الزواج بين «نحن» و«أنا»

الزواج بين «نحن» و«أنا»

%d8%aa%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d9%86

 

الحديث عن التحول والتغير والتطوير التنموي والاقتصادي للدولة والمجتمع أصبح حديث الساعة، الذي من المؤكد أنه سيستمر سنوات طويلة، فكل يتكلم ويبدي وجهة نظره فيه من خلال تخصصه، لنصل الحلقات ببعضها ونخرج بنتيجة تمهد لنا طريق الهدف وتختصر لنا زمن الوصول إليه.

كثرت الدراسات والنقاشات والخطط التي تصب في قوالب تشكيل مفاتيح لأبواب التطور الاقتصادي، وقلّت الدراسات والمقترحات والتدابير التي تجعل من البيئة الاجتماعية تربةً خصبةً لنبات اقتصادي وفير الثمر خال من المشكلات الاجتماعية التي قد تعوق سلامة نموه.

ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة هو إحصاءات رسمية لعقود الزواج والطلاق، يظهر منها أن حالات الانفصال الرسمي بلغت ٧ حالات طلاق مقابل ١٠ حالات زواج عام ١٤٣٥وهي في تزايد مستمر، هذا غير الانفصال غير الرسمي الذي يجمع أزواجاً داخل جدران بيت واحد بانفصال عاطفي وطلاق فكري غير رسمي!

عدم الاستقرار الأسري، بحسب النظريات الاجتماعية والنفسية، يعتبر من أكبر العوائق التي ستواجه مسيرة التنمية المجتمعية، لأن الأسرة استقرار والبيت وطن مصغر يمنحنا الأمان، ومتى اغتربت القلوب وهاجرت الأرواح فقدنا التوازن الذي سيضبط كل شيء. لذا، يجب أن نعمل أكثر على تسليط الضوء على حال الأسرة ومشكلاتها. فما هي أهم أسباب تصدع العلاقات أو كسرها؟

في دراسة بحثية – قرأتها – قام بها علماء نفس واجتماع، وجدوا أن رفيق الأحلام بالنسبة إلى الطرفين قد يكون سبباً في إحباطات واقع العلاقة، لأن ساكن الحلم غالباً ما يكون وهماً لا وجود له، وأن هناك من يمكن أن نعيش معه حياة أقرب إلى السعادة إذا لم نخضعه لاختبارات مواصفات ومقاييس صارمة نختبر فيها مدى مطابقته رفيق الخيال، أو نمضي سنوات طوالاً في محاولة تغييره وإعادة تشكيله بما يشبه فتى أو فتاة الأحلام، من دون مراعاة ميوله وحاجاته ونمط شخصيته، وبذلك نفقد التواصل ونضيع التفاهم وندور في حلقة مفرغة لا سبيل لنا إلى الخروج منها إلا بالطلاق!

الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه كثير من الشباب في وقتنا الحالي سبب رئيس في مشكلات انهيار العلاقات الزوجية، فمجتمعاتنا لا تهمل الماديات ولا تعرف البساطة في كل أمور الحياة، سواء في تكاليف الزواج أم بعدها في الطعام والملبس والأثاث والسيارة، إلى آخر تلك المظاهر المصاحبة لكثرة المناسبات الاجتماعية وكمالياتها، ما يرهق الشاب والفتاة ويجعلهما في ركض دائم للحصول عليها من دون أن يثبتا علاقاتهما العاطفية بأوتاد قوية من تفاهم وعاطفة وحب يجعل ما بينهما – باعتبارهما زوجين – أقوى مما بينهما وبين الناس.

من أسباب فشل الزواج أيضاً الاختيار الخاطئ للشريك، المبني على اعتبارات جمالية أو اجتماعية أو اقتصادية لا تهتم أبداً باختبار مدى التوافق العقلي والفكري والعاطفي بين الزوجين، ما يبني حاجزاً صلباً بين الاثنين، وبعد أن يصحو الشريكان من نشوة الزواج وفرحته يكتشفان أنهما لا يستطيعان أن يكونا سنداً لبعضهما في مشوار الحياة؛ للتباينات الكثيرة بينهما.

لحل المشكلات المتعلقة بمنظومة الزواج، والحفاظ على هيبته، لا بد أن يدرك الزوجان أهمية هذا الارتباط، وأنه أساس تقوم عليه أسر تبني مجتمعاً، وأن الكمال ليس للبشر، لذلك فلابد من بعض التنازلات في ما يمكن التضحية به من أجل استقرار يستحق.

وحدد الباحثون أربع مؤشرات لقرب انتهاء العلاقة، وهي التقليل من شأن الآخر، وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الوضع السلبي للعلاقة، ووجود جدار يمنع المشاعر من الوصول إلى الطرف الآخر، والانسحاب من حياة الآخر. وطالب العلماء بتطبيق القاعدة التي وضعتها الخبيرة الأميركية في العلاقات الزوجية جولي غوتمان «بأن كل عبارة سلبية ينطقها أحد الزوجين لا بد أن تقابلها خمس عبارات إيجابية لتزيل أثرها». لذا يجب أن نتعلم أن للقلب حقاً وللعقل حقاً فلا يطغى جانب على جانب، وأن التقدير والاحترام وتحمل المسؤولية ومراعاة الشعور أساسات من دونها كل بيت زوجي آيل للسقوط، وأن ٨٠ في المئة من المشكلات والخلافات والفتور بين الزوجين تنتهي من خلال حوارات صادقة برغبة في تخطي عثرات السقوط في بئر الانفصال، التي لا أمل في الإنقاذ منها، على أن تكون هناك ثقة متبادلة، وأن يكون الحديث بصيغة «نحن» لا «أنا»، لأن الحياة الزوجية ثنائية وليست فردية القيادة.

الشروخ والتصدعات والانهيارات الأسرية لها أسباب كثيرة لا تكفي المساحة لسردها، ولكننا نحاول أن نطرح بعضها هنا، علّنا نسهم في تسليط الضوء عليها ليكثر البحث في أسبابها وحلها لتنمية مستقبلية ناجحة.

 

 

المحلل المالي العتيبي يردُّ على مقال حمزة السالم: إما جاهل أو كاذب!

المحلل المالي العتيبي يردُّ على مقال حمزة السالم: إما جاهل أو كاذب!

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%a8%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%aa%d9%8a%d8%a8%d9%8a

ردَّ المحلل المالي خالد بن عبدالله العتيبي على مقال الاقتصادي حمزة السالم، الذي تحدث فيه عن تناقص الاحتياطات الأجنبية، مستغربًا وقوع “السالم” في خطأ عدم التفريق بين الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد والاحتياطي العام للدولة.
وقال العتيبي في تعليقه على المقال: “كيف برجل مالي، يحمل شهادة الدكتوراه، أن يرتكب هذا الخطأ؟! إما أن الدكتور حمزة السالم جاهل، ولا يعلم أنه جاهل (وهذا الجهل المركب)، وفي هذه الحالة ندعو له، أو أنه كاذب، ويختلق الأمور عمدًا؛ ليتهم مواطنًا؛ فيجب محاسبته.. ولكن في كلتا الحالتين كلامه غير صحيح”.
وتفصيلاً، يقول العتيبي في الجزء الأول من ردِّه:
“‎قرأتُ مقالة للدكتور حمزة السالم، تحدث فيها عن تناقص الاحتياطيات الأجنبية. وأود هنا أن أفيد بأنني لا أعرف الدكتور حمزة السالم، ولم أقابله، ومعرفتي به محصورة على مقابلة تلفزيونية قبل أشهر عدة، شاهدته يتحدث فيها مع مقدم البرنامج، ويقول إن مشاكل السعودية جميعها ستحل إذا حللنا مشكلة الإسكان. كما ذكر خلال المقابلة نفسها أن وزارة الإسكان ستوفر للدولة مبلغ تريليون ونصف التريليون ريال (أي ألفًا وخمسمائة مليار) إذا حصلت الوزارة، التي ذكرت المنتديات أنه كان يعمل مستشارًا لديها، على الدعم المطلوب. وحتى هذه الساعة لم نرَ هذا التريليون ونصف التريليون الذي ذكره الدكتور حمزة السالم.
‎وهذه المقدمة أحببتُ أن أذكرها قبل أن أتطرق في مقالتي هذه إلى ما ذكره الدكتور حمزة السالم في مقالته بعنوان (الحقيقة في تناقص الاحتياطيات الأجنبية). وأناقش هنا ما كتبه الدكتور حمزة السالم عن مقابلة آل الشيخ مع بلومبرغ؛ إذ ذكر الدكتور حمزة السالم أن تصريحات آل الشيخ تنقسم إلى قسمين: الأول يتناول الاحتياطيات الأجنبية، والثاني أنه كان هناك هدر مالي شديد في الدولة، وتم تداركه. وبعد أن قرأت العنوان والمقالة رجعتُ إلى مقابلة بلومبرغ مع آل الشيخ، لكنني فوجئت بأن ما ذكره الدكتور حمزة السالم لم يرد في المقالة. وقرأت مقالة بلومبرغ ما لا يقل عن خمس مرات؛ ليطمئن قلبي، ولم أجد أي إشارة إلى (الاحتياطيات الأجنبية) التي ذكرها الدكتور حمزة السالم. كما أنني بحثت عن أي إشارة إلى الهدر المالي الذي نسبه الدكتور حمزة السالم إلى آل الشيخ، ولم أجد لها أي ذكر من قِبل الوزير؛ فأثار ذلك حفيظتي، خاصة أن الدكتور حمزة السالم اتهم آل الشيخ بالكذب حين قال نصًّا (هذا القول ليس بعيدًا عن الصحة، بل عكس الحقيقة تمامًا). بعد ذلك رجعتُ إلى تقارير مؤسسة النقد التي يدعي الدكتور حمزة السالم أنه استند إليها، ولم أجد فيها ما يزعمه السالم. فما الذي حصل؟
‎أولاً: الاحتياطيات الأجنبية واتهام السالم لمحمد آل الشيخ بالكذب: كما أشرتُ سابقًا، لم يرد ذكر (احتياطيات أجنبية) في مقابلة بلومبرغ، وليس لها ذكر في تقرير مؤسسة النقد، وإنما كان آل الشيخ يتحدث عن (الإنفاق الحكومي) خلال تلك الفترة. وإذا لم يكن السالم يعرف الفارق بينهما فالمصيبة عظيمة، وإذا كان يعرف الفارق فالمصيبة أعظمُ!
‎وبالرجوع إلى تقارير صندوق النقد الدولي بخصوص مشاورات المادة الرابعة الصادرة في سبتمبر 2015، تحديدًا جدول رقم 2 بالصفحة الأربعين، كان صندوق النقد بناء على معلومات مقدمة من وزارة المالية يتوقع أن يصل الإنفاق الحكومي إلى نحو تريليون ومائتي مليار خلال 2015، أي أن الإنفاق الشهري للحكومة نحو 100 مليار شهريًّا، وهو مبلغ قريب جدًّا من مبلغ 30 مليار دولار الذي ذكره آل الشيخ لبلومبرغ كإنفاق شهري تقريبي. كما كان العجز المتوقع حسب التقرير نفسه 427 مليار ريال لعام 2015، و328 مليار ريال لعام 2016 (أي ما مجموعه 755 مليار ريال عجز حتى نهاية عام 2016). لماذا أذكر هذه الأرقام؟ لأنه بالرجوع إلى تقرير مؤسسة النقد، وتحديدًا ملحق ٨ب، يتبيّن أن الاحتياطي العام للدولة كان يبلغ نحو 905 مليارات ريال في الربع الرابع من 2014. فلو أخذنا 905 – وهو احتياطي الدولة – وأنقصنا منه 755 – وهو العجز المتوقع – لتبقى 150 مليار ريال احتياطي للدولة في نهاية 2016. ولو لم يتم اتخاذ إجراءات للحد من الإنفاق كما ذكر آل الشيخ لنفدت احتياطيات الدولة في 2017، وهذا هو ما ذكره محمد آل الشيخ بهذا الخصوص.
‎وهنا أعود للدكتور حمزة السالم والأرقام التي استخدمها في مقالته. هناك خطأ شائع بين الناس، هو الخلط بين (الاحتياطي المالي للدولة)، وهو معلن بشكل شهري في تقرير مؤسسة النقد، و(الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد)، وهي تعلن في التقرير نفسه. حمزة السالم افترض أن آل الشيخ كان يتكلم عن الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد، بينما آل الشيخ كان يتكلم عن الاحتياطي العام للدولة. وهنا أتوقف عند هذه النقطة؛ فكيف لرجل مالي، يحمل شهادة الدكتوراه، أن يرتكب هذا الخطأ؟ إما أن الدكتور حمزة السالم جاهلٌ، ولا يعلم أنه جاهل (وهذا الجهل المركب)، وفي هذه الحالة ندعو له، أو أنه كاذب، ويختلق الأمور عمدًا؛ ليتهم مواطنًا؛ فيجب محاسبته.. ولكن في كلتا الحالتين كلامه غير صحيح.
‎ثانيًا: سأل الصحفي (كم تم إهداره؟)، وكان رد الوزير واضحًا (أفضل تقدير لي هو أنه بين 80 مليارًا إلى 100 مليار دولار سنويًّا، صرفت بكفاءة صرف متدنية). ولم يذكر أن هناك هدرًا ماليًّا أو أن هناك أي شيء آخر غير قلة كفاءة الإنفاق الحكومي.‏ وقد تطرق إلى ذلك كثير من المسؤولين، وأن عددًا من الإجراءات التي يتم اتخاذها الغرض منها رفع كفاءة الإنفاق الحكومي. ‏وأي مطّلع، ولو بشكل بسيط في هذا المجال – وأستثني هنا الدكتور حمزة السالم – يعلم أن التضخم السريع في الإنفاق يقلل من كفاءة ذلك الإنفاق. ولو ورجعنا إلى الإنفاق الحكومي فإن الميزانية المقدرة للدولة في عام 2009 كانت 510 مليارات ريال، والإنفاق الفعلي في عام 2014، أي خلال خمس سنوات كان يفوق تريليونًا ومائة مليون ريال، أي أن الزيادة في الإنفاق زادت أكثر من 100 %. وهذا ما ذكره آل الشيخ في مقابلة تلفزيونية، أُجريت معه العام الماضي.
‎وختامًا، أذكِّر القارئ الكريم بقوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.
ولنا عودة مع الجزء الثاني من مقال الدكتور حمزة السالم، وبيان ما فيه من طوام”.

