الموصل عبر التاريخ

الموصل عبر التاريخ

20161023-al-mawsil

خوان كول

تتركز أنظار العالم الآن على مدينة الموصل بشمال العراق، حيث تشن القوات العراقية هجوماً لاستعادتها من «داعش» بدعم من قوات متعددة تنتمي لأطياف مختلفة ومتباينة – دولية وإقليمية ومحلية. وفيما يلي عرض موجز لتاريخ الموصل عبر العصور حتى اليوم.
1 – الموصل مدينة كبيرة بمعايير الشرق الأوسط قبل سيطرة «داعش» على المدينة، كانت الموصل وضواحيها تضم على الأرجح حوالي مليوني نسمة، مقارنة مع 6 ملايين في بغداد وحوالي مليونين في البصرة. ولكن كثيرين من سكان الموصل فروا بعد وصول «داعش»، ويعتقد أنها تضم حالياً ما بين 1 و 1،5 مليون نسمة.
2 – تعتبر الموصل وريثة مدينة نينوى القديمة، وأول مرة استوطن فيها البشر كانت قبل حوالي 8000 سنة، ثم أصبحت مركزاً حضرياً مهماً قبل حوالي 5000 سنة.

ومدينة نينوى كانت في قلب الحضارات التي توالت في بلاد ما بين النهرين. وفي القرن السادس قبل الميلاد أصبحت عاصمة الإمبراطورية الأشورية الصاعدة بقيادة سنحريب ( 705 – 681 ق.م. ) الذي غزا بابل وفلسطين. وخلال ذلك القرن، أصبحت نينوى عاصمة مهيبة.
وفي عام 612 ق.م. غزا البابليون الجدد والفرس نينوى، ما أدى إلى تراجع أهمية المدينة في العالم القديم.
3 – في القرن السابع الميلادي، أصبحت الموصل جزءاً من أراضي الخلافة الإسلامية، وسرعان ما تحولت إلى مركز للموسيقى العربية، خصوصاً بفضل موسيقيها الأشهر زرياب. ويعيد بعض المؤرخين ظهور الموشحات إلى التفاعل بين الحضارة الإسلامية والثقافة السريانية المسيحية. وفي القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، أصبحت الموصل مركزاً مهماً في أيام دولة الأتابكة، وشاركت في الحروب ضد الصليبيين.
4 – في العصر الوسيط، أصبحت الموصل مركزاً مهماً للتجارة العالمية، وشرياناً يربط ما بين المحيط الهندي، والخليج العربي، ووادي دجلة وصولاً إلى مدينة حلب في سوريا وحتى البحر المتوسط ومدينتي طرابلس (لبنان ) والإسكندرية.
5 – بعيد الحرب العالمية الأولى، لم يكن واضحاً إلى أية من الدول العربية الناشئة حديثاً إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية ستنضم الموصل. وفي ذلك الوقت، اكتشف بترول في محيط المدينة، ما أثار تنافساً بين القوتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا. وكان سكان المدينة متنوعين، حيث كان تركمان وأكراد وسريان يعيشون إلى جانب الأغلبية العربية السنية. وطمع الفرنسيون، الذين استولوا على سوريا، بالموصل، في حين أراد البريطانيون إلحاق المدينة بالعراق الخاضع لسيطرتهم. وفي ذلك الوقت، أجرت عصبة الأمم (سلف الأمم المتحدة ) مسحاً سكانياً في الموصل، ووجدت أن المدينة كانت في الواقع حاضرة تضم جماعات متنوعة في ثقافاتها وأديانها. وفي النهاية، أقنع البريطانيون فرنسا بضم الموصل إلى العراق.
6 – في عام 1936، توفي ملك العراق غازي في حادث سيارة. ومسألة ما إذا كان موته نتيجة حادث أم اغتيال لا تزال تثير جدلاً بين المؤرخين حتى اليوم. ولكن في حينه، كانت الجماهير الشعبية العراقية تعتقد أن عملاء سريين بريطانيين هم الذين دبروا الحادث. وعندما ترجل القنصل البريطاني في الموصل جورج مونك – ميسون من سيارته وخاطب حشداً جماهيرياً في محاولة لإقناع الناس بأن بلده لم يكن مسؤولاً عن موت الملك، ثارت ثائرة الجماهير وقام رجل بقتل القنصل.
وفي الواقع، كانت الموصل آنذاك معقلاً بارزاً للحركة القومية العربية، وموت الملك غازي لم يكن يبدو حادثاً معزولاً. إذ إن بريطانيا كانت تحكم العراق، بما فيه الموصل، بأساليب استعمارية وحشية، وكانت طائراتها تشن غارات متتالية. وبالنسبة لجماهير الموصل، كانت بريطانيا أيضاً هي التي أعطت فلسطين، بصفتها دولة الانتداب، إلى المستوطنين اليهود. وكثير من معلمي المدارس الفلسطينيين ذهبوا إلى الموصل بحثاً عن وظائف في مدارسها. وهناك، أخذ هؤلاء الفلسطينيون يشرحون لتلامذتهم ما كان يجري في فلسطين.
ومقتل القنصل البريطاني إنما كان في الحقيقة تعبيراً عن الغضب الشعبي إزاء الهيمنة البريطانية في العراق والمنطقة. وبعد ذلك ب19 سنة، في عام 1958، نجحت ثورة شعبية قادها ضباط عراقيون شبان في إنهاء السيطرة البريطانية على العراق. وأثناء تلك الثورة، قتل رئيس الوزراء الذي نصبه البريطانيون نوري السعيد سحلاً تحت أقدام الجماهير التي أخذت تجر جثته عبر شوارع بغداد.
7 – في العقود الأخيرة، كانت الموصل جزءاً من سلطة حزب البعث ( 1968 – 2003)، ثم جاء الأمريكيون وحكومة نوري المالكي (2003 – 2011). ثم في 2014، سيطر تنظيم «داعش» على الموصل.

