةً مع الصورة النمطية لشخصٍ يُحتمل أن يُصاب بنوبةٍ قلبية. إذ كانت تُمارس الرياضة وتهتم بتغذيتها، ولا تدخن السجائر. لكن بمراجعة تاريخها الطبي، وجد حيدر أنَّ مستوى الكوليسترول لديها مُرتفعٌ للغاية. كان طبيب قد وصف لها أحد أدوية الستاتينات لخفض الكوليسترول، لكنَّها امتنعت عن تناول الدواء بسبب الأشياء المُرعبة التي قرأتها عن الستاتينات على الإنترنت. لقد كانت واحدةً من ضحايا داء المعلومات الطبية الخاطئة الذي سيتحول قريبًا إلى أحد الأوبئة المعاصرة.
في حين حظيت المعلومات الزائفة بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في السياسة، يرى حيدر أنَّ المعلومات الطبية المُضلِّلة يُمكن أن تُوقع عددًا أكبر من الضحايا. وكما هو الحال مع الأخبار الكاذبة عمومًا، تميل الأكاذيب الطبية للانتشار أكثر من الحقائق على الإنترنت، ولها تداعياتٌ شديدة الخطورة.
يُشير حيدر في هذا الصدد إلى الدراسات العديدة التي أظهرت أنَّ فوائد الستاتينات تتخطى مخاطرها بمراحل، وخاصةً بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضةً للإصابة بالأمراض القلبية. لكنَّ تلك العقاقير تتعرض للهجوم على الإنترنت بواسطة مجموعةٍ متنوعةٍ من المهووسين والأشخاص الذين يبيعون علاجاتٍ بديلة، وأولئك الذين يرغبون فقط في زيادة أعداد المشاهدات والإعجابات. وتُبالغ العديد من صفحات الإنترنت ومنشورات الشبكات الاجتماعية في عرض المخاطر النادرة، وتسليط الضوء على مزاعمَ لا أساس لها، بدايةً من التأكيد على أنَّ الستاتينات تُسبِّب السرطان، ووصولًا إلى اقتراح أنَّ الكولسترول المُنخفض هو أمرٌ سيئٌ لصحتك في الواقع. ووجدت دراسةٌ أُجريت عام 2016 أنَّ التقارير التي تقارن بين مخاطر وفوائد الستاتينات بصورةٍ مُبسَّطة ترتبط بتوقف المرضى عن تعاطي العقاقير المُخفِّضة للكولسترول، وهو الأمر المُرتبط بارتفاع نسبة الإصابة بالنوبات القلبية

ويُمكن أن تُؤدي المعلومات الطبية الكاذبة إلى تعريض المرضى لآثارٍ جانبيةٍ أكبر نتيجة «تأثير نوسيبو». إذ يوضح حيدر أنَّ المرضى يستفيدون في بعض الأحيان من التدخُّل الطبي نتيجة قناعتهم بجدواه، ويُعرف هذا بـ«تأثير البلاسيبو». أما تأثير «نوسيبو» فهو عكس ذلك. إذ يُمكن أن يُعاني المرضى تأثيرًا جانبيًا لمجرد أنَّهم يتوقَّعون ذلك. وهذا حقيقيٌ للغاية في ما يتعلَّق بالستاتينات. ففي التجارب المُعماة، لا تزيد احتمالية شعور الأشخاص الذين يتعاطون الستاتينات بآلامٍ عضليةٍ عن الأشخاص الذين يتعاطون العلاج الوهمي. لكن في التجارب السريرية، أبلغ قرابة خُمْسِ المرضى الذين يتعاطون الستاتينات عن آثارٍ جانبية قادت كثيرًا منهم للتوقف عن تعاطي العقار، وفقًا لإحدى الدراسات.
ويشير حيدر إلى عنصرٍ آخر مهم على قائمة المعلومات الطبية الكاذبة، وهو اللقاحات. إذ عُثِرَ مؤخرًا على جثة عالم أوبئةٍ في مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في الولايات المتحدة بجوار ضفة نهر في أعقاب إثارته للمخاوف بشأن لقاح الإنفلونزا، وفقًا لتقريرٍ مُضلِّلٍ انتشر انتشارًا كبيرًا. وفي الشهر الماضي، كرَّر مارك جرين، عضو الكونجرس المُنتخب حديثًا والطبيب المُقيم في ولاية تينيسي، الكذبة المُفنَّدة عن أنَّ اللقاحات يُمكن أن تُسبِّب الإصابة بالتوحُّد (وقال لاحقًا إنَّ تعليقاته «أُسيء فهمها»).
وأدَّت المخاوف الكاذبة عن أنَّ لقاح فيروس الورم الحليمي البشري يُسبِّب نوباتٍ وآثارًا جانبيةً أخرى إلى تقليل نسب التغطية في اليابان من 70% إلى أقل من 1% خلال السنوات الأخيرة. ويتعرَّض الأطباء الذين يُوفِّرون لقاح شلل الأطفال في باكستان لهجماتٍ مُتكرِّرة من المسلحين لأنَّهم يعتقدون أنَّ اللقاح مُعَدُّ لإصابة السكان المحليين بالعُقم.