 

 

 

ماهي حقيقة اختفاء ترليون ريال من خزينة الدولة 2-2)

ماهي حقيقة اختفاء ترليون ريال من خزينة الدولة 2-2)

%d8%ad%d9%85%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d9%84%d9%85

 

د.حمزة بن محمد السالم

هذا هو الجزء الثاني في اجتهادي لمحاولة بيان الحقيقة في تناقص الاحتياطيات الأجنبية بعد أن أثار موضوعها مقال استاذنا جمال خاشقي الأسبوع الماضي والذي أعاد نشر تصريحات -لم أطلع عليها من قبل – لمعالي الوزير المستشار محمد آل الشيخ في ابريل ٢٠١٦ لبلومبرغ. والذي شد انتباهي لها، كون التصريحات مخالفة للواقع وعدم منطقية أرقامها.
وكيف لا تشد انتباهي، واخبار استهلاك الاحتياطيات يرددها العالم اجمع شهرا بعد شهر، مما يؤكد -لأي فطن دون رجوع لأرقام- بأن نقص دخل النفط في الثمانية عشر شهرا الماضية، قد تم تعويضه وزيادة بالسحب من الاحتياطيات، فكيف وقد عادت الاستدانة، وأصبحت المقدرة على الحصول على الدين الأجنبي، فخرا نطير به الأعلام.
ارقام الميزانية والنقد وميزان المدفوعات هي مقياس نجاح خطط الاقتصاد وهي العلم الذي لا يخطئ ولكن لا ينفع أمرؤ علم ولا رقم ما لم يؤتى فهم معه. فهذا قياس اداءك يا وزارة الاقتصاد لا نريد عروض ملونة وارقام ملفقة. وهذا نتيجة عملك يا نزاهة.
فباختلاس نظرة خاطفة على الأرقام أدركت زبدة الواقع الخص أهمها في النقاط التالية، قبل الخوض في طريقة حسابها:

1.    بأن مقدار النقد الأجنبي، من ريع النفط ومن السحب من الاحتياطيات والاستدانة الأجنبية، الذي دخل على الحكومة في عام ٢٠١٥ وتسعة اشهر من ٢٠١٦، هو أعظم مقدار دخل على البلاد في تاريخها. فقد بلغ قرابة ١.٩ ترليون، منها ترليون إنفاق أكثر من متوسط إنفاق الأعوام الخمسة الذهبية لطفرة النفط التي جعلها معالي الوزير مرجعا لقياس النجاح والفشل.
2.   كيف لا يشد الانتباه ولو أننا انفقنا في الثمانية عشر شهرا مثل ما كنا ننفق في السنوات الذهبية، لبقى لدينا ترليون ومائة مليار ريال، بعد خصم توقعات كلفة حرب اليمن. فأين الترليون والمائة مليار.

 

 
هذا المبلغ المفقود يساوى خمسة عشر عاما من قيمة الغاء البدلات جميعها دون استثناء. أي مدة دخول الطفل السعودي الابتدائية الى تخرجه من الجامعة. الترليون الشارد يشتري اكثر من ٣٦ ألف طائرة حربية من طراز إف ١٥ ويبني عشر سدود كسد جورج ثلاثة في الصين، اعظم سد انتاج طاقة في العالم. الترليون المفقود يبني مليونا منزل للسعوديين ٢ مليون.
هل لم نعد نفرق بين المليار والترليون بعدما ضيعنا الفرق بين المليار والمليون. الترليون هو مليون مليون. والترليون هو الف مليار . والمليار هو الف مليون.
اعتقد أننا اصبحنا لا نميز المليار بلا شك، بدليل عدم تمييزها من معالي الوزير، الذي لم يميز معني نقصان الاحتياطيات ثلاثين مليارا دولار شهريا.

 

3.   كيف لا يُشد الانتباه والوزير المستشار، يشيد بحال الثمانية عشر شهرا، وقد كان معدل متوسط تناقص الاحتياطات ٣٧ مليار ريال شهريا في الثمانية عشر شهرا. رغم انه قد توقفت فيها المشاريع السابقة لإعادة التقييم، وأوقف الابتعاث، وفرضت الضرائب واستهلكت الاحتياطيات وعاد الدين الأجنبي.

 

4.   كيف لا أرفع حاجبا وقد تصاعد انهيار صافي الاستثمارات الأجنبية من غير الاحتياطيات بشكل مريع. فقد خسرنا في السنة الأخيرة ١٠٠ مليار ريال تقريبا ، بعد أن كانت تزداد بمعدل ١٠٠ مليار تقريبا، من عام ٢٠١٠ اي نهاية ٢٠١٤ . فلم  نرى نزولا بعد خسارة صندوقنا ٧٠٪ من قيمته في عامي ٢٠٠٨، ٢٠٠٩.
فهل كان خسارة ١٠٠ مليار ريال بدل ربح ١٠٠ مليار هو تغطية لتخفيف انهيار الاحتياطيات ؟ أم هو سوء إدارة للمحافظ الاستثمارية؟
فإن كان الثاني، فكيف نبيع أرامكو ثم نضع ريعها في صندوق سيادي استثماري وصنيديقنا “السيادي” الصغير الذي لدينا خسر ٣٧٪ من  قيمته في السنة الاخيرة ٧/٢٠١٥ – ٦/. ٢٠١٦ فهل تولي مدير جديد  لإدارة الاستثمارات الأجنبية سيقود صندوقنا السيادي الموعود لنخسر ثلثه كل عام فتضيع علينا أرامكو في ثلاث سنين.

 

5.   وحرب اليمن ليست السبب، فكلفتها إن بلغت فلن تبلغ حرب الخليج حسب ما ذكر المحللون. فحرب الخليج، على ضخامتها، كلفتنا نحو ٧٠ مليار ريال تقريبا، حسب تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية. وأما حرب اليمن فحسب توقعات الخبراء البريطانيين والفرنسيين لا تزيد الكلفة إلى الآن في أسوأ الأحوال عن ١٥ مليار ريال سعودي. وهذه اقل من ١ ٪  نحو 0.7٪ من النقد  الذي ثبت دخوله الخزينة السعودية. (. والمراجع لتوقعات حرب اليمن وكلفة حرب الخليج، والتفصيل سأتي بها في اخر المقال).
6.   كيف وقد كان عام ٢٠٠٩ شاهدا ودليلا على المشكلة الخطيرة التي حصلت في الثمانية عشر شهرا الماضية. فقد كان انهيار الايرادات النفطية في عام ٢٠٠٩م اعظم من انهياره في ٢٠١٥ ، ومع ذلك لم تتوقف التنمية ولم نستدين، بل سددنا جزء من دين التسعينات بل لم يشعر السعودي بالأزمة، ولم تنزل الاحتياطيات بربع المعدل الذي نزلت في الثمانية عشر شهرا الماضية.
7.   كيف لا استنكر يا معالي الوزير وقد انهار النفط ٢٠ عاما في انهيار الثمانينات والتسعينات، ولم تنزل الاحتياطيات، ولم يخسرنا انهياره مع التقشف وهدر الفساد إلا ٤٠٠ مليار ريال وهي قيمة الدين جميعه بعد طرح زيادة الاحتياطات، أي أن الانهيار كلفنا خسارة بمعدل مليار ونصف شهريا، وقد كان هناك هدر فساد. فما بالك تفخر بثمانية عشر شهرا سبب انهيار النفط خسارة ٢٥ ضعفا من خسارة عقدي الانهيار النفطي الأول.

 

8.   كيف ولو أننا فقط استدركنا الهدر الذي ذكره ال الشيخ وأدعي استدراكه، أقول فقط الهدر، كما تثبته الأرقام الرسمية التي سأوضحها لاحقا، لاستطعنا ان نواصل نفس انفاق السنوات الذهبية المباركة ودون الحاجة  لسحب ريال واحد من الاحتياطيات بل لأضفنا للاحتياطيات .
هذه الأرقام لا لعب عروض الخواجات باللصق والنسخ.
هذه الارقام تصدق سائلها ففي متونها العلم والقلم. حسابات موثقة لا تخرصا واحاديث ملفقة. فأين الريادة بل أين العوض في خبرات أجنبية لم تأت إلا بالكسل والغش. فجلاء الشك والريب يأتي في ارقام  الميزانية وفي عرض النقد إذا ما إذا ما أجتمعا و ميزان المدفوعات.
كيف تكون الثمانية عشر شهرا افضل تدبيرا من سنوات الطفرة الخمس الذهبية -التي جعلها آل الشيخ مرجعا للقياس-، والسنوات الخمس الذهبية كانت أقل تحصيلا للنقد الأجنبي والمحلي. ومع ذلك ضخت السنوات الخمس نصف ما انتهت إليه الاحتياطيات قبل أن يتم استهلاكها في الثمانية عشر عاما، والتي يفخر آل الشيخ بحسن تدبيره فيها.
سنوات خمس مباركة قامت بتسديد قرابة نصف الديون التي تراكمت في خمسة عشر عاما بسبب السنوات العجاف.

سددت هذه السنوات ضعف قيمة الدين الذي تحصل بسب كلفة حرب الخليج التي تحملتها بلادنا. سنوات خمس مباركة نهضت باقتصاد البلاد لتجعلها العصر الاقتصادي الماسي بلا منازع للعهد السعودي.
سنوات خمس أعادت بناء البنية التحتية للبلاد بعد أن اُستهلكت وقاربت قيمتها المحاسبية الصفر، ففيها شُيدت عشرات الجامعات و المستشفيات و المدن الطبية و المرافق التنموية العملاقة ، و مُدت الآلاف من الطرق و السكك الحديدية.
وشعر المواطن السعودي وكانه لن يخاف فقرا أبدا. تلك السنوات الخمس كانت فيها نهضة صاروخية بالصرف الفلكي وقد صاحبه هدر الجهل والفساد، والذي قدره ال الشيخ في تصريحاته الرسمية للعالم أمام ولي الامر، بنحو ربع الميزانية لكل عام من تلك الأعوام المباركة.

فإذا ما نظرنا، وجدنا إن ذلك الإنفاق الفلكي على نهضة البلاد ورغد عيش العباد، ومع الهدر المالي، لم يبلغ في السنة  ثلثي ما استُهلك في عام واحد بعدها.
رغم تقشف اقتصاد البلاد وفرض الضرائب على العباد و خنق القطاع الخاص و تكبيل الاقتصاد في وقت كان في أمس الحاجة للسياسة الاقتصادية التيسيرية، لمواجهة الأوضاع السياسية، ودعم اقتصاد البنية التحتية حتى نتوصل لخطة عملية تطبيقية لمواجهة  ضياع فرص النمو وإيجاد الوظائف لمئات الآف من الشباب والشابات.
مقارنة أل الشيخ لم تكن غير صحيحة فحسب بل وغير عادلة. صحيح أنه كان هناك في السنوات الخمس الذهبية هدر وفساد إداري ومالي وأخلاقي ومهني، ولعله بحجم أكبر مما قدره ال الشيخ بأنه ربع الميزانية في سنوات الطفرة الخمس أو ما قبلها.

نعم هذه مقولة حق ، والهدر جاء مع الإنفاق على المشاريع وأسبابه تقع على اختيار القيادات من المسئولين. فكيف بقيادات المسئولين الذين حملوا الأمانة التي ائتمنها عليهم ولي الامر في  الثمانية عشر شهرا، فأحدثوا هدرا مضاعفا ثلاث مرات عن هدر السنوات الذهبية، دون وجد مشاريع لتمرر الهدر خلالها.

ثم يصرح آل الشيخ أنه قد تم ضبطه الآن! فالذي تشهد الأرقام الرسمية المروعة بعكس تصريحاتك يا معالي الوزير.

وخلاصة ما شهدت به الأرقام:

1.       فإن كان الهدر معلوما في السنوات الخمس، فقد أصبح مجهولا في الثمانية عشر شهرا.

2.       وإن كان آل الشيخ قدر الهدر في تلك السنوات المباركة بربع الدخل، فإن الهدر  في الأشهر الثمانية عشر التي يتغنى بها ، تقدره الأرقام بنصف ما دخل على الخزينة السعودية، وليس ربعه فقط.

3.       وإن كان آل الشيخ قد قدر الهدر السنوي ب ٣٣٠ مليار ريال سعودي فإن الهدر المجهول السبب في الثمانية عشر شهر التي يفخر بها تقدره الأرقام الرسمية بأكثر من ترليون ريال.

 

إن كون هذه تصريحات المستشار “لكبح الإنفاق الحكومي” قد ألقيت في محفل اعلامي عالمي وفي صورة وكأنها تقرير بين يدي ولي الأمر، أمر خطير قد دفعني لمحاولة معرفة حقيقتها، لإيضاح الحقيقة لولي الأمر.

جهد سعودي لا يخرج عن إطار جهد مواطن محب لوطنه ووفي لقيادته. رغم أني والله، أحرص على أن أتجنب سماع أو تحصيل معرفة عما يجري في بلادنا. لأنه سيضيق صدري وتعجز حيلتي، ولا ينطلق لساني. فقد انهكتني التجارب، ورأيت العجائب حتى يئست.  فأينما نظرت وجدت أمورا، لا يتصور العاقل حدوثها.

فلا يسعني حينها السكوت أمانة وطنية ووفاء لبيعة ولي الأمر وحبا فطريا للوطن.

والحديث بها يحملني تبعيات مسئولية الإيضاح والتبيين. وهي تبعيات دائما ما تضر بي نفسيا واقتصاديا، واجتماعيا. وقد كبر سني وضعف بدني ورقت عظامي وضاق تحملي، ودون أي منفعة للبلاد.
ولكني لم أتصور أن أرى قط ضياع أكثر من نصف الدخل واختفاء أكثر من ترليون ريال في عام ونصف. فكيف لي أن أقدم راحة نفسي وخمولها، على ضياع موارد الوطن الحاضرة والسابقة.