أكاديمي ومؤرخ أمريكي –
موقع مدونته «إنفورمد كومنت»

عقول مستدامة

عقول مستدامة

 

magalat__yousif-shareef

شاهدت أخيراً تقريراً صادراً عن منظمة الحياة الفطرية WWF جاء فيه أنه بحلول 2050 من المحتمل عدم صلاحية الأرض للعيش، وبأن البشرية تحتاج إلى 27 كوكب أرض لمواجهة زيادة السكان، والاستهلاك المفرط، وعدم كفاءة استخدام الموارد، أي أننا على بعد 34 سنة فقط، وبالطبع لن يكون موتها بسبب أزمة قلبية مفاجئة، إنما نتيجة مرض مزمن لم يستطع الأطباء معالجته، وبدأت أعراضه تنهش بكوكبنا حتى فارق الحياة، وهذا يعني أننا لن نفيق يوماً ونجد أن الأرض أصبحت صحراء، ولا يوجد بها مياه نشربها، ولا هواء نتنفسه، إنما سنشاهدها وهي تحتضر، وسنتألم على فراقها يوماً بعد يوم، وسندفع فاتورة إهمالنا من صحتنا وأرواحنا.

وهناك تخوف عالمي من استهلاك الأرض، لكن بالرجوع إلى مجتمعاتنا العربية فقد نجد أن من أبرز مشكلاتنا هي «ثقافة الاستنزاف»، بمعنى أننا نستنزف كل شيء، فإن أردنا أن نبني بيتاً جعلنا مساحته كبيرة ونقول: «بيت يسرح فيه الخيَّال»، وهذا التعبير المجازي ليس ببعيد عن الواقع، وأخيراً كنتُ في زيارة لإحدى الدول الأوروبية وقررت شراء «سجادة» لإحدى غرف البيت، فعندما توجهت إلى السوق كان رد جميع البائعين بأن هذه المقاسات كبيرة جداً، ولن أحصل على مرادي إلا إذا طلبت طلبية خاصة (تفصيل)، وهذا يبيِّن أحد أنواع استنزافنا للأرض.

إن أنانية الإنسان جعلت منه مجرماً بحق الطبيعة، فبعد أن استنزف الأرض هل سنجده يغزو كوكب المريخ ليشكل حياته هناك تاركاً الأرض خلفه؟ّ، أم أن الأرض ستأخذ بحقها وستقضي عليه قبل الخروج، فلربما تعلمت من بني البشر لنجدها وقد لبست حزاماً ناسفاً لتقتل من عليها رداً على الإساءة، لكن رحمة الله تمنعها، وهذا ما أكده قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم إلا ويستأذن البحر ربه يقول يا رب إئذن لي أن أُغرق ابن ادم،

فإنه أكل رزقك، وعبد غيرك، وتقول السماوات: يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن ادم، فإنه أكل رزقك وعبد غيرك، وتقول الأرض يا رب إئذن لي أن ابتلع ابن ادم، فإنه أكل رزقك وعبد غيرك، فيقول الله تعالى: دعوهم لو خلقتموهم لرحمتموهم)، وعلى الرغم من ضعف الحديث إلا أنه يصف لنا غضب الطبيعة على الإنسان، ورحمة الله به، ولا ألوم الأرض إن فعلت ذلك، فعلى الرغم من احتضانها له على سطحها ورقوده في جوفها إلا أنه أماتها.