ويُوضح حيدر أنَّ السرطان يُعَدُّ من الأهداف الكبرى الأخرى بالنسبة لمن ينشرون المعلومات الطبية المُضلِّلة، وكثيرٌ منهم يكسبون قوتهم من العلاجات البديلة. تقرأ في إحدى تلك التقارير الإخبارية الكاذبة التي أشار لها حيدر: «رغم أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ الأورام السرطانية سيئة، لكنَّها في الواقع الطريقة التي يُحاول بها جسدك احتواء الخلايا الضارة. فضلًا عن أنَّ التدخُّل الجراحي يزيد من خطر انتشار الخلايا الضارة. ويلزم الحذر من أنَّ الأدوية الموصوفة طبيًا تجعل الجسد حامضيًا، مما يزيد الطفرات الخلوية التي لا يُمكن التحكُّم بها».
وأشار حيدر إلى دراسةٍ أخرى أُجريت عام 2017، ووجدت أنَّ مرضى السرطان الذين يلجأون إلى علاجاتٍ بديلةٍ مثل الحمية الغذائية والأعشاب والمُكمِّلات الغذائية عوضًا عن العلاجات التقليدية تزيد احتمالية وفاتهم بنسبة 2.5%. ويرى الكاتب أنَّ الأشخاص الذين ينصحون المرضى بالعدول عن استخدام العلاجات القائمة على الأدلة أياديهم مُخضَّبةٌ بالدماء، لأنَّهم استغلوا مخاوف الناس.
ورغم سعي الأطباء والممرضين المحموم لإثناء مرضاهم عن اللجوء إلى الإنترنت من أجل الحصول على إجابات، فإنَّ المرضى مستمرون في البحث عن أعراضهم وأدويتهم على جوجل، لأنَّ الإنترنت لا يتطلَّب موعدًا مسبقًا وانتظارًا طويلًا، ولا يتعجَّل ولا يحكم عليك ولا يحتاج إلى مبلغٍ كبيرٍ من المال، فضلًا عن أنه يُقدِّم معلوماتٍ يسهُل فهمها.
ويُؤكِّد حيدر على أهمية أن تعترف شركات وادي السيليكون بهذه المشكلة، ويرى ضرورة تحميل مُحركات البحث ومنصات الشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت المسؤولية عن ترويج واستضافة المعلومات الكاذبة؛ لأنَّ صحة البشر على المحك

ويعتقد حيدر أنَّ المجتمع العلمي ينبغي له أن يؤدي دوره في تثقيف العامة بشأن المفاهيم الرئيسية في الأبحاث، مثل الفارق بين الدراسات القائمة على الملاحظة والتجارب المنضبطة العشوائية. ويضيف أيضًا أنَّ الشفافية تُعَدُّ أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على ثقة العامة، وتقارير مثل التقرير الذي نُشر عن باحثي معاهد الصحة الوطنية، الذين تواطؤوا وحصلوا على تمويل من شركة كحولياتٍ كُبرى مقابل دراسةٍ عن فوائد تناول الكحول باعتدال، تُثبِت مدى سهولة تقويض تلك الثقة.
وفي نهاية حديثه، يحُثُّ حيدر الصحفيين على تأدية وظيفتهم بطريقةٍ أفضل في ما يتعلَّق بنشر المعلومات الدقيقة. إذ تميل المواقع الإخبارية إلى تغطية الدراسات المشوقة عوضًا عن التجارب المُنضبطة المعمَّاة، لأنَّه من المستبعد أن تخرج الأخيرة بنتائجَ مفاجئة. ويُبالغ هذا النوع من التغطية في تقدير الفوائد، التي تدَّعي على سبيل المثال أنَّ الستاتينات يُمكنها أن تُعالج السرطان أو تساعد الرجال على زيادة الانتصاب، فضلًا عن أنَّها تُبالغ في التأكيد على المخاطر المُحتملة، مثل افتراض وجود رابطٍ مُضلِّلٍ بين العقار ومرض الخرف. (ورغم أنَّ عددًا قليلًا فقط من الناس ظهرت عليهم أعراض فقدان الذاكرة المُؤقت إثر تعاطي الستاتينات، لم تتوصَّل أي تجربةٍ منضبطةٍ معمَّاة إلى وجود ارتباطٍ بين العقار والإعاقات الإدراكية مثل الخرف).
لكنَّ حيدر يوضح أنَّ تقديم الحقائق الطبية ربما لا يكون كافيًا لحل تلك المشكلة. إذ يُمكن أن يؤدي تحدِّي المفاهيم الطبية الخاطئة لدى المريض إلى عنادهم وإيمانهم بصدق معتقداتهم. وليُقنع حيدر مريضته أنَّ تعاطي الستاتينات يصُبُّ في مصلحتها، شرح لها الأسباب الطبية، وقصَّ عليها قصةً شخصية: إثر إصابة والده بنوبةٍ قلبية، طلب حيدر من أطبائه منحه الستاتينات بأعلى جرعةٍ مُمكنة. وأوضح لها أنَّ الستاتينات لا تضمن عدم تعرُّضه لنوبةٍ قلبيةٍ أخرى، لكنَّه أراد أن يتمتَّع والده بأفضل حياةٍ ممكنة. وحينها فقط وافقت على أخذ الوصفة الطبية.
ويُشدِّد حيدر على أنَّ الفوز بمعركة المعلومات يتطلَّب أن يقدم الأطباء والباحثون العلم في صورة قصص. وهذا هو السبيل الوحيد لرأب الصدع بين الطب والجموع، وهو الصدع الذي يستغلُّه حاليًا تُجَّار المعلومات الطبية المُضلِّلة

