فلم أقدر ان امنع نفسي هذه المرة فاختلست نظرة على الأرقام الرسمية المنشورة في احصائيات مؤسسة النقد فإذا بالذي لا يمكن تصديقه، يعرض نفسه بوضوح أمامي. فكذبت نفسي، وبذلت جهدي في ساعات طوال اسلك طرقا متنوعة ومصادر معلومات مختلفة أمني النفس بأن أجد ما ينقض الأرقام الصريحة الواضحة أمامي، إلا أني اعود لنفس النتيجة أيما طريقا سلكت أو أسلوبا تحليليا أتبعت.
وقد اجتهدت اجتهاد الناصح المحب لوطنه. واتبعت وفق اجتهادي الطريقة الموضحة لاحقا، فتوصلت  للنتيجة المرعبة التي حاولت تفاديها باتباع طرق متنوعة.
توصلت إلى نتيجة لا أستطيع صرفا لها، وهي أنه بالمقياس والمرجع -الذي استخدمه أل الشيخ في تصريحاته الرسمية العالمية في إبريل – فإن هذا المقياس يظهر بأن هناك ترليون وتسعمائة مليار ريال سعودي تقريبا قد دخلت خزينة الدولة في الثمان عشر شهرا الماضية.
وإن مما دخل على الخزينة قد اختفى نصفه، فإن هناك أكثر من ترليون ريال لا تُعرف مصارفه. والترليون ريال ضخم في حجمه وفي نسبته للإيرادات. فهو ثلاثة أضعاف ريع النفط لعام ٢٠١٥ . وهو أكثر من نصف مجموع ما دخل الخزينة من ريع نفط ومن سحب للاحتياطيات ومن الاستدانة.
ورؤية هذه الحقيقة لا تحتاج لخبير محاسبة ولا اقتصاد. فنحن لا نتحدث عن فقدان مليارات أو حتى عشرات المليارات، ليجد الإنسان مبررا هنا أو هناك، بل فقدان مئات المليارات.

وطريقة الحساب سهلة، وقد توصلت لها كحل لعائق المعلومات الشحيحة المتوفرة رسميا.

فأما بالنسبة لمصدر المعلومات فلا تكلف أحدنا إلا أن يرجع لثلاثة جداول في تقرير مؤسسة النقد: ١. جدول الأصول الاحتياطية. ٢. وجدول الإيرادات والمصروفات الفعلية السنوية للدولة و٣. جدول الدين العام، لتطلع بأرقام مجموع ما تم صرفه في تلك السنة. وبذلك نتجنب الخوض في المصروفات والعجز والفائض في جدول المالية، ففي أرقامها الشحيحة الموجزة، مكامن يسهل قلب الحقيقة فيها أو إخفائها.
٤. أما مرجع معلومات المبالغ المفقودة فمصدره تصريحات أل الشيخ وتطبيقها حسابيا.  فقد افادنا معالي الوزير المستشار في تصريحاته لبلومبرغ ، بأن الهدر كان في الأعوام الخمسة الماضية نحو من ٨٠-١٠٠ مليار دولار سنويا، أي ٣٣٠ مليار ريال. وصرح بأن الهدر قد تم القضاء عليه بجهود معاليه فيما وصفه استاذنا الخاشقجي ب «أزمة تأخر الدفعات لشركات المقاولات الكبرى» . وبما أنه تم إيقاف المشاريع والابتعاث وغيرها، ولم تستحدث مشاريع جديدة فبأشد التحفظ فإن ينبغي أن يكون الانفاق في الثمانية عشر شهر الماضية على الأقل مماثلا لمتوسط الصرف في سنوات الطفرة الخمس. وهذا يتضمن الهدر الذي كان موجودا.
لذا فعلينا طرح الهدر الذي حكم به أل الشيخ لنرى ما يمكن أن نبرر المبالغ المستهلكة من المبالغ التي دخلت على خزينة الدولة، وما عدا ذلك فهو مفقود غير معلوم مصيره . فإضافة التغيير في الاحتياطيات والدين إلى الإيرادات ينتج عنه مجموع ما دخل على الخزينة من نقود سرية أو علنية، أو اعتمادات مرحلة مجموع كل ما دخل الخزينة.

وهو نفسه يساوي مجموع ما صرف في تلك السنة حقيقة. سواء مما أعلن عنه أو لم يعلن أو كان سريا أو اعتمادات سابقة لم تصرف أو طوارئ أو أي ما يحتمل أن يخرج به المسئول بأي تبرير.
لذا دع عنك معادلات السياسة المالية التقليدية المتبعة، فهي لا تناسب سياستنا المالية البسيطة. ولا تنفعك شيئا في ظل شح المعلومات الرسمية وتجميعها لعشرات البنود في بند واحد، فتضيع ملامحها وتخفى تفاصيلها. واتبع معادلة بن سالم البسيطة التي سأضرب لها مثالا ليتضح بساطتها مع دقتها. وسأضرب مثلا ايضاحيا لمعادلة بن سالم.
فتصور لو كنت لا تدري كم صرفت الشهر الماضي وشككت بضياع بعض النقود من جيبك فأردت أن تعرف مقدار مجموع ما صرفت بالضبط، وتريد أن تعرف تقريبا مقدار مبلغ النقود الضائعة : فما عليك أن تأتي براتبك الشهري ( وهو الإيرادات ) ثم تطرح منه سداد قسط البنك أو تضيف إليه أي استدانة قمت بها (الديون). ثم تطرح أو تضيف قيمة المبلغ الذي أودعته أو سحبته من حسابك الادخاري (الاحتياطيات) . فما يبقى من الراتب أو يزيد عنه بعد ذلك فهو مجموع ما دخل عليك ذاك الشهر وهو نفسه مجموع ما صرفته في ذلك الشهر بالضبط.

لكن يبقى عليك أن تقدر قيمة كم ضاع من جيبك من مبلغ الصرف. فهنا يجب وضع مرجعا ترجع إليه لعملية التقريب بالقياس المقارن فمن المنطقي أنك ستجعل مستوى الصرف في الأشهر السابقة مرجعا لك، وتستثني من الأشهر أي مصروفات استثنائية، أي تجعل متوسط انفاق الاشهر الستة الماضية فيكون هذا المتوسط من الإنفاق الشهري هو مرجعك لمعرفة إنفاقك هذا الشهر، . ثم تقارنه بما دخل عليك من نقد فالذي ينقص هو المقدار الضائع تقريبا. ( بعد حسم الصرف الغير اعتيادي في شهر ما)
إذا فمعادلة اكتشاف مقدار الضائع من نقودك هي: (الراتب  +/- التغير في قيمة حسابك الإدخاري +/-  السداد/ الاستدانة –  متوسط مصروفاتك الاعتيادية الشهرية في  الأشهر الماضية = النقود الضائعة عليك.

 

إذا فالمعادلة لحساب مصروفات الدولة في اي عام من الأعوام هي (مجموع الإيرادات النفطية وغير النفطية التي أقفلت وزارة المالية الحسابات على ارقامها المعلنة   +/- التغير في الاحتياطيات من مؤسسة النقد +/- سداد/ استدانة من المؤسسة النقد ) = مجموع ما دخل على الخزينة السعودية = مجموع الصرف تماما.
إذا فناتج مادخل على الخزينة هو ما تم صرفه بالضبط. لأن التغيير في الاحتياطيات والتغيير في الدين يغطي أي إنفاق سري أو علني أو اكتساب لم تتضمنه الميزانية الفعلية المعلنة، أو اعتماد ولم يتم صرفه . فبهذا تجنبنا خطأ مضاعفة الحساب (دبل العد) وحللنا مشكلة عدم توفر المعلومات.
وهو أصح من أي حساب للمصروفات الحكومية، بمقدار صحة معلومات الإيرادات والدين والاحتياطيات المعلنة.
اللهم الا أن يكون قد أُنفق أو سُحب من حساب الاستثمارات الأجنبية.  وأرقام الاستثمارات الأجنبية منطقة ضبابية حمالة احتمالات، سنبيها لاحقا.
وعموما لو أخذنا بها فهي لا تزيد النتيجة إلا تأكيدا وتزيد من حجم المبالغ المفقودة. وسأتي بها في أخر المقال، ولكن تجنبتها هنا لأن آل الشيخ ذكر الاحتياطيات ولم يذكر الاستثمارات الأجنبية، ولكي لا تصبح احتمالياتها ، هي الطبل الذي يُضرب عليه للإزعاج عن رؤية الحقائق المسرودة هنا.
ولكن لا يتبين لنا قيمة الضائع مما دخل على خزينة الدولة إلا بمرجع مقارنة. وهنا علينا اتباع المرجع الذي وضعه الوزير المستشار أل الشيخ، وهو متوسط إنفاق ما دخل على خزينة الدولة في السنوات الخمس الماضية ٢٠١٠-٢٠١٤ الذي هو كذلك متوسط ما صرف فيها سنويا.

إذا فالمعادلة لاستخراج المرجع هي : “متوسط مجموع إيرادات متوسط السنوات الذهبية  ٢٠١٠- ٢٠١٤ + متوسط التغيير في الاحتياطيات + متوسط سداد الدين = متوسط المصروفات السنوية في السنوات الخمس الذهبية مع الهدر المالي) .

فنقارن متوسط الصرف السنوي مع هدره المالي بما دخل على خزينة الدولة في عام ٢٠١٥ وتسعة اشهر من ٢٠١٦ ، فما زاد فهي مبالغ ضائعة بلا شك. لأننا نقيس سنوات القمة في الانفاق على المشاريع والابتعاث مع الهدر فنقارنها  بفترة التوقف عن الانفاق والتقشف وعدم الهدر. فعلى الاقل تتماثل الاعوام في الانفاق.  فكيف أن وجدنا أن فترة الإنفاق التقشفي للعام والنصف الماضي تبلغ ١٥٠٪ من الإنفاق الذهبي، أي مرة ونصف.
ونسبة ١٥٠٪ ليست دقيقة، لأنه يجب علينا  أن نقوم بطرح قيمة الهدر المالي الذي حكم به بن الشيخ (٣٣٠ مليار ريال ) . لسببين: الأول أن وجود الإنفاق على المشاريع هو الذي أوجد فرصة الهدر. والانفاق قد توقف في ٢٠١٥- ٢٠١٦. والسبب الثاني أن آل الشيخ صرح مفتخرا بأن هذا الهدر قد ثم وقفه . فمتى طرحنا الهدر من المصروفات التي نتجت عن المعادلة السابقة سيتبقى لنا مستوى الإنفاق السنوي الذي لا هدر فيه، وعندها سنجد أن فترة الإنفاق التقشفي تبلغ ٢٥٠٪ من  متوسط الإنفاق الذهبي.

 

وثم بعد ذلك وفي عملية للتأكد،  سأخرج عن مقياس ال الشيخ واقارن مجموع ما دخل علي خزينة الدولة مع ارقام الانفاق الفعلي التي اعلنت عنها وزارة المالية ، وهذه لا تتوفر الا لنهاية عام ٢٠١٥. لأرى هل النتائج عموما متفقة مع النتيجة المتوصل إليها أم لا. وسنجد انها متفقة.
فإلى الأرقام، فلنبدأ على بركة الله :

فحسب الأرقام الفعلية للميزانيات التي تنشرها وزارة المالية،(فالمتوسط السنوي لمجموع  إيرادات الدولة الفعلية من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٤ من النفط وغير النفط بلغ ١.٠٦ ترليون اي( ١٠٦١ مليار ريال سعودي – سداد دين التسعينات  ٣٧ مليار ريال بالمتوسط السنوي  – متوسط ايداع في الاحتياطيات سنويا  ٢٤١.٧ مليار  ريال سعودي= ٧٨٣.٦ مليار سنويا معدل الصرف السنوي في السنوات الذهبية الخمسة.

 

والأرقام الفعلية التي تنشرها وزارة المالية، تنص على أن نقص دخل النفط عام ٢٠١٥  بأكثر من أربعمائة وست وستين مليار ريال سعودي. ولكن سُحِب من الاحتياطيات في نفس العام ما يقارب أربعمائة وخمسين مليار ريال سعودي كما تم استدانة مائة مليار ريال تقريبا. وهذا يعني أن مجموع ما دخل على خزينة الدولة لعام ٢٠١٥ زاد عن الترليون بمائة وخمسين مليار ريال سعودي (مجموع إيرادات الدولة الفعلية ٦١٦ مليار ريال سعودي + ٩٨ مليار استدانة + سحب من الاحتياطيات  ٤٣٥ مليار ريال سعودي = ١١٥٠ مليار عام ٢٠١٥) .

وأما عام ٢٠١٦ فلم تظهر ارقام الإيرادات الفعلية بعد عند مؤسسة النقد. (وطبعا وزارة المالية تبكي حالها في المعلومات، فهي لم تنشر عام ٢٠١٥ الى الأن، فما بالك بمعلومات شهرية. فلولا الفتات الذي نجده عند مؤسسة النقد لما وجدنا الا المعلومات من المصادر الاجنبية لنرجع اليها).

وعموما، فأسعار النفط في ٢٠١٥ و٢٠١٦ في الرسم البياني تظهر وكأنها صورة مرايا تطابقا. فقد انخفضت الاسعار في نهاية ٢٠١٥ حتى وصلت القاع بين العامين ثم عادت وارتفعت وكأنها تحاكي نزول ٢٠١٥. فإذا عرفنا أنه في الاشهر الماضية قد زاد حجم التصدير للنفط زيادة كبيرة، فهذا يعني ان حجم ايرادات النفط ينبغي ان يكون في التسعة الاشهر الأولي لعام  ٢٠١٦ اكثر من التسعة الأشهر الأولى لعام ٢٠١٥ . ولكن تحفظا، فسنفترض نفس الإيرادات ثم نضيف اليها التغيير في الاحتياطيات التي تزودنا ساما به شهريا. فهو متوفر لنهاية شهر سبتمبر. والدين معلوم قد طنطن به الاعلام حتى أسمع من في أذنه صمما. فعجبا لنا فقد أصبحنا نفخر بقدرتنا على الاستدانة. وافتخارنا بالاستدانة يحكي عن حقيقة خطورة الوضع القائم.  فليست الاستدانة مما يُفخر به.
عموما نرجع الى ما دخل على الدولة في تسعة اشهر الأولى من  ٢٠١٦

= ٤٦١ مليار ريال ايرادات نفطية وغير نفطية (قياسا على ٢٠١٥) +٢٣١ مليار ريال سحب من الاحتياطيات فعلي + ونحو ٦٥ مليار ريال الدين الذي طنطنا به = ٧٥٧ مليار ريال.