ورغم مناداة العديد من منظمات البيئة لضرورة حماية الطبيعة والثروة الحيوانية، وأيضاً الترشيد لاستخدام الطاقة المتاحة، إلا أننا عندما لا نُحاسب على فاتورة الكهرباء والمياه سنخرج من بيوتنا والأنوار والأجهزة تعمل، وحتى إن ذهبنا للعشاء في بوفيه مفتوح سنأخذ أكبر بكثير من طاقاتنا، حتى على مستوى الكتيبات الإعلانية فعندما توزع بالمجان فإننا نحاول الحصول على أكبر عدد منها، تماماً كذلك الشخص الذي عرض في السوق مادة الكبريت بالمجان ليأتي شخص واحد ويأخذها جميعها ليُعلم الناس كيف نخرج عن الطبيعة بمثل هذه التصرفات، واستنزافنا لكل شيء على الرغم من عدم حاجتنا إلا إلى القليل منه فقط لأننا تعودنا على ثقافة الاستنزاف، ولأننا ما زلنا نعتقد أننا بخير ما دامت عُلب المياه معبأة في البيت، وبأن أسواقنا تعج بالمواد الاستهلاكية، وأن مكيف السيارة سيحمينا من الاحتباس الحراري!.

تخيلوا معي لو أن للأرض يدين تكتب فيهما عن أسباب انتحارها، أو وصيتها، فماذا ستكتب؟، إن كانت ستكتب رسالة انتحارها فأول ما ستقوله بأنها لم تعد قادرة على حمل هذا الكائن الطاغي الذي استنزف كل مقومات الحياة التي وضعها الله سبحانه من أجل بقائه، أو أنها لم تعد باستطاعتها تحمل كمية الدماء التي امتصها ترابها، فلم تعد قادرة على حمل حجم الظلم الذي يسود الأرض، ومؤكدةً لنبوءة الملائكة في أول جلسة ديمقراطية نشهدها ليقولوا لله عز وجل: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}، وأن خلاصها لا حل له سوى الانتحار.

أما إن كانت ستكتب وصيتها، فستكتب اذهبوا بعيداً، وغادروا جثتي، ولا تتراقصوا فوقها، وليس بالعجيب إن كانت وصيتها عبارة عن رسالة تحذيرية لكوكب المريخ تدعوه بعدم السماح لبني البشر بالنزول على أرضه.

علينا أن نفكر جدياً بكيفية حماية الأرض، فلا يكفي أن نفكر بمستقبل مستدام قبل أن نبني عقولاً مستدامة تساهم في توفير مساحة للحياة لمن يخلفها، وهذا يتطلب تربية شعوبنا على ثقافة الاقتصاد لا الاستنزاف، ولا يكفي التحذير فقط، إنما بيان فعلي لمخاطر هذا الاستنزاف، وكيفية تأثيره بشكل مباشر في حياة وصحة بني البشر.

دولتنا مشكورة.. تعمل جاهدة على إيجاد مستقبل مستدام وتبحث بحثاً حثيثاً عن مصادر جديدة للطاقة النظيفة، لكن هذا لا يكفي، بل علينا تطوير قانون دولي لحماية البيئة بمختلف أشكالها وعناصرها، وذلك لكي نحاسب كل مسبب لوفاة أرضنا، فهذا وطن البشرية بأكملها، ومن حقنا محاسبة من يستنزف مقومات حياتنا، لذا لزم وعلى وجه السرعة إصدار قانون عقابي للمبذرين بكافة أشكال ذلك التبذير، وعلينا الإسراع بإلزام شركاتنا ومؤسساتنا بتركيب أنظمة توفير الطاقة والمياه، والعمل على تشجيع الناس للتحول إلى مصادر طاقة نظيفة؛ وذلك لنحافظ على ما تبقى من كوكبنا قبل أن نفكر بكيفية غزو الفضاء، ولديمومة ما وهبنا الله من نعمة الأرض، وما تحتويه من مقومات للحياة.