إذا، وقبل إدخال مقارنة ال الشيخ وحكمه، فإين ذهبت ثلاثمائة وستون وسبعون مليار ريال الزيادة في ٢٠١٥(١١٥٠مليار ريال –  ٧٨٠ مليار ريال  متوسط السنوات الذهبية = ٣٧٠ مليار ريال ؟؟؟  أين ذهب الفرق وقد توقف الانفاق في ٢٠١٥  وحصل ما أسماه استاذنا الخاشقجي ” «أزمة تأخر الدفعات لشركات المقاولات الكبرى» ؟  واستهلكت الاستثمارات الأجنبية؟

فكيف إن أضفنا تصريحات أل الشيخ ، بأن الهدر البالغ ٣٣٠ مليار ريال قد توقف؟ فهو يجب أن يتوقف لان الصرف على المشاريع قد توقف.  فهنا يصبح السؤال فأين ٣٣٠ مليار ريال قيمة الهدر + ٣٦٧ مليار ريال قيمة الفرق السابق . هذه نحو٧٠٠ مليار ريال  لا ندري اين ذهبت فقط في عام ٢٠١٥ .

واذا أضفنا التسعة اشهر المنصرمة في عام ٢٠١٦ فسنقارنها بتسعة اشهر من متوسط السنوات الذهبية . يعني (٧٥٧ مليار عام ٢٠١٦ – ٥٨٥ مليار ريال متوسط الانفاق في تسعة اشهر في فترة السنوات الذهبية ) فأين ١٧٢ مليار ريال.

فإذا حسبنا الهدر الذي ادعى بن الشيخ القضاء عليه فيصبح الضائع ( ٧٥٧ مليار ريال لما مضى من ٢٠١٦ وبعد القضاء على الهدر – ٣٣٧.٥ مليار ريال متوسط الانفاق في تسعة اشهر في فترة السنوات الذهبية بدون هدر). فالمفقود في التسعة أشهر الماضية ٤١٨ مليار تقريبا.
فالنتيجة المروعة هي : أنه قد دخل خزينة الدولة في ثمانية عشر عاما ما يقارب ١.٩ ترليون ريال،( ٧٠٠ مليار عام ٢٠١٥+ ٤١٨ مليار في التسعة الأشهر الماضية) لا نستطيع أن نجد تفسيرا معقولا لإنفاقها. وبالتحفظ الشديد بمقارنة بإنفاق سنوات الطفرة الذهبية الخمسة، وقلنا أن حرب اليمن قد استهلكت ١٨ مليار ريال خلال ١٥ شهر منذ بدايتها إلى ٩/٢٠١٦ ،  سنجد أنه على الاقل قد شرد ٧٠٠ مليار عام ٢٠١٥ + ٤١٨ مليار عام  ٢٠١٦  – ١٨ مليار ريال حرب اليمن = آلف ومائة مليار ريال قد شردت في ثمانية عشر شهرا، فتاهت عن سجلات مؤسسة النقد.
وهو مبلغ عظيم في حجمه وفي نسبته لدخل الدولة فالضائع أكثر من نصف مجموع ما دخل على الدولة.

 

وأما التأكد من وجد الخلل، خارج هذه السنوات،  فلننظر في عام ٢٠٠٩م ، فهو آنسب الاعوام لان فيه اعظم نكسة في دخل النفط. فقد نقص دخل النفط  ١١٨٪  نسبة لنقصان ٢٠١٥م أي نقص بمقدار ٨٢ مليار ريال أكثر من نقصانه عام ٢٠١٥. فقد بلغ النقص في عام ٢٠٠٩ مبلغ ٥٤٩  مليار حسب سجلات المالية ، بينما بلغ نقص دخل النفط ٤٦٧ مليار ريال في ٢٠١٥ . ومع ذلك لم تنقص الاحتياطيات في ٢٠٠٩ إلا بنسبة ٢٨٪ مما نقصت في ٢٠١٥.  أي ١٣١ مليار ريال نقصان في الاحتياطيات عام ٢٠٠٩ مقابل ٤٣٥ مليار ريال نقصان الاحتياطيات في ٢٠١٥ . بالإضافه أنه قد سُدد في ٢٠٠٩ مع ذلك من الدين نحو عشر مليارات ريال، بينما استدنا عشر اضعاف ذلك في ٢٠١٥ ، و استهلكنا أربع اضعاف ما استهلكه انهيار دخل النفط  ٢٠٠٩ .
والخلاصة من نظرتنا لعام ٢٠٠٩  :

المشاهدة:   نقصان دخل النفط في ٢٠١٥ كان أقل اقل من نقصان  ٢٠٠٩ .

الإجراء الذي حصل : أن جميع نقصان دخل النفط في عام ٢٠١٥ عن سنوات طفرة النفط، قدم تم تعويضه من الاحتياطيات والاستدانة . بينما لم يعوض إلا أقل من ٢٠٪ من النقصان الذي حصل عام ٢٠٠٩.
الأثر: سبب انهيار النفط في  ٢٠١٥  شللا شبه تام  على البلاد والعباد رغم تعويضه بالسحب من الاحتياطيات، بينما لم يغير ذلك شيئا على الانفاق في ٢٠٠٩.

 

. النتيجة  : ان عام ٢٠١٥ كان أكبر الأعوام على الإطلاق في الدخل الحكومي، ولكن كان الأضعف والأقل انفاقا على الإطلاق. والتسعة اشهر المنصرمة قريبة من نفس الحكم على عام ٢٠١٥ .
ومقارنة أخرى بعكس عام ٢٠٠٩ . فلم  يحدث قط أن يصل ما دخل حقيقة لخزينة الدولة إلى حد ما تم انفاقه  في عام ٢٠١٥ في أي ميزانية أبدا.
فأكبر إيرادات نفطية دخلت على الحكومة، كانت في الأعوام  ٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣. حيث انها تجاوزت الترليون بمائة وبمائتي مليار ريال في كل سنة. ولكن قد تم تحويل ثلثها للاحتياطيات وسداد دين التسعينات. مما يجعل الدخل الفعلي على الخزينة لأي سنة من سنوات طفرة النفط  لا يتجاوز ٦٨٪ من دخل عام ٢٠١٥. فمثلا عام ٢٠١٢ يمثل اعظم سنة في إيرادات النفط. (فقد بلغ مجموع الإيرادات النفطية والغير نفطية ١.٢٥ ترليون ريال اطرح منها  ٥١.٦ مليار ريال سداد دين التسعينات ثم اطرح  ٤٢٢ مليار ريال قد استودع في  الاحتياطيات، مما يبقى فقط ٧٧٣.٦ مليار ريال لصرف عام ٢٠١٢ أعظم عام في الإيرادات. فإذا قارنتها بعام ٢٠١٥
(مجموع إيرادات الدولة النفطية والغير نفطية ٦١٦ مليار ريال سعودي + ٩٨ مليار استدانة + سحب من الاحتياطيات  ٤٣٥ مليار ريال سعودي = ١.١٤٩ ترليون ريال سعودي دخل فعلي لعام ٢٠١٥).
ولو قارنا طريقتنا السابقة في تحديد ما دخل على خزينة الدولة ثم طرحناه من الأرقام الفعلية للمصروفات للأعوام ٢٠١٠ -٢٠١٥لوجدنا أن هناك فائضا عن المصروفات  في الدخل بأكثر من مائة مليار في كل سنة  من سنوات الطفرة الذهبية بينما نجد عجزا بأكثر من ١٧٠ مليار عن المصروفات الفعلية التي أعلنتها وزارة المالية لعام ٢٠١٥ م.
فلا شك أن الأرقام كافية بإعطاء صورة مروعة، قد وصلت حدا من الضخامة، يبتلع أي مصرف أو متسرب للأموال يمكن أن يُتعذر به.
فكيف إن أضفنا إلى ذلك أننا نعرف أن سنوات الطفرة قد أتت الاقتصاد السعودي بعد استهلاكه ٢٠ عاما في السنوات العجاف. فقيمة بنية اقتصادنا التحتية محاسبيا كانت  تساوي صفرا تقريبا عام ٢٠٠٥ ، لأنها قد اُستُهلِكت في سنوات انهيار النفط في العقدين السابقة. فحصل التوسع في الإنفاق لتعويض العقدين العجاف، وتُوسِع في البناء والمشاريع وجاء معه هدر الفساد حصاد عقوبة الجهل وأثر المحاباة و دفعت البلاد  كلفة الترزيز لغير المؤهلين في المناصب واللجان.

 

فأين الهدر المالي الذي ذكره معالي الوزير المستشار محمد أل الشيخ، وأدعى انه ضبطه. فأي الهدرين أعظم وأخطر و أكثر غموضا. هدر مشاريع سنوات طفرة النفط ام الهدر الغامض للثمانية عشر شهرا التي بعدها والتي يفتخر آل الشيخ بانه قد ضبط الهدر الان، بل وأنه قد انقذ البلاد من انكسار وانكشاف كامل بعد ثلاثة اشهر من الان. فحسب قوله في بلومبرغ: ” Saudi Arabia would have gone “completely broke” within just two years, by early 2017, Al-Sheikh says.” لولا أنه استدرك الهدر.
بل الصحيح انه لو استدرك الهدر دون فقط المساس بالمشاريع التنموية وعدم ايقاف الابتعاث ولم توضع ضرائب ولم يشعر الناس بأي تقشف ، لما لجأنا لسحب ريال واحد من الاحتياطيات بل لأضفنا للاحتياطيات ، فقط لو كان استدراك الهدر صحيحا.الفمتوسط الانفاق في السنوات الذهبية بعد طرح الهدر منه يبلغ تقريبا ٤٥٠ مليار سنويا، ودخل النفط على سواء مستوى ٢٠١٥ و ٢٠١٦ فقط كاف لتغطيته. ثم نضع ١٥٠ مليار ريال عائدات غير نفطية كفوائض في الاحتياطيات.
يا معالي الوزير المستشار لو لم نبع برميلا واحدا، مع المواصلة على نفس مستوى انفاق سنوات الطفرة الخمس الذهبية مع وقف الهدر،  لكفتنا الاحتياطيات ١٠ سنوات، لا كما زعم انها ستنتهي وننكشف بعد ثلاثة اشهر من الان. فقد كانت الاحتياطيات أكثر من ٢.٧ ترليون في نهاية ٢٠١٤ . ومتوسط انفاق سنوات الطفرة الذهبية دون هدر وبطرح العائدات الغير نفطية  قد بلغ ٢٥٠ مليار ريال.

يا معالي الوزير انهار النفط عام ١٩٨٥ تقريبا وكانت الاحتياطيات نحو ١٠٠ مليار ريال ورجع النفط عام ٢٠١٥ والاحتياطيات كانت ٣١٤ مليار ريال بنهاية ٢٠١٤. وتحملنا دين انتهي ب ٦١٠  مليار ريال بنهاية ٢٠١٤ .   أي أن انهيار النفط ٢٠ لم يخسرنا إلا ٤٠٠ مليار ريال ، بمعدل مليار ونصف شهريا. فما بالك تفخر بثمانية عشر شهرا كان يُفقد فيها بطريقة غامضة أكثر من ٦١ مليار شهريا.

 

ودعونا لنحاول أن نجد العذر ونكشف سر الغموض. فهل حرب اليمن سببا في ذلك. لا ليست سببا في ذلك ولا تشكل شيئا من الإنفاق. فلننظر حسابات الخبراء الرسميين. ثم لننظر لحرب الخليج عام ١٩٩١.
ففي مارس ٢٠١٥ نقلت رويتر عن خبراء بريطانيين أن كلفة الطلعات الجوية في حرب اليمن بمعدل ١٠٠ طلعة شهريا ستكلف ١٧٥ مليون دولار ، أي نحو عشر مليارات ريال في ١٥ شهر.
بينما حسب خبراء فرنسيون رسميون كلفة الشهر ب ٩٠ مليون دولار أي نحو خمس مليارات ريال إلى الأن،  وكلفة تدخل بري لو حدث، لمدة ستة أشهر بأكثر من نصف مليار دولار، أي ما كلفته خمس مليارات ريال للحملة الجوية مدة ١٥ عشهرا مع كلفة حملة برية لمدة ٦ اشهر لا سمح الله.
ولنقل أن هناك ما لا نعلمه، فلنضاعف الكلفة المتوقعة ، ولنعتمد حسبة البريطانيين المرتفعة ، فهذا يعني ٢٠ مليار ريال سعودي كلفة حرب اليمن، على أعلى التوقعات بعد مضاعفتها،  فأين هذا مع ترليون وتسعمائة  مليار ريال دخلت على الخزينة، ضاع منها اكثر من ترليون ريال لا نعلم اين صرفت في ١٨ شهرا.
‏http://www.reuters.com/article/us-yemen-security-saudi-cost-idUSKBN0MR1KZ20150331

وحرب الخليج قد كلفت حسب وزارة الدفاع الأمريكية مبلغ ٦١ مليار دولار، تحملت دول الخليج ٣٦ مليار منها، فلنقل اننا تحملنا ثلثيها، فهذه سبعين مليار ريال تقريبا. وحرب اليمن لا تقارن بحرب الخليج على الاطلاق.

‏http://www.cnn.com/2013/09/15/world/meast/gulf-war-fast-facts/

 

.
.  قومي فدعي عنك الخمول، يانزاهة. قومي فابحثي وأخبري الوزراء بعظم جلل الخسارة. واديني وازارتهم  بفساد الجهل وسوء الإدارة، بالأدلة القاطعة. فالجهل المركب والفساد الإدراي هو ما جعلنا نرضى بأن نسمن من اكل طعام غيرنا. فنصف قرن من النفط قدم لنا طعاما فاخرا وسلب منا عقولا وحلوما، فيا ليت شعري من منا يدرك فداحة الخسارة. فأنى أن يجتمع عقل وتخمة، وهل يحمل الهم من لا يدرك المصيبة؟.
فهذه القصة الصحيحة مع تبعياتها للاحتياطيات ، لا رواية ال الشيخ. وإني إذ أرفع التقرير لنظر ولي الأمر فيه، إنما باعتقاد مني أنه يحض السعوديين على تبيين الحقائق بالأدلة ودون مبالغة ولا تهويل.
وقد تأكدت من صحة اعتقادي برغبة ولي في ابداء  المواطنين للرأي وبيان ما قد يخفى عليه.
تأكدت من ذلك بتأجيل هذا المقال عدة أيام لكي أتراجع عن نشره إذا ما وجدت أن عدم النشر هو رغبة ولي الامر، كإيحاء من الديوان أو نحو ذلك.
فلما لما أجد شيئا من هذا، تأكدت أن رغبة ولي الأمر هي ان ينشر كل بيان حقيقة مدعم بالأدلة.
فأسال الله أن يكون جهدي هذا نافعا وأن يحظى برضا ولي الامر على ما فيه من تقصير، واسال الله التوفيق والسداد لولي أمر بلادنا ، وأن يسخر له الرجال الصادقون الإكفاء وأن يحميه بلطف منه وقدرة إنه لطيف قدير.

 

 

الحقيقة في تناقص الاحتياطيات الأجنبية (1-2)

الحقيقة في تناقص الاحتياطيات الأجنبية (1-2)

%d8%ad%d9%85%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d9%84%d9%85

وقعت على مقال، لأستاذنا الكبير جمال خاشقجي كتبه السبت الماضي، فيه أخبار استنكَرتُها عقلا، منقولة عن تصريحات محمد آل الشيخ، وزير الدولة وعضو مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لمجلة «بلومبيرغ» في نيسان (أبريل) ٢٠١٦.
وهي ،كما قال استاذنا، “تستحق أن تنشر مرة أخرى”. ومنوها في إشارة لطيفة لمن كان وراءها، بوصف محمد أل الشيخ بأنه من “”القيادات الفاعلة في عمليات «إنقاذ» الاقتصاد السعودي لا إصلاحه فقط”” وبهذا برر استاذنا الخاشقي حال أل الشيخ بأنه ” كان أكثر تفصيلاً في شرح خطورة الوضع الاقتصادي”.

 

فعدت أدراجي الى بلومبرغ لأتأكد من دقة فهمي للترجمة، فوجدت ما هو أشد إنكار للواقع فضلا عن إنكار العقل.
وتصريحات أل الشيخ تنقسم إلى قسمين رئيسيين:
الأول يتناول الاحتياطيات الأجنبية وكيف أنها كانت تنهار في بداية النصف الأول لعام ٢٠١٥ حتى تم استدراكها والتخفيف من تناقصها، في التسعة أشهر التي تلتها. وهذا عكس الحقيقة تماما، وهو الذي سنبينه هنا.
القسم الثاني: أنه كان هناك هدر مالي شديد في الدولة حتى تم استدراكه بإجراءات التقشف وبالإجراءات التي أسماها استاذنا الخاشقجي «أزمة تأخر الدفعات لشركات المقاولات الكبرى».
والهدر المالي قبل ٢٠١٥ بسبب الفساد والجهل، حقيقة نعلمها بعموم ملامستنا للأوضاع. ولكن انه قد تم استدراكه فهذا غير صحيح، ليس بعموم ملامستنا للأوضاع بل ان الأرقام الرسمية تثبت عكسه. فالهدر المالي قد زاد ولكن أصبح غامضا، لا يُعرف أين ذهبت الأموال. فالأرقام الرسمية تظهر اختفاء مئات المليارات ولكن لا ندري أين اختفت.

فإلى بيان ذلك من الأرقام الرسمية لمؤسسة النقد بوصف تجريدي لا مدخل فيه للظن او الهوى أو تأثير التصورات.
القسم الأول الاحتياطيات الأجنبية
ففي تقرير أل الشيخ “لكبح الإنفاق الحكومي” ، كما وصفت بلومبرغ حديث أل الشيخ، ذكر أل الشيخ ما نصه “إن إحراق الاحتياطيات بمعدل ثلاثين مليار دولار شهريا في النصف الأول لعام ٢٠١٥م، قد بدأ في النزول”. وهذا القول ليس بعيدا عن الصحة فقط، بل عكس الواقع تماما. وذلك حسب المعلومات الرسمية المنشورة لمؤسسة النقد.
والاحتياطيات المقصودة هي الأصول الأقرب للسيولة في استثماراتنا الأجنبية –ما عدا الذهب-، كوضع الاحتياطي في الصندوق الدولي وحقوق السحب والأوراق المالية الحكومية.
وهذه الاحتياطات كانت تشكل ٧٠٪ من صافي استثماراتنا الأجنبية وتناقصت هذه النسبة الى ٦٠٪ مع الربع الثاني ٢٠١٦.

 

أولا: وواقع الأرقام الرسمية يخبرنا عن هذه الاحتياطيات بأن معدل تناقصها الشهري في الستة الأشهر الأولى كان أقل من تسعة مليارات ونصف دولار، أي أن ال الشيخ ضاعف الرقم أكثر من ثلاثة مرات.
والأهم أن الأرقام تخبرنا بعكس ما قاله أل الشيخ بأن معدل الإحراق للاحتياطيات قد تناقص الان، فهذا عكس الصحيح بالضبط. فحديث أل الشيخ كان في ابريل ٢٠١٦، أي آن معلومات الاحتياطيات كانت متوفرة لشهر مارس ٢٠١٦. فهذه تسعة أشهر بعد منتصف ٢٠١٥م الذي أشار اليه ابن الشيخ.
وقد ارتفع معدل حرق الاحتياطيات فيها إلى قرابة العشرة المليارات دولار. بل أن الأشهر الثلاثة التي سبقت تصريحاته بشهر، قد جاوز معدل الإحراق فيها الخمسة عشر مليار دولار.
ثانيا: وأما إذا ما نظرنا إلى استثماراتنا الأجنبية التي تشمل أصول الاحتياطيات والأصول الأخرى الأقل سيولة كالأسهم وصناديق الاستثمار وغيرها، فسنجد صورة أوضح وأقوى في تفنيد تصريحات أل الشيخ، وإثبات عكسه.

 

فتناقص صافي موجوداتنا الأجنبية بما فيها الاحتياطيات في الربع الأول من ٢٠١٥ كان بمعدل ملياري دولار فقط شهريا ثم أزداد التناقص إلى قرابة ستة مليارات شهريا في الربع الثاني ٢٠١٥ ثم جاءت مرحلة ما زعم أل الشيخ بأن الاحتياطيات بدأ يخف تنازلها لنجد الحقيقة عكس قوله في صورة مرعبة، أي في التسعة أشهر التي زعم أل الشيخ انه تم استدراك الاحتياطيات فيها.

 

فقد أزداد النزول في الربع الثالث ليصل لثمانية مليارات ثم واصلت الانحدار في الربع الرابع ليصل معدل النزول أحد عشر مليار دولار ثم دخلت مرحلة شبه انهيار في الربع الأول أي نهاية مارس  ٢٠١٦ ليصل معدل النزول لقرابة خمسة عشر مليار دولار شهريا. وهي أخر معلومات كانت متوفرة قبل تصريحات أل الشيخ.
والذي يفسر ذلك أنه لعل كان هناك تسييل للأصول الأجنبية من غير الاحتياطيات لتخفف وطأة حدة النزول المتزايد بعد النصف الأول من ٢٠١٥ ، وذلك لكثرة مراقبة ارقام الاحتياطيات الأجنبية من الإعلام العامة والسوق، بخلاف أرقام الاستثمارات الأجنبية جميعها.

 

فخلاصة أولا وثانيا: وعموما، فكما بينت أعلاه، فسواء نظرنا للاستثمارات الأجنبية جميعا أو للاحتياطيات التي ذكرها أل الشيخ، فما ذكره أل الشيخ هو عكس الحقيقة، اللهم أنه اشد عكسا للحقيقة إذا ما نظرنا للموجودات الأجنبية جميعا، وإشارة إلى التلاعب في الموجودات الأجنبية لإخفاء انهيار الاحتياطيات.

 

ثالثا: كما أن في تصريحات مبالغة يستنكرها عقل الرجل العادي. وهذا ما شد انتباهي. فقوله ٣٠ مليار دولار كل شهر لستة أشهر ، يعني أن مجموع تناقص الاحتياطيات في الستة الأشهر الأولى من عام ٢٠١٥ بلغ مقدار ١٨٠ مليار دولار، أي ثلث الاحتياطيات، وهو رقم لا يخطئ به أحد.

 

وسأقف هنا لأدع للمواطن والمسئول السعودي فرصة ليستوعب القسم الأول ودلالاته، لنتابع في القسم الثاني تبعيات حديث أل الشيخ العاري تماما من الصحة. فما القسم الأول إلا بداية الإفصاح عن أمور عظيمة وتضييع لانفاق حكومي ، وهدر أموال ضخمة كانت مخفية، كما اخفيت حقيقة الاحتياطيات في تقرير الوزير المستشار لولي الأمر.

 

إن الحقائق في هذا القسم ماهي إلا بداية تمهد  لنتائج البحث والتقصي في الأرقام الرسمية المعلنة من مؤسسة النقد. والتي أخرجت أمور عظام شملت عموم اقتصاد البلاد. وتحكي في طياتها تناقضات خطيرة لما قدمه أل الشيخ لولي الأمر.

وفيها ظهور أدلة على هدر عظيم، لا يُعلم أين أهدر وفيما صُرف، قد حصل في الثمانية عشر شهر الماضية، ومازال يحصل، ليُضيع مصروفات الحكومة فلا تبين. فيستهلك هذا الهدر، الغامض العظيم، شحيح ما جاءت به إيرادات النفط، ثم يعود الهدر على احتياطيات واستثمارات قد بُنيت في عقد من الزمان فيحرقها، ليتفرغ الهدر الغامض لإعادة بناء هم سطوة الدين الأجنبي.

 

إن خطورة تصريحات أل الشيخ في كونها تضليلية للقيادة وللمسئول وللبلاد لهو أعظم من خطورة ما حملته من معلومات لو أنها كانت حقيقية.
إدراكي لخطورة التضليل، أيقظ همة البحث والاستقصاء عندي. فقامت يحفزها وينشطها وصف بلومبرغ لتصريحات أل الشيخ بأنها كانت كتقرير “كبح الإنفاق الحكومي ” قدمه الوزير المستشار المالي لولي الأمر. فلا خير فينا، إن تقاعسنا فلم نعين ولي أمرنا في تبيين الحقائق.
وفي القسم الثاني يأتيك الخبر العظيم، وما الغد عنا ببعيد. فهناك ما هو أعظم من ذلك وأخطر ويفتح أبوابا للتساؤل عن هدر مئات المليارات من الريالات المفقودة من كشوفات وزارة المالية ومؤسسة النقد.

 

 

 

 

الحرب العالمية القادمة اقتصادية و ليست إيديولوجية !

الحرب العالمية القادمة اقتصادية و ليست إيديولوجية !

 

%d8%af-%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%af%d9%8a

 

بقلم : د. أحمد القديدي

قيمة صرف الدولار بالنسبة لليورو يوم الاقتراع على انتخاب الرئيس الأمريكي القادم (أو الرئيسة القادمة) يوم الثامن من نوفمبر 2016 ستساهم في رفع أسهم هذا أو تلك في الإقتراع و ذلك لسبب واضح و بسيط وهو أن المجتمع الأمريكي مجتمع إقتصادي بالدرجة الأولى تدخل في اعتباره و تقديره قيمة عملته الأسطورية التي يسميها حسب لونها بالخضراء و يهم المواطن الأمريكي أن يكون دولاره أقوى العملات أي أن تكون الولايات المتحدة حسب هذا المؤشر النقدي أقوى دولة في العالم من حيث هيمنتها التقليدية على مصير الأقتصاد العالمي. وكما يعلم الناس فإن قيمة صرف الدولار مرتفعة منذ حوالي ستة شهور و تقترب تدريجيا من قيمة اليورو (المنافس الشرس للدولار) وهو ما سيخدم حتما المرشحة الديمقراطية السيدة هيلاري كلنتن في الإنتخابات لأن هذا المستوى المشرف للعملة الأمريكية محسوب للحزب الديمقراطي و للسيد باراك أوباما رغم أن الظروف الدولية هي التي كانت وراء هذا الإرتفاع و أن الخزينة الفيدرالية الأمريكية هي المحرك الأساسي لرفع قيمة الدولار. هذه القيمة تاريخية لأنها تحققت أثناء 2016 في عز تورط واشنطن في حروب الشرق الأوسط بإنخراط الجيوش الأمريكية في أزمات سوريا و العراق و ليبيا و قبل ذلك في أزمة أوكرانيا مما وضع أمريكا في مواجهات خطيرة و حرب عالمية ثالثة محتملة مع روسيا و ربما الصين كما تحقق ارتفاع الدولار أيضا بعد مرحلة الأزمات الخطيرة التي هزت الإقتصاد الأمريكي في 2008 و أصابت العدوى الأمريكية كل هياكل الإقتصاد العالمي من 2008 الى اليوم، وهو ما وصفته كل من الصحيفتين الاقتصاديتين الأكبر في الاتحاد الأوروبي: ليزيكو الفرنسية و فايننشل تايمز البريطانية “بالهوة التاريخية أو الرقم القياسي التاريخي” . و تلاحظ الصحيفتان أن الأخطر اليوم على الولايات المتحدة هو أن تتفاقم الأزمة بين واشنطن و الرياض بسبب التلويح السعودي و الخليجي عموما بسحب المخزون المالي المودع بالمصارف الأمريكية.

القوى الاقتصادية و النقدية العالمية بدأت تعيد حساباتها و تراجع سياساتها أمام العملة الخضراء التي اعتبرت منذ الحرب العالمية الثانية ” قاطرة العملات” أي الميزان الوحيد و الدائم لأسواق الصرف و حركات التجارة العالمية و مستوى مصداقية المصارف. فهذه روسيا الاتحادية تعلن يوم الثلاثاء الماضي عن إجراءات لتدعيم مخزونها من اليورو ( وهو يبلغ في العام الحالي 113 مليار يورو، حيث تضاعف خلال الثمانية أشهر الماضية،بعد أن كان لا يتجاوز 56 مليار يورو)، و يتدعم مخزون روسيا من الدولار كذلك باستمرار ليوازي المخزون الأمريكي !أما المصارف الأوروبية المجتمعة الأسبوع الماضي في البنك المركزي الأوروبي بفرانكفورت فإنها أعلنت أنها ستعمل على تجميد أرصدتها من الدولار و تعويضها تدريجيا بعملات أخرى مثل الين الياباني و اليوهان الصيني.