 

 

العالم يراجع، فمتى سيراجع العرب؟

العالم يراجع، فمتى سيراجع العرب؟

د.علي فخرو

magalat__ali-fakroo

يعيش عالمنا الآن لحظة مراجعة للكثير من مسلًّماته. المراجعات الكبيرة والعميقة لا تبدأ عادة إلا إذا خرج العالم من محنة كبرى أو وجد نفسه يخطو نحو كارثة كبرى.
لقد طرحت الكثير من المسلمات للنقاش والنقد بعد كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعد انتهاء فترة الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي. واليوم، على ضوء ما افرزته العولمة غير المنضبطة من أزمات مالية واقتصادية وتطورات تكنولوجية، يعود ليناقش ما أعتبرها من قبل من المسلمات. لا يوجد موضوع لا يخضع الآن لإعادة النظر بشكل واسع النطاق وبمحاولات جادة لتغيير مساره.
في الاقتصاد تثار شكوك بشأن الانطباع السابق بأنه علم قائم بذاته ومشابه للعلوم الطبيعية، وذلك بعد أن أخفق في التنبؤ بمجيء الأزمات المالية التي اجتاحت العالم وفشل في تقديم حلول للخروج من تلك الأزمات.
في السياسة هناك مراجعة ونقد شديد للنظام الدولي برمًته، وذلك بعد أن فشل، منذ قيام هيئة الأمم المتحدة إلى يومنا هذا، في بناء السلم الدولي ومنع الحروب المجنونة، وفي صون استقلاليته عن إملاءات مصالح الدول الكبرى الأنانية الاستعمارية الجائرة.
في الاجتماع البشري هناك مراجعة ونقدا لاذعا للمنطلقات الرأسمالية النيولبرالية المتوحشة التي قامت على أسسها ظاهرة العولمة، والتي قادت في النهاية إلى إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء وأصبحت تعرف بظاهرة الواحد في المئة، إشارة إلى امتلاك واحد في المئة من البشر لأكثر من نصف ثروات العالم المادية والمعنوية.
في حقل التواصل الاجتماعي يخضع موضوع «الانترنت» لمراجعات متعددة تتعلق بالمضار الصحية والنفسية والذهنية والثقافية على الفرد، وباستغلاله المبرمج لتكدس الثروات الهائلة في أيادي عدد قليل من الشركات، وبتهديده لمحو الكثير من المؤسسات الإعلامية والفنية والثقافية والصحية والتجارية وبالتالي إدخال العالم في أزمات البطالة وزوال الكثير من المهن والحرف والنشاطات المعيشية.
حتى الديموقراطية، التي ظن الكثيرون أن تجارب العالم عبر ثلاثة قرون قد حسمت موضوعها، هي الآن موضوع مساءلة ونقد شديد، بعد الصعود المذهل لقوى اليمين الفاشستي عبر مجتمعات معاقل الديموقراطية والانفجار المجنون لظاهرة الجهاد التكفيري العنفي عبر كل بلاد العرب وكثير من بلاد العالم.
إذا كان العالم كله يحاول الخروج من المآزق التي أدخل نفسه فيها، بدءاً حتى بمراجعاته الشهيرة لموضوع الحداثة نفسها التي ظن أنها التاج الذي يجب أن يضعه العالم على رأسه، فكيف بالوطن العربي كله، من أقصى غربه إلى أقصى مشرقه، الذي يعيش محنة ومأساة وسقوط وجوده في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخه؟
أيريد هذا الوطن أن يبقي على عماه التاريخي بشأن الكثير من المسلمات التي ظن أنها من الثوابت التي يجب ألا تمس ولا تنتقد ولا تُتجاوز؟ مثلاً، هناك حاجة ملحُة لمراجعة موضوعية شجاعة لنظامنا الإقليمي العربي الحالي، المتمثل أساساً في الجامعة العربية التي تقف اليوم عاجزة مشلولة مثيرة للشفقة أمام كل ملفات مشاكل الوطن العربي ، والتي أصبحت في يد أميركا وروسيا ومسرحيات مجلس الأمن المضحكة، والانتقال إلى نظام إقليمي عربي جديد قادر على ان يكون ندًّا للكيان الصهيوني الاستعماري وللتدخلات الإيرانية والتركية في كل صغيرة وكبيرة نظام يكون هو وحده المرجعية لحل مشاكل ليبيا وسورية واليمن والسودان وغيرهم ولمواجهة الإرهاب التكفيري وللوقوف أمام عشرات الاستباحات الخارجية لهذا القطر العربي أو ذاك.
بدون ذلك الانتقال سنظلُ نسمع عن اشكال من الأحلاف المناطقية أو الأحلاف الدولية التي تزيد الأوضاع سوءاً وتعقيداً، وسنظل نسمع عن اجتماع من مثل اجتماع دول مجلس التعاون مع تركيا للبحث في موضوع مأساة سورية وشعبها بدلاً من الاجتماع مع مصر، الدولة الأساسية في النظام الإقليمي القومي العربي.
مثل آخر، هناك حاجة للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة لتكوين مجموعة من المؤرخين للعرب لمراجعة التاريخ العربي وتنقيحه من الأصنام التي أقيمت في كل ارجائه لتصبح معبودة الحاضر والمتحكمة فيه.
مثلاً آخر، هناك حاجة لقيام مؤسسة أهلية او تجمعُ أهلي، بعيداً عن الجهات الرسمية، لإجراء مراجعة موضوعية شجاعة لكل الفقه الإسلامي دون استثناء لأي مذهب أو مدرسة، لإخراجه من عوالم المقدس وإرجاعه إلى عالمه الذي بدأ منه، عالم الاجتهاد البشري القابل للمراجعة والتنقيح من الغثَ الكثير الذي أقحم فيه، والذي يستعمله البعض في تأجيج الصراعات الطائفية المريضة وفي تخلُفهم الفكري والثقافي خارج العصر الذي نعيش.
نأتي على ذكر تلك الأمثلة لارتباطها المباشر وتأثيرها الكبير على ما يجري حالياً في أرض العرب المنكوبة، إذ هناك الكثير الكثير الذي يحتاج إلى نقد ومراجعة وتجاوز، نحن بحاجة إلى أجرائها أكثر من حاجة الآخرين الذين لا يعيشون الجحيم الذي تعيشه أمة العرب. وهي جميعها تتحدى إرادة وفاعلية مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والسياسة والاقتصاد العربية، سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى المجتمعي المدني.