و قد تأكدت هذه التحولات النقدية الدولية بصدور تقرير المعهد الأوروبي للنشاطات المصرفية الذي يشير بوضوح إلى عمليات التحول عن الدولار التي تقوم بها المصارف الأوروبية ، و تقول السيدة/ لينا مورتنجن خبيرة الشؤون المالية و التي شاركت في تحرير التقرير بأن هذه الإجراءات سوف تستفيد منها كل العملات الأخرى و ليس اليورو وحده. و في هذا المناخ الصعب و المضطرب شرعت المرشحة الأمريكية الأوفر حظا السيدة هيلاري كلنتن في الإعلان عن حزمة من الالتزامات و التعهدات التي فرضتها الحملة الانتخابية و التي تتعلق بالتصدي لسقوط الدولار.

 

 

 

لا تنتهي الحروب بتوقف القتال

لا تنتهي الحروب بتوقف القتال

بقلم: د. علي محمد فخرو

%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%ae%d8%b1%d9%88

 

هناك ظاهرة تاريخية مفادها أن بناء المدن والمجتمعات والحضارات يحتاج لقرون، بينما لا يحتاج تدميرها إلا لبضعة أيام أو حتى لبضع ساعات في أيامنا الحالية.

نحن العرب، إذ نشاهد أمامنا ذلك الدمار الهائل الذي حدث ويحدث لمدن ومجتمعات العديد من الأقطار العربية، نحتاج أن نذكر أنفسنا بتلك الظاهرة من جهة، ومن جهة أخرى بقاعدة سياسية – اجتماعية مفادها أن الحرب لا تنتهي بتوقف القتال وسفك الدماء. ذلك أن الحرب، بسبب الدمار الذي أحدثته والفتن التي أحيتها ومشاعر الكراهية التي أيقظتها، تمتد لسنين طويلة أخرى بعد توقف إطلاق النار.

لتأكيد ما سبق فإن المؤرخين يؤكّدون أن الحرب العالمية الأولى لم تنتهِ إلا بعد أن قادت فواجعها ومضاعفاتها إلى قيام الحرب العالمية الثانية، وأن هذه هي الأخرى لم تنتهِ إلا بعد انتقال العالم إلى الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي ودول الغرب، وإن مضاعفات الحرب الباردة، حتى بعد إعلان نهايتها الرسمية، تعكس نفسها الآن في شكل حروب وصراعات إقليمية لا تنتهي في مكان حتى تشتعل في مكان آخر.

ولم نذهب بعيداً ففي تاريخنا لم تنتهِ معركة الجمل إلا عند بدء معركة صفين، وأن هذه قادت بعد ذلك إلى عدد لا يحصى من الحروب والثورات والصراعات السياسية والمذهبية التي لاتزال معنا إلى يومنا الذي نعيش.

من هنا ستحتاج مجتمعات الأقطار العربية، المنكوبة حالياً بالحروب والصراعات، تحت مختلف الرايات وصيحات القتال، ستحتاج إلى سنين طويلة لتلتئم جراحات حروبها وصراعاتها الطائفية والإثنية العبثية التي تعيش جحيمها في اللحظة التاريخية الحالية، إضافة بالطبع لبناء ما دمرته الحروب والصراعات من عمران واقتصاد.

من هذين المنظورين لن يكون هناك غالب أو مغلوب، وسيرتكب أبشع البلادات، من بين المحاربين ومن بين أنصارهم وأزلامهم، من سيعتقد بأنه سيقطف ثمار النصر الوهمي، فلن تكون هناك ثمار لتقطف وإنما فقط مذاقات المرارة وحسرات الندم.

هذا تذكير يوجه لكل نظام حكم، لكل جماعة إثنية، لأتباع كل مذهب أو دين، لأفراد كل قبيلة، لكل ممارس لرذيلة الزبونية سواء لقوى الخارج أو لرؤوس الفساد في الداخل، لضباط كل جيش عربي.

لماذا نطرح هذا الموضوع؟ نطرحه لأن حراكات الربيع العربي، التي قامت في بداياتها لتحقيق أهداف شرعية ونبيلة، قد حرفها البعض، على المستويين الرسمي والمدني، نحو المسار الكارثي العبثي الذي نتحدث عنه، والذي لن ينتهي بإلقاء السلاح وإعلان هدنة السلام. البعض فعل ذلك بسبب جهل وقلة خبرة والبعض الآخر قصد من وراء ذلك تشويه سمعة تلك الحراكات وإيصالها إلى الفشل واليأس، ومن ثم حرفها عن أهدافها النبيلة التي بدأت بها نضالها.

نطرحه أيضاً لأن المظالم التي فجرت حراكات الربيع العربي ستظل معنا لسنين طويلة، وبالتالي فإن الصراعات السياسية ستستمر في المستقبل المنظور.

لكن هل سيتعلم المستقبل من فواجع الماضي؟ هل سيجعل الجميع خيار الحرب والصراعات الدموية خياراً لايطرق إلا إذا فشلت جميع خيارات الأخذ والعطاء والتقابل في منتصف الطريق وممارسة تراكم المنجزات السياسية والحقوقية عبر الزمن المعقول، وذلك قبل الانتقال إلى طريق ارتكاب حماقات الحروب وإسالة الدماء التي ستمتدّ، كما ذكرنا، آثارها عبر المستقبل البعيد؟

نحن هنا، بالطبع لا ننفي الحق المقدس للشعوب في أن تناضل، بل وتحارب، من أجل دحر الظلم والظالمين وترسيخ قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والمساواة في أوطانها. نحن هنا نعيد التذكير بدروس التاريخ البشري، عبر القرون، بشأن تجنب الطرق الخاطئة والمسالك الخطرة عند ممارسة ذلك الحق المقدس. إذ إن جعلها ممارسة تعلي من قيمة الموت والأموات على حساب الحياة والأحياء سيؤدي إلى جعل تلك الحرب المقدسة النبيلة عبثاً في عبث.

طرق وأساليب النضال في مجتمعات العرب تحتاج إلى مراجعة، لا لإضعاف مضامين وأهداف النضال الشرعية، وإنما للارتقاء بها إلى المستويات الإنسانية السامية.

في التاريخ وفي حقائق علوم السياسة والاجتماع دروس وعبر ستعيننا على ذلك.

كاتب ومفكر بحريني

 

«الصحة» لـ “الاقتصادية” : ألغينا تراخيص 599 صيدلية في عام 1437

«الصحة» لـ “الاقتصادية” : ألغينا تراخيص 599 صيدلية في عام 1437

إلغاء ووقف تراخيص 471 مستشفى ومجمعا طبيا خاصا خلال عام

20161027-2247

عبد الله الروقي من الرياض

 

كشفت وزارة الصحة أن عدد المستشفيات والمجمعات الصحية الخاصة التي تم إلغاء تراخيصها أو وقفها في عام 1437 بلغ 471 مستشفى ومجمعا طبيا في مختلف مناطق المملكة، فيما بلغ عدد الصيدليات التي تم إلغاء تراخيصها أو وقفها خلال العام نفسه نحو 599 صيدلية.

وأوضحت وزارة الصحة لـ”الاقتصادية”، أنه تم إلغاء ستة مستشفيات منها ثلاثة مستشفيات في منطقة الرياض، ومستشفيان في كل من جدة والأحساء، والمدينة المنورة، بينما بلغ عدد تراخيص المستشفيات الموقوفة خلال عام 1437هـ سبعة مستشفيات منها خمسة مستشفيات في جدة ومستشفى واحد في كل من عسير والقنفذة.

أما على صعيد تراخيص المجمعات الطبية العامة والمتخصصة التي تم إلغاؤها خلال عام 1437هـ فقد بلغت 387 مجمعا طبيا في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، بينما تم إيقاف عدد من تراخيص المجمعات الطبية العامة والمتخصصة خلال العام الماضي بلغت 71 مجمعا طبيا في مختلف مناطق ومحافظات المملكة.

وبينت وزارة الصحة أن عدد المستشفيات في القطاع الخاص التي حصلت على موافقة أولية خلال عام 1437هـ بلغ 11 مستشفى في كل من الرياض عدد ثلاثة، جدة عدد ثلاثة، الشرقية عدد اثنان، القصيم عدد واحد، جازان عدد واحد، حائل عدد واحد، فيما تمت الموافقة على ترخيص نهائي خلال عام 1437هـ لمستشفى واحد في منطقة الرياض.

وبلغ عدد المجمعات الطبية العامة والمتخصصة والحاصلة على موافقة أولية خلال عام 1437هـ وفق بيانات وزارة الصحة 768 مجمعا طبيا في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، فيما بلغ عدد المجمعات الطبية العامة والمتخصصة التي حصلت على تراخيص نهائية خلال العام الماضي 279 مجمعا طبيا في مختلف مناطق ومحافظات المملكة.

وفيما يتعلق بإصدار التراخيص للصيدليات الخاصة، فقد صدرت الموافقة الأولية على العام الماضي لـ 783 صيدلية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، بينما صدرت التراخيص النهائية في العام نفسه لـ347 صيدلية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، وفي المقابل تم إلغاء عدد من تراخيص الصيدليات الخاصة خلال عام 1437هـ، بلغت 561 صيدلية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، في حين تم إيقاف التراخيص لـ38 صيدلية خاصة في مختلف مناطق ومحافظات المملكة.

وتشترط اللائحة التنفيذية لنظام المؤسسات الصحية الخاصة، التي صدرت في 2015، أن تكون ملكية المؤسسة الصحية الخاصة ملكية سعودية، وأن يكون مالك العيادة طبيباً متخصصاً في طبيعة عمل العيادة ومشرفاً عليها ومتفرغاً تفرغاً كاملاً لها.

كما أوجبت اللائحة على المؤسسة الصحية الخاصة أن تبلغ فوراً أقرب سلطة أمن مختصة ومديرية الشؤون الصحية بالمنطقة، عن أي حادث جنائي أو وفاة تحدث للمرضى المراجعين لها أو المنومين فيها، ويشمل هذا الالتزام أيضاً التبليغ عن أي حادث جنائي ألجأ المصاب إلى طلب الإسعاف أو المعالجة فيها، كما أن عليها أن تحتفظ بسجل كامل عن الحوادث المرورية والإصابات.

 

 

 

صعود وانحطاط الاقتصادات المدينية..آليات جديدة وآفاق

دروس مستقاة من تجربتيْ سان فرنسيسكو ولوس أنجليس

صعود وانحطاط الاقتصادات المدينية..آليات جديدة وآفاق

the-rise-and-fall-off-urban-economies

شهد العالم منذ انطلاق الثورة الصناعية وما ترتب عليها من إنجازات في مختلف مجالات الحياة تحوّلاً كبيراً في البنية المجتمعية نتيجة موجات الهجرات التي تتالت من الأرياف إلى المدن.

وهناك اليوم للمرّة الأولى في التاريخ الإنساني أكثر من نصف سكان المعمورة يعيشون في مناطق مدينية. هكذا بلغ عدد سكان بعض المدن عدّة ملايين، الأمر الذي ترتب عليه بالتوازي بزوغ فرع من الاقتصاد يتركّز على دراسة آليات نمو المراكز المدينية الكبرى وانحطاطها.

وفي كتاب جماعي ساهم فيه فريق من أربعة أساتذة جامعيين بإشراف «مايكل ستوربر»،أستاذ المسائل العمرانية في جامعة لوس انجليس ومساهمة «توماس كيمني»، أستاذ الجغرافيا البشرية في جامعة «سوتامبتون» و«ناجي مكرم» أستاذ التخطيط والتنمية في جامعة لندن و«تانير اوسمان»، الباحث في قسم التخطيط المديني بجامعة لوس انجليس.

يحمل الكتاب عنوان «صعود وانحطاط الاقتصادات المدينية، دروس من سان فرنسيسكو و لوس انجليس». ويحاول المساهمون في هذا العمل الإجابة على السؤال الجوهري التالي: لماذا تحظى بعض المناطق المدينية بدرجة عالية من النجاح وخلق الثروات الاقتصادية الكبيرة بينما تراوح مناطق أخرى في مكانها أو تتقهقر إلى الوراء؟.

إن المساهمين في هذا الكتاب يركزون على دراسة تأثير «الاقتصاد الحديث» على نمو المدن الكبرى وازدهارها أو تقهقرها وتراجع نمّوها الاقتصادي وما يتبع ذلك على الأصعدة الأخرى. والفترة الزمنية التي يدرسونها بالنسبة لمدينتي سان فرنسيسكو ولوس انجليس تمتد من سنوات السبعينات في القرن الماضي، العشرين وحتى الوقت الراهن.

وفي حالة المدينتين المعنيتين تتم دراسة كيفية الانتقال التي عرفتها كل منهما من «الاقتصاد الصناعي» إلى «اقتصاد المعلوماتية». والفكرة التي يتفق عليها المساهمون في هذا العمل هي أن سان فرنسيسكو«تميزت» على لوس انجليس بوجود «مجموعة من أصحاب المشاريع الذين امتلكوا رؤية بعيدة ومتناسقة، حيث تمّ تبنّي سياسات عامّة ترمي إلى تحسين آليات العمل بالاعتماد على الاقتصاد الرقمي».

the-rise-and-fall-off-urban-economies22

 

إن الإجابات المقدّمة في معرض المقارنة بين مدينتي سان فرنيسكو ولوس انجليس تأخذ في اعتبارها النتائج المحققة في الواقع. وهناك نوع من الاتفاق على أن سان فرنسيسكو عرفت مسارا متقدّما اقتصاديا على مدى السنوات الخمسين المنصرمة بينما راوحت لوس انجليس بمكانها «بأفضل التقديرات». والإشارة في هذا السياق أن مدينة أميركية أخرى هي «ديترويت»آلت في الفترة نفسها إلى الخراب تقريبا.

والبحث في هذا المجال عن أسباب وعوامل عديدة للصعود أو الانحطاط فيما يخص مدينتي سان فرنسيسكو ولوس انجليس وما عرفتاه من «تباين في كبير وواضح من حيث الكفاءات على ضوء النتائج الاقتصادية المحققة». والتركيز على العوامل المتعلّقة بالتكنولوجيات الحديثة والتمركز الجغرافي لبعضها مثل «وادي السيليكون»، عرين الصناعات الرقمية.

ويتم الوصول في محصّلة التحليلات المقدّمة بهذا الصدد إلى نتيجة أساسية مفادها أن «سان فرنسيسكو نجحت اقتصاديا كون أنها تملك مرونة أكبر تجعلها قابلة للتأقلم مع العالم وللانفتاح على العالم مما هو الأمر بالنسبة لعالم الأعمال الأكثر انغلاقا في لوس انجليس».

وعلى خلفية مثل هذا الواقع المتباين لم تستطع الشركات في لوس انجليس أيضا أن تبدي المقاومة الكافية لـ«زيادة الضرائب والضغوط» الصادرة من الإدارة المحلّية للمدينة أو من حكومة ولاية «كاليفورنيا».

ويولي المساهمون في هذا الكتاب بمختلف تحليلاتهم أهميّة كبيرة لذهنيّة عمل المسؤولين عن النمو الاقتصادي في النجاح الذي حققته سان فرنسيسكو خلال العقود الأخيرة قياسا بالفشل «إلى هذه الدرجة أو تلك» بالنسبة للوس انجليس. بالمقابل يقللون من مصداقية الآراء التي تعيد ذلك «الفشل» إلى وزن المهاجرين المتعاظم أو إلى «انهيار الصناعات الفضائية» في سنوات التسعينات.

وهناك عامل الهجرة وتواجد أعداد كبيرة من الذين تعود اصولهم لمختلف بلدان أميركا اللاتينية، وخاصة المكسيك وما يثقلون به على النمو الاقتصادي للمراكز المدينية التي يتواجدون بها. والإشارة في هذا السياق إلى وجود عوامل خارجية عن إرادة البشر المعنيين مثل الظواهر الطبيعية كالعواصف والجفاف وغيرهما من التغيرات المناخية.. هذه العوامل كانت لها آثار «مختلفة» على مدينتي سان فرنسيسكو ولوس انجليس.

ما يؤكّده المساهمون في هذا الكتاب بمحصّلة المقارنة بين المدينتين من أجل استخلاص «الدروس» من تجربتهما خلال العقود الأخيرة أن منطقة سان فرنسيسكو هي اليوم «موطن اقتصاد المعرفة بامتياز وأنها الأكثر نجاحا في الولايات المتحدة الأميركية، بينما أن لوس انجليس تراجعت كثيرا خلف جارتها الشمالية وأيضا خلف عدد من المناطق المدينية الأميركية الأخرى».

والإشارة أن لوس انجليس كانت في ستينات القرن الماضي بمثابة «منارة الصناعة الانتاجية الأميركية». وكان الخبراء قد توقعوا أنها على وشك أن تتفوق على سان فرنسيسكو على «الصعيد السكاني، الديموغرافي، وعلى مستوى الدخل والقوّة الاقتصادية وبالمحصّلة في النفوذ».

تجدر الإشارة أن المساهمين في هذا الكتاب لا يكتفون بتحليل أسباب الصعود والانحطاط بالنسبة للاقتصادات المدينية، لكنهم يقترحون سلسلة من «الإستراتيجيات الاقتصادية» و«خطط العمل» التي قد يمكن للمسؤولين عن القطاعات المدينية استخدامها. ولعلّ الأهمية الأكبر بالنسبة للخطط والإستراتيجيات المقترحة أنها تتركز على المعطيات الخاصّة والموارد المختلفة بالمناطق المعنية ولا تعتمد على المساعدات الخارجية.

إن المساهمين في هذا الكتاب يشرحون أن «العوامل الخاصّة بالازدهار الاقتصادي المديني» قد غيّرت كثيرا من مرتكزاتها، بحيث غدا اقتصاد المعرفة وآليات عمل المشاريع والمرونة في الانفتاح على العالم في ظل الثورة الرقمية بمثابة عوامل حاسمة في المسيرات الاقتصادية «ازدهارا أو تقهقرا». وهذا يصحّ على حالتي سان فرنسيسكو ولوس انجليس كما في مختلف المناطق المدينية في العالم أجمع.

المؤلفون في سطور

مايكل ستوربر، المشرف على هذا الكتاب الجماعي، هو أستاذ المسائل العمرانية وتطوير المدن في جامعة لوس انجليس بكاليفورنيا. وتوماس كيميني، يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة لوس انجليس. يعمل أستاذا فيها. وناجي مكرم استاذ التنمية الاقتصادية في جامعة لندن وتانير اوسمان باحث في قسم التخطيط المديني بجامعة لوس انجليس. أما الاخرون، فهم يعملون في عدد من المؤسسات الاقتصادية المتنوعة.

الكتاب: صعود الاقتصادات المدينية وانحطاطها.. دروس من سان فرنسيسكو ولوس انجليس

تأليف: مايكل ستوربر وآخرون.
الناشر: جامعة ستانفورد ــ 2015
The rise and fall off Urban Economies
Michael Storper and…
Stanford University Press – 2015

مواجهة «الإسلاموفوبيا» في فرنسا

مواجهة «الإسلاموفوبيا» في فرنسا

islamophobia

تأليف: إيدوي بلينال

في بداية القرن الحادي والعشرين، كان كبار المفكرين الفرنسيين يدعون أن «هناك مشكلة مع الإسلام في فرنسا»، وبالتالي كان هذا الأمر يضفي الشرعية على خطاب «الجبهة الوطنية» العنصرية، وقد تعززت مثل هذه الإدعاءات مع ردة الفعل إزاء الهجمات الإرهابية في باريس في العامين الأخيرين، التي جاءت لتمثل «إحساساً مشتركاً» جديداً في المشهد السياسي، وشهدنا منطقاً مشابهاً يظهر في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل عام.
يقف الكاتب الفرنسي إيدوي بلينال في هذا العمل بعنوان «لأجل المسلمين: الإسلاموفوبيا في فرنسا» إلى جانب مواطنيه الفرنسيين المسلمين، في وجه أولئك الذين يجعلونهم كبش فداء، لخدمة أهدافهم السياسية، ويوضح كيف أن «الأصولية الجمهورية والعلمانية» أصبحت قناعاً لإخفاء شكل جديد من ضراوة الإسلاموفوبيا. وهو هنا لا يتضامن فقط مع المسلمين، بل يدافع بشكل مستميت عن تاريخهم في تراث النضال التحرري لفرنسا، تماماً كما كتب من قبل زولا مدافعاً عن اليهود، وسارتر في الدفاع عن السود.

يحاول الكاتب الفرنسي إيدوي بلينال في عمله هذا، أن يتطرق إلى ظاهرة تنامي الكراهية تجاه المسلمين في فرنسا، ومناقشة عدد من المفكرين الذين يروجون للأفكار التي تزيد من الهوة في المجتمع الفرنسي، من خلال تقديم نماذج مسلمة ساهمت في المجتمع الفرنسي بفعالية.
ويأتي الكتاب في 94 صفحة من القطع المتوسط، ترجمه من الفرنسية إلى الإنجليزية ديفيد فيرنباج لصالح دار «فيرسو» الأمريكية للنشر، وقد نشر الكاتب عمله هذا في 2014، إلا أنه رجع وحدّثه في 2016، بعد تصاعد اليمين المتطرف الذي يصعّد من حملاته ضد المسلمين في فرنسا. ويهدي عمله إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (95 عاماً)، الذي أنار الطريق على حد تعبيره، وينقسم الكتاب إلى مقدمة بعنوان «ضد الكراهية»، ملحقة بعشرة أقسام على شكل مقالات مطولة، يتحدث فيها عن القضايا المتعلقة بالإسلاموفوبيا في فرنسا، وألحق العمل برسالتين إحداهما إلى فرنسا والثانية بعنوان لافت هو «الخوف عدوّنا».

في وجه الكراهية

تحت هذا العنوان يبدأ الكاتب عمله، ويحاول أن يوجّه إنذاراً إلى الشعب الفرنسي بضرورة عدم الغرق في مسألة تعميم الكراهية تجاه المسلمين، لأن بضعة متطرفين قاموا بعمليات إرهابية لا يمثلون الدين الإسلامي، على مبدأ «الإرهاب لا دين له»، ويذكرهم بضرورة التمييز بين الإرهابيين وأي جماعة دينية قائلاً: «لم تنتشر فقط الأفعال الإسلاموفوبية في أعقاب هجمات باريس 2015، بل انتشر التحامل عليهم، حيث تم اختزال الأمر فيهم على الرغم من تنوعهم العميق، واستغل اليمين المتطرف في فرنسا هذا الأمر، وعمل على تنميته في الأوساط العامة، ليستقطب مزيداً من الأصوات لأجل تمرير أجندته، وفرض هيمنته على الساحة الانتخابية».
ويضيف أنه في العديد من المواقف المختلفة لدى العديد من الوجوه، من ماريان لوبان إلى دونالد ترامب، الإسلاموفوبيا اليوم تنجز الوظيفة الثقافية التي كانت موجهة ضد السامية في الأمس، وهي باتت الأزمة الأخيرة للحداثة الغربية التي تسعى إلى فرض الهيمنة الإيديولوجية لهوية قومية قائمة على الإقصاء والرفض، وعدم التسامح مع الأقليات.
وبالقيام بهذا التأسيس، وتغذية التحامل ضدهم، وترويج أن «العدو في الداخل»، ولا يمكن استيعابه، فهو أجنبي، فاسد، يقوم بالتهديد وغيرها من المسميات، يمكن أن تصبح البلاد بالإجبار في هوية واحدة، بالتالي أي تعريف لها ودفاع عنها يكون من النظام الأعلى، والذي بدوره يمنع نشوء أي تحد للنظام المتأسس.

انتهازية اليمين الفرنسي

ينتقد الكاتب سياسات اليمين المتطرف في فرنسا، ويجد أنه منذ العقود الأخيرة، وهو يحاول استقطاب الجماهير من خلال تضخيم تهديد الأجانب والمهاجرين، ويجده يتغذى على العنصرية، وبثها، ويرى أن هؤلاء السياسيين من اليمين ركزوا على الخلاص قصير المدى، من دون أن يعيروا أي اهتمام بما يحدث من تشويه لصورة مواطنيهم المسلمين أو الذين ينحدرون من دول إسلامية، ويعتبر أن ما يطرحه في كتابه هذا بمثابة صرخة تحذير إلى اليمين واليسار، من أجل أن يتوحدوا لإحباط الكارثة القادمة، وهو ما لم يجده في 2015، بعد أحداث «شارلي إيبدو»، حيث أحكمت سياسة الخوف قبضتها على المجتمع، وزادت شيطنة الآخر، ما تركت آثاراً في العمل والحياة الاجتماعية، وباتت البلاد في حالة من الطوارئ الدائمة، ولم يختلف الأمر عند اليسار تحت قيادة فرانسوا هولاند ومع اليمين تحت قيادة نيكولا ساركوزي، حيث اللجوء إلى تجريد القومية الفرنسية واستخدامها كسلاح للتطهير القومي، مؤكداً أن التوظيف السياسي كان في أعلى مستوياته.
ويذكر أنه من خلال الإصرار على أن «فرنسا في حالة حرب»، بات الأمر بمثابة مسلّمة لا تحتاج إلى توضيح، والرئيس الفرنسي وقائد القوات المسلحة الفرنسية اتخذا بشكل دقيق خيارهما في 16 نوفمبر 2015، قبل لقاء البرلمانيين في فيرساي. ويشير إلى أن خطاب الرئيس الفرنسي ركز بشكل شامل على القضايا الأمنية، لكنه كان متهوراً، إذ غض النظر عن الأسباب، وبالتالي تجاهل الماضي، وكان لا يرى الحلول، ولا رؤية عن المستقبل. وجهة النظر الوحيدة التي طرحها هي الحرب المباشرة، ليست تلك التي على مسافات طويلة من البلاد، بل على الذين في المتناول، معلقاً «أن نكون من دون ذاكرة، فهذه نهاية ميتة». ويرى أن خوض الحرب المفتوحة مع تجاهل السياقات والأصول التي شكلت التهديد، هي استجابة قصيرة النظر وسوف تفشل في القريب.
ويعزو الكاتب ما يحصل إلى أن «الحدث العنيف الذي لم يسبق له مثيل، والذي بث فينا الرعب، الموجّه ضد مجتمع منفتح ومتنوع، كان ثمرة عقود من الأخطاء الاستراتيجية، من حروب أفغانستان والعراق إلى التسويات مع الأنظمة الديكتاتورية، من دون أن ننسى سوء التعامل مع القضية الفلسطينية».

جسور السلام

يسعى الكاتب من وراء مناقشاته مع مفكرين وكتّاب في الوسط الفرنسي واستشهاداته المتعددة بأقوال آخرين إلى الدفع لبناء جسور من السلام بين أبناء المجتمع، وعدم تدمير كل الروابط بينهم، ويستشهد بالقائد الاشتراكي الفرنسي جان جوريس الذي كان يعارض دخول بلاده الحرب العالمية الأولى، وكان يشتهر بمواقفه السلمية، حيث كان همّه تأمين المستقبل، فكان يمضي في آرائه بشكل علني، وقد اغتيل في 1914 بسبب تعليقاته وخطبه ومقالاته، ومن كلمات له: «أنتم تفكرون بالنصر، أما أنا فأفكر بالسلام الذي يعقبه… لا تكسروا كل الجسور، لأنه لا يزال علينا أن نعبر النهر. لا تدمروا المستقبل. حتى لو كان جرحاً عميقاً، دعوه نظيفاً، سوف يشفى، لكن لا تسمموه. دعونا نتخذ موقفاً من الكراهية».
كما يشير إلى الكاتب الفرنسي رومين رولاند الفائز بجائزة نوبل للآداب، الذي نشر في الحرب العالمية الأولى كتاباً بعنوان «فوق المعركة»، حيث جلب لنفسه انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والأدبية والثقافية، إذ رفض فيه كل أشكال الدعم للحرب التي قادت المثقفين، الفرنسيين والألمان، إلى إنكار إنسانيتهم المشتركة، وإشاعة البربرية والهمجية، يقول عنه: «رولاند كان حينها واحداً من الأرواح النادرة التي تتخذ موقفاً ضد الكراهية». ويوضح أنه بعد انتهاء الحرب أصبح كتابه من بين الكتب التي كان الناس بحاجتها لرسم الطريق إلى المستقبل، ويستشهد بكلمات له من الصفحات الأولى: «وجدت نفسي في السنة الفائتة، غنياً جداً بالأعداء. عليّ أن أقول لهم: ربما يكرهونني، لكنهم لن يعلمونني الكراهية»، ومضى يحث القراء «للوقوف في وجه الكراهية التي تشكل خطراً مميتاً أكثر من الحرب». ويعلق الكاتب: «بعد قرن، في فترة أخرى، وبالمواجهة مع حروب مختلفة، هو الطلب ذاته الذي نحتاجه، وهو ما أسعى وأتطلع إليه في كتابي: ضرورة عدم الاستسلام للكراهية».