 

نحو حياة خالية من منغصات الحداثة

لماذا علينا العودة للزمن الجميل ؟

نحو حياة خالية من منغصات الحداثة

 

أسباب عديدة تدعونا للعودة لهذا الزمن وأسبوع يكفي لمعرفة الفرق
عدم وجود ثلاجة في الماضي وراء تناول الأطعمة الطازجة
الباحثون يطالبون بتبني عادات جيدة اختفت منذ عقود
لم يكن هناك سوى القهوة العربية الشقراء ذات الفائدة الصحية
العودة إلى المشي وركوب الدراجة يقضيان على وباء السمنة

ترجمة – كريم المالكي:

20161019-01

 

أي زيادة في الأعباء المنزلية لها مردود طيب على الجسد والنفس

 

منذ أكثر من نصف قرن ونحن نرى الحياة الصحية تشهد تحسناً لافتاً، لكن في الوقت نفسه ثمة أوبئة جديدة بدأت تضرب بني البشر، وقد تكون في الأساس من صنع أيديهم. وبات الكثير من الناس يشكو أمراضاً كثيرة ومن بين أكثر ما يعانونه، وباء السمنة، التي صارت تضرب معظم المجتمعات، وبالتالي فإن هذا يجعلنا نفكّر وبجدية، لماذا يجب علينا العودة إلى ذلك الزمن الجميل والبسيط، وإلى تلك الأيام التي كان يتمتع فيها أهلنا بصحة وعافية ينافسون بها حتى الرياضيين بفضل اعتمادهم على ما هو بسيط وطبيعي وطازج بحسبما ذكرته صحيفة الديلي إكسبريس البريطانية.

فلو عدنا إلى الستينيات لتذكرنا كيف أن أمراضاً كثيرة كانت تُودي بحياة الناس لعدم وجود دواء يوقف المرض، وكيف أن شلل الأطفال كان يشكل تهديداً رئيسياً. علماً أن أهلنا في تلك السنوات كانوا لا يستطيعون الإقلاع عن محاولة إضافة الحليب المكثف بالسكر إلى الشاي، الذي له آثار كبيرة على الصحة.

والسؤال إذن، ما الذي تغيّر في نمط الحياة ؟ وما الذي علينا أن نفعله دون أن نربك حياتنا. وهل علينا أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء حتى نستفيد مما كان يجعل أهلنا أصحّاء أقوياء.

 

السمنة القاتلة

تحسّنت معظم الجوانب الصحية بشكل كبير في السنوات الـ 50 الماضية، غير أن هناك إحصائية واحدة مثيرة للقلق، وهي أنه وسط كل المنجزات التي تحقّقت في منع وعلاج الأمراض، ارتفعت على الجانب الآخر معدلات البدانة بنسب لافتة للنظر منذ بضعة عقود. وخلصت الدراسات الجديدة، التي بحثت في كيفية تغيير نهج النظام الغذائي وممارساته منذ عقد الستينيات حتى الآن، إلى أن التحولات الخفية التي حدثت في حياتنا اليومية هي المسؤولة عن وباء البدانة.