المراهنة على الخوف

في ختام عمله يعود الكاتب إلى ما بدأ به كتابه، ويذكر أنه في يوم الجمعة، الثالث عشر من نوفمبر 2015، كان المجتمع كله هدفاً للإرهاب: مجتمعنا، بلادنا فرنسا بكل تنوعها وتعددها، فرنسا اللقاءات والدماء المختلطة. كان هذا المجتمع المفتوح هو الذي سعت أفعال الإرهاب إلى إغلاقه، إلى إسكاته بالخوف، وإلى طمسه تحت الرعب. إنه هذا المجتمع الذي يجب أن ندافع عنه، لأجل حمايتنا. ويضيف: «يريد الإرهابيون أن يغلقوا انفتاح هذا المجتمع، ودفعه إلى الانكماش والتقوقع والانقسام، وأن يفقد طريقته في الحياة. إنها حياتنا الجمعية التي يريدون تحويلها إلى حرب أهلية ضد أنفسنا».
ويوضح أيضاً أنه مهما تكن السياقات والفترات الزمنية التي نكون فيها، فإن الإرهاب دائماً يراهن على الخوف. ليس فقط الخوف الذي ينشره في المجتمع، بل سياسة الخوف التي يثيرها في قمة الدولة، حيث يتم تحويل الديمقراطية إلى حالة من الطوارئ، وحرب لا نهاية لها، من دون جبهات أو حدود، من دون هدف استراتيجي، حرب من الردود والهجمات التي تغذي بعضها بعضاً، الأسباب والتأثيرات التي تمتزج ببعضها بعضاً من دون أن يكون لها آمال بنهاية سلمية.
ويشدد على أنه مهما يكن الأمر مؤلماً وقاسياً علينا، فلا بد من بذل الجهود في سبيل تعزيز العقلانية في مواجهة الإرهاب، إذ من الأفضل مواجهته وتجنب الوقوع في شباكه، والسير نحو عالم من الجهل يبثه الإرهاب لنشر الفوضى التي يأمل أن يحصدها ثمارها من خلال الغضب الذي يعتمل الصدور، موضحاً أنه يمكن النظر إلى تجربة الولايات المتحدة في الاستجابة لهجمات 11 سبتمبر وغزو العراق، حيث ولدت «داعش» من رحم الفوضى التي حصلت، وعلى أنقاض دولة مدنية، وجراح مجتمع انتهكت كرامته، فكلما زادت الفوضى، انتعش الإرهاب ووجد من يحتضن إيديولوجيته المسمومة.
ويتساءل: «هل يمكن أن نتعلم من هذه الأخطاء الكارثية أم أننا ماضون لتكرارها؟» مشيراً إلى أنه من الصعب دائماً طرح هذه الأسئلة القاسية في أحداث مؤلمة، إلا أنه يؤكد أن الشعب الفرنسي لن يكون قادراً على مقاومة أي شكل من التحدي الذي يفرضه الإرهاب، إذا لم يتحكم بردود أفعاله، وإذا ابتعد عن طرح أسئلة متعلقة بالسياسة الخارجية والتحالفات مع دول قمعية، وإذا لم يراقب الخطابات السياسية التي تتسم بطابع عنصري خصوصاً تجاه الإسلام، وجعله كبش فداء، فإن التفرقة وليس الوحدة هي مصيره، ومن شأنها أن تغذي الكراهية أكثر من طمأنة الشعب.
ويقول إنه «لمواجهة الإرهاب علينا أن نتحرك كمجتمع، أن نبني تماماً ما يريدون هدمه. لندافع عن بلادنا، وتنوعها القوس قزحي، علينا أن نبتعد عن جعل فئة ما كبش فداء في خدمة السياسات»، ويستشهد بالعديد من الشخصيات المسلمة التي خدمت فرنسا، حيث ساهمت في دفع الإرهاب عن المجتمع، وفي دعم الحياة العامة من خلال مشاركتها في كافة قطاعات المجتمع، حيث يرى أن قوة فرنسا وثروتها في هذا النسيج المتنوع.
ويختم بكلمات نترجمها: «في بريطانيا العظمى، عندما وقعت الهجمات عام 2005، التف المجتمع حول شعار ابتكره شاب على الإنترنت هو «لسنا خائفين». وفي إسبانيا، عند حدوث هجمات في 2004، اجتمع المجتمع الإسباني حول شعار الكفوف المفتوحة الممدودة، وغير المسلحة، ولكن مع تلك التي تمتلك عزيمة».
ويضيف: «لا. لسنا خائفين من شيء سوى من أنفسنا التي يجب أن ننير لها الدرب، ومن قياداتنا الفرنسية التي تكاد تضيعنا وتضللنا. يجب علينا أن ندافع، بشكل أقوى من أي وقت مضى، عن انفتاح المجتمع الذي يسعى القتلة إلى إغلاقه. وشعار هذا الرفض يمكن أن يكون يدين ممدودتين إلى الأعلى لاحتضان بعضنا بعضاً، يدين تتصافحان، وتترابطان».

نبذة عن المؤلف

** إيدوي بلينال، صحفي سياسي فرنسي حاصل على إشادات عالمية عديدة، ونال جائزة صحفية على عمل استقصائي له تحدى فيه أفعال الدولة الفرنسية. من مواليد 31 أغسطس 1952، قضى طفولته في المارتنيك، وشبابه في الجزائر، ودرس في معهد الدراسات السياسية في باريس. وكان مدير التحرير السابق لصحيفة «لوموند»، ومؤسس موقع صحفي استقصائي باسم «ميديا بارت»، يعالج فيه القضايا المتعلقة بالإسلاموفوبيا والصور النمطية عن المسلمين، وكذلك المسائل الإشكالية على الساحتين الأوروبية والغربية. له عدد من المؤلفات الصادرة باللغة الفرنسية في أبرز القضايا في الأوساط السياسية الفرنسية والعالمية ومنها: «الصراع لأجل صحافة حرة».

 

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

 

هل نحن على شفا الإفلاس؟

هل نحن على شفا الإفلاس؟

ehsan-buhulagah

الدكتور إحسان علي بوحليقة

«ثروة الأمم» عنوان كتاب أصدره أبو عِلّم الاقتصاد الحديث، الإسكوتلندي آدم سميث في العام 1776 أي قبل 340 عاما، يتساءل فيه عن ماهية ثروة البلدان. والفكرة المحورية للكتاب أن النظام الاقتصادي يصلح نفسه بنفسه عندما يمتلك القدر الكافي من الحرية، وهذا ما يعبر عنه في أدبيات الاقتصاد التقليدية ب «اليد الخفية». وعلى الرغم من أن ظاهرة «اليد الخفية» تدرس في أول مقرر من مقررات الاقتصاد في الجامعات، إلا أنها الأصعب فهما والأصعب تطبيقا، بل أن كثيرا ممن لم يدرسوا علم الاقتصاد دراسة منهجية، لا يدركون أن الإدارة الاقتصادية هي الأساس في توليد ثروة البلدان، والحفاظ عليها، وتنميتها، وفي نشر الرفاه الاجتماعي، والازدهار الاقتصادي. وليس أدل على ذلك من أن بلدانا فقيرة بكل شيء ما تلبث أن تنتقل من حالة الفقر لحالة الثراء، مسلحة بحسن التدبير واستثمار ما لديها من مزايا. لنأخذ سنغافورة على سبيل المثال، التي كانت مُعدمة عندما انفصلت عن ماليزيا في العام 1965، ينتشر فيها الفقر والبطالة ومساكن الصفيح والعشش، الآن ترتيبها الثالثة على بلدان العالم بمعيار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، فقد تمكنت سنغافورة أن تجعل اقتصادها ينمو، نموا متواصلا متئدا بمعدل متوسطه 8 بالمائة سنويا على مدى أربعين عاما. لم يكتشف أحدٌ موارد طبيعية جديدة ولم يستقدم أحدٌ بشرا من بلدان أخرى، ما تغير هو استراتيجية اقتصادية مُحكمة نُفذت بإصرار وبشفافية، فتحولت سنغافورة إلى جنة للمستثمرين من شتى بقاع الأرض، ونما اقتصادها من أقل من مليار دولار في العام 1965 إلى نحو 300 مليار حاليا، بمعدل بطالة 2.1 بالمائة.

إذا الثروة الحقيقية لا تكمن في الموارد البشرية أو الرأسمالية أو التقنية أو الطبيعية فقط، فكلها كانت في سنغافورة قبل 1965 وبعد 1965! «السر» يكمن في جودة وكفاءة إدارة السياسة الاقتصادية. وهذا لا يعني أن سنغافورة لم تكن تعاني تحديات ومعوقات، كالأزمة الآسيوية في نهاية التسعينيات، لكن حتى تلك التحديات العاتية كانت بحاجة لاستجابة إدارية سريعة وحاسمة. وقد يُقال إن سنغافورة دولة صغيرة المساحة وقليلة السكان يمكن ضبطها والسيطرة عليها لتنفيذ سياسات اقتصادية بكفاءة، لكن ذلك القول لا يصمد للكثير من الأمثلة. لن أحدثكم عن اليابان الخالية من الموارد الطبيعية تقريبا، بل لنأخذ الصين مثلا، أكبر بلدان العالم سكانا، تمتد على رقعة جغرافية تتجاوز 9.4 مليون كيلو متر مربع. ما الذي حدث في الصين لتتحول من الفقر إلى الغنى؟ الصين لم تغير شيئا، ولا حتى نظامها الشيوعي أو مركزية المكتب السياسي! كل ما فعلته حقيقة لإطلاق ماردها الهائل أنها أصلحت سياساتها الاقتصادية قولا وفعلا، فأصبحت أكثر الاقتصادات الكبيرة انفتاحا، فانتقلت – بنكهة صينية – لاقتصاد السوق، مما جعل اقتصاد الصين يصعد صعودا خارقا، فحققت «معجزة» اقتصادية في سنوات قصيرة في عمر الأمم؛ إذ نما اقتصادها بمعدل سنوي «خرافي» متوسطه 9.5 بالمائة منذ بداية الإصلاحات في العام 1978 حتى العام 2013، وتضاعف بذلك حجم اقتصادها «الناتج المحلي الإجمالي» عشرة أضعاف، وارتفع متوسط الأجور ستة أضعاف.

وعلى النقيض فثمة بلدان تصاحبت مع الثراء دهورا ثم نكصت إلى الفقر، خذ مثلا اليونان. ففي الستينيات كانت اليونان الأعلى نموا بين دول أوروبا قاطبة! ونما اقتصاد اليونان إيجابيا حتى حلول الأزمة المالية العالمية عندما بدأت تعاني تراكم الديون وارتفاع تكلفتها وتنامي العجز في الميزانية العامة للدولة. تاريخيا كانت اليونان من أثرى دول أوروبا وأكثرها نموا، فما الذي حدث؟ في أكتوبر 2009 اعترفت حكومة اليونان أنها كانت «تُحَجم» قيمة العجز المالي في ميزانيتها، فامتنعت البنوك عن اقراضها! هل أفلست اليونان «المحتالة»؟ لا، فقد مَدَّ لها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد «حبل انقاذ» قوامه 240 مليار يورو، مقابل أن تنضبط ماليا، إذ أن سبب أزمة اليونان أن السياسة المالية لحكومتها تقوم على «السفاهة»، نعم السفاهة؛ كانت تقترض لتنفق ببذخ لم تكن تقوم بالجهد الكافي لجمع المورد الأساس لخزينتها «الضرائب» بفاعلية، فكان التهرب الضريبي منتشرا بين الأفراد وطريقة حياة للعديد من منشآت الأعمال! فمثلا أنفقت تسعة أضعاف ما أنفقته أستراليا على الألعاب الأولمبية، والفارق بينهما أربع سنوات فقط وثراء أستراليا وفقر اليونان، كما أن حكومة اليونان كانت تقترض لتدفع لموظفيها ولبرامج تقاعدهم.

عمليا، الدول لا تفلس بل تفقد القدرة على إدارة اقتصادها؛ فكما تبين الأمثلة السابقة، فدول فقيرة انتقلت للغنى كما هو حال سنغافورة، ودول كانت لقرون أغنى دول الأرض ثم انتقلت للفقر بفعل سياسات لتعاود وتسترجع مكانتها بفعل سياسات كذلك كما هو الحال مع الصين، ودول كانت مركز الثراء والتحضر لقرون في الماضي، وأثبتت حديثا قدرتها على النمو بفعل سياسات اتبعتها بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تخلت عن كل ذلك وآثرت العيش على «قفا» شركائها في الاتحاد الأوروبي، فقصدت الدائنين وأهملت المدينين، فتورطت وتورط العالم معها، كما هو حال اليونان.

بلدنا، ثرواته متعددة، من أبعد بلدان الدنيا عن أن يُفلس. ليس فقط لاحتياطاته النقدية ولمخزونه من النفط ولثروات مواطنيه وفوق كل هذا ما أكرم الله سبحانه بلادنا به من احتضان مكة المكرمة والمدينة المنورة، أقدس البقاع قاطبة، ففيهما منافع اقتصادية منذ الأزل. وفي ظني أن حديثنا لا ينبغي أن يتمحور حول الإفلاس، بل عن النمو والازدهار وبحبوحة العيش، هذا ما يعنيه أن يكون لنا رؤية مستقبلية، وإلا فما مسوغ وجود رؤية إن لم تجلب الرضا والرفاه ورغد العيش للمواطن؟!

لستُ قلقا أن نُفلس، بل ألا نستطيع جعل اقتصادنا ينمو بالقدر الكافي، فتفشل الرؤية ونتقهقر اقتصاديا أمام الدول المنافسة وتلك المتربصة. إذ تشير حساباتي إلى أن علينا تحقيق نمو معدله 7.1 بالمائة سنويا بين الآن والعام 2030 حتى نبلغ هدف الرؤية بأن نصبح ضمن أكبر 15 اقتصادا في العالم، إذا فاقتصادنا، ووطننا قبل اقتصادنا، بحاجة لمن يشمر عن ساعده، ومن يعلي هممنا، فكما اقتسم آباؤنا التمرة، سنكون سويا لنعبر الصعاب، وننعم سويا بالمكاسب.