ويذهب الخبراء – ومن خلال الحملات التي تهدف لجعل الناس يأكلون غذاء بحمية أفضل ليصبحوا أكثر نشاطاً – إلى ضرورة تبني بعض العادات الجيدة التي فقدناها أو تخلينا عنها خلال العقود الثلاثة الماضية على أقل تقدير. وفي الحقيقة لابد من عودة إلى الوراء من أجل أن يكون الإنسان في أعلى مستويات الجاهزية الصحية والبدنية ليواجه السمنة القاتلة.

 

أغذية بسيطة وطازجة

في معظم الأسر كان هناك نمط معتاد بالتعاطي مع اللحوم والخضراوات والأسماك لاسيما أيام الجمع. وكانت المتاجر الكبرى لا تزال في مراحلها الأولى أو غير موجودة أو قليلة، حيث إن معظم الناس كانوا يذهبون للتسوق بشكل غير يومي، وفي الغالب تُملأ السلة بأشياء بسيطة جداً.

وتكون معظم الفاكهة والخضر من الخارج، بما في ذلك الطماطم التي لا تتوفر على مدار السنة، لكنها فيما بعد أصبحت متاحة على نطاق أوسع لكنها محدودة جداً. أما الجبن وبعض الرقائق فقد وصلت في وقت لاحق. وعلى الرغم من أن الأغذية المجمدة أصبحت أمراً شائعاً في معظم المنازل، لكن فيما مضى لم تكن هناك ثلاجة، الأمر الذي جعل معظم الأسر تعتمد على الأطعمة الطازجة، والأغذية والمنتجات المتاحة موسمياً.

 

تأثيرات خارجية

إن الهجرة الجماعية خلال الفترات الماضية تسببت بوصول الأكل الهندي، لكن معظم العائلات كانت في البداية نادراً ما تأكل تلك الأطعمة. وكان الخيار الوحيد هو الوجبات الجاهزة المكونة من الأسماك والبطاطا. وفي بعض الأحيان هناك وجبات جاهزة أصبحت هي الوحيدة المتاحة على نطاق واسع في السبعينيات.

لم يكن هناك هذا الكمّ الهائل من أنواع القهوة مثل الكابتشينو أو القهوة بالحليب، أو القهوة التركي أو غيرها من الأنواع الأخرى. وأعتقد أن هناك نوعاً واحداً هو القهوة العربية الشقراء التي كما يعرف الجميع أنها ذات فائدة صحية. ويقول الاختصاصيون إن أكبر تغيير في عادات الأكل وعدد وجبات الطعام الآن هو الأكل خارج المنزل وغالباً ما تكون الوجبات التي تؤكل بعيداً عن المنزل أعلى من حيث السعرات الحرارية وبأحجام أكبر من تلك الوجبات التي نتناولها في المنزل.

 

التخلّص من العادات الدخيلة

في البداية، لابد من التخلص من كل ما هو دخيل علينا، بما فيها المشروبات بكل أنواعها من التي تكون عادة محملة بسعرات حرارية كبيرة. ومن الواجب التخلي عن عادات الشرب السيئة، وبالإمكان التخلص من تلك العادات الذميمة من خلال الأجهزة المختصة بمكافحة هكذا آفات اجتماعية. أما إذا كنت من الأشخاص الذين يأكلون كثيراً فعليك أن تحاول تجنب تناول الأطعمة الدسمة واختيار وجبة واحدة أو وجبتين بدلاً من ثلاث وجبات.

التخلص من عادات الشرب السيئة بما فيها عادات الأكثار من شرب القهوة بالحليب والكابتشينو، والتي هي عادة تحتوي على سعرات حرارية عالية. وبالإمكان تجريب كوب من الشاي المخلوط بلبن منزوع الدسم. علينا تناول الخضر الطازجة الموسمية أكثر واختيار الأسماك، لأنها وجبة صحية، لاسيما أيام العطل. واستبدل الحلويات أو السكريات بالحبوب المعالجة لاحتوائها على الحبوب ذات الألياف العالية.

 

المشي وركوب الدراجة

بحلول ذلك العقد الذي بدأت فيه السيارات بالدخول إلى البلاد كانت معظم العائلات تمتلك سيارة واحدة، ولكن كانت هناك عادتان لم يتم التخلي عنهما في تلك الأوقات هما المشي أو ركوب الدراجة عند الذهاب إلى العمل أو عند التسوق من المحلات التجارية. إن العودة إلى تلك الممارسات من شأنها أن تقضي على ذلك الوباء الذي اسمه سمنة.

كان هناك المزيد من الاعتماد على وسائل النقل العامة، حيث كان على الناس أن يسيروا إلى مواقف الحافلات أو على سبيل المثال المشي عندما تكون الأماكن التي يقصدونها قريبة كأن تكون زيارة الأصدقاء أو الأقارب. وتقول الدراسات: إن المشي انخفض بشكل مطرد مع تزايد تملك السيارات، والآن معظم الناس أقل نشاطاً بسبب قلة الحركة.

 

غسل السيارة باليد

غسل السيارة باليد بدلاً من الذهاب إلى محطة الغسيل الآلي سيوفر فرصة كبيرة لبذل مجهود جسدي. حاول أن تسير على الأقدام عند الذهاب إلى الأسواق على أقل تقدير من حين لآخر واحمل ما تشتريه من السوق إلى المنزل بدلاً من أن تستخدم السيارة. وإذا كنت ممن يشتري طعامه من المحلات الصغيرة فسوف تتفاجأ عن المديات الإضافية التي ستمشيها فيما لو كنت قد اتخذت قرارك في السير على قدميك بدلاً من استخدام السيارة عند الذهاب لأسواق بعيدة.

 

مشاهدة التلفزيون

في بداية الستينيات كانت ثلاثة أرباع المنازل لديها جهاز تلفزيون أبيض وأسود، ومع تقدم الزمن أصبح لدى كل عائلة جهاز وأخذت النسبة تتزايد إلى أن أصبح في كل غرفة تلفزيون، وهناك من يضعه في أماكن لا يسمح المكان بوضعه فيها. في البداية، كان هناك خيار واحد يكاد يتمثل بالقناة المحلية ومن ثم أخذت القنوات تتزايد إلى اثنتين وثلاث، إلى أن أصبحت الآن الأقمار الصناعية تأتي لك بالغثّ والسمين من القنوات.

ومع ذلك، كان التلفزيون لا يبدأ إلا في وقت متأخر من المساء في معظم أيام الأسبوع، وربما هناك استثناء في يوم الجمعة، حيث يبدأ الإرسال صباحاً. وكانت هناك فترات طويلة مخصصة للأطفال. كما لم تكن هناك أجهزة التحكم عن بعد، ولم يكن هناك إرسال نهاري في التلفزيون ولا توجد أجهزة الفيديو.

ويقول أحد الخبراء: إن الأم اعتادت تقليدياً أن تعد وجبة الطعام عند عودة الأطفال من المدرسة، ولأنها لا تريد لهم أن يعيقوا حركتها أثناء العمل في إعداد الطعام كانت ترسلهم إلى اللعب خارج المنزل، وقد أثبتت البحوث أن الفترة التي تسبق وجبة الطعام تعدّ وقتاً مهماً للأطفال ليكونوا على درجة من النشاط.

قم ببعض التمارين الرياضية أو ممارسة أي الألعاب الحركية وكذلك لتكون هذه الممارسة روتينية بعد عودة طفلك من المدرسة حاول أن تقلل وتحدد الوقت الذي تنفقه في استخدام أجهزة الكمبيوتر ومشاهدة التلفزيون. وإذا كنت داخل المنزل خلال النهار، فمن الأفضل الذهاب للنزهة لمدة نصف ساعة.

 

الأعمال المنزلية

يعتقد الباحثون أن الأعمال المنزلية تساعد الأم في أن تكون أكثر لياقة وحيوية، لاسيما تلك التي تحافظ على البقاء المتواصل داخل البيت لإنجاز احتياجاته. وقد وجد الباحثون أن عدم وجود أجهزة ادخار الجهد اليدوي، مثل غسالات الصحون، والمجففات في السابق جعل النساء تقضي الكثير من الوقت – قد يصل إلى أكثر من الضعف – عند القيام بالأعمال المنزلية.

وعلى سبيل المثال عندما يكون الجو ملائماً فبالإمكان نشر الغسيل على الحبل بدلاً من رميه في ماكينة تجفيف الملابس. ومن الأفضل التحول نحو الغسل بواسطة اليدين مرة واحدة في الأسبوع على الاقل بدلاً من استخدام ماكينة التجفيف. وحاول استخدام خافق السجاد القديم للحصول على سجادة نظيفة بدلاً من المكنسة الكهربائية؛ لأن حركة التنظيف اليدوي تمنحك نشاطاً لافتاً.

 

أسبوع يكفي

إن السعي نحو العودة للوراء سيكون عاملاً ضرورياً لتفادي الكثير من الأوبئة كتلك التي أحدثت فجوات في البناء الجسماني. لذا فإن الاعتماد على أسلوب الحياة الموجود في زمن الآباء ولو لمدة أسبوع سيؤدي إلى إحداث التغيير في دورة الحياة. فمن ذكريات الزمن الجميل هو ذلك المنظر عندما تقف الأم وهي تحمص الخبز أمام موقد النار المفتوح ومن ثم تنشر الزبدة على الخبز.

كانت رائحة الأشياء كلها جميلة لاسيما تلك الطقوس التي تقوم بها العائلة كل يوم جمعة في التعاطي مع زجاجة الحليب التي يمكن أن تعطي زبدة طازجة عندما تخفق الأم الحليب، وبذلك تكون الفائدة مزدوجة. وهناك أيضاً الكثير من الأكلات الطبيعية والخالية من الكيماويات التي تقتل حتى الفوائد.

 

العودة للعادات الصحية السليمة

إن التفكير بهذا المشروع الذي يهدف للعودة إلى العادات الصحية التي لها فائدة فورية ومباشرة على أجسادنا يتبلور عندما ندرك حجم تغير الحياة وإلى أي مدى أصبحنا نعتمد على الأجهزة لتوفير الجهد، حيث توفر لنا الأدوات والسيارات الخاصة جهداً تكاد تكون فائدته عظمى. وهناك من الناس ممن يملكون الفرصة للتغيير في نمط الحياة والعودة للوراء، لكنهم لا يفعلون، فمثلاً هناك من يستطيع الاعتماد على المشي أو ركوب الدراجة الهوائية لكنه لا يفعل.

في الزمن الجميل ليس هناك من يستخدم السيارة عندما تكون المسافة قصيرة. كما أن المشي إلى السوبر ماركت عادة يحرص عليها الجميع بل يفكرون في أن تكون الجولة أطول قليلاً حتى يبذل جهداً أكبر. أما الاعتماد على النفس في حمل الأشياء فإنه كان يتجاوز قيام الشخص بحملها بنفسه وصولاً إلى المنزل بدلاً بالتفكير بمن يحملها إلى باب السيارة كما يحصل حالياً.

اليوم كل شخص يشعر بأنه مستنفد بعد حمل كيسين إلى المنزل، ونشعر أن معدلات دقات قلوبنا زادت عن الحالة الطبيعية. ومع ذلك، فإن هناك من يقول الجو حار جداً فلا يستطيع أن يتحمل تلك الحرارة وهكذا وجد نفسه تتوق لاستخدام السيارة. وبمجرد أن يراودنا شعور بالتعب فإننا نعتبره دليلاً على نشاط إضافي قمنا به.

 

التغيير في زمن قياسي

وبلا شك أن نمط الحياة أخذ يميل إلى الاعتماد على الوجبات الجاهزة الممتلئة بسعرات حرارية لها آثارها السلبية، لذا فإن مجرد حظرها لأسبوع كامل سنكتشف حجم التغيير، لاسيما عندما يكون الاعتماد في هذه الفترة على تناول طعام الغداء الطازج المستند على الخضراوات فضلاً عن الأسماك. وبالتأكيد إن تجربة التسوق واختيار الغذاء محلياً يعتبر من الإنجازات بدلاً من مجرد تحميل عربة التسوق بأشياء كثيرة تكاد تكون فائدتها محدودة.

في الستينيات لم يكن المنزل يحوي أشياء كثيرة ووجبات الطعام بسيطة جداً ولا تحوي هذا الكمّ الهائل من الأطعمة والمقبلات والحلويات والمشروبات، فضلاً عن أن أي زيادة في الأعباء المنزلية، من الكنس إلى التلميع بحماس كبير أو تنظيف الحمام أو القيام بأي جهد عضلي لها مردودات طيبة على الأجساد وعلى النفوس.

وبالتأكيد إن اتباع بعض النشاطات والتخلي عن بعض العادات سوف يؤتي ثماره خلال فترة قياسية فيما لو كان هناك انضباط واعٍ لما نواجه من مشكلات بسبب تلك اللاأبالية التي يتم فيها التعامل مع حياتنا التي يجب أن تبقى ثمينة وألا نضيعها بأيدينا. على الجميع أن يحاولوا العودة للستينيات، وفي الأسبوع سبعة أيام وبالإمكان اختيار أيّ من هذه الأيام وأن نحقق فيها هدفنا في حياة خالية من منغصات الحداثة التي سببت لنا الكثير من المتاعب